المستبصرون » مساهمات المستبصرين

ابو مرتضى علي - الوطن العربي - 20 شوال 1426 - برئت الذمّة ممن روى شيئا في فضل أبي تُراب (1)
البريد الالكتروني

الاسم : ابو مرتضى علي
الدولة و المدينة : الوطن العربي
المساهمة :

بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسّلام على خيرة الخلق أبي قاسم محمّد وآله الأطهار المنتجبين واللعن على من ناوئهم وعاداهم من الأوّلين والآخرين وحتّى قيام يوم الدّين ..

يقول الحقّ تعالى :
(( فلا وربّك لا يؤمنونَ حتّى يحكموك فيما شجر بينهم، ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضيتَ ويُسلّموا تسليما ))
- صدق الله العلي العظيم -

إخوة الإيمان والعقيدة :
سلام منَ الله ورحمتُه تعالى وبركاته .

لـــــو شُقَّ قلبي لبدأ وسطــهُ ***** سطران قد خُطّ بلا كاتــــــــــبِ
الشرع والتوحيـــــد في جانب ***** وحبُّ أهلُ البيت في جانـــــبِ
إن كنتُ فيما قلته كاذبــــــــــا ***** فلعنة الله علـــى الكـــــــــاذبِ
الإمام الشافعي

برئت الذمّة ممن روى شيئا في فضل أبي تُراب ...؟ (1)

* فريّة أوّلُ مَن أسلم
تمهيد :
قبل قراءة التاريخ، أو البحث في السيرة .. فهناك عناوين لا بدّ أن نقف عندها . وهي عبارة عن إشارات مؤدية لسُبل المعرفة الصحيحة ممّا نقل وروي، ولو بالحدّ الأدنى .. وإلاّ فكلٌّ يدعي صحّة الحديث ووثاقة السند، وصدق المصدر .. مع ما يطابق إعتقاده و هواه، في مقابل التظاهر بحبَّ أهل البيت (عليهم السّلام) إمتثالا لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ما أوجب وأوصى، ولكن أغلبهم يتظاهروا بذلك مراءا وتهافة .. حيث تجدهم ومع كلّ فضيلة أو منقبة لأحد من أصحاب الكساء (ع) ولو كانت في أعلى مراتب الصحة والسند، يُشككون ويأوّلون بما لا يُطابق ظاهر الحقيقة والإنصاف . ولا يرضون في ذلك إلاّ ما رسخ في أذهانهم من الموروث، وممّا إبتدعته يد الوضع والافتراء للعين إبن هند وشيعته من رواد موائد المضيرة .. فكانت كل فضيلة لأمير المؤمنين (ع) عُرضة للجرح والطعن .. وإن أعيتهم الحيلة في ذلك، لجئوا فوق ما يقتضيه ظاهر اللفظ حتّى ينسخوا منها لأوليائهم نماذج وأمثلة .. فجعلوا للإسلام والتاريخ رجالا لم يكونوا شيئا مذكورا، وأقصوا رجالا لولاهم ما كان للإسلام المحمّدي اليوم ذكرا .. وليكفكم من العيان السّماع ومن الغيب الخبر ..
وإذا أردت الآن البحث عن الحقيقة الغابرة، تأتيك النصائح ملفوفة بكلمات الشفقة، من كلّ من هبّ ودبّ .. بدعوى وحدة الأمّة وأولوية الهدف والأهمّ والمهمّ .. وتلك أمّة خلت، وما يُجدي النبش في الماضي .. ومن نحن حتّى نُقيّم أو نُعدّل ووو.. ولكنّ ذلك كلّه دعوى الغاش وإن تشبّه بالناصح .. لأنهم رأوا الحقّ ثقيل، وقد يُخففه الله على أقوام صدقوا في طلب الحقيقة، ليدحضوا بها الباطل، وما أفترت يد الغش والتضليل من متاهات، ومهالك على درب سُبل الهداية المحمّديّة، ومناهج السنن النبويّة .. بعد أن تزيّنَ أهل النفاق منهم والحسد والكذب بجلباب الدين، حتّى كانت لهم صولة على عقول السذج والإنتهازيين .. وكان لزاما علينا بذل الجهد لتوخي الصدق والأمانة في القول والفعل حتى ندحض ذاك البطل ولو بعد حين . و نتوافق على سبيل الحقّ، فأصدق القول ما طابق الحق، حيث شفا منجاة وكرامة ..

* لا خيرَ في قول الأفّاكين، ولا في علم الكذّابين :
وكما هو معلوم فإنّ شرَّ الرذائل الكذب، وأعضل داء البهتان . ومثل هذه الصفات المنكرة يُمكن تداركها والقضاء عليها بين الأفراد والجماعات . لكن كيف بنا لو كان المستهدف من ذلك الشريعة السمحاء،وسنّة المصطفى (ص)، بعد أن نبّههم وأنذرهم .. على ما رواه الطبري من قوله (ص) : لا تكذبوا عليَّ، فإنّه ليس كذب عليّ ككذبٍ على أحد [1] . أو ما جاء به البخاري : (( لا تكذبـــوا عليّ، فإنّ من كذب عليّ يلجُ النّار)) [2] .
وهذا التأكيد منه (ص) على أنّ ما جاءت به رسالته المقدّسة من أصول في العقائد، ليس لأحد من بعده أن يغيّر في أصل من أصولها بزيادة أو نقصان، وكذلك ما جاءت به من أحكام دينيّة، لأنّها قائمة على قاعدتين :
أن لا يُعبد إلاّ الله . وأن يُعبد بما شرّعه .. ومن تعدّى ذلك فهو في حكم مَنْ كذبَ عن الله ورسوله (ص) وإن كان صحابيا من الطبقة الأولى، والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النّار ..
وما أضافه معاوية وأذنابه للحديث الأخير المروي عن البخاري : من كذب عليّ يلج النار .. بزيادة لفظ (( متعمّدا)) .؟ كي يوسعوا المجال لطواحين الوضع والافتراء، تحت شعار حسن النية والظنّ .. ولكن كلّ ذي لُبٍ يستبعدُ أن يكون النبي (ص) قد نطق به . لمنافاة ذلك للعقل والمنطق والخلق .. والذين كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - متّصفا بالكمال فيهم . ولأنّ الكذب هو الإخبار بالشيء بخلاف ما هو عليه، سواء أكان عمدا أو خطأ .. إلاّ أنّ رواد المضيرة أدرجوا هذه اللفظ،ليسوغوا بها للذين يضعون الحديث عن رسول الله (ص) حسبة من غير عمد، كما كان يفعلوا الصالحون من المؤمنين ويقولون : نحن نكذب له لا عليه .؟ ومن أجل ذلك وضع هؤلاء الرواة قاعدتهم المشهورة : إنّما الكذبُ على من تعمّد .؟ .. بل كيف بهم بعد أن كذبوا على الرسول الأمين (ص) وهو بين ظهرانيهم، ولم يستحوا من وجوده المقدّس ..؟ [3] . لذا :

* لاَ تُحدّث عن غير الثقة، فتكون كذّاب :
أين هم من هذه الحكمة المُنجيّة، وقد تركوها عمدا وراء ظهورهم واعتصموا بما أوحت به شياطين الإنس والجن بعضها لبعض، من زخرف الضلال وبُهرج الإفتراء .. و بعد أن وضع لهم معاوية بن هند دستور الفسق والفجور بتحريف السنن المقدّسة، بالكذب على الله ورسوله (ص)، فكانوا خفافا وباعوه آخرتهم بدنياه الدنيئة بعد أن راقهم زبرجها، فهاجروا كتاب الله تعالى، وهدي رسوله الكريم (ص) . واستمسكوا بسنّةَ ابن هند وروّجوا لها .. وكان من دعائمها المخزيّة : سبّ الإمام عليّ (ع) وأهل بيته الأطهار، مع منع ذكر فضائلهم .. بين ترغيب وترهيب .. في مقابل وضع الفضائل في من سبقه في الخلافة بغيا من عند نفسه الموبوءة بالنفاق والفجور..
□ فكتب لعمّاله بعد عام (( الجماعة )) أن برئت الذمّة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته وأمرهم بلعن الإمام علي (ع) على كلّ منبر ويبرؤون منه ويقعوا فيه وفي أهل بيته الأطهار ..؟ [4] .
□ أن لا يجيزوا لأحد من شيعة عليّ (ع) شهادة، وكتب إليهم أن أنظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته الذين يرون فضائله ومناقبه، فادنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم ..[4] .
□ .. ثمّ كتب إلى عمّاله أن الحديث في عثمان قد جهر وفشا في كلّ مصر وكل وجه، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين .. ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب، إلاّ واتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحبّ إليّ وأقرُّ لعيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشدُّ عليهم ..؟ [4] .
□ .. ثمّ كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان، أنظروا من قامت عليه البيّنة أنّه بحبّ عليّا وأهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه .. وشفّع ذلك بنسخة أخرى من إتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به واهدموا داره .. فاشتدّ البلاء على شيعة عليّ (ع) وخاصة في العراق ولا سيما بالكوفة ..؟ [4] .

* ولكن طوبى لمن خلا منَ الغلّ صدره، ومن الغشّ قلبه .
هذه الأركان الأربعة التي بنيت عليها الفضائل المصطنعة للخلفاء الثلاثة، والتي أراد لها معاوية أن تسمو على فضائل علي (ع) . بعد أن ظهر حديث كثير مفترى، وسنن موضوعة، وبهتان منتشر، وقد مضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة . وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون والمستضعفون الذين يُظهرون الخشوع والنسك .. و انتقلت تلك العدوى عبر العصور ليتلقّفها أئمة السوء، ويزيدوا عليها من حبر ضلالهم وبغضهم للحقّ وأهله . كشيخ النواصب إبن تيميّة وتلميذه إبن كثير ومن سلك نهجهم المظلم من الأوّلين والآخرين .. حتّى طعنوا في كلّ فضيلة ومكرمة كانت للإمام عليّ (ع) .. حتّى شجاعته وعلمه وسبقه .. كلّها نُزعت منه وأهديت لغيره، وبلغت بهم القحة والخيانة أن يدّعوا قول الزور وينتصروا لأوليائهم بالبهتان بدعوى : أنّ إيمان الإمام عليّ (ع) وجهاده وهجرته وأنّه من أهل الجنّة .. لن يثبُتَ منها شيء، إلاّ بثبات إيمان الخلفاء ومنهم معاوية اللعين وابنه يزيد الفاسق ومن تبعهم من الأمويين والعباسيين ..؟ [5] . وهكذا ابتدعوا أسس وشروط ليرفعوا شأن من وضعهم الله، ويضعوا من رفعهم الله واجتباهم .. بغيا وحسدا .. حتّى بلغ بهم بغيهم وضلالهم إباحة دماء أتباع أهل البيت (ع) بين الجزيرة وبلاد الرافدين .. عِلما بأنَّ أفظعَ الغِش، غشُّ الأئمة . ثمّ انتقلت تلك الأخبار إلى أيدي الدّيانين الذين قبلوها دون تدبر ولا بحث ولا تمحيص .. ظنا بصحّتها .
- ولسانُكَ يقتضيكَ ما عوّدته .

وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكابر المحدّثين وأعلامهم في تاريخه حيث قال : إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة، افتعلت في أيام بني أميّة، تقرّبا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم ..
بل أنظر بعين البصيرة إلى الحالة المهينة التي انحدرت إليها قيّم الأمّة وولاة أمورها في زمن جُمعت فيه السنة الشريفة . على ما رواه المبرّد في تاريخه ": كان خالد بن عبد الله القسري يرتقي المنبر ويقول : اللهم ألعن علي بن أبي طالب بن هاشم صهر رسول الله (ص) على إبنته، وأبا الحسن والحسين .. ثم يقبل على الناس ويقول هل كنيت ..؟:" [6] وهل هناك من جرأة على الله ورسوله بعد هذه ..؟ وهل هناك من ذلّة وخنوع أعظم وأشدّ على أمّة ائتموا بأمثال هؤلاء الفسقة.؟ حتّى جعلوا منهم سفرائهم إلى الله ..؟ كما ائتمنوهم على جمع السنة المباركة والسيرة النبوية العطرة .. وهم يسمعون المنكر والتجرؤ على الله ورسول الله (ص) من فوق أعواد المنابر .. بل وأشدّ من ذلك وهم يسمعون الحجاج الفاجر يذكرُ الذين يزورون قبر النبي (ص) بالمدينة، فيقول : تبّا لهم إنما يطوفون بأعواد ورمة بالية ..؟ هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك، ألا يعلموا بأن خليفة المرء خير من رسوله ..؟ ألا لعنة الله عليه وعلى الفاسقين ومن والاهم ومن أسّس لهم ذاك الملك العقيم .. أولئك الجفاة الطغام، وعبيد أقزام، جمِعوا من كلّ أوب، وتلقّوا من كلّ ثوب . يُشينوا الكريم بمجلسهم، ويُسفّهوا الحليم بخلطتهم، بعد أن تحابوا على الكذب وتباغضوا على الصدق ..

* ثلاثة هنّ زينة المؤمن : تقوى الله، وصدقُ الحديث، وأداء الأمانة :
فعلى المؤمن الصادق أن يتّخذ من هذه الحكمة نبراسا يستضيء به دروب النجاة . وعندها ينل ملاك الإيمان بالصدق واليقين ليكون مدافعا ومنصفا للحقيقة المضطهدة، والتي عاشت تحت وقع السيف والسوط .. ثمّ التضليل وتقليد .. والغاية أن تعيش الحقيقة بعيدا في الخيال ليتاجروا بإسمها المبطلون . وكان من الواجب : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبذلك يكون شدُّ ظهور المؤمنين، وإرغام أنوف الكافرين، ورفع المظلومية على بطل الإسلام الخالد أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) بإزالة تلكم الصفحات التي سودوا بها وجدان التاريخ، و سجلوا فيها منَ المفتريات والبهتان والتضليل والإساءة لأهل الحق، بنصرة أهل الباطل والشدّ مِنْ عضدهم .. وتعدّي على الحقوق الشخصيّة والأدبية لأهل البيت (عليهم السلام) .. وهذا الواجب أراه لزاما على كلّ مسلم بعيدا عن انتماءه الطائفي .
ومن لم يرى ذلك واجبا فقد قُلِبَ قلبه، حتّى جُعِلَ أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه .. لأنّ عليّ (ع) إمام الكلّ على ظاهر ما يُبديه ويدّعيه الجميع .. فمن الواجب الملحّ والأكيد تقييم الاعوجاج الذي طال أمده، ورفع المظلوميّة عن ساحته المقدّسة، والذي أراد لها إبن هند أن تبقى ما بقي الليل والنهار بقوله المنكر ": لا والله حتى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير،ولا يُذكر له ذاكر فضلا .:" تلك أمانيهم، فلعنهم الله بظلمهم . ولكن في الأمّة من أعطي صدق الحديث وأداء الأمانة وعفّة البطن وحسن الخلق .. أولئك من يُعيدون الحقّ لأصحابه .. بالإعتماد على ما جاءت به الكتب الموثقة عند القوم، ودون الإعتماد على كتب الشيعة، زيادة في إرغام أنوف النّواصب والمعاندين، وهواة التقليد الأعمى والتضليل المستطاب . ولتكن البداية مع ما نسب من فضائل ومناقب للخليفة الأوّل أبي بكر بن أبي قحافة , وهو بريء منها، وهي كرامات من الله ورسوله لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ولا بأس أن نفضح ذلك العشّ، ومن أتى به . فغش الصديق، والغدر بالمواثيق من خيانة العهد ..
لديهم قول مأثور بأنّ أبا بكر أوّل الرجال إسلاما .. وجاءوا بحديث من صُنع طواحين الإفتراء التي أسسها إبن هند قالوا فيه : أول من أسلم من النساء خديجة، ومن الصبيان عليّ ومن الموالي زيد ومن العبيد بلال ومن الرجال أبا بكر .. [ * ] .. والسرّ في هذا التفصيل الُممِل معروف، ولكن لن يُجديهم نفعا مقابل الأدلّة والبراهين :

- لأنّ عقلاء المؤمنين يرون أن العبيد والموالي رجالا، وخاصة لو تكلمنا بمنطق الإسلام والإيمان .. وأمّا دعوة الرسول الأكرم (ص) الصبيان للإسلام، فالمسألة فيها نظر :
1- والجواب عليها نختصره منَ المناظرة التي جرت بين المأمون العبّاسي وأربعين من علماء الجمهور يرأسهم قاض القضاة يحي بن أكثم .
... قال المأمون : اقرأ ذلك في كتاب الله تعالى يقول ": والسابقون السابقون، أولئك المقرّبون ..:" إنّما عنى من سبق إلى الإسلام، فهل علمت أحدا سبق عليّا إلى الإسلام .؟ .. [7] .
قال إسحاق : يا أمير المؤمنين، إنّ عليّا أسلم وهو حديث السنّ لا يجوز عليه الحكم، وأبو بكر أسلم وهو مكتمل يجوز عليه الحكم .
قال : أخبرني أيّهما أسلم قبل، ثمّ أناظرك بعده في الحداثة والكمال .
قال إسحاق : عليّ أسلم قبل أبي بكر على هذه الشريطة .
قال : نعم، فأخبرني عن إسلام عليّ حين أسلم : لا يخلو من أن يكون رسول الله (ص) دعاه إلى الإسلام، أو يكون إلهام من عند الله .. قال إسحاق : فأطرقت . فقال لي : يا إسحاق، لا تقل إلهاما فتقدّمه على رسول الله (ص)، لأنّ رسول الله (ص) لم يعرف الإسلام حتى أتاه جبرائيل (ع) عن الله تعالى .
قال إسحاق : أجل، بل دعاه رسول الله (ص) إلى الإسلام .
قال : يا إسحاق فهل يخلو رسول الله (ص) حين دعاه إلى الإسلام من أن يكون دعاه بأمر الله أو تكلّف ذلك من عند نفسه .؟ .. ولا تنسب رسول الله إلى التكلّف، فإنّ الله يقول ": وما أنا من المتكلّفين.:" ... ولا صفة الجبّار جلّ ثناؤه أن يُكلّفَ رسله دعاء من لا يجوز عليه التكلّف .. فقال إسحاق : أعوذ بالله .
قال : أفتراه في قياسك يا إسحاق ": إنّ عليّا أسلم صبيّا لا يجوز عليه الحكم .:" قد كُلِّفَ رسول الله (ص) من دعاء الصبيان ما لا يطيقون، فهو يدعوهم الساعة ويرتدّون بعد ساعة، فلا يجب عليهم في ذلك شيء، ولا يجوز عليهم حكم رسول الله (ص) .. أترى هذا جائز عندك أن تنسبهُ إلى الله عزّ وجلّ .." إنتهى .

- وما جاء من كتاب الله تعالى :
2 - قوله تعالى : والسابقون الأوّلون ..: نزلت في علي ّ (ع).. [8] .
3 - قوله تعالى : أفمن كان على بيّنة من ربّه ويتلوه شاهد منه ..: روى الجمهور أن من كان على بيّنة هو رسول الله (ص) والشاهد عليّ (ع) ..[9]

* وأعلم أن نزول كرائم القرآن كانت في عليّ (ع) كما ينقل ذلك الإمام أحمد في مسنده و مناقبه عن ابن عباس بقوله :
" ما في القرآن آية إلاّ وعليّ رأسها، وقائدها، وشريفها، وأميرها .. وقد عاتب الله أصحاب محمّد (ص) في القرآن، وما ذكر عليّ (ع) إلاّ بخير .." وكيف تكون مثل هذه المكرومات لمن أسلم وهو صبي غير مكلّف ..؟

ومن قول الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله) :
1 - أوّلكم واردا - ورودا - على الحوض، أوّلكم إسلاما .." [7]. لآ 2 - وقوله (ص) لفاطمة (ع) : (( زوجتك خير أمّتي أعلمهم علما، وأفضلهم حلما، وأوّلهم سلما )) [8] .
3 - عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله (ص) لعليّ ": وضرب بين كتفيه يا عليّ لك سبع خصال لا يُحاجّك فيهنّ أحد يوم القيامة : أنت أوّل المؤمنين بالله إيمانا، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله "[9] .

* هل منكم يدعي بأنّ النبيّ الأعظم (ص) كان يُفاضل بفعل من لم يبلغ الحلم وهو صبي ..؟
ثمّ أُعزّزُ الدليل - من أقوال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
1 - (( أنا عبد الله، وأخو رسول الله، وأنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلاّ كذّاب مُفتري، ولقد صليتُ مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين، وأنا أوّل من صلى معه )) [10] .
2 - (( أنا أوّل من أسلم )) [11] .
3 - (( اللهمّ لا أعرفُ عبدا من هذه الأمّة عبدك قبلي غير نبيّك (ص) [ قالها ثلاث مرّات ] ثمّ قال : لقد صلّيت قبل أن يُصلّي النّاس . وفي لفظ : قبل أن يُصلي أحد..)) [12] .

* هل فيكم من يُنسب الإمام عليّ (ع) لإدّعاء الباطل .. ؟ أو أنّه يفتخر عن الأقران بما كان في أيام الطفولة والصبا ..؟
وكشاهد على ذلك نذكر حادثة واحدة، جرت لسعد بن أبي وقّاص ( رغم انحرافه عن الإمام عليّ (ع) ) حيث سمع رجل يشتم عليا (ع) فوقف عليه وقرره بقوله : يا هذا، علاما تشتم علي بن أبي طالب .؟ ألم يكن أول من أسلم ؟ ألم يكن أوّل من صلى مع رسول الله (ص) ؟ ألم يكن أعلم النّاس ..؟ ألخ ..[13] كما أنّ المقداد (رض) كان يتعجّب من قريش لدفعها هذا الأمر عن أول المؤمنين إسلاما يعني عليا (ع) ..[14] .
وبعد هذا فلا يصغى لقول النواصب والحاقدين، الذين يهتمون بطمس فضائل عليّ (ع) بكلّ وسيلة إقتداء بسلفهم اللعين معاوية، ولو عن طريق التزوير والتضليل والدجل .. حتى أنّ ابن كثير ليقول : وقد روي في أنّ عليّ أوّل من أسلم أحاديث كثيرة، لا يصحّ منها شيء ..؟:" [15] . وهل جاء على نكرانه ذلك بدليل ؟
لذا نقول له ولمن صدّقه واهتدى به .. لا يا ابن كثير لقد جنيت على الحقيقة والتاريخ كلّ التجني، ولم تستطع أن تكتم ما يعتلج في صدرك الحقود من إحن موروثة، فجرّك ذلك إلى المكابرة والحسد، وإلاّ إنكارك ما يكاد يلحق بالموثوق المتواتر حتّى صار من الضروريات عند ذوي البصائر .. تجنّي وسفه ؟

وحتى نُتم هذه الحلقة، نُعرّج على ما جاء في إسلام أبي بكر , ونستجلي حقيقة الأمر، ونكشف عن سوءات إبن هند (لعنه الله وأخزاه هو ومن والاه) . بل إلى متى يدخرون هذه الفريّة ؟ ولماذا ..؟ ولكن سنلزمهم بما ألزموا به أنفسهم :
1 - ما قالوه : من أنه لمّا أسلم أبو بكر سمّاه النبي (ص) صدّيقا ..[16] مع إدّعاءهم بأنّ تسميّته هذه إنّما كانت بعد الإسراء، حين صدّقه أبو بكر وكذّبته قريش ..[17] وهم يدّعون بأنّ الإسراء كان بعد البعثة باثنتي عشرة سنة ..
2 - روى الطبري بسند صحيح عن محمد بن سعيد قال : قلت لأبي : أكان أبو بكر أوّلكم إسلاما .؟ فقال لا ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين " [18] . . . وهذا يعني : أنه قد أسلم بعد إنتهاء الفترة السرّيّة، وبعد خروج المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلّم) من دار الأرقم .. لأنّ من أسلم عندها بلغ الأربعين رجلا .
3 - ويذكر النووي في تهذيب الأسماء واللغات عن أبي قحافة قوله : أن إبن مسعود (رض) قد أسلم هو وجماعة قبل إسلام أبا بكر وعمر .. كما يروي صاحب الصواعق أنّه لمّا بُعثَ النبي (ص) كان أبا بكر غائبا باليمن . ولمّا قدم مكة جاءهُ صناديد قريش ... إلى أن قال : فقالوا : يا أبا بكر أعظم الخطب، وأجل النوائب، يتيم أبي طالب يزعم أنّه نبي . ولولا انتظارك - ما انتظرنا به، ها وقد جئت فأنت الغاية والكفاية ..[19]
ويؤيّد ذلك أيضا قولهم : إنّ أبا بكر قال لنبي (ص) : فُقدتَ من مجالس قومك، واتهموك بالعيب لأبائها وأمهاتها، فدعاه (ص) إلى الإسلام فأسلم ..[20] .

فكل الذي ذكرناه يدلّ على أنّ إسلام أبي بكر , كان بعد الفترة السرّية، التي إستمرّت أربع أو خمس سنوات، وبعد أن أنذر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عشيرته الأقربين، وبعد أن أذن له بأن يصدع بالأمر ودعوى الناس عامة، وبعد تكفيره (ص) لآبائهم وأمّهاتهم .. وبعد عرض قريش على أبي طالب (رض) أن يقنع ولده بالعدول عن هذا الأمر، وبعد عرضهم عليه ولد آخر ويُخلي بينهم وبين رسول الله (ص) ... وهذا يدلّ على أنّ إسلام أبي بكر قد تأخر إلى السنة الرابعة أو الخامسة إن لم يكن أكثر من ذلك ... وهكذا يتّضح أن القول بأنّ أبا بكر أوّل من أسلم، لا يمكن إلاّ أن يكون ممّا طُبخَ على موائد المضيرة، ومما أنتجت مدارس التدجيل وزخرف القول والدعاوي الفارغة لإبن هند و أشياعه .. بعد أن تركوا ما أمروا به من اغتنام الصدق في نقل الحقائق، واجتناب الشرّ والكذب المرجوّ نفعه.
(( وما أكثر النّاس ولو حرصتَ بمؤمنين ))

وحتّى نلتقي مع حلقة ثانية، من سلسلة (( السنن المعاوية ))، والتي أرادوا بها شدََّ صُروح المجد لأوليائهم .. إلاّ أنّها تتداع بالذوبان مع كلّ شعاع لنور الحقيقة ..
نستودعكم الله .
والسلام في البدء والختام ممن سيبقى على العهد مقيما .
أبو مرتضى علي

[1] تحذير الخواص ص 10 و 11 .
[2] وقد أخرجه بلفظه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والدراقطني والحاكم في المدخل ..
[3] الإحكام في أصول الأحكام لإبن حزم ج2 ص 582 .
[4] أبو عثمان الجاحظ في كتاب الردّ على الإمامية .
[5] منهاج السنة لإبن تيمية ج1ص 163 و 164 .
[*] السيرة الحلبية 1- 275 . البداية والنهاية 3- 17 و 26 و 29 ..
[6] تاريخ الكامل للمبرد .
[7] الواقعة 10 - تفسير ابن كثير 4- 283 . الدر المنثور للسيوطي 6- 154 . روح المعاني 27- 114.. وممن روى سبق عليّ(ع) الإمام الترمذي في الجامع الصحيح 5- 600 .ح 3735 . مستدرك الصحيحين 3- 136 . خصائص النسائي ص26ح 3 . مسند أحمد بن حنبل 4- 368 ..
[8] التوبة 100- شواهد التنزيل للحسكاني 1- 254 بطرق وأسانيد . وابن مردويه في المناقب . مجمع الزوائد للهيثمي 9 - 102 و220 . كنز العمال 6- 152 . ذخائر العقبى ص58 . ينابيع المودّة ص60 و 61..
[9] هود 17 - تفسير الخازن 3- 183 . تفسير الطبري 12- 10 . الرازي في تفسيره 17- 201 ...
الحاكم في المستدرك 3-136 وصححه . الخطيب في تاريخه 2- 81 . إبن عبد البرّ في الإستعاب 2- 457 .شرح النهج 3- 258 . السيرة الحلبية 1- 285. سيرة الدحلان 1- 188 . الخوارزمي في المناقب .. وغيره .
[8] التوبة 100- شواهد التنزيل للحسكاني 1- 254 بطرق وأسانيد . وابن مردويه في المناقب . مجمع الزوائد للهيثمي 9 - 102 و220 . كنز العمال 6- 152 . ذخائر العقبى ص58 . ينابيع المودّة ص60 و 61..
مسند الإمام أحمد 5- 26 . الهيثمي في مجمع الزوائد 9- 101 و114 بطريقين صحح أحدهما ووثق رجال الآخر . الرياض النضرة 2- 194 . كنز العمال 6- 153 . السيرة الحلبية 1- 285 .. وغيره كثير ..
[9] أبو نعيم في حليّة الأولياء 1- 66..
[10] أخرجه إبن أبي شيبة بسند صحيح . والنسائي في الخصائص ص 3 بسند رجاله ثقاة . وابن أبي عاصم في " السنّة " والحاكم في المستدرك 3- 112 وصحّحه وأبو نعيم في المعرفة . وابن ماجه في سننه 1- 57 . والطبري في تاريخه 2- 213 . وابن الأثير في الكامل 2- 22 . وطبقات الشعراني 2- 55 . .. وغيره ..
[11] سنن أبو داوود . شرج النهج 3- 258 . الخطيب البغدادي في تاريخه 4- 233 ...
[12] أخرجه أحمد في مسنده . وأبو يعلى . والبزّار . والطبراني . والهيثمي في المجمع 9- 102 وقال إسناده حسن . والشيخ الحمويي في الفرايد الباب - 48 ...
[13] مستدرك الحاكم 3- 500 . وصححه هو والذهبي .. وحياة الصحابة 2- 514 و 515 ..
[14] تاريخ اليعقوبي 2 - 140 ..
[15] البداية والنهاية 7- 330 .
[16] السيرة الحلبية 1- 173 . والسيرة النبوية لدحلان 1- 8 ..
[17] السيرة الحلبية 1- 173 ..
[18] تاريخ الطبري 2-60 ..
[19] الصواعق المحرقة ص 148 . تاريخ الخميس 1- 287 . سيرة الدحلان 1- 89 ..
[20] البداية والنهاية 3- 29 - 30 . سيرة إبن كثير 1- 439 .

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة