المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 11 رمضان 1426 - نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب -6-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة :

نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب
الحلقة السادسة

حديث انقسام الأمة والفرقة الناجية هو الذي شيعني

عبد الوهاب... صديق ربطتنا ببعض علاقة زمالة ، هو من الجنوب الغربي للبلاد، والجنوب معروف عندنا بالأصالة ، والتمسك بالقيم والمبادئ ، إذا ذكر أهل الجنوب وكنت منهم، نظر إليك السامع نظرة إكبار واحترام.
الصدفة هي التي جاءت به إلى مجلسنا ، فهو قد انتقل من المدينة منذ مدة ،لظروف خاصة به، فسررت لرؤيته وحمدت الله على للقائه من جديد ، ويقال رب صدفة خير من ألف ميعاد.
لم يتمالك عبد الوهاب نفسه، فتحرك من كرسيه وطلب أن يفسح له المجال في الكلام، ولما مكناه من ذلك قال:كانت المالكية هي الطابع الذي ألبس به إسلام الجهة بأكملها،فلا حديث إلا عن مالك وما جاء عنه ، ولا كتب بعد كتاب الله تعالى إلا الموطأ أو المدونة الكبرى، حتى رسخت فكرة أن الإسلام لا يكون غير مالكي ، ولم يلتفت أتباع هذا المذهب إلى غيره من المذاهب، إلا باعتباره بعيدا عن الإسلام الحق، تلك النظرة الاستعلائية جعلتني لا أعير اهتماما بالبحث خارج الإطار المذهبي ، ولا أهتم بغير مطالعة ما يتعلق بالمذهب ،الذي اتبعته وراثيا دون نظر ولا تحقيق.

تعرفت على الأخ محمد في الشغل، وكان لي معه فسحتان ، واحدة عند وقت الراحة في العمل ، والثانية قرب سكناه من سكناي الذي تسوغته، مما أتاح لي فرصة التعرف عليه عن قرب، في البداية كانت العلاقة سطحية وبسيطة ، وعدم عمق العلاقة معه مرده حداثة عهدها، فلم ألاحظ عليه أية بادرة أو مظهر أو علامة، تدفع إلى التساؤل عنها،وبمرور الأيام تمتنت العلاقة ، وتوطدت الصداقة حتى أصبحت من أفضل أصدقائه لديه وأقربهم إليه ، وحزت على حبه وثقته .
في أحد الأيام وكان يوم عطلة، وصادف يوم جمعة (العطلة الأسبوعية عندنا ما زالت يوم الأحد ،حتى بعد رحيل الاستعمار الفرنسي المسيحي)، فتهيأت إلى صلاة الجمعة بالمسجد، وذهبت إليه لأصطحبه، لكنه لم يبد تحمسا للذهاب وقال لي : إنه لا يحبذ الصلاة وراء أئمة يعينون من طرف من لا أهلية له ولا ضابط ، اعتذر إلي برفق ، لكنني لم اقتنع بكلامه ، ولما ضاق الوقت علي، فذهبت على أساس أن أعود إليه لنتحاور في الموضوع.
من عجيب الصدف، أن خطيب الجمعة قد تحدث يومها عن انقسام الأمة وتشرذمها، وجاء بحديث الانقسام الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم،كالآتي: "أخرج ابن ماجة بسنده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده، لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، واثنتان وسبعون في النار، قيل:يا رسول الله من هم؟
قال: الجماعة." مؤكدا على أن الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة، ودعا إلى التمسك بالمذهب المالكي لأنه يمثل سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشريعته.

عدت من الصلاة وفي خاطري ما كان دار بيني وبين صديقي وزميلي محمد من كلام حول إمامة الجمعة ،ودفعني حماسي إلى مواصلة الحديث ، ما كنت أشعر به الغبن والحزن والأسى على ضياع الأمة التي يوجد بين يديها أعظم دستور أنزله الله تعالى على عباده، وفي اعتقادي، أن صاحبي مختلف معي فقط في مسألة واحدة، أو مسائل لا تدفع إلى الخروج عن دائرة المذهب، فقلت في نفسي : لعلني بإقناعه إلى عدم مفارقة الجماعة ، أكون قد ربحت أجرا وثوابا كبيرين.
ذهبت إليه على ذلك الأساس ، وشعورا مني بواجب الرابطة التي تجمعني به، فاستقبلني كعادته والابتسامة تعلو محياه، وأدخلني بيته.
وما إن جلست حتى توجهت إليه بكلامي معاتبا: أيعقل منك هذا التصرف يا محمد، وقد عرفتك ذو عاطفة وغيرة على الدين ؟ ماذا لو صليت وراء أي إمام ؟ المهم أن تكون قد أديت ما عليك ،وربحت اجر الجماعة هي 27 درجة فوق صلاة المنفرد، ووزر الإمامة يتحمله الإمام ومن عينه، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ألا ترى واقع المسلمين اليوم وحالهم ؟ ألا يستوجب ذلك أن نغض الطرف على كثير من المسائل الخلافية ، ونلتفت إلى الوحدة لنجمع بها هذا الشتات؟
فقال لي: يا أخي ، إنني بقناعتي هذه لم أكن قاصدا تكريس المزيد من الفرقة، بل على العكس تماما ، فأنا من الذين يدعون إلى الوحدة ، وينادون للم الشمل ، بتعقل وعلى أساس صحيح وليس عشوائيا،وإن أكثر ما يقلقني حال الأمة الذي شمت فينا الأعداء .
فقلت له :طالما أنت كذلك فلماذا لا تذهب إلى الصلاة بالمسجد؟
فقال: إن الله سبحانه وتعالى لما شرع دينه الخاتم ، كما هو شأن بقية الأديان التي سبقته ، جعل للأحكام التي أنزلها واجبات وسنن أمر بإتباعها ، وكل من يتجاوز تلك الأحكام خاصة منها الواجبة ، لا تقبل عبادته ويذهب جهده أدراج الرياح، والصلاة شعيرة من الشعائر المهمة في الدنيا والآخرة، لها أحكام إقامتها من طهارات ، وآداب ، وفرائض، وسنن تخص أوقات الصلاة ومكانها والمصلي، سواء كان إماما أو مأموما أو منفردا ، ولباسه، وأنا تصرفت بناء على تلك الأحكام.
فقلت له: عن أية أحكام تتحدث؟ ألسنا في المالكية نجيز الصلاة وراء السلطان، حتى لو كان ظالما؟لقول النبي (ص) : صلوا وراء كل بر وفاجر.
وصدمني صديقي بقوله:لم أعد مالكيا ، ولا من الجماعة التي تتحدث عنها، لقد تشيعت لأهل البيت عليهم السلام.
فقلت له : أتغير وجهتك من الفرقة الناجية إلى أصحاب الأهواء والبدع من أهل النار، ألم تقرأ يوما حديث النبي (ص) عن انقسام الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة واحدة منها فقط هي الناجية وهي جماعتنا أهل السنة.
فقال: وما أدراك أن تلك الفرقة هي الناجية؟
فقلت : إتباعهم لسنة النبي (ص) واجتماعهم على رأي واحد وكثرة عددهم في العالم اليوم، أليس هذا كافيا ليكونوا هم الفرقة الناجية.
قال: أما إتباعهم لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فالمسألة تحتاج إلى دليل ُيطمأن إليه ، وأما اجتماعهم على رأي واحد ، فذلك ليس صحيحا ، لأن ما يسمى بأهل السنة والجماعة، أربع مذاهب هي : الحنفية- والمالكية- والشافعية- والحنابلة، وهم مختلفون اختلافا كبيرا في عديد الأحكام، وهذا وحده يكفي للقول بأن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطبق عليهم لأنهم أربعة ، وهو قد حدد الفرقة الناجية بواحدة وليس أربعة، وحتى الأربعة تفرقوا وتفرعوا إلى عدد من الطرق مثل السلفية والوهابية الذين تفرعا من الحنابلة، والمتصوفة تفرعت من بقية المذاهب ، وأما كثرة عدد هؤلاء فلا يفيد شيئا ، بل أقول إنها كثرة بلا بركة، ولا أرى التقييم القرآني للعدد يصب لفائدتهم ، لأنه طالما مدح الباري تعالى في محكم تنزيله القلة وأثنى عليهم ، فقال:" وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ." وقال:" وقليل من عبادي الشكور". وقال:" وقليل ما هم "، وقال : "ثلة من الأولين وقليل من الآخرين".ومقابل مدحه للقلة القليلة ، ذم الكثرة الكثيرة، فقال: "وان تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن السبيل". وقال:" ولكن أكثركم للحق كارهون" .
قلت: إذا فبماذا تفسر حديث انقسام الأمة؟
قلت:أفسره بكلام الإمام علي عليه السلام ، وكلامه كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه باب مدينة علمه ومستحفظ دينه ، إذ يقول في هذا الخصوص وقد سأله رجل عن السنة والبدعة ،والفرقة والجماعة، فقال عليه السلام:"أما السنة فسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأما البدعة فمن خالفها، وأما الفرقة فأهل الباطل وإن كثروا، وأما الجماعة فأهل الحق وإن قلوا."
قلت: لكن الشيعة أنفسهم مختلفون ، وهم منقسمون إلى عدة فرق، منها ما اندثر ولم يعد له وجود، ومنها ما يزال قائما إلى الآن كالزيدية والإسماعيلية والجعفرية، فكيف تدعي أنهم الفرقة الناجية؟
قال: أنا لم أدع أن جميع فرق الشيعة ناجون ، بل لم يدع ذلك أحد من علماء الأمة ، تتمة الحديث عن انقسام الأمة بتر من طرف من له مصلحة في ذلك ، لأن السائل عن النجاة لم يكن غير علي عليه السلام ، والذي قال: من الفرقة الناجية يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنت عليه وأتباعك.
لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بأمر غيبي سيقع بعده، وليس هناك مؤشر يدل على صحة المسلك،إلا بوجود شخص يجسد منهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان علي عليه السلام ذلك الهادي، والقبس الذي أضاء الظلمة بعده، ومن ذلك ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصح به عمارا بن ياسر قائلا:" يا عمار لو رأيت الناس سلكوا واديا، وعلي سلك واديا، فاسلك الوادي الذي سلكه علي.

أما انقسام الشيعة إلى فرق شأنها شان بقية المذاهب، فذلك مرده إلى اختلاف الناس ،وليس إلى الدين الذي جاء موحدا ومؤلفا ولم يأت مفرقا، وأنا لم ألتزم في تشيعي إلا بما وصلت إليه قناعتي، حسب النصوص التي قرأتها، ودرستها متنا وسندا ، وتتبعت أقوال العلماء الأعلام فيها، كما لم أقل لك إن كل الشيعة هم الناجون يوم القيامة ، لأننا بصدد الحديث عن فرقة ناجية واحدة.
قلت له: كل ما قلته معقول، ولكن أخبرني عن الفرقة التي أخذت معتقداتها؟
قال: الشيعة الإمامية الإثني عشرية، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" سيكون عليكم اثنا عشر إماما."
قلت: الحديث يقول إثنا عشر خليفة.
قال: ليس هنالك فرق، المهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي خلفهم بأمر ربه ، ليكونوا قادة الدولة الحديثة العهد، وهداة الأجيال القادمة، وليس الخلفاء المزيفون الذين ادعوا كذبا أنهم خلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو لم يخلفهم ، وهم بأنفسهم قالوا إنه لم يخلف،لإزاحة الخلفاء الحقيقيون، فلماذا إدعوا أنهم خلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وليس لهم بينة واحدة على دعواهم تلك .
قلت : والسنة النبوية عند من إذا ؟
قال: هل تعتقد أن هذا الخالق الحكيم الخبير، الذي أتقن كل شيء صنعه ،قد أنزل تشريعا متكاملا ،ليحكم الناس ، ثم لا يأخذ بعين الاعتبار مسألة حفظ دينه، وهو الذي أشار إليها في ثلاث آيات :" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون." وقوله :" بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء." وفي الثالثة :" ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا." إن السنة النبوية التي هي تفسير ما جاء في الكتاب العزيز ، هي عند الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا،أهل بيته عليهم السلام الذين هم أوعى الناس لما جاء به سيدهم صلى الله عليه وآله وسلم، وليست السنة عند كل من هب ودب ، من أمثال أبي هريرة ، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، وسمرة بن جندب، والوليد بن عقبة ،وكعب الأحبار، ومن لف لفهم من عبيد الدنيا ، وتبع الأهواء والشهوات، والتاريخ حافل بمخازيهم، وجرائمهم في حق الدين وأهله.
سكت لحظة متسائلا في قرارة نفسي ، ومستعرضا من جديد حديث انقسام الأمة،فتبين لي أن صاحبي على حق ، التفت إلي محمد فرأى وجومي، واستغراقي في الفكر، وقال: وأزيدك على ذلك أن الشافعي - أحد أصحاب المذاهب الأربعة، والذين عاشوا في القرنين الثاني والثالث، ولم يجمعهم في منظومة واحدة سميت بأهل السنة والجماعة، غير حكام البغي والظلم الذين أوقفوا المذاهب على أربعة فقط، وذلك في القرن الخامس، وحكموا على البقية بالخروج على السلطان- قد خرج من فقهه الأول، إلى فقهه الثاني لما انتقل إلى مصر، وقال قصيدته الشهيرة بخصوص ذلك :

لما رأيت الــناس قـــد ذهــبت بــــهم ***** مــــــذاهبهم في أبحر الغي والجهل
ركبت على اسم الله في سفن النجـا ***** وهـــــم أهل المصطفي خاتم الرسل
وتــمسكت بــــحبل الله وهو ولاءهــم ***** كــــــــــما قد أمرنا بالتمسك بالحبل
إذ افترقت في الدين نيف وسبعون فرقة ***** عــــــــلى ما جاء في واضح الـــنقل
ولـــم يــك نـاج مـنها غــــــــير فـــرقة ***** فــــقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقل
أفــــــــــي الغرق الهلاك آل مـــــحمد ***** أم الـــــفرقة التي نـــــــجت بها قلي
فــــان قلت في النــاجين فالقول واحد ***** وان قلت في الغرقى حفت عن العدل

إلى أن قال أخيرا :

رضــــيت عـــــــليا لي إمــــاما ونسله ***** وأنــت من الباقين في أوسع الـــــحل

ثم هل لي أن أسالك ، بماذا كان يتعبد أصحاب القرون الثلاثة الأولى؟ ولم تظهر المذاهب الأربعة إلا من بعدهم؟وهي القرون التي عاش فيها الأئمة الهداة من أهل البيت عليهم السلام.
قلت له : حكى بعض الجهلة عندنا، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى حنفيا ومالكيا وشافعيا وحنبليا، هذا ما وصل إليه التردي في هوة الجهل السحيقة. أما عن الشيعة فمن الذي سماهم هكذا إذا؟
قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي سماهم شيعة، لأن معناه لا يتعدى الإتباع والاقتداء والموالاة ،محاكيا القرآن في تسمية إبراهيم عليه السلام من شيعة نوح عليه السلام ،قال تعالى في سورة الصافات:" وان من شيعته لإبراهيم." فقال مخاطبا عليا عليه السلام: يا علي ستأتي يوم القيامة أنت وشيعتك راضين مرضيين ، ويأتي أعداءك غضابى مقمحين.
ثم أخيرا، يعد إسلام أهل البيت عليهم السلام الخط الوحيد المتصل بعصر النبوة، فعلي إمامنا الأول عاش مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بينما غيره من الفرق والمذاهب قد عاش أفضلها حالا في الثلث الأول من القرن الثاني وهو أبو حنيفة.

شكرت صاحبي على ما أبداه من رحابة صدر، وعلى ما قدمه لي من معلومات، نورت لي درب الهداية إلى خط أهل البيت عليهم السلام ، وانصرفت عاقدا العزم على مزيد الالتزام بذلك الصديق، حتى آخذ عنه بقية معالم ديني ، وأركان عقيدتي ، ولم يفرق بيننا غير مغادرتي مدينة قابس التونسية إلى مدينة توزر بالجنوب الغربي التونسي.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة