المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 12 شوال 1426 - نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب -11-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت .. وهذا هو السبب
الحلقة الحادية عشرة

شيعني حديث الطائفة الظاهرة على الحق

علي ... كهل تجاوز الخمسين من عمره ، مع ذلك لم يمنعه تقدمه في السن من أن ينافس الشباب المؤمن في حيويته ونشاطه ، ومقاسمته آمالا عريضة في الغد المشرق للدين وأهله.
ورغم التوعك الصحي الذي ألم به قبل موعد الجلسة ، فإنه أبى إلا أن يكون حاضرا ، مساهما معنا في الإدلاء بشهادته، عن السبب الذي أقنعه بترك مذهب آبائه وأجداده ،واعتناق مذهب أهل البيت عليهم السلام ، والمعروف بالشيعة الامامية الاثني عشرية .
فسح المجال لعلي... في الكلام فقال: كنت من المتحمسين للدين الإسلامي ، ومهتما بكل متعلقاته ، حاملا هموم الأمة وآمالها ،شأني في ذلك شأن الطلائع المؤمنة التي كتب عليها أن تتحمل مسؤوليات ثقيلة في توعية القاعدة وإرشادها، خاصة نحن نعيش في عصر كشر فيه أعداء الدين عن أنيابهم ، وأبدوا من العداوة والحرب للدين وأهله، ما لم يظهر منهم في السابق ، وبمعنى آخر كانت الحرب على الإسلام في ما مضى تحاك بسرية وتخف ، بينما ظهرت على بعض المسارح اليوم بكل جلاء، تفاصيل مؤامرات ما كان لها أن تطفو على الواجهة لو تمسكت الأمة بدينها، ولعل أحبولة الدنيا ومتاعها هي التي أوقعت الناس في مطب إهمال الدين وتركه ، ففارقوا معتصمهم ومنجاتهم في الدنيا والآخرة،إلى متاع لا قيمة له في الميزان الأخروي، واتبعوا مسلك الشيطان الذي أفضى بهم إلى الذلة والهوان، فخسروا المطلبين.

كنت من عشاق قراءة القرآن الكريم وتلاوته وتعهده صباحا ومساء، لا يمنعني من ذلك طارئ أو عارض ،وان تخلفت عن حصصه حصة تداركتها سريعا ، فتربت روحي على روحية الوحي ، وتشبع عقلي بآياته العظيمة، من خلال تدبري لها أثاء التلاوة والترتيل، من بين المصطلحات اللافتة في القرآن ،والتي أخذت من اهتمامي مأخذه ، الآيات التي تحدثت عن نسبية الفهم والإيمان عند الناس ، فعدد منها أشار إلى حقيقة أفادت بان أهل الحق قلة وأن أصحاب الإيمان قلة أيضا ، وأن الوعاة والعارفون وأصحاب الخصال الرفيعة قلة أيضا، حتى أن أتباع الأنبياء الصادقين قلة والصفوة من بيوتات الأنبياء عليهم السلام هم قلة القلة ، ففهمت من خلال القرآن الكريم أن أتباع الصراط السوي الذي جعله الله تعالى منهجا آمنا للناس قلة مقارنة بغيرهم ، فقال جل من قائل :" وقليل من عبادي الشكور."
"وقليل ما هم"
"...ما يعلهم إلا قليل"
"وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة"
ومقابل الثلة المؤمنة التي حصرها الله تعالى في عدد صغير من الناس ، اظهر لنا الكتاب العزيز معادلة أخرى تمثلت في أن أتباع الباطل ، كثرة لا تقاس مقارنة بالثلة المحقة
"...ولكن أكثر الناس لا يعلمون"
"... بل أكثرهم لا يعقلون"
"وان تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون."
لكن أكثرهم للحق كارهون
"وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون"
"وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين "
فحصلت لدي قناعة بأن تلك المعادلة القرآنية مفادها أن أتباع الدين الحق أقلية ، وأن أتباع مسالك الانحراف عن الدين الحق أكثرية، فعرفت حينها أن المتمسكين بالدين الحق والمعبر عنه بالدين القيم ، هم قلة قليلة، وطائفة من وسط الأمة الإسلامية،ذلك لأن المفهوم القرآني قد اعتمد على ترجيح القلة من أتباع الحق على الكثرة ، ثم اتجهت إلى كتب السيرة والحديث فوجدت أن أتباع الأنبياء والرسل عليهم السلام بما فيهم الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ، قلة مستضعفون ليس لهم ثقل في مجتمعاتهم ...
وبتعدد قراءتي له بدأت تظهر لي ، معان ومفاهيم متنوعة ، وكان تركيزي على الأحاديث الإخبارية المتعلقة بمستقبل الأمة الإسلامية ، فعثرت على أهم رواية جعلتني بعد الاطلاع عليها وإنزالها على أرض الواقع الإسلامي قديما وحديثا ، اقتنع أن الحق لا يمكنه أن يتخطى أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى غيرهم ، والدليل قائم خفاق الراية دالا على أحقية ذلك الخط في أن يكون ممثلا وحيدا للإسلام الصافي الذي جاء به جدهم صلى الله عليه وآله وسلم ، الرواية تقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك." أخرج الحديث جميع الحفاظ ، متفقين على صحة صدوره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وبذلك ينقطع سبب الطعن فيه.

وبالنظر إلى متن الحديث، نرى أن في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،إخبار بأن الدين الذي جاء به،والذي عبر عنه بالحق ،سيكون ملاكه طائفة من أمته ، دون بقيتها ، وهم في حال من الظهور والبروز، بشكل جلي في حاضرة الساحة الإسلامية ، وفي وسط مجتمعاتها على مر العصور، دون انقطاع من عصر النبوة إلى أن يأتي أمر الله تعالى ، لا يلحقهم ضرر من مخالفيهم مهما أوتوا من فنون التمويه والمكر والخداع والتزوير، لأن الدين الذي تبنوه هو دين الله والكلمة التي ألزموا بها أنفسهم هي كلمته سبحانه وتعالى.
ونظرت في دائرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم أجد غير علي عليه السلام عنصرا يحمل عنوان تلك الطائفة ، ورمزا يؤكد ذلك الظهور غير منفك عن العصر النبوي ، رافعا شعار أحقيته في قيادة الأمة الإسلامية ، مدللا على ذلك بجملة من الأفعال التي اقر بها المخالفون له اعترافا منهم بالعجز عن حل المعضلات التي ليس لها أبو الحسن ،
وورث النهج العلوي أبناء علي عليه السلام ،إمامي الرحمة ، وسبطي الهدى ، وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين عليهما السلام ، ومن بعدهما جاء بقية أسباط الأمة من النسل الطاهر عليهم السلام ، وتبعهم شيعتهم البررة في كل العصور، متحدين كل عوامل إعاقة بقاء نهجهم المحمدي ظاهرين على من خالفهم ، متمسكين بالقيم الإسلامية الصافية ، باذلين من أجلها النفس والمال والولد.
لم يكن من السهل علي أن أجد هذا الدليل إلا من بعد جهد ومعاناة طالت سنوات وأشهرا ، وقفت فيها أيضا على أن بقية الخطوط الإسلامية كانت على صنفين:

الصنف الأول : المذاهب التي تأسست بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأجيال عديدة ، لم يتحقق لهم فيها ظهور ، بقي منها من بقي بسبب دعم الحكام لبعضها خدمة لأغراضه ، ومناوئة لأهل الحق من المحاربين لسياسات أولئك الحكام الظلمة، اذكر منها : المذاهب الأربعة في الفروع ومذهب الأشعري في الأصول، والتي تناسل منها عدد آخر من الفرق كالوهابية والجماعات التكفيرية كتنظيم القاعدة ، والجماعات التكفير والهجرة المنضوية تحت مظلة السلفية.

الصنف الثاني : المذاهب التي تأسست أيضا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، منقطعة عن عصره ، واندثرت بسبب عدم دعم الحكام لها ، فافلت ولم يعد لها وجود، لانتهائها بانتهاء أصحابها والأمثلة عديدة أسوق منها : مذهب الليث ،والأوزاعي ،وسفيان الثوري، وابن عيينة ، وابن حزم .

وتيقنت أن المذهب الذي كنت أعتنقه ، وهو مذهب مالك بن أنس لم يكن ليجد سبيلا إلى الوجود لولا أبو جعفر المنصور العباسي الذي أمر مالكا أن يكتب له كتابا بواطئ عليه الناس ، في مسعى منه لصفهم عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق أستاذه الذي درس على يديه باتفاق أهل العلم ،ولم يسطع نجم مالك هذا إلا بعد الدعم المتواصل للعباسيين له حيث كان ينادى " لا يفتى ومالك في المدينة." والحال أن المدينة تعج بشيوخ وأساتذة مالك ممن لا يرضون بالركون إلى الظالمين.
ولم يكن لجوء المنصور إلى مالك إلا بعد أن أسقط من يديه محاولة تقريب الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام إلى بلاطه، تلك المحاولة التي سجلها التاريخ بأحرف من عزة وإباء :
أرسل المنصور العباسي إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام متوددا : لم لا تغشانا كما يغشانا الناس؟ فرد عليه: ليس لنا من الدنيا ما نخافكم عليه، وليس لكم من الآخرة ما نرجوكم منه، فلم نغشاكم؟
فرد عليه المنصور: تصحبنا لتنصحنا؟ فأجاب الإمام الصادق عليه السلام بقوله: من كان يريد الدنيا فلا ينصحكم ومن كان يريد الآخرة فلا يصحبكم والسلام.

في عصر تزلف به المتزلفون، وتقرب تجار الدين بالدنيا، إلى سلاطين الظلم وأئمة الجور، كمالك بن أنس وغيره ،ممن كانوا يترددون على حكام ، شهد لهم التاريخ بفظائع ، تكررت مع حلول كل واحد منهم على هرم السلطة في الأمة، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إذا رأيتم الفقهاء على أبواب السلاطين فاتهموهم."
ولم يكن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام مؤسس جامعة العلوم الإسلامية في المدينة، والتي تخرج منها أربعة آلاف عالم ،في مختلف العلوم والفنون ، متبعا غير منهج آبائه وأجداده في الالتزام بالإسلام المحمدي الأصيل، الذي لم تشبه شائبة ، ولم يخالط كيانه دخيل من دخائل المتسلطين على رقاب المسلمين من بني أمية وبني العباس، الذين لم يكن همهم رعاية الدين، بقدر ما كانوا يبحثون عمن يمرر مصالحهم، ويحقق مطامحهم ،ويكرس رغبتهم في ترويض الأمة، وإخضاعها لإرادتهم ، وقد نجحوا في ذلك من خلال غرس عقيدة تحريم الخروج على أولئك الحكام، بدعوى محاربة الظلم ، ناسبين إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهيه عن ذلك بقوله :" ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع. قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا ." ومن شاء فيراجع باب الإمارة من كتب الحديث عند (أهل السنة)

وبعد اطلاعي على تسلسل ظهور خط إسلام أئمة أهل البيت عليهم السلام، والمعروف بالشيعة الامامية الاثني عشرية ، وكما يحلو للبعض تسميته بالرافضة ، وقوفا دون إدراك لمعنى الرفض الذي ألبسوهم جلبابه ، وأدخلوهم بابه ، وهو رفض الأدعياء والظالمين الذين تسلطوا على رقاب المسلمين ممن لا أهلية لهم في قيادة الأمة ،خرجت من استنتاجاتي واطلاعاتي على أحقية ذلك المنهج وموافقته للنصوص التي جاء بها القرآن والسنة المطهرة.
لذلك كله أقول جازما، إن الطائفة التي اخبرنا عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لم تكن غير طائفة المؤمنين الذين شايعوا عليا وأهل بيته عليهم السلام، من أمثال سلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وغيرهم من صلحاء الأمة ،الذين عرفوا الحق، وتبعا لذلك عرفوا أهله ، وبقوا منذ أن وجدوا، حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، ظاهرين علما وعملا إلى يوم الناس هذا ، والحمد لله رب العالمين .

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة