المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 6 رمضان 1426 - نعم لقد تشيعت ... وهذا هو السبب -5-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة :

نعم لقد تشيعت ... وهذا هو السبب
الحلقة الخامسة

شيعني حديث الإثني عشر خليفة

وجاء دور بكار... الذي عبر عن كيفية اقتناعه بالإسلام الذي اعتمده المسلمون الشيعة ، تبعا لأئمتهم الأطهار عليهم السلام، فقال: كنت في ما مضى منتميا إلى الحركة الإسلامية ،والتي عرفت في تلك الفترة بحركة الاتجاه الإسلامي، وقد نشطت في بداية الثمانينات ضمن عناصرها القاعدية ، إيمانا مني بأن هذا الدين العظيم الذي حبانا الله تعالى به ، كآخر الأديان ، خاتما لما سبقه من تشريعات إلهية ، وخلاصة لها ، جاء ليصحح مسيرة البشرية ، ويقوم اعوجاجها من الانحراف عن الحق تعالى وإتباع سبل الشيطان، ليحقق لها العدل والأمن. وهذا ما يؤسس للحاجة إلى قيام حكومة تتبنى المنهج الإسلامي المتكامل على جميع الأصعدة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وإلا لم تكن هناك حاجة إلى ظهور الأنبياء والرسل وتشريعاتهم ، ولما كان القصد منها إلزام البشرية بقانون يحقق بمقتضى العمل به العدل والأمن بين الناس ،ولقد نظرنا في التاريخ البشري على طوله فلم نجد فيه ما يعطي النتيجة المرجوة المثال الكامل ، غير الخالق سبحانه وتعالى.قال جل من قائل:" وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا..".

كما لم نجد في التاريخ الإسلامي ما يشير إلى قيام حكومة إسلامية ،تكون مرجعيتها الحقيقية الكتاب والسنة المطهرة، رغم ما قيل عن الخلافة التي ألبسوها لباسا إسلاميا ،ونعتها من نعتها بالراشدة، وحكم من حكم بأنها النموذج الأمثل لعزة الأمة ومنعتها، وبكى من بكى على أطلال سقوطها في عهد العثمانيين الأتراك.
.. خلافة على شاكلة الخلافات التي داست على المستضعفين والمقدسات،استأثرت بخيراتهم ، وعطلت شريعتهم ،منذ قيام حكومة السقيفة وادعائها خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، انحسر الإشعاع الديني الذي أسسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وذهبت نصائحه التي كان قدمها لأبناء جيله ، وضاع جهده في تعليمهم أسس الدين وأحكامه بعد وفاته،بضياع تلك النصائح وذلك العلم، لأن العلم كما يقول الحديث يهتف بالعمل فان أجاب أو ارتحل.
وليس عجيبا ولا غريبا، أن نجد اليوم في الأمة الإسلامية من يعتقد أن الباري تعالى قد ترك مسالة الحكومة الإسلامية للناس يرون فيها رأيهم ، هكذا مطلقا ومن دون قيد ، ذلك لأن هؤلاء المسلمين قد ورثوا تراثا يكرس مبدأ فصل الدين عن الحياة،فقبله من قبله، وسكت عنه من سكت، كأن الأمر لا يعنيه، ولم يعترض عليه غير فئة قليلة من أتباع أهل البيت عليهم السلام ، يعرفون اليوم باسم الشيعة ( من شايع يشايع مشايعة ، معناها اتبع ، والشيعة لغة هم الأتباع) كما كانوا في عصر مواجهاتهم للأنظمة الظلم والتحريف روافض (بمعنى رفض الظالمين، وليس بالمعنى الذي أراده أعداؤهم من نسبتهم إلى رفض للدين ، أو رفض للصحابة ، فالدين عندهم وتشريعاته لديهم هو أكثر تناسقا ، وأكثر تكاملا مما هو عند غيرهم، وما أكثر فقهاء وعلماء مدارسهم الفقهية إلا عيالا على أئمتهم عليهم السلام ، ومجتمع الصحابة كسائر المجتمعات فيه الطيب وفيه الخبيث، والمؤمن والمنافق،تماما كما تحدث عنهم الوحي، لذلك فالشيعة يقولون رضي الله عن الصحابة الأخيار، وليس الصحابة أجمعين لأننا إذا طلبنا الرضا لمغضوب عليه أو منافق فإننا لا نأمن غضب الله تعالى)

عدت إلى تصفح الكتب المعتمدة عند بني قومي، وكان كتاب الجامع الصحيح لمسلم النيسابوري المتوفر لدي، الوسيلة التي أمسكت بها خيط الحقيقة، ففي باب الإمارة لفت إنتباهي حديث :" الاثني عشر خليفة"
وتساءلت يومها عن هؤلاء الخلفاء من يكونون؟ وهل صحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرهم عددا ولم يذكرهم أسماء؟
وما علاقة العدد 12 بالعدد القرآني المتكرر في الأسباط ، وفي الحواريين، وفي العيون الإثني عشر التي انبجست لموسى، والأمم الإثني عشر، وفي عدة الشهور، ومنازل القمر، وأبراج السنة؟
لا شك أن الرقم له دلالة غيبية، متعلقة بالسنن الكونية التي أرساها الله سبحانه وتعالى، لتتحرك في إطارها كل الموجودات على سطح الأرض.
قال تعالى:"سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا."
الحديث في مضمونه يشتمل على إعلام غيبي هام بمن سيلي أمر الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو قدر له أن يصل إلى جميع المسلمين سالما من التحريف الذي وصلنا عليه، لكان أمر الحكومة قد حسم منذ البداية.

الحديث كما أخرجه أصحاب المجاميع الروائية عند خط السقيفة كالآتي:
عن جابر بن سمرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم:" لا يزال هذا الأمر عزيزا إلى اثني عشر خليفة" قال ثم تكلم بشيء لم أفهمه فقلت لأبي: ما قال؟ فقال :كلهم من قريش .

أن الكيس الفطن، لا يمكنه المرور على الرواية، دون أن يسجل ملاحظاته على ما جاء فيها، من محاولة طمس لبيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأسماء خلفائه، بعد أن ذكر عدتهم ، ويظهر أن المحدث أو من حرف الرواية قد استعاض عن الأسماء ، بالقول أن كلمة قد خفيت عليه ، وبالجواب الذي جاء من أنهم من قريش، وفي ذلك كله دليل على المنحى التحريفي، الذي انتهجه حكام الأمة من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، في إعفاء عدد من الأحكام التي عليها مدار الشريعة، وبها يقوم الدين وتتفاعل تركيبته، كمسالة الحكومة الإسلامية التي مرت على كثير من المسلمين، ولم يجدوا لها صيغة يطمئنون لها.
والطريقة التي اعتمدها هؤلاء التحريفيون، تعتمد قطع الرواية أو الحديث، وإسقاط بعض الكلمات التي تحتوي على بيان أمر هام، أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إبلاغه للمسلمين ، وفي رواية ابن عباس ما يوضح ذلك:

عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بثلاثة فقال :أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم قال ابن عباس وسكت عن الثالثة أو قال فأنسيتها و قال الحميدي عن سفيان قال سليمان لا أدري أذكر سعيد الثالثة فنسيتها أو سكت عنها (أخرجه أبو داود كتاب الخرج والإمارة والفيء حديث 2634)

بل إن في الرواية شك في إسقاطين، إسقاط نسب إلى ابن عباس ، وإسقاط آخر نسبه(سليمان) أحد الرواة لنفسه. وباعتبار أن ابن عباس من أتباع علي وأهل بيته عليهم السلام ، وذلك ثابت من خلال سيرة الرجل وتعامله مع ابن عمه، وتعامله مع ابنه الحسن السبط سيد شباب أهل الجنة عليه السلام،ولم ينفك عن دأبه ذلك، لإيمانه العميق بأحقيتهم في قيادة الأمة الإسلامية بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنسيانه لأمر يعلمه، وهو من الأهمية للإسلام والمسلمين بما كان لا يقبله عاقل، كما أن السكوت عن الوصية الثالثة، والذي نسب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ،لا يتفق وتكليفه في البلاغ والنصح ، وهو الذي يقرئه الله تعالى الوحي بطرفيه الإعجازي والتفسيري فلا ينساه، قال تعالى :" سنقرئك فلا تنسى."
لذلك تولد لدي قناعة بدأت تتقوى يوما بعد يوم، من أن مسألة الحكومة الإسلامية لا يمكنها أن تخرج عن إحتمالين :

الاحتمال الأول: أن يكون الوحي قد نص على اسم من سيلي أمر الدين و الأمة من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

الاحتمال الثاني: أن يكون الوحي قد نص على الشروط الواجب توفرها في من سيقوم مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحكم، ووضع ضوابط لاختيار الأمة.

وفي كلتا الحالتين ، النص أو الشرط ،لا يستطيع أحد أن يتجاوز شخص الإمام علي عليه السلام ،ولا أن يتغاضى عن إمكانياته وأياديه، ومن تجاوزه فإنه يكون داعيا إلى حكم الجاهلية، الذي قال عنه الباري تعالى:" أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون."
والذي زاد في عجبي، التفسير الأعرج الذي تبناه عدد من علماء خط السقيفة كالسيوطي، الذي خرج برأي تفرد به، حيث ذكر في بيان عدد الخلفاء ، الخلفاء الربعة وأضاف لهم الإمام الحسن الذي حكم بعد أبيه مدة قصيرة، ومعاوية بن أبي سفيان ،وعمر بن عبد العزيز الأموي ، وخليفة أموي آخر لا أستحضره الآن ، وخليفتين من بني العباس ، فيكون السيوطي قد أوصل العدد إلى عشرة ، وخلص إلى القول من أن المتبقيان أحدهما المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه.
ونظرت حولي فلم أجد فريقا من المسلمين أعطى للعدد تفسيره وبين أصحابه، غير المسلمين الشيعة الإثني عشرية، الذين ذكروا أن العدد ينطبق على أئمتهم وهم كالآتي:

الإمام الأول: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام

الإمام الثاني: الحسن بن علي المجتبى عليه السلام

الإمام الثالث: الحسين بن علي سيد الشهداء عليه السلام

الإمام الرابع: علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام

الإمام الخامس: محمد بن علي باقر العلوم عليه السلام

الإمام السادس: جعفر بن محمد الصادق عليه السلام

الإمام السابع: موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام

الإمام الثامن: علي بن موسى الرضا عليه السلام

الإمام التاسع: محمد بن علي الجواد عليه السلام

الإمام العاشر: علي بن محمد الهادي عليه السلام

الإمام الحادي عشر: الحسن بن علي الزكي عليه السلام

الإمام الثاني عشر: محمد بن الحسن المهدي المنتظر عليه السلام

وطالما أن الإمام الأول والثاني والأخير قد اعترف بهما فلماذا لا يقرون ببقيتهم، وعرفت بعد ذلك أن هؤلاء الأئمة عليهم السلام، هم الخلفاء الذين خلفهم فعلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمر ربه ، قد قدموا للدين باعتبارهم مستحفظين عليه، كل ما لديهم من علوم وتضحيات ، فأقاموا حروفه وحدوده، وجاهدوا فيه بأرواحهم ، وبذلوا فيه من التضحيات الجسام، التي لا يقوى على بذلها أحد غيرهم، فنهلت من معينهم الصافي، وتزودت من علومهم التي هي عين الإسلام المحمدي ، ما أسكن الطمأنينة في قلبي وأنزل السكينة علي ،ولم أجد في كل ما بحثت من علومهم فقها وعقائد وغيرها ،غير الحجة التي تثبت الفؤاد ، وتقنع الفكر، وترضي الرب تبارك وتعالى، والحمد لله أولا وأخيرا على نعمة الهداية إلى هؤلاء الأطهار، وأسأله تعالى أن يهدي سواد الأمة بالرجوع إلى الحق ،لأن الذي يهدي إلى الحق أحق أن يتبع. قال تعالى:"أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون."

بعد أن أنهى بكار كلامه قلت له: لدي دليل آخر متعلق بالأئمة الإثني عشر ، ويشير إلى أن العدد قد ذكره النبي صلى الله عليه وآله ألا أن أعداء خط الإمامة محوه من كتبهم الروائية تجنبا لانهيار فكرتهم الباطلة ، وافتضاح أكذوبتهم في خصوص شورى السقيفة.

فقال : ما هو هذا الدليل؟
قلت: لقد نقل الشيخان (البخاري ومسلم) رواية مهمة تقول:
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم * كتاب أحاديث الأنبياء3196

اشتملت في متنها على ذكر الحكومة التي كانت على عهد بني إسرائيل وهي حكومة أنبياء في عمومها ، وأن حكومة المسلمين هي حكومة خلافة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (إمامة بالمصطلح القرآني)، وخلفاؤه الذين تحدث عنهم كان قد حدد عددهم ب12 شخصا ، وتساءل من حضر من الصحابة عن تكليفهم تجاه هؤلاء الخلفاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :" فو ببيعة الأول فالأول".
وفي كلامه صلى الله عليه وآله وسلم دليل على ترتيب هولاء الخلفاء, ومبايعة الناس لهم تكون بحسب ذلك الترتيب الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحث على إتباعه , وهذا الإيحاء بالترتيب الذي جاءت به الرواية, دليل نضيفه إلى العدد في الرواية التي أرشدتك إلى إتباع أئمة أهل البيت عليهم السلام , لتزداد يقيناً من أن المسألة الدين ليست من مشمولات الناس بل هي من مشمولات الباري تعالى كما هو الشأن بالتنزيل , والحمد لله رب العالمين .

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة