المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 11 ذي القعدة 1426 - نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب -13-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت .. وهذا هو السبب
الحلقة الثالثة عشرة

شيعتني الحجج التي في كتب السنة المعتمدة

كان حسن... قبل أن يعتنق خط الشيعة الإمامية الإثني عشرية ، مثلي ومثل بقية الإخوة المؤمنين مالكيا أشعريا ،لم يكن معتقدا إسلاما آخر صحيحا غير الذي كان يعتنقه ،وقد عمقت قناعاته ما كان يتلقاه من معلومات عن بقية الفرق والمذاهب خلال الدرس في مادة التربية الإسلامية ، قد كتبت بأقلام جرى فيها حبر التعصب الأعمى ، وتلونت بشتى الافتراءات والأكاذيب التي لفقت من أجل إطفاء نور الإسلام الحق ، مضافا إلى التربية التي تلقاها على ذلك الأساس ،والتي لم لتسمح له بالالتفات إلى بقية الاتجاهات الإسلامية والتمييز بينها.

في إحدى التظاهرات التي كانت تقام هنا وهناك على الساحة التونسية،عندما كان هناك مجال لشيء من الحريات ، بمناسبة يوم الأرض ،واليوم العالمي لحقوق الإنسان، وغيرها من المناسبات التي يتجند المثقفون التونسيون لإحيائها داخل أسوار الجامعة، من أجل الإبقاء على نفس المبادئ ،مترددا داخل وجدان الطلائع المؤمنة بها، التقينا على مائدة الحوار الإسلامي ..إسلامي ، باحتشام ومداراة شديدين ، ولولا علاقة الجيرة التي كانت تربطنا ببعض، لما أمكن لنا أن نلتقي في ذلك الحوار الذي وقف في وجهه قياديو النهضة،وشددوا على منع عناصرهم من الانخراط فيه، أو حتى الاقتراب منه بأي شكل من الأشكال.

أتذكر أنه في تلك الفترة التي بدأت الدعوة إلى التشيع تظهر على الساحة، وفي أماكن معدودة، ومن طرف عناصر لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ، بدأت قيادات النهضة في ترويج كتب إحسان الهي ظهير، التي كان يراد بها تكفير الشيعة ، وإخراجهم عن الإسلام ، وتنفير المسلمين منهم ، في محاولة لنسف أسس الدعوة إلى فكرهم ، وغلق الطرق المؤدية إليهم أمام عناصرها الإسلامية، وذلك لما رأوا أن أعناق بعض منتسبيها بدأت أياديها تمتد إلى كل ظاهرة إسلامية ، خصوصا بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

بحكم تواجدي داخل أسوار الجامعة، وفي كلية الآداب والعلوم الإنسانية، حضرت في أحد الأيام مناقشة بين زميلين، أحدهما شيعي وكان داعية إلى التشيع، والآخر سني من خط النهضة ،وبقدر ما كان النقاش محتدما وحاميا بين الطرفين ، بقدر ما كان غير متكافئ ، وقفت فيه على حقيقة قلبت مجرى اعتقادي رأسا على عقب ، في البداية كنت مأخوذا بالتهم التي ساقها السني النهضوي، ليضع التشيع بما اشتمل عليه وأهله في موضع المتجني على الإسلام، لكنني وبمرور الوقت بدأت أشعر أن هناك منطقا آخر وحجة تغازلان عقلي ، وتدفعانه نحو اكتشاف الحقيقة والوقوف عليها.

لم أكن أعلم أن الشيعي كان من حركة النهضة ، ولما التقى بأحد الدعاة الشيعة اقتنع بالطرح الذي قدم له ، واعتنق الفكر الشيعي الاثني عشري، وطبعا لم يكن ذلك ممكنا من لقاء واحد ، أو من خلال بحث واحد .

كانت أولى مقالات الزميل السني متعلقة بتحريف القرآن ، فقال: إن من أقوى البراهين التي استدل بها على بطلان مذهب الشيعة هو قولهم بتحريف القرآن ، وجل علمائهم يدينون بذلك، وكتبهم ملآى بالروايات التي تقر بالتحريف.

فقال الزميل الشيعي: أظنك قد استقيت ذلك من كتاب إحسان الهي ظهير "الشيعة والقرآن" ، ومن بعض الأقلام المشبوهة التي لا يعرف لها أصل من فصل، لأنني لم أعثر على مفسر واحد من مفسري الشيعة يعتقد بتحريف القرآن، ويدين به ناهيك أنه خلاف قوله تعالى :"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون." والقرآن الذي تعرفه وتتلوه وتصلي بسوره وآياته ، ويباع في المكتبات ، ويلقن في الكتاتيب هو نفسه القرآن الذي يدين به الشيعة منذ أن وجدوا ، ولم يخرج على الناس مفسر واحد منهم بغير ما هو متعارف عند جميع المسلمين، ولو كان الأمر كما تدعي، لانتهى أمر الشيعة بهذا الادعاء المنحرف.

قال السني: إحسان الهي ظهير تحدث عن أكبر حفاظ الشيعة، ورأس رواياتهم الشيخ الكليني، الذي أخرج عددا من روايات التحريف.

قال الشيعي: صحيح أن الشيخ الكليني أخرج تلك الروايات لسبب واحد، هو الأمانة العلمية التي حتمت عليه نقل تلك الروايات ، نظرا لصحة سندها بالنسبة إليه ، لكنه من الجهة الاعتقادية لم يكن مطمئنا لها ، فأفرد لها باب في كتابه الكافي سماه باب النوادر، وقد درج الشيخ الجليل على تخصيص باب للنوادر في كل أبواب الفقه ، وهي خاصية تميز بها عن غيره من علماء (السنة) كالبخاري ومسلم وغيرهما ممن أخرج روايات التحريف في القرآن وأدرجوها في أبواب الفقه دون حيز ولا فصل ، والاعتقاد بالزيادة أو النقيصة في القرآن اعتقاد واحد ، وأزيدك أكثر عندما نرى في عصرنا الحاضر أن الله تعالى دافع عن الشيعة في مسألة تحريف القرآن ، وكيف لا يفعل وهو الذي يقول:"إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور." فقد ظهر من أبناء الشيعة هذه السنوات أطفال صغار السن حفظوا القرآن حفظا عجيبا لم يأت الزمان بمثله ، فمن إيران الإسلامية إلى العراق ، خرج علينا براعم في عمر الزهور ذكورا وإناثا بعجيب حفظ أذهل العقول وأثار الغرابة ، وألقم الذين نسبوا إلى الشيعة تحريف القرآن حجرا لو كانوا يعقلون، فإذا كان الشيعة يعتقدون بتحريف القرآن فلماذا يتعهدونه ويحفظونه لنشئهم ؟ ولماذا يزيدهم الله تعالى من فضل رحمته بحفظ لم يعهده أحد من الناس؟

قال السني: إذا فمن أين جاءت تهمة التحريف التي رمي بها الشيعة؟

قال الشيعي: إن نسبة التحريف التي جاء بها أهل الافتراء والكذب على الشيعة ، لا أصل لها في حقيقة الأمر، كل ما يمكنني أن أفيدك به في هذا المجال ، هي كلمة قالها الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عن المخالفين لخط الإمامة بخصوص القرآن :" وأقاموا حروفه وحرفوا حدوده." بمعنى أن التحريف لم يقع في لفظ القرآن، وإنما وقع في معانيه وتأويله وتفسيره ، والشيعة الامامية الاثني عشرية مبرئون من تحريف القرآن لفظا ومعنى ، لأن ما عنيه سادس أئمة أهل البيت عليهم السلام غير متعلق بشيعته، باعتبار أنهم ملتزمون بأئمتهم ،علما وعملا ، وأمرا ونهيا، طيلة القرون الثلاثة التي وجدوا فيها، بينما تفرقت بغيرهم السبل، واتبعوا أثر كل ناعق، لذلك اجزم بان مصدر التهمة جاء من أنظمة الحكم التي كانت تعتبر التشيع لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطرا يهدد كيانها ، وينذر بذهاب سلطانها، فلفقت لهم عددا من التهم ، وأحاطتهم بهالة من الإشاعات الكاذبة، من اجل الحد من إشعاع ذلك البيت الطاهر وتأثر أنصاره في المجتمعات التي يعيشون بينها.

قال السني : كيف تريدني أن اقتنع برؤيتك التي تدعي أنها إسلامية ، وكتبك لا أعرف عنها شيئا ، وهي غير معتمدة عندنا نحن أهل السنة؟

قال الشيعي: أنا لا أريد أن ألزمك بما في كتبي فذلك يحتاج إلى مجال وجهد ووقت آخر، لكنني ألزمك بما ألزمت به نفسك من كتب نعتموها بالصحاح ، وكتب قدرتم جهود أصحابها ، فصدح بها أئمة المنابر،وأخذ منها الباحثون ومؤلفوا الإسلام في الأصول والفروع، وغياب كتب الشيعة عن الناس لم يكن بسبب أئمة الشيعة ولا أتباعهم ، وإنما كان السبب فيه الأنظمة التي حكمت رقاب المسلمين بالقهر والحديد والنار، فلم يزكوا غير مواليهم وأتباع سلطانهم ، بينما عد الشيعة من المعارضة وطلب رؤساؤهم للقتل أو السجن بسبب ذلك .
فلم أتمالك عندما وصل الحديث عند هذا القول من التدخل فقلت: وأي حجة أعظم من أن تلزمنا بما نحن ملزمون به، إنها قمة الاستدلال ، وغاية إقامة الحجة ، وهل ترى غير ذلك يا زميلنا العزيز؟

قال السني: لا أجد ما أقوله لك بعد الذي قلت ، فهات ما عندك من براهين .

قال الشيعي: لسوف أقتصر في البداية على الأحاديث النبوية نظرا لكونها المفسر الأساس للقرآن ، وسأختتم بمتعلقها من الآيات زيادة في إظهار الدليل.
أخرج حفاظ خطك عددا من الأحاديث، التي يستشف منها أحقية علي عليه السلام في قيادة الأمة الإسلامية، منها ما فيه إفادة مباشرة على ذلك، ومنها ما هو دون ذلك، لكنه يتضافر و يقوي ويعاضد جانب الإفادة الأولى .
وتعدد الأحاديث ، جاء ليكشف عن حرص شديد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، من أجل بيان مقام أهل بيته عليهم السلام ،كمعتصم من بعده للمسلمين، وقادة يسلكون بهم سبل السلام.
فقد أخرج البخاري ومسلم وبقية أصحاب من تسمونهم بالصحاح والبقية الباقية ممن هم دون ذلك، بحيث لم يسقط أحد منهم حديث المنزلة، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه(وآله) وسلم لعلي:" أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ."

وحديث المنزلة هذا من أقوى الحجج على أحقية علي عليه السلام في قيادة الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، نظرا لأن القرآن الكريم قد احتوى على عناصرها من خلال سياق الآيات المتعلقة بهارون وموسى عليهما السلام ، فقد جاء في سورة طه قوله تعالى: "واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به إزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا انك كنت بنا بصيرا."
فلعلي من خلال هذه الآية : أخوته من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد تمت بالمؤاخاة في مكة والمدينة باتفاق أهل العلم، ولو كان لغير علي عليه السلام من القربة والمكانة ما يمكنه أن يكون أخا للنبي أو خليلا كما يحاول ترويجه الأدعياء لما صرف عنه النبي صلى الله عليه وآله وجهه إلى غيره .
ولعلي عليه السلام الوزارة وشد الإزر والإشراك في الأمر، والسيرة شاهدة على ما قدمه علي عليه السلام بالدليل والبرهان وليس بالكذب والبهتان،وأضغاث الأحلام التي طفحت بها كتب الحديث المسماة بالصحاح، وإذا غاب الأمير حضر الوزير.
وقوله تعالى: "قال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين."
هذه الآية تؤكد خلافة علي عليه السلام لمنصب الحكم الذي كان يشغله النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وحديث المنزلة في عمومه من أقوى الأدلة التي احتج بها الشيعة على أحقية علي عليه السلام في قيادة الأمة الإسلامية.

قال الزميل السني : لكن كبار علماء السنة قالوا بأن خلافة علي هي في الأهل وليست في الأمة ، فالنووي مثلا في شرح صحيح مسلم، لم يعترف بغير خلافة علي رضي الله عنه في أهله دون الأمة، وبذلك قال من المتأخرين أبو الأعلى المودودي في كتابه الخلافة والملك.

قال الشيعي : لقد بلغ التقليد الأعمى بأهله، إلى التعمية على حديث المنزلة، بالادعاء الباطل بأن منزلة علي عليه السلام التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هي مخصوصة في أهله فقط دون أمته، سعيا من المحرفين إلى صرف المسلمين عن حقيقة منزلة علي عليه السلام،دون إشارة إلى كون المنزلة المشار إليها قد فصل القرآن فيها القول بشكل جلي، لا يلتبس إلا على منافق خبيث الولادة، ووصاية علي عليه السلام على أهل بيته، لا تستوجب ذكرا ولا إشارة ولا تلميحا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنها من تحصيل حاصل، ولا تحتاج إلى تأكيد أو توثيق، لأنها مما لا يمكن عقلا وعرفا أن ينازعه عليها أحد .فقوله تعالى:"أخلفني في قومي" دليل على أن خلافة هارون كانت في بني إسرائيل ،كما أن خلافة علي عليه السلام هي في الأمة الإسلامية ، ولا يحتاج بيانها إلى أكثر من إشارة وتلميح .

قلت وقد صدع تفسير الشيعي الثوابت التي كنت أعتقدها بشان الخلافة ، وهز أسسها هزا تهيأت فيه للتداعي والسقوط ، فليس بعد هذا الدليل حجة يستطيع منصف ردها: إذا فمسألة الخلافة قد حسمها حديث المنزلة ، الذي توضحت أركانه من خلال آيات القرآن التي بينت منزلة هارون من موسى عليهما السلام ، وظهرت بذلك منازل علي عليه السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسوف لن أكون مفرطا في اعترافي بحقيقة أن عليا رضي الله تعالى عنه قد ظلم باغتصاب حقه في خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونكبت الأمة وحرمت من قيادة رشيدة هادية مهدية ، اختزلت كل قيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجمعت كافة الخصائص الممكنة لشخص له أهلية الحلول محل خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم في قيادة الأمة الإسلامية.

فقال الزميل السني: لكن كيف يمكن أن يجتمع الصحابة كلهم رضوان الله عليهم على باطل التنكر لعلي عليه السلام، وهم الذين قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، وقوله : لا تجتمع أمتي على باطل؟

قال الشيعي: لو تتبعنا الحقبة التاريخية التي سبقت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وما تبعها من أحداث كحادثة السقيفة ، فإننا نجد أن الروايات في معظمها قد دونت بأسانيد تضمنت أشخاصا قد طعن في صدقيتهم ، فكذب علماء الجرح من كذبوا منهم وضعفوا من ضعفوا ، ومع ذلك مرت رواياتهم التي كانت في معظمها بعيدة عن حقيقة ما وقع في تلك الفترة، واعتمدها أكثر رواة التاريخ دون بحث وتمحيص، ولعل محمد بن جرير الطبري الذي يعتبر من أقدم مصادرها ، قد دونها في تاريخه، والفاصل الزمني بينه وبين تلك الأحداث يناهز الثلاثة قرون دون تحقيق ،ولو بذل جهدا بسيطا في ذلك المجال لردها كلها.

أما قولك بأن الصحابة لا يجتمعون على باطل، فإنهم لم يجتمعوا كلهم على موالاة الخليفة الأول ، لأن بيعته قد تمت في غياب كافة بني هاشم الذين كانوا منشغلين في تجهيز النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مضافا إليهم غياب عدد من المهاجرين كالزبير وطلحة وأبي ذر وعمار وآخرون كالمقداد وسلمان .
وأما ما نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله من حديث بأن أصحابه كالنجوم بأيهم نقتدي نهتدي، فالحديث مردود من طرف عدد من أرباب علم الحديث عند مذاهبكم ، كابن حزم وابن حنبل الذين ردوه متنا وسندا، وفي حقيقة الأمر فان الحديث المزعوم لا يستقيم مع القرآن وواقع الصحابة أنفسهم، لأنهم كانوا طبقات متفاوتة في التدين والتقوى، فهنالك الصحابي المؤمن ،والذي في قلبه مرض، والمنافق الذي أظهر الولاء وأبطن العداء ، وقد جاء في عدد من الآيات ما يفند عدالتهم جميعا لاختلافهم مع بعضهم ، وافتراقهم عن بعضهم، ومحاربتهم بعضهم بعضا،ولم تتضمن آية من القرآن ما يفيد عصمتهم حتى يكون اقتداؤنا بأحدهم هداية ومنجاة،ناهيك أن في القرآن آيات جاءت فاضحة لسرائر وخفايا عدد منهم، وقد بين النبي صلى الله عليه وآله في أحاديث الحوض التي أجمع على إخراجها كل الحفاظ دون استثناء ، أن عددا من صحابته سيدخلون النار، فبطل الاقتداء بهم لانتفاء العصمة وسقوط العدالة عنهم ، ودخول أكثرهم النار ، وسقطت تبعا لذلك رواية أصحابي كالنجوم ،لعدم ملاءمتها لكل ذلك الواقع، ودخول عدد من الصحابة النار بما اقترفت أيديهم ، ليس أمرا مستحيل الوقوع ، لأن الصحابة ليسوا شركاء في نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا جاء في القرآن والسنة النبوية المطهرة ما يفيد براءتهم ونجاتهم من النار يوم القيامة، هم أناس مكلفون مثلنا، جرى عليهم من الأحكام والقضاء والقدر ما جري ويجري على كل الأجيال الإسلامية، وكل فضل حصله أحد الصحابة أو اكتسبه فلنفسه وليس لأحد، رضي الله تعالى في كتابه عن صلحائهم، ولعن وتوعد وفضح طلحاءهم ومرضى القلوب منهم .

أما عدم اجتماع الأمة على باطل فلا خلاف فيه خصوصا إذا ما فهمنا المعنى الحقيقي للأمة والذي يتراوح بين الفرد الواحد كقوله تعالى:" إن إبراهيم كان أمة قانتا لله ." إلى أكثر من ذلك، ، فقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمار :" يا عمار إذا رأيت عليا سلك واديا ، والناس سلكوا واديا آخر فاسلك الوادي الذي سلكه علي فانه لن يخرجك من هدى ، ولن يدخلك في ضلالة." فتبين أن حجة اجتماع الأمة من دون علي عليه السلام لا تدل على أن الحق مع الأمة ،بينما يدل شخص علي عليه السلام ، ومواقف علي عليه السلام ، انه مع الحق دائما وأبدا ،ولا أدل على ما أقول من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:" علي مع الحق والحق مع علي لا يختلفان." وقوله صلى الله عليه وآله وسلم أيضا :" علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان."

قال السني: فلماذا وقع تقديم الصحابة عند أهل السنة وتفضيلهم بهذا الشكل؟

قال الشيعي: إن الاعتقاد بتفضيل الخلفاء الأوائل على أهل البيت عليهم السلام ، لم تكن له صلة بعهد النبي صلى الله عليه وآله ، ولم تظهر محاولة التقديم إلا في عهد طلقاء نبي أمية، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان وحزبه ، وسياسة زرع الباطل ومحاولة إحلاله محل الحقيقة نشأ من طرفه ، وعصابته التي أسست لفتنة كبرى لا نزال نعاني من آثارها الخطيرة إلى اليوم ، وجاء بنو أمية من بعده فامضوا خطته ، وعملوا بمقتضاها ما ناهز الثلاثة أجيال ، فنشأ عليها الصغير وهرم الكبير، واستقرت بعد ذلك في عقول الناس ، ومحصلات أفكارهم ، على أنها الدين الذي لا تشوبه شائبة ، والعقيدة التي لا يعتريها شك ، وذلك لتثبيت الانحراف عن منهج الإمامة الإلهي ، وإيهام الناس بأن تفضيل الصحابة كان على عهد النبي مطابقا لما أفرزه ترتيب الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وآله ، والروايات التي أخرجها البخاري وغيره عن ابن عمر مثلا في تقديم الخليفتين الأولين وتساوي الناس بعدهما ، وهم لا يعكس واقع الأمر ، لأن عليا عليه السلام شخص لا يمكن أن يقدم عليه أحد سوى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، فضلا عن أن يقدم عليه الخليفتان الأولان، أو أن يساوى مع بقية الصحابة، والذي لم ينقب عن خبايا صفحات التاريخ الإسلامي ، بعد التخلي عن آلية التفضيل في تقديم الكتب أيضا يستطيع أن يجد دلائل كثيرة على أن التفضيل الذي تمسك به المنحرفون عن منهج أهل البيت عليهم السلام مفتعل ، ووضع لأغراض سياسية تعلقت بنظام الحكم ...

قال السني: فهل هناك نصوص أخرى ترجح كفة علي رض الله عنه في الخلافة على غيره من الصحابة؟

قال الشيعي: النصوص التي تعطي لعلي عليه السلام أحقية قيادة الأمة الإسلامية بعد النبي كثيرة ، وتصب كلها في ذلك المعنى الذي تجاهله سواد الأمة ، وانصرف عن بابه علماءهم بتأويل هذا النص ، وحمل الآخر على غير محمله الذي أراده له الوحي ، وأيده العقل السليم ، ولعل أكبر دليل على صحة خط أتباع أهل البيت عليهم السلام ، والمعروف بالشيعة الامامية الاثني عشرية ، هو استقاءه لإثبات صحة نهجه ، أدلته القطعية من كتب خصومه والمحاربين له ، وفي ذلك حجة بالغة لمن يعقل أصول الاحتجاج ، ويفهم مبادئ الاستدلال. وحتى تستطيع مراجعة الحجج التي استدل بها الشيعة على إخوانهم السنة، اسمح لي أن أقدم إليك كتاب المراجعات، الذي يعتبر بحق نموذج الحوار الصادق، والتخاطب السليم بين أهل الملة الواحدة، والعلم إذا استعمل بنية صادقة وعزم خالص فان أصحابه سيقفون من خلاله على عين الحقيقة.

أخذت منه الكتاب ، وانكببت على دراسته ، ومقارنة النصوص التي تضمنها نصا نصا، ولم أنته منه إلا وقد أدركت ما أذعنت له همة الشيخ سليم البشري ، وعرفت أن الإسلام المحمدي الأصيل لا يوجد في أبهى مظاهره إلا عند المسلمين الشيعة الامامية الاثني عشرية ، فقررت أن أكون شيعيا اثني عشريا ، ملتزما بخط أئمة أهل البيت عليهم السلام ، الذين اذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
والحمد لله على نعمة الهداية إلى صفوة الله تعالى، من بعد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ونسأله أن يجعلنا من أوليائهم في الدنيا ولآخرة ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العلمين..

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة