المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 5 ذي القعدة 1426 - نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب -12-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت .. وهذا هو السبب
الحلقة الثانية عشرة

مودة قربى النبي (ص) عند الشيعة هي التي شيعتني

بشير ... هو واحد من الأصدقاء الذين عرفتهم كبيرا ، وتوطدت علاقتي به بعد تجربة أكدت أنه من طينة الأخلاء الذين يندر وجودهم، كان يتابع المتدخلين في الجلسة بنظراته المتقدة بريقا دل على نباهة وبصيرة، قلما يتحلى بها الكثيرون من الناس،كان يريد أن يسمع أكثر من أن يتكلم ،تابع باهتمام بالغ إفادات الحاضرين، وكان يود أن يكون آخر المتكلمين ، وإفادته خاتمة الإفادات - كذلك أسر إلي قبل مجيئه إلى الجلسة - لكنني فاجأته بإعطائه الكلمة، طلبا لأولوية السبب الذي دعاه إلى التشيع، فلم يمانع من ذلك .
قال بشير...: لم أكن ملتفتا إلى المعاني الحقيقية لفريضة مودة قربى النبي صلى الله عليه وآله إلا بعد أن وقفت على لزومها من خلال النصوص العديدة التي أشار إليها المولى سبحانه وتعالى في محكم كتابه ، فقال جل من قائل:" قل لا أسألكم عليه من أجر إلا المودة في القربى." وبينها النبي صلى الله عليه وآله عندما نزلت الآية الكريمة ، ردا على سؤال وجه إليه من طرف أحد الصحابة :"من الذين وجبت مودتهم يا رسول الله ؟" فقال صلى الله عليه وآله:"علي وفاطمة وأبناؤهما."وحث صلى الله عليه وآله بعد ذلك، على تلك المودة في أكثر من مناسبة ، ولم أتساءل قبل ذلك عن الغاية التي كانت تراد منها تلك المودة، فقط كنت أتصور أنها محبة مجردة ، خالية من المقاصد الحقيقية المراد تحقيقها منها.
بل لعل المتداول والمعمول به بين بني عقيدتي، ممن تسموا بأهل السنة والجماعة ، هو تقديم الخلفاء الثلاثة على أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وتقديم عائشة على فاطمة الزهراء عليها السلام، رغم النصوص الصريحة التي تأبى عليهم ذلك الحيف والإجحاف بمن اصطفاهم الله سبحانه وتعالى، وخصهم منه بفضل لم يتسنى لغيرهم،مضافا إلى سيرتيهما العطرة بالأعمال الجليلة والمثل النبيلة، و القيم المجسدة للإسلام في أبهى مظاهره، وبلغ الأمر في هذا الإطار إلى أن أصبح عنوان التسنن حب الشيخين وتقديمهما على غيرهما ، وعنوان التشيع حب علي عليه السلام وتقديمه على غيره.
بدأت التفاتتي إلى مسألة مودة أهل البيت عليهم السلام ،عندما عثرت على رواية أخرجها الترمذي تقدم الخليفة الأول وابنته على الصفوة الطاهرة ، تقول: عن أنس قال: قيل يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة قيل: من الرجال؟ قال: أبوها.

لم أستسغ الحديث في نفسي على الرغم من مذهبي الذي كان أحد أبرز سماته ذلك الاعتقاد في المفاضلة، ولم أتلقاه كعادتي عندما كنت أتقبل حديثا مرويا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فانبنى بيني وبينه حائل يتمثل في مكانة علي وفاطمة الزهراء عليهما السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والى جانب هذه الرواية أخرج الترمذي أيضا رواية أخرى مناقضة للرواية الأولى تقول: عن ابن بريدة عن أبيه قال كان أحب النساء إلى رسول الله (ص) فاطمة ومن الرجال علي.
فاستغربت من إقدام حفاظ الحديث عند الخط السني على نقل المتناقضات في كتبهم ، ولم أفهم السبب الذي دفع بهم إلى سلوك ذلك الأسلوب ، الذي لا يتيح للبسطاء إمكانية التمييز بين الحق والباطل والصحيح والمكذوب.
فقد كان من اليسير على الترمذي مثلا أن يعترف بأن أهل البيت عليهم السلام هم معدن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا يجب أن يقاس بهم أحد ، لأن الله تعالى اصطفاهم على العالمين ، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا كما صرحت بذلك الآية الكريمة:"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا." لكن الرجل كان متبعا لمنهج المناوئين لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، ومنساقا وراء تيار المتنكرين لمكانتهم في الأمة .

فمقايسة الخليفة الأول بعلي عليه السلام بالنسبة لي هي من باب محاكاة التبر بالتراب، وتقديم ابنته على أساس أنها زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووضعها في مقام سابق لفاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام جرأة على الله ورسوله لا يقدم عليها غير من عميت بصيرته، وهان عليه دينه.
ولم أكن أعرف أن بتفضيلي لعلي وفاطمة عليهما السلام على غيرهما ، أنني نسبت نفسي إلى التشيع لأهل البيت عليهم السلام دون أن أشعر، لأن المسلم المتسنن عرفا واصطلاحا لا يقدم غير الخليفة الأول وابنته، وهكذا كانوا يميزون بين من هو تابع لهذا الخط أو ذاك في علم الرجال، وما يسمى أيضا بعلم الجرح والتعديل، وكم من حافظ أو راو للحديث ردت روايته، وطعن في حفظه لمجرد تقديمه لعلي عليه السلام على غيره ممن عاصر النبي صلى الله عليه وآله، وكم من راو أو حافظ وثق وعدل لمجرد تقديمه للخليفة الأول والثاني، دونما التفات إلى مسألة مودة قربى النبي صلى الله عليه وآله التي لا تجيز تقديم المفضول على الفاضل، وترى أن مجرد المقايسة بين من اصطفاه المولى سبحانه وتعالى ورفع ذكره مع النبي صلى الله عليه وآله، هو تجاهل لإرادة الباري تعالى في تفضيله وتقديمه واختياره.

لقد كانت بداية اكتشافي لحقيقة مودة أهل البيت عليهم السلام عند الشيعة، الذين كنت معتقدا فيما مضى أنهم فرقة خارجة عن الإسلام، بحسب ما حصلته من الخط السني الذي كنت من بين أفراده، عندما شاهدت صدفة محاضرة إسلامية لأحد علماء الشيعة في إحدى الفضائيات ، لقد كانت محاضرة قيمة وقفت من خلالها على القيمة العلمية التي يختزنها ذلك العالم الشيعي ، إلا أنني سرعان ما اصطدمت بخاتمة المحاضرة التي أثار فيها المحاضر فاجعة كربلاء فأبكى الناس من حوله ، وأبكاني معهم بكاء شديدا لم أبك مثله من قبل ، لأنني كنت مغيبا عن تفاصيل واقعة "الطف" ، شأني في ذلك شان بقية المسلمين المخالفين لخط أهل البيت عليهم السلام، وكان تأثري بما سمعته من سرد لبعض لقطات ومشاهد الواقعة كبيرا ، فقررت بعد ذلك أن أبحث عن حقيقة الأمر بخصوص مودة قربى النبي صلى الله عليه وآله، أيها الحقيقية ؟ ما يدعيه هذا الطرف ؟أو ما يتشبث به الطرف الآخر؟ وبناء على ذلك أتخذ قراري في إتباع الأولى والأقرب إلى الله ورسوله في الطاعة.

وجدت في عدد من التفاسير التي اعتمد أصحابها المدرسة السنية مذهبا ومنهجا ، نصوصا تأكد على ثبوت نزول الآية في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وكان الإجماع على تلك الفريضة مما لم يختلف فيه اثنان.
وزاد في حيرتي أن عثرت يوما في إحدى المكتبات على كتاب" مقاتل الطالبيين" لأبي الفرج الأصفهاني، جمع فيه مؤلفه أسماء المشهورين من آل أبي طالب ممن قتل في العهدين الأموي والعباسي ، بسبب انتمائه الفكري والعقائدي إلى أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله .
وهالني وأنا أتصفح الكتاب ذلك العدد من الشهداء الذين قضوا دفاعا عن الإسلام وليس دفاعا عن شرفهم وانتسابهم ، فقد كان قاتلوهم يرون فيهم خطرا محدقا بعروشهم،بسبب أحقيتهم في قيادة الأمة الإسلامية، وتساءلت في نفسي: أهذه هي مودة القربى التي حث عليها المولى سبحانه وتعالى وجعلها فريضة من الفرائض التي لا مفر للمسلم من التقيد بها؟ أهكذا أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله بأهل بيته ، وحث المسلمين على أدائها؟ وما السبب الذي دعا بأغلب الأمة إلى التنكر لتلك المودة ،بل وعكسها تماما لتصبح تجاهلا ثم حربا لا هوادة فيها ؟ ولماذا مورس ضد هؤلاء الأطهار كل ذلك العنف والإرهاب ، من قتل وتعذيب وسجن؟
بقيت الإجابة عالقة تحتاج إلى مزيد من البحث والتمحيص، وبقيت أستجلي أثر الحقيقة من غبار الوهم وحبائل الزيف .

في أحد الأيام التقيت واحدا من المسلمين الشيعة الذين كنت أعرف عددا منهم ، ولم تسمح لي فرصة الاقتراب منهم ومحادثتهم ، لعدة أسباب لعل أهمها الشائعات التي تجند أعداؤهم لبثها في المجتمع من أجل إقصائهم ، وحصر حججهم وأفكارهم في أضيق الأطر ، بحيث لا يمكن لها أن تجد آذانا صاغية وسط المجتمع.
بدأت حديثي معه عندما وجدته في مجلس ختم قرآن لأحد معارفي ، فانتهزت الفرصة لأعرف منه حقيقة مودة قربى النبي صلى الله عليه وآله عند الشيعة .
فقلت له: وما تقول في مغالاة الشيعة في حب أهل البيت رضي الله عنهم، إلى الإفراط في ذلك والبكاء عليهم، وإظهار الحزن والجزع على مصائبهم ،إلى درجة إسالة الدماء وتعريض الأنفس إلى الهلاك؟
فقال لي: إن فريضة حب أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله مما إتفق جميع المسلمين على وجوبها ، لكنهم تباينوا في العمل بها وتطبيقها ، وجوب مودة أهل البيت عليهم السلام كما دلت عليه الآية الكريمة :" قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى." لا يختلف فيها عاقلان ، والآية المحكمة التي فرضت هذه الشعيرة واضحة الدلالة على مقصدها ، وفوق ذلك جاءت الأحاديث مفسرة لها، وقد نقلها القاصي والداني ، واتفق الجميع إلا من شذ، والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه ، في أن الذين وجبت مودتهم، هم علي وفاطمة والحسن والحسين والخلف من ذريتهم عليهم السلام .
وقد أجهد النبي صلى الله عليه وآله نفسه، في بيان وتوضيح معاني المودة التي أوجبها الله تعالى على الأمة الإسلامية ، حتى لم يعد هناك مجال للتأويل والريبة، بخصوص هذه الشعيرة العظيمة، إلا أن الغاصبين لنظام الحكم في الإسلام، ومن تبعهم على ظلمهم ، سعوا إلى تجاهل ذلك الواجب ، فأداروا ظهورهم لأهل البيت عليهم السلام،وعملوا جهدهم على إبطال آثارهم وإلغاء مآثرهم ، في مسعى من الظالمين لمحمد وآله صلى الله عليه وآله وسلم لمحو ذكرهم ، وتسويتهم بعامة الناس، حتى لا يبقى هناك مجال للحديث عن الاصطفاء الذي خصه الله تعالى نخبة خلقه.

من خلال ترك هذه الشعيرة وإهمالها من جهة، وادعاء المهملين لها بأنهم يحبون أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويجلونهم ويكبرونهم على غير حقيقة ولا تطبيق، يظهر من خلاله التزام المحب بحبيبه،ذلك لأن المحبة تستوجب الإتباع وبذل الود للمحبوب لقوله تعالى :"إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله." ودعوى المحبة بدون إتباع عارية من الصحة ، ولا علاقة لها بمفهوم المحبة الذي يفيد دائما الإتباع والموالاة والاقتداء والتفضيل والتقديم .
وإذا سألت الذين يدعون محبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولا بلا عمل ، أهكذا تكون محبة الطاهرين من صفوة الله تعالى؟ أجابوك باستنكار المقصر والجاهل وكيف ترون الحب إذا؟...
وبما أن المودة التي وجبت على كل مكلف منذ نزول الآية إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها ، فعلى كل مسلم إزاء ذلك التكليف أن يبرهن على ذلك بإحياء تلك المودة وإظهارها قربة لله تعالى ، وسعيا لنيل رضاه ، وإظهار الحزن في أحزان أهل البيت عليهم السلام مودة لهم ، وإظهار الفرح في أفراحهم مودة لهم أيضا، والبكاء من أرقى تعابير الحزن في المصيبة ، كما أنه من وأرفع درجات الخشوع في العبادة،فهو إحساس قلبي وجداني لا يستطيع تحصيله غير الذي صلحت سريرته وصفا قلبه ، وسمت نفسه، وهو مستعص على القاسية قلوبهم،ومصيبة الأمة الإسلامية ما تزال تلقي بظلالها على عموم الأمة.

في ماضي الأيام كنت متصورا أن ما يقال عن الشيعة من نسب باطلة صحيحا، خصوصا وأسباب التواصل بين الطائفتين شبه معدوم ، ولكن وبعد أن توفرت أسباب المعرفة من كتب وفضائيات وانترنيت ، بدأ اللبس يرتفع عني.
فهمت أن محبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،تتطلب وضع الصفوة الطاهرة موضعها في الأمة من تفضيل وتقديم وتبجيل، فلا يكون هناك أحد أفضل من الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
ومحبة أهل البيت عليهم السلام واجبة على جميع المسلمين ، ويراد منها أن نضع هؤلاء الذين اصطفاهم الله تعالى موضعهم من قيادة الأمة ، وليس مجرد أن نكن لهم حبا لا معنى له على صعيد الواقع.
ذلك الحب الذي تراه أنت من خلال قناعاتك مفرط أو مبالغ فيه ، ليس إلا امتثالا صحيحا لأمر الهي نطق به القرآن وصدع به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يزد القائمون به عليه شيئا من عندهم.
فقلت له : لكن ألا تعتبر هذه المراسم التي يحييها الشيعة لأهل البيت عليهم السلام ، وتلك المقامات التي شيدوها على أضرحة أئمتهم نوعا من الإفراط والتهويل؟
فقال لي : قد تشاطرني الرأي عندما أقول لك أن للحب والمودة مقدمات ومقامات يتوزع بينها الناس ، وتكون ذات أهمية أكبر لو كانت تلك المودة نابعة من أمر الهي كالذي نحن بصدده، وقد تشبث الشيعة بهذه الشعيرة، وجعلوها عنوانا لنهجهم، وسمة ظاهرة من سمات تدينهم ، ليقينهم بأن مودة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي البراءة الفعلية من غضب الله سبحانه وتعالى والخلاص الحقيقي من ناره وعذابه .
لذلك اهتم الشيعة بإحياء مراسم أهل البيت عليهم السلام في كل سنة ، ولم يفتر ساعدهم ولا ضعفت همتهم عن تلك المناسبات العظيمة ، وتشييد المقامات والإنفاق عليها بكل سخاء ، إيمانا منهم بأنها من أيام الله سبحانه وتعالى ومن شعائره ومن يعظم أيامه وشعائره فقد نال أجرا عظيما.
فقلت له: ألا ترى إن فريضة مودة قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يراد منها محبة أهل البيت عليهم السلام وتقديرهم فقط دون ما ذهب إليه الشيعة من تقديم وتفضيل و إتباع و موالاة؟
فقال لي: على عكس ما تعتقده، فقد كانت الغاية من تشريع مودة قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم منحصرة في كونهم قدوة الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتجسيد الحي لكتاب الله وأحكامه ، فالمولى سبحانه وتعالى عندما قال:"إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله."
قد جعل محبته متمثلة في إتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومخصوصة به،فلا يصح حب المولى دون إتباع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، كذلك محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن أن تتحقق إلا بإتباع أهل بيته الأئمة الهداة من بعده عليهم السلام.
ثم ألم تعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد فرح بإسلام علي عليه السلام كما فرح بولادة الزهراء عليه السلام، وما تبع ذلك من فرحه بولادة الحسن والحسين وزينب عليهم السلام، وانتصارات علي عليه السلام التي هي انتصارات للدين الخاتم، فكانت كل أفراحه تلك سنة وجب علينا إحياءها لأن النبي منطلقها ومؤسسها، والشيعة يتعبدون بتلك الأفراح انطلاقا من تأسيس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها.
ولا أراك تجهل حزن النبي الكبير على موت خديجة سيدة النساء عليها السلام ، وموت عمه أبو طالب عليه السلام ، وموت ابنه إبراهيم عليه السلام ، وموت ربيبته رقية رضي الله عنها، وكان حزنه اكبر على ولده الحسين عليه السلام عندما أخبره جبريل عليه السلام بمقتله ، وحكى له ما سيحصل له من أمته، والشيعة يظهرون الحزن على مصائب أهل البيت عليهم السلام ويتعبدون بإقامتها تأسيا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم،فلم يبتدعوا شيئا من عندهم حتى يتهمهم بقية المسلمين بالتطرف والخروج على الدين ، بل إنني أرى عدم الفرح بأفراح أهل البيت عليهم السلام ، وعدم الحزن بأحزانهم هو التطرف والتنكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللدين في صوره الحقيقية .
قلت له: وما مشروعية البناء ، وقد وجد عندنا أن بني إسرائيل قد لعنوا على لسان نبيهم لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؟
فقال لي: الرواية التي ذكرتها لا أساس لها من الصحة ، لأنها خلاف الواقع ، والعرف الذي درج عليه الناس منذ آدم والبناء على قبور الأنبياء عليهم السلام يراد به حفظ الضريح وحصر مكانه لأنه يحتوي على صفوته الله تعالى وخاصته من خلقه ، فزيارته واجبة ، و الصلاة فيه والدعاء عنده مدعاة لقبول الأعمال، فمسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة ، أين يوجد ضريحه ومثواه قد اتخذه الناس مقصدا وشدوا إليه الرحال ، ليجددوا فيه العهد مع نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم ، ويتخذوا منه سببا ووسيلة للتقرب منه ومن ربه ، أمر قد درج عليه المسلمون منذ غابر الأزمنة ، ولم يشذ عن تلك السنة غير الضالين من أتباع الوهابية ، والبيت الحرام الذي أمر الله سبحانه وتعالى سيدنا إبراهيم ببنائه ليكون قياما للناس ، ليس بيتا لله على وجه الحقيقة ، بل قصد به الله سبحانه وتعالى رمزية البيت لا حقيقة البناء، ليكون للناس سببا من أسباب المغفرة والتوبة والإنابة.
وقصة أصحاب الكهف عليهم السلام خير دليل على ما يقوله الشيعة، ويحتجون به على مشروعية البناء على قبور الصالحين، لتكون ملاذا إلى الله تعالى، ومقامات طاهرة يقصدونها تبركا وتحببا إليه، قال تعالى :"إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم اعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا."

ولو كان هنالك مانع أو مخالفة للتكليف الإلهي في بناء البنيان واتخاذ المساجد على قبور الصالحين لنهى الله عنه أولياؤه ، وحسم الأمر فيه إلا أن الآية جاءت مجوزة لذلك العمل غير معترضة عليه .
لقد كانت حجة المسلمين الشيعة قوية في جميع المجالات ، مدعومة بالبراهين العقلية والنقلية، فلم يتعبدوا في يوم من الأيام تبعا لأئمتهم بالشك والظن ،ملثما وقع لبقية الفرق التي تاهت وانحرفت عن الجادة في عدد من الأحكام وانغمست في تطبيقها بالعاطفة والوراثة ، لا بالعقل والدليل.
أحمد الله تعالى أن يسر لي معرفة أوليائه وجنبني سبل الضلال ، وجعلني ممن اعتصم بحبله المتين ، وأتمسك بعروته الوثقى التي لا انفصام لها ، وهي موالاة محمد وآله الكرام البررة ، قادة الأمة بعد النبي بلا فصل ، وسفن نجاتها من ظلمات الغي والجهل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة