المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 8 رمضان 1426 - مقامات علوية (1)
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة :

مقامات علوية
الحلقة الأولى
علي عليه السلام و ليلة القدر

إذا ذكرت عليا عليه السلام ،قفز لقب ظل يلاحقه، ويلتصق باسمه دون غيره ،ممن تسموا خلفاء بلا استخلاف ، فلقب الإمام لم يلق بأحد من أولئك إلا به، ولو قسته على غيره ممن غصب الحكومة، أو أخذها بالمكر والخديعة، لكان مستهجنا له متنافرا معه،الإمام علي عليه السلام وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأخوه بالمؤاخاتين ، وصاحب سره ونجواه، وباب علومه، لم يفد أحد الأمة بعد رحيل نبيها صلى الله عليه وآله وسلم بقدر ما أفادها هو.
وقد يقتنع العاقل بهذه الحقيقة ويلتزم بها، ولو أنها ليست ذات بعد استدلالي كبير، إلا أن المؤمن الذي وطن نفسه على طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، لا بد له من الإقرار بحقيقة تلك المقارنة، على المستويين النظري الذي سقناه الآن ، والتطبيقي الذي مارسه أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام كنموذج للمؤمن الكامل الذي واسى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته ، وكإمام للأمة بعد وفاته ، ومرجعا أساسيا آوى إليه المتحيرين من أبنائها، حتى الحكام الذين عاش بين ظهرانيهم، وأكثر من ذلك كله بقي علي عليه السلام على مدى الدهر مخزونا متواصلا من العطاء والعلم من خلال ما ترك لنا من سيرة وخطب وحكم ، وما عفى عنه الظالمون كان أكثر مما وصل إلينا.
وتفرد علي عليه السلام في الأمة ، كتفرد ليلة القدر في شهر رمضان، وفضيلته تماما كفضيلتها ، وتميزه كتميزها عن سائر الليالي المباركة للشهر الكريم.

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان ، هو من نفحات الباري تعالى التي يسرها لعباده ، وفرض صيامه على كل مسلم ومسلمة ، وجعل أجره في علمه الذي لم يطلع عليه أحد من خلقه، وكلف نبيه بأن يحث المؤمنين على تعهده صياما صحيحا، وعبادة وذكرا وتهجدا، ليعتبره من يعتبره تداركا ، ولينظر إليه من ينظر محطة لتصحيح المسار في كل عام، وليتعلق بأطرافه من شاء أن يزداد قربا وتواصلا بالله سبحانه وتعالى،وسماه شهر الأمة، وجعل في العشر الأواخر منه ،ليلة هي خير من ألف شهر ، ووصى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالإشارة إليها دون تحديد ، فقال:" التمسوها في العشر الأواخر." وزاد توضيحا عندما أشار إلى أنها :" في الأيام الفردية العدد."
وأخذ عنه أهل بيته عليهم السلام والمسلمون من ورائهم ، فشمروا على ساعد الجد والاجتهاد ، وعملوا بمقتضى نصيحته التي لم يأل لهم فيها جهدا.
إذا جاء شهر الأمة بعد شهر الله جل جلاله رجب ، وبعد شهر النبي الأكرم شعبان، ليكون المحطة التي يتزود منها المسافر لرحلته الكبرى، وفي ليلة القدر زينه بالثقلين: بالكتاب الذي أنزل فيها ،وبالإمامة التي هي اللسان الناطق، والعين الساهرة ،واليد المثبتة، والعقل الجامع للعلوم التي تحتاجها البشرية في بقية مسيرتها.
وتميز ليلة القدر جاء من خلال أمر غيبي لا نعلمه ، ومن خلال ما جاءنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،من أن تشريفها جاء من اختيارها كزمن تجلت فيه ألطاف الباري تعالى بنزول تشريعه، وتحقق سريانه في عناصر أبت إلا أن تجعل الله تعالى نصب عقولها وأفئدتها.
ولقد كان أمير المؤمنين علي عليه السلام ،النقطة المضيئة والعنصر المثال بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، رغم تنكر الأمة له ، وانقلابها عليه ، فلم يزده ذلك إلا إصرارا على المضي قدما في إنفاذ وصايا أخيه، خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، حفظا لبيضة الدين، وصونا لها من التلف والضياع.

صحب الدنيا ببدن روحها معلقة بالمحل الأعلى ،هكذا كان أبو الحسن عليه السلام يتحدث عن المؤمنين من أتباعه ، وكذلك كان شخصه ومثاله بين الناس..إذا أراد أن يعرفهم صفة المؤمن بدأ بنفسه، فتحدث عنها كأنها صفحة أمامه، بعدما طوعها لذلك العمل حتى أنست به وتعودت عليه، لأنه كما وعى عن سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم وعمل به :" من عرف نفسه فقد عرف ربه".. كان دائما يعطي من نفسه المثل ليحتذي حذوه العاملون، ويقتفي آثاره الراغبون في نيل الرضا، والقرب من الله سبحانه وتعالى.
عرف علي عليه السلام الإسلام يافعا ، فلم يخالط عقله من أدناس ولا أرجاس الجاهلية شيئا ، ومضى بتلك الطهارة ، سالكا أثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مسلكا لم يسلكه أحد قبله ولا في استطاعة احد أن يسلكه بعده، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقابل ذلك الطوع ، حيال تلك الإرادة، يغذوه من عبق الوحي وأريج النبوة، علما جما لم يسعه صدر أحد غيره ، فتلاقح وفاض بين جوانحه ، وكان من فرط انشغاله على ما يحمل يقول: إن هاهنا لعلما جما لو وجدت له حملة.
وكان يراوح بين ذلك بقوله:" سلوني قبل أن تفقدوني فأنا بطرق السماء أعلم بكم من طرق الأرض".
بالعلم يكون العمل ، ومن الفقه تأتي المعرفة والدراية بالعبادة ،وجميع التكاليف التي جاء بها الوحي، وفي هذا المقام كان علي عليه السلام وحده ، لم يتميز عليه غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو تدبرت سيرته التي حدث عنها الموالي والمعادي، لوجدت تفردا في شخصيته ، وندرة لم يأت عن فراغ ، وإنما جاءت بعد جهد وكدح لا يطيقه إلا من نصب وجهه إلى الله تعالى ، ولم تشغله دنيا ومتاع عن المنهاج الذي خطه لنفسه وآخرته.. وعلي عليه السلام كان كما وصفنا وأكثر ، من ذلك المعدن الصافي الذي لا يتبدل ، والماء المعين الذي لا بتكدر، والقمة الشماء التي لا يرقى إليها الطير..
عبد الله تعالى مع رسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، قبل أن يعبده الناس بسبع سنين،بعد أن عرفه بعقله ، وتقرب إليه بفكره، في وقت كان الذين يطلقون عليهم كبار الصحابة عاكفين على أصنامهم ، آخذين بأسباب الشرك ، منغمسين في الآثام إلى أخمص آذانهم .

تشرف بالتوحيد الخالص ، وحضي باهتمام ورعاية وتربية وتعليم سيد الخلق، أبو القاسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان الصديق الأكبر حين لا أحد صدقه ،في فترة امتدت طوال إنذار عشريته وتبليغ قرابته،والسابق إلى الحق بإذن ربه، ومباركة أبيه مؤمن آل بني هاشم أبو طالب عليه السلام ، الذي أبى إلا أن يكون الدرع الذي تكسرت عليه عزائم أبي سفيان وحزبه، في النيل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والناصر لدينه الخاتم ، كافل اليتيم الذي تحدث عنه صلى الله عليه وآله وبقوله : سأدخل أنا وكافل اليتيم إلى الجنة كهاتين وقرن وسطاه وسبابته.
مثلت العبادة والقرب إلى الله تعالى حجر الأساس في حياة علي عليه السلام،وكان فهمه لها غير فهم غيره ممن عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا قلة قليلة ممن تبعه على فهمه وتربيته، فقد أخذ فيما أخذ عن خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم:
"العبادة سبعة أجزاء أفضلها طلب الحلال."
العبادة ليست حصرا في الصلاة والصيام والحج والجهاد وغير ذلك من الأحكام،وإنما تتعداها إلى كلفة أوجه الحياة، إذ لا معنى للصلاة إذا لم تكن حركات البدن منسجمة مع الروح ، وتكون آثارها ظاهرة في أعمال المتعبد، من استقامة وخدمة للناس، وعمل الخير مهما قل أثره.
عبادة الله كما يراها أمير المؤمنين عليه السلام ، وكما عكف عليها طوال حياته ، تبدأ من صفاء النفس ، وصدق النية وتنتهي بالحركة الايجابية وسط هذا الكون من اجل نشر الخير وقطع دابر الشر.

عرف علي عليه السلام ذلك المعنى قبل أن يطلقه في الناس ، وخاض تجربته قبل أن يتفوه به ، لإيمان بأن من نصب نفسه علما للناس وهاديا فليبدأ بتربية نفسه قبل تربية غيره ، وأن يعطي من نفسه المثال والقدوة قبل أن يأمر غيره بشيء لم يتحقق منه،فعلي عليه السلام كله عبادة ، وكله جهاد ، وكله علم، وكله عمل، إذا لم يكن له شغل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، انطلق إلى عمل آخر يفيد الناس، فقضى وأصلح وعلم وواسى ، لم يترك باب من أبواب الخير لم يدخله ويخرج فائدته للناس، وحفر الآبار واستصلح الأراضي وأعطاها للمحتاجين، فاغبر وشعث والتصق التراب ببدنه حتى لقبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بابي تراب، وجاء أعداءه برواية تميع لقبه، وتوهن ذلك الوسام العظيم الذي منحه النبي صلى الله عليه وآله وسلم له، وجاءوا بعدد من الروايات المتناقضة في هذا الخصوص، منها ما نقلوه عن سهل بن سعد قال : جاء رسول الله (ص) بيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت ، فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني ، فخرج فلم يبق عندي، فقال رسول الله (ص) لإنسان انظر أين هو؟ فقال : يا رسول الله هو في المسجد راقد ، فجاء رسول الله (ص) وهو مضطجع قد سقط رداءه عن شقه وأصابه تراب فجعل رسول الله (ص) يسمح عنه ويقول : قم يا أبا تراب.
افتعل المبطلون والمحرفون خصاما لا أصل له بين علي وفاطمة الزهراء عليهما السلام،ليشككوا في عصمة هاذين الطاهرين، وليطمسوا السبب الأصلي، الذي دفع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى تسمية علي عليه السلام بأبي تراب.
والذين حاولوا خلق غميزة في حياة هاذين الزوجين العظيمين، الذين زوجهما الله سبحانه وتعالى في ملكوته الأعلى ،قبل أن يزوجهما النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في مدينته، وبين صحابته- الذين تسابقوا إلى نيل ذلك الشرف، وبذلوا ما بذلوا من أجل تحقيق ذلك، ولكنهم خابوا في نهاية المطاف- لم يكونوا قاصدين غير الرد على الله تعالى ،وتنكرا لآيته الكريمة التي تقول:"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا."
لأن من حباهم الله تعالى بتلك الكرامة ، وجعلهم خاتمة صفوته ، وأفضل عباده المخلصين ، لا يمكن أن يتخاصموا ولا أن يغضب بعضهم بعضا، خاصة وهم من طلقوا الدنيا فلم يعد يعنيهم منها إلا بقدر ما يجيزهم إلى الآخرة ، فأين الغضب إذا يا من أمرتم بمحبة أهل البيت عليهم السلام وموالاتهم وجعل ذلك فرضا عليكم ، ستحاسبون عنه يوم القيامة، لأنه أجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقابل هذا الدين الذي نعيش في بركاته ؟ من منكم يريد أن يبهت النبي صلى الله عليه وآله حقه في أن يأخذ أجره منا ؟ ومن يستطيع ذلك؟

آبار علي موجودة إلى الآن، يحرم منها الحاج القادم من المدينة إلى بيت الله الحرام، تشهد على أن لقب أبي تراب لم ينله علي عليه السلام مجاملة ولا ترضية ، ولو كان كذلك لما كان له معنى، وإنما جاء عن كد وجهد شديدين لصالح أولئك المستضعفين الذين كان يؤازرهم ويؤازرونه ، ويألفهم ويألفونه ، بقي علامة تشهد على عظمة علي عليه السلام .
العارف بحقيقة النشأة وعلة الخلقة، لم يستنكف عن شيء يرضي الله تعالى ، فنال لقبا حقق له العبودية الصحيحة لله تعالى، وهو الذي كان يردد :" لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا."
وكان من دعائه:" الهي كفي بي عزا أن تكون لي ربا، وكفي بي فخرا أن أكون لك عبدا ، أنت كما أحب فوفقني لما تحب."

"أفضل العبادة عفة البطن والفرج."
من هذا المنطلق كانت عبادة علي عليه السلام ، وجاء سلوكه حيال الدنيا ومتاعها، الذي لم يكن ليستهويه يوما من الأيام، رغم تمكنه منها ،وانقيادها له ،واستسلامها لإرادته، لكنه في كل مرة كان يذكرها بقوله : "غري غيري ، لقد طلقتك ثلاثا".
كانت بيت المال تزخر بأنواع المتاع ، وكان يمكنه أن ينال منها نصيبا، لا يتعارض مع العطاء الذي كان يعطيه لغيره من الناس ، لكنه لم يفعل ذلك حتى لحق بالرفيق الأعلى عفيف النفس زاهدا عن زينة الحياة الدنيا والطيبات من الرزق ، وكان مكتفيا طوال حكمه بأكل الجشب (الشعير ما شابهه)، وآثر أن يأكل من أدون الطعام ، حتى لا يكون هناك في الرعية من هو أقل منه حظا من الدنيا منه.
ومنه عليه السلام أخذ المتصوفة طريقتهم ، لكنهم عموا في أن يقتدوا به حقيقة من ناحيتين :
الناحية الأولى : زهد علي عليه السلام في الدنيا، لم يدفعه إلى تركها، بل قارعها وتمكن منها حتى استكانت له، ومع ذلك لم يلتفت إليها ، ومكن غيره منها، مفسرا الزهد بقوله :" ليس الزهد في أن لا تملك شيئا، ولكن الزهد في أن لا يملكك شيء."
الناحية الثانية:شمولية عبادة علي عليه السلام ، والتي لم تقتصر على الذكر والصلاة والصيام الاعتكاف والحج، دون بقية العبادات المتعلقة بالعلاقات مع الناس من جميع نواحيها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

" ليس العبادة كثرة الصيام والصلاة ، وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله." عبادة علي عليه السلام لم تكن ليسعها زمانه، ففاضت على العالمين إلى أن تقوم الساعة، هو الذي أرسى دعائم الدين بسيفه، وجاهد في الله تعالى حق جهاده ، ولم يثنه في ذلك إن كان في قلة أم كان في كثرة ، وثبت في مواطن ضاقت الأرض بما رحبت على غيره وبلغت قلوبهم الحناجر، وفر أكثرهم ، فلم يزده ذلك إلا إصرارا على المضي قدما.

"من أحب لقاء الله ، أحب الله لقاءه."
لقاء علي عليه السلام مع الله تعالى، ليس ككل موعد ولقاء، كان يغيب عن الأنظار ليخلو بربه ويناجيه، يعبده ويتقرب إليه في السر والعلانية سواء ، وفي السلم كما في الحرب ، وفي الليل كما في النهار، ذلك دأبه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك خياره من بعده، والروايات التي تحدثت عن تلك الخلوات ، بينت ما تميز به أمير المؤمنين عليه السلام ، من نفس عارفة وموحدة ومدركة لسر الوجود وحقيقة الخلق ، ولشفافية نفسه كان مطلعا على حقائق وعلوم لم يتشرف بها غيره، ولم يكن من السهل على الأمة آنذاك ،أن تجاري عليا عليه السلام في نسقه مع الحياة بكافة تفاصيلها، ولا في معارفه التي لم تدركها العقول القاصرة، وما أكثرها، فمضى وحيدا في قلة قليلة من خاصته وشيعته ، ممن رباهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حبه وحب من يحبه، فحب علي عليه السلام كما عرفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إيمان، وبغضه نفاق، وتلك حقيقة تفرد بها عن غيره ، وميزة تميز بها دون سواه .
من هنا جاء تناغم روح علي عليه السلام، وتألفها لذات الله تعالى دون المخلوقات، وجاء نداء الباري جل وعلا ليعلن نتيجة ذلك بقوله :" يحبهم ويحبونه" وصدع بتعريفه النبي صلى الله عليه وآله وعندما قال في خيبر وقد استعصت على كل الذين أرسلهم لفتح الحصن الأكبر:" غدا أبعث الراية مع رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله."

ولئن استشرف لها من استشرف وتطاول لها من تطاول كما تقول الرواية، إلا أن الجميع كان يدرك لمن المقام، ويعي من سيكون الفتح على يديه ، فعلي عليه السلام لم يغب في حاضر ولا مخيلة أحدهم، ولا هو رجل طلع نجمه فجأة هكذا وبدون مقدمات، كان الحسد وحده هو الذي غيب عليا عليه السلام عن مقامه، والجاهلية التي تبرأ منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام وحارباها ، هي التي وقفت في وجه علي عليه السلام ،واستفردت به في غفلة من الزمن، وطارق من الأحداث، وحالت دونه ودون إقامة حكومة العدل الإلهي. ولما يئس علي عليه السلام من أن يعود إليه حقه، التفت إلى الذين يريدون لقاء الله تعالى ، فعرفهم الطريق ، وأنار لهم الدرب ، فتعلموا منه الوجهة والمقصد، واخذوا عنه معالم دينهم كما جاء عن أخيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتزودوا من خير زاده لرحلاتهم ، وكان زاده أكبر من أن ينفد ، فتلاقفته الأجيال المؤمنة بولاية أهل البيت عليهم السلام على الأمة ، وحملت ثقله حمل مسئول عارف. وعرفوا حقيقة كيف يتاجرون مع الله سبحانه وتعالى التجارة التي لا تبور.

نشأت علاقة علي عليه السلام مع ليلة القدر، من خلال الأجواء الروحية التي كان يضفيها على جميع أنواع العبادة ، بل لقد جعل علي عليه السلام حياته كلها عبادة،تأسيا بأخيه النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، غير ملتفت إلى الجهد والمعاناة التي لقيها من جراء ذلك ، لأن الجهد والمعاناة في سبيل الله تعالى يتحولان من الألم إلى اللذة ، ومن التعب إلى الراحة التي تزيد الروح إشراقا وقربا.
لذلك فإنه ليس غريبا أن يكون تأويل سورة القدر كما كان متداولا في بداية تحول ما سمي بالخلافة إلى ملك أموي ، من أن الألف شهر هي مدة الحكم الأموي، لا تزيد ولا تنقص ، وقد ذكر من ذكر من المفسرين ذلك أمثال الطبري والسيوطي.
أما ليلة القدر فلم يلتفتوا إلى تأويلها، والتي لا تكون إلا البديل المرضي، الذي ميزه سبحانه وتعالى عن الألف شهر، وهي حكومة علي والأئمة الأطهار من ولده عليهم السلام، هي الوحيدة التي يمكن أن تكون خير من ألف بديل غير الهي دونها .
دعني أستوقفك أيها القارئ العزيز لأسألك : هل تزودت من معين علي عليه السلام ؟ إذا كنت تعرف عليا فأعتقد أنك على دراية بما يختزله من طاقات ومعارف ،خاصة إذا عرفت أنه باب مدينة علوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك فإنني أجزم بأنك تود أن تتعرف على بعض مخزونه، وتستفيد من بقية آثاره التي نجت من براثن الظالمين لحقه وحق أهل بيته في هداية و قيادة الأمة ، ولعل دعاءه ومناجاته يدلان على مقامه العالي ، فدعاءه الذي علمه لكميل بن زياد النخعي يبقى تلك الحالة الروحية التي لم يصلها مؤمن بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم غيره ...

وجد أمير المؤمنين كميلا أهلا ليحمل دعاءه فأعطاه إياه، ومضى به كميل مضي الأمين الواثق بقيمة ما حمله أبو الحسن عليه السلام ، واستطاع من خلاله أن ينتشر في أوساط المؤمنين ويتعهدوه جيلا بعد جيل إلى أن وصل إلينا غضا طريا يحمل بين طياته تقوى وعلم ونفحات علي عليه السلام
"...أسألك بحقك وقدسك، وأعظم صفاتك وأسمائك، أن تجعل أوقاتي في الليل والنهار بذكرك معمورة ، وبخدمتك موصولة ، وأعمالي عندك مقبولة ، حتى تكون أعمالي وأورادي كلها وردا واحدا، وحالي في خدمتك سرمدا، يا سيدي يا من عليه معولي ، يا من إليه شكوت أحوالي ، يا رب.. يا رب.. يا رب ، قو على خدمتك جوارحي ، وأشدد على العزيمة جوانحي ، وهب لي الجد في خشيتك ، والدوام في الاتصال بخدمتك، حتى أسرح إليك في ميادين السابقين ، وأسرع إليك في المبادرين ، وأشتاق إلى قربك في المشتاقين ، وأدنو منك دنو المخلصين ، وأخافك مخافة الموقنين، وأجتمع في جوارك مع المؤمنين..."
لقد أعد علي عليه السلام نفسه للقاء الله تعالى كأحسن ما يكون الاستعداد، وتجهز لرحلته خير جهاز، ووطن نفسه على السفر الطويل ، وتعامل مع ذلك الحدث تعامل المؤمل له في كل لحظة، فطاب كل منهما لصاحبه، وكما أخبره بذلك النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، خرج صباح اليوم التاسع عشر من شهر رمضان من سنة 40 هجرية، لصلاة الصبح بمسجد الكوفة ، وكانت يد الغدر اللعينة متربصة به ، هو يريد عطاءها، وهي تريد الفتك به، في أحد بيوت الله ،وفي محراب من محاريب الله ، أريق دم شهادة أمير المؤمنين علي عليه السلام ، فلم يملك نفسه إلا أن قال : "فزت ورب الكعبة"

أراد علي عليه السلام أن يعطيهم من نفسه المثال والقدوة ، أراد أن يمنحهم نهجه الذي ارتضاه لنفسه ورضيه الله تعالى له ، فلم يقبلوا منه ذلك ، بل أرادوا إنفاذ مشيئتهم وإرادتهم عليه ، فكان يصبر على ذلك، وفي كل مرة يمني نفسه بصلاح الأمة، ولما طال بها أمد التجاهل الاستخفاف ، طلب من الله أن يستبدله بما هو خير له منها ، وكان القضاء على يدي أشقى الأشقياء لعنه الله.
وفي الليلة الواحدة والعشرين ، عرجت روح أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام ،إلى بارئها راضية مرضية، اختار لها خالقها للرجوع إليه، في ليلة ليست ككل الليالي ، في ليلة هي خير من ألف شهر، ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن هدى للناس، و بينات من الهدى والفرقان، وقد كانت قبل شهادته محل تساءل وبحث ، الليلة المباركة التي إزدانت بروحه الطاهرة، بعدما تشرفت من قبل بنزول الوحي.
مضى أمير المؤمنين عليه السلام إلى بارئه ، والتحق بمن سبقه من الطاهرين ، تاركا للأمة علما جما وسيرة أقامت عرى الدين، ووثقت أواصره، وذرية لقبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بريحانتيه ، وأخبر أنهما سيدا شباب أهل الجنة ، واستودعهما ميراثه وعلومه.

دعني أخيرا أقول لك هذا علي عليه السلام وهذا ما ترك ، فماذا ترك أولئك الذين أداروا ظهورهم عنه ، وقلبوا له أمر الأمة حتى استعصت عليه؟
لا أعتقد أن المقايسة ستكون منصفة، لأننا سنظلم عليا عليه السلام عندما نقيسه بنظائر، لا تساوي التراب الذي يمشي عليه.
أليس غريبا ومستهجنا على أفراد الأمة، أن يجهدوا أنفسهم في طلب ليلة القدر، وتمني موافقتها، ولا يجهدون أنفسهم في التفقه في دينهم ، ومعرفة أحكامهم ،المكلفون بتطبيقها تطبيقا صحيحا، وعلى وجه الخصوص أكبرها وأعظمها، وهي مسألة القيادة ، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية." وبمعنى آخر:" من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية."
ألا يرون أن هذا التكليف يفوق بقية التكاليف ، بل يلغيها عند فقده،وينسبها إلى الجاهلية.

نحن نرى اليوم ،أن أجيالا كاملة تتعاقب في نسق تنازلي إلى هاوية الجاهلية، بإعراضها وتجاهلها لتكليف معرفة الإمام الواجب طاعته ، وأداء البيعة له ، فلماذا لا نلتفت إليه كما نلتفت إلى ليلة القدر؟ فنكون بذلك قد جددنا العهد مع الله تعالى في تثبيت أركان طاعته.
ويبقى الإمام علي عليه السلام كليلة القدر، مجهولا عند أكثر الناس، ومعلوما عند القلة القليلة ، ليكون بحق ذلك النبأ العظيم الذي فيه الناس مختلفون.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة