المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمود جلال خليل - مصر - 27 ذي القعدة 1426 - السفياني والشجرة الملعونة في القرآن
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمود جلال خليل
الدولة و المدينة : مصر - الأسكندرية
المساهمة:

السفياني والشجرة الملعونة في القرآن

وقف المسلمون الأوائل وكذلك المعاصرون عند كثير من الأحداث والفتن التي ألمّت بأمة الإسلام وتسببت في إقتتال أبنائها وذهاب دولتهم وتشتيت كلمتهم , كأحداث سقيفة بني ساعدة وموقعة الجمل وصفين والنهراوان وكربلاء وغيرها وقفة المتحيرين التائهين , لم يقتربوا منها ولم يتلمسوا أسبابها ويقفوا على نتائجها وعواقبها على أمة الإسلام , بدعوى أن أصحابها كانوا ممن صحبوا رسول الله (ص) ولهم منزلتهم الخاصة بين المسلمين وقالوا : لقد نجّىَ الله أيدينا من هذه الفتن فلا نخوض فيها بأسنتنا , فكان حالهم كالذي قال أعتزل الفتن وفيها وقع , وقال أجتنب الشبهات وبينها إضطجع , فغم عليهم أمرهم ونُكِّر عليهم دينهم فساووا بين القاتل والمقتول والظالم والمظلوم وبين القائم على حدود الله والوافع فيها, لم يفصلوا بين الفئة الباغية وبين من هم على صراط مستقيم , ساووا ابن رسول الله (ص) المذبوح بكربلاء وبين قتلته من جيش يزيد , تساوى عندهم الحسين بن علي وذابحيه , وعلي بن أبي طالب ومقاتليه وعمار بن ياسر وصارعه وأبوذر وطارده وغيرهم...
فكان خليقا بهم أن يأتي عليهم يوم يحكمهم الطلقاء وأبناء الطلقاء مثل يزيد الخمور والنساء, ومروان بن الحكم الذي لعنه رسول الله (ص) وهو في صلب أبيه , وطريد رسول الله (ص) العاص بن وائل وعبد الله بن أبي سرح .الذان طردهما وأهدر دمهما , إلى أن يأتي يوما يقفونن فيه جميعا خلف السفياني, آخر المحاربين لدين الله وحملته, كما وقفوا خلف أجداده من قبل, وعلى أشلائهم تقوم دولة الحق , فمن هو السفياني , وما هي أوصافه وعلاماته ؟

السفياني
من ولد أبي سفيان , أشد خلق الله شرا , وأكثرهم ظلما , شرس , قاسي القلب , أخبث الناس , أشقر أزرق أحمر, يقول ثأري ثم النار أو النار ولا العار , وقد بلغ من خبثه أنه يدفن أم ولد له حية مخافة أن تدل عليه , يجمع له ويجيش له الجيوش من كافة الأقطار الإسلامية فيهزمهم جميعا .
قال ابن مسعود رضي الله عنه :
قال لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم : أحذركم سبع فتن تكون بعدي فتنة تقبل من المدينة ، و فتنة بمكة ، و فتنة تقبل من اليمن ، و فتنة تقبل من الشام ، و فتنة تقبل من المشرق ، و فتنة تقبل من المغرب ، و فتنة من بطن الشام و هي السفياني.
أخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: "ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب"
قال: هو جيش السفياني،
قيل من أين أخذوا؟
قال: من تحت أقدامهم.

وقد ورد في الخبر أنه يخسف بجيش في البيداء من حديث حفصة وعائشة وأم سلمة وصفية وأبي هريرة وابن مسعود , وعن سعيد بن جبير: هو الجيش الذي يخسف بهم في البيداء فيبقى منهم رجل فيخبر الناس بما لقي أصحابه فيفزعون، فهذا هو فزعهم. "فلا فوت" فلا نجاة قاله ابن عباس. مجاهد: فلا مهرب. "وأخذوا من مكان قريب" أي من القبور.
وقيل: من حيث كانوا، فهم من الله قريب لا يعزبون عنه ولا يفوتونه. وقال ابن عباس : نَزَلَت في ثمانين ألفاً يغزون في آخر الزمان الكعبة ليخربوها، وكما يدخلون البيداء يخسف بهم، فهو الأخذ من مكان قريب
قلت: وفي هذا المعنى خبر مرفوع عن حذيفة وقد ذكرناه في كتاب التذكرة ،
قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب-: فبيناهم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين، جيشاً إلى المشرق وجيشاً إلى المدينة، فيسير الجيش نحو المشرق حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة يعني مدينة بغداد ، قال فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من ولد العباس، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام فتخرج راية هدى من الكوفة فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم لا يفيت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم ويحل جيشه الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريل عليه السلام فيقول يا جبريل اذهب فأبدهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، وذلك قوله تعالى: " ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب" فلا يبقى منهم إلا رجلان أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة، ولذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين. وقيل: أخذوا من مكان قريب أي قبضت أرواحهم في أماكنها فلم يمكنهم الفرار من الموت، وهذا على قول من يقول: هذا الفزع عند النزع.
يخرج من دمشق , من الوادي اليابس , وتجتاح جيوشه كل بلاد الشام وتفعل بها الأفاعيل وتأتي بالأباطيل حتى يملك الكور الخمس , ولا يكن له هم إلا آل محمد وشيعتهم
وهذه إحدى علاماته : عداؤه لآل محمد وشيعتهم
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : يظهر السفياني على الشام ثم يكون بينهم وقعة بقرقسيا حتى تشبع طير السماء و سباع الأرض من جيفهم ثم ينفتق عليهم فتق من خلفهم فتقبل طائفة منهم حتى يدخلوا أرض خراسان و تقبل خيل السفياني في طلب أهل خراسان و يقتلون شيعة آل محمد صلى الله عليه و سلم بالكوفة ثم يخرج أهل خراسان في طلب المهدي .
ويرسل جيوشه إلى المدينة في أثرهم فيستبيحوها . هتكا وقتلا وتخريبا ما وقعة الحرة عندها إلا كضربة سوط , ويتمكن المهدي من الهرب منهم ويأتي مكة فيرسل جيشه في أثره حتى إذا كان بالبيداء خسف الله به ولا ينجو منه إلا اثنان , يعودا إلى أصحابهم فيخبرونهم بما وقع للجيش .
ينتهك المحارم ويسفك الدماء ولايرقب في مؤمن ولامؤمنة عهد ولازمة حتى لو كانت مدينة رسول الله (ص) , تماما كما فعل يزيد بن معاوية والحجاج بن يوسف من قبله .
ورد في مستدرك الحاكم عن أبي هريرة (رض) قال :
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق و عامة من يتبعه من كلب فيقتل حتى يبقر بطون النساء و يقتل الصبيان ، فتجمع لهم قيس فيقتلها حتى لا يمنع ذنب تلعة و يخرج رجل من أهل بيتي في الحرة فيبلغ السفياني فيبعث إليه جنداً من جنده فيهزمهم فيسير إليه السفياني بمن معه حتى إذا صار ببيداء من الأرض خسف بهم فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم .
فهو عدو أيضا للمهدي بل ويطلبه أين وجده , وسوف يخسف الله به وبجيشه البيداء وهو في طريقه لقتل المهدي .

إن تسمية هذا الرجل بالسفياني تحتمل إما أن نسبه ينتهي إلى أبي سفيان بن حرب بن أمية , أو يعني أنه يسير في المسلمين بسيرة آل أبي سفيان , لكن خطاب الإمام علي إلى معاوية قبيل وقعة صفين يكشف عن من هو هذا السفياني وسيرته, يقول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة :
وإن رجلا من ولدك مشئوم ملعون , جلف جاف , منكوس القلب فظ غليظ , قد نزع من قلبه الرحمة والرأفة , أخواله من كلب , كأني أنظر إليه , ولو شئت لسميته ووصفته وابن كم هو , فيبعث جيشا إلى المدينة فيدخلونها فيسرفون فيها في القتل والفواحش , ويهرب منهم رجلا من ولدي , زكي نقي , الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا , وإني لأعرف اسمه وابن كم هو يومئذ وعلامته , وهو من ولد ابني الحسين . ويقتل صاحب ذلك الجيش رجلا من ولدي زكيا بريئا عند أحجار الزيت .
لذلك نجزم بأن هذا السفياني هو خاتم جبابرة بني أمية .. الشجرة الملعونة في القرآن
فهو من سلالة أبي سفيان بن حرب قائد وزاعق كل حرب على رسول الله (ص) , ومجرعه الويلات وأصحابه في طرقات مكة وشعابها , وهو حفيد معاوية هاتك الحرمات الذي مضى على خطى أبيه في تعقب أهل بيت النبوة وشيعتهم قتلا ودفنا , أحياء وأمواتا حتى كان يأمر بسبهم ولعنهم وهم في قبورهم .وهو ابن يزيد الخمور , يزيد الفجور رجس البشرية ومستودع الرزيلة قاتل الحسين سبط رسول الله (ص) وأهل بيته في كربلاء , وصاحب وقعة الحرة التي أباح فيها مدينة رسول الله (ص) لجنوده ثلاثة أيام .
فهذا السفياني , هو آخر العنقود أو آخر عنقود من عناقيد الغضب في بني أمية , الشجرة الملعونة في القرآن :

الشجرة الملعونة
ورد في تفسير القرطبي : إنه صلى الله عليه وآله رأى في المنام بني مروان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فقيل إنما هي الدنيا أعطوها فسري عنه وما كان له بمكة منبر ولكنه يجوز أن يرى بمكة رؤيا المنبر بالمدينة وهذا التأويل الثالث قاله أيضا سهل ابن سعد رضي الله عنه قال سهل إنما هذه الرؤيا هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فاغتم لذلك وما استجمع ضاحكا من يومئذ حتى مات صلى الله عليه وسلم , فنزلت هذه الآية مخبرة أن ذلك من تملكهم وصعودهم يجعلها الله فتنة للناس وامتحانا , وقرأ الحسن بن علي في خطبته في شأن بيعته لمعاوية وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين

وفي الطبري : عن محمد بن الحسن بن زبالة قال ثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد قال ثني أبي عن جدي قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات , قال وأنزل الله عز وجل في ذلك وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس الآية
وفيه أيضا : والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ولا اختلاف بين أحد أنه أراد بها بني أمية

وفي ابن كثير : وقيل المراد بالشجرة الملعونة بنو أمية وهو غريب ضعيف وقال ابن جرير حدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعيد حدثني أبي عن جدي قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القرود فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات قال وأنزل الله في ذلك وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس الآية , ونقول: أن من صنّف هذا الحديث على أنه غريب , فإنما قال ذلك لأنه يتعارض مع دعواهم بعدالة الصحابة وأساطيرهم عن خلفائهم وملوكهم .

وفي لسان الميزان : أنه لا اختلاف بين أحد أن هذه الآية نزلت في بني أمية الشجرة الملعونة في القرآن

وفي تاريخ بغداد : عن على بن عبد الله بن عباس عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى قوم من بنى فلان يتبخترون في مشيتهم فعرف الغضب في وجهه ثم قرأ والشجرة الملعونة في القران فقيل له اى الشجرة هي يا رسول الله حتى نجتثها فقال ليست بشجرة نبات إنما هم بنو فلان إذا ملكوا جاروا وإذا ائتمنوا خانوا ثم ضرب بيده على ظهر العباس قال فيخرج الله من ظهرك يا عم رجلا يكون هلاكهم على يديه , قال ابن عباس هذه الشجرة بنو أمية وأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الحكم وهذا قول ضعيف محدث والسورة مكية فيبعد هذا التأويل إلا أن تكون هذه الآية مدنية ولم يثبت ذلك وقد قالت عائشة لمروان لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنة الله
وفي فتح الباري ذكره بن أبي حاتم عن بضعة عشر نفسا من التابعين ثم روى من حديث عبد الله بن عمرو أن الشجرة الملعونة الحكم بن أبي العاص وولده
لعنت يا بني أمية , لعنت بعدد الظلم والمظلومين والمقهورين , لعنت كلما ازداد الجور وطغى الجبابرة , لعنت كلما بعد الحق وغاب أهله, لعنت بعدد من أضللت ومن اغتر بك , لعنت أنت والمهتدون بهديك, والمستنون بسنتك , لعنت أنت والموالين لك الراضين بفعلك والساكتين عنه وكل من لم ينكر عليك بقول أو فعل .
إلا أن ما يعنينا هنا أكثر من هذا كله .

أن هذا الرجل المسمى السفياني , رجل له شأن وذو مكانة , يدعي أنه على دين الإسلام , بل ومن حماته والذابين عنه , وهو خطيب بارع ومتحدث لبق, تهوى إليه أفئدة الكثيرين , سيصعد منبر دمشق - وهو أول منبر يصعده – فيخطب ويأمر الناس بالجهاد ويبايعهم على أنهم لا يخالفون أمره رضوه أم كرهوه فيفتتن به خلق كثير فيتبعونه , فيسير فيهم بأسوأ ما كان عليه جده يزيد , وسوف تكون وقعة الحرة التي أباح فيها يزيد مدينة رسول الله (ص) لجنوده ثلاثة أيام مثل " ضربة سوط " والأغرب من هذا, أن هذا الرجل سيلقى كل تأييد ومساندة من جموع المسلمين لما يمنيهم به من نصر ومجد طال انتظاره أو نكاية في عدو بغيض يشتركا معا في عداوتهم له –غالبا شيعة أهل البيت عليهم السلام - وسيتبعه سواد عظيم من الناس بدوافع قبلية وقومية , بل أنه سيجد من يدافع عنه ويبرر أفعاله وجرائمه من فقهاء السلطان وحملة المباخر , تماما مثل ما دافع هذا الصحابي ذا الشأن عن يزيد بن معاوية بعد مذبحة كربلاء ووقعة الحرة وهدد من يخلع يد الطاعة منه ..

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما :
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ فَقَالَ إِنِّى سَمِعْتُ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّى لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ وَإِنِّى لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ وَلَا بَايَعَ في هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا كَانَتْ الْفَيْصَلَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ
ومعلوم أن ابن عمر ومعه كثيرين لم يبايع الإمام علي بعد مقتل عثمان بل مال إلى معاوية , ثم خلى بالإمام الحسين ولم يخرج معه إلى كربلاء وبايع يزيد , وهكذا حتى كان آخر من بايعه الحجاج بن يوسف الثقفي.
لما أصبحت السيدة زينب النبوية في اليوم التالي لمذبحة كربلاء ومن حولها سيدات أهل بيت النبوة السيدة رقية والسيدة سكينة والسيدة فاطمة النبوية مهتّكات حاسرات يسقن في أسر الذل إلى حيث الخليفة يزيد وقد أدمت القيود معصمهن وجعل أهل القرى ينظرون إليهن ويبكون , اقتربت بعض النسوة منهن وسألتها إحداهن والدموع تجري على وجنتيها: كيف أصبحت يا بنت رسول الله ؟
فقالت لهن عقيلة بني هاشم : أصبحنا فيكم مثل قوم موسى , يسومونهم سوء العذاب يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم , فإلى الله المشتكى وهو يتولى الصابرين .
روى القرطبي في تفسيره قوله تعالى " قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل"
رد من الله تعالى عليهم في قولهم إنهم آمنوا بما أنزل عليهم ، وتكذيب منه لهم وتوبيخ ، المعنى : فكيف قتلتم وقد نهيتم عن ذلك ‍، فالخطاب لمن حضر محمداً صلى الله عليه وسلم والمراد أسلافهم . وإنما توجه الخطاب لأبنائهم ، لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا ، كما قال : "ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء" فإذا تولوهم فهم بمنزلتهم . وقيل : لأنهم رضوا فعلهم فنسب ذلك إليهم .

وقال البيضاوي : " قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين " اعتراض عليهم بقتل الأنبياء مع ادعاء الإيمان بالتوراة لا تسوغه ، وإنما أسنده إليهم لأنه فعل آبائهم ،وأنهم راضون به عازمون عليه , وهذه الآية خطاب للمواجهين لا يحتمل رده إلى الأسلاف , نزلت في بني قينقاع وقريظة والنضير من اليهود .
عن السدي قال: قال الله تعالى ذكره وهو يعيرهم يعني اليهود: " فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين"؟
فإن قال قائل وكيف قيل لهم: "فلم تقتلون أنبياء الله من قبل "، فابتدأ الخبر على لفظ المستقبل .
فجنود السفياني هم ممن والى آبائه وأخذوا عنهم دينهم من آل أبي سفيان وآل العاص وبني أمية وأحلافهم الذين ناصبوا آل رسول الله (ص) العداء وزينوا للناس سوء أعمالهم فأحلوا لهم وحرموا عليهم ما أملته سياسة الحكم وقتئذ فاتبعوهم .
إخرج القرطبي في تفسير قوله تعالى : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا" معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحله الله وروى الطبري عن القاسم قال : حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج : "ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله"، يقول: لا يطع بعضنا بعضاً في معصية الله. ويقال إن تلك الربوبية : أن يطيع الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة ، وإن لم يصلوا لهم.
وروى ابن كثير أنه لما نزل قول الله تعالى: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله" الآية, أن عدي بن حاتم قال: " يا رسول الله ما عبدوهم. قال : بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال , فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم"

وقال البيضاوي في تفسيره : أنه لما نزلت " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله " قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله ؟ قال أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم , قال نعم قال: هو ذاك"
فأتباع السفياني هم قوم تجمعهم الولاية به وبآبائه وأجداده وأعوانهم , لم ينكروا عليهم أفعالهم وارتضوهم أئمة وقادة لهم , أمروهم فأطاعوهم ونهوهم فانتهوا , يدخل فيهم الأمراء والعلماء والفقهاء والجند والمحدثين ... وكل من جمعته الولاية ببني أمية ولم يتبرأ منهم .
كما يدخل فيهم عوام الناس الذين أخذوا دينهم عنهم وحذوا حذوهم في هجرهم وجفائهم لآل بيت النبوة عليهم السلام , فإن كان الأولون قد قتلوهم وشردوهم في شتى بقاع الأرض , فهؤلاء يصدون الناس عنهم ويمنعونهم من زيارة مساجدهم ومراقدهم بدعوى أنها وثنية وشرك بالله , ومع كل هذا يقرون أن الذي سيظهر الله على يديه دينه ويقيم دولته هو حفيدهم , الإمام الهادي المهدي ابن رسول الله (ص) وحفيد الأمام الحسين ,وأنه إمام حق واجب الإتباع وله حق السمع والطاعة على كافة المسلمين وله بيعة واجبة في أعناقهم .
وإني أسالهم كيف سيبايعون المهدي وقد قطعوا كل ما يصلهم بآبائه وأجداده , وعلومهم وفقههم التي تلقوها عن جدهم المصطفى (ص) وعدلوا عنهم إلى من قاتلهم وسفك دمائهم ومنع الآباء عن أخذ حقهم وترك الأبناء رهن شتات فنهب تراثهم واستحل فدكهم وزحزح إمامهم وذبح سبطهم وتتبع شيعتهم قتلا وتشريدا وراء كل حجر ومدر .
أما أتباع المهدي وصحابته ومن أعدّهم الله لبيعته ونصرته في لإقامة دولة الحق وإظهار دين الله على الدين كله ولو كره المشركون , هم الذين يرقبون محمداً (ص) في أهل بيته عليهم السلام ولا يبغون عنهم حولا ولايرتضون بغيرهم بدلا , لم يتقدموا عليهم ولم يتأخروا عنهم , يدعون الله سبحانه وتعالى صباحا ومساء قائلين :
اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا صلواتك عليه وآله , وغيبة وليّنا وكثرة عدونا وقلة عددنا وشدة الفتن بنا وتظاهر الأعداء علينا , فصل على محمد وآله وأعنّا على ذلك بفتح منك تعجّله وضرّ تكشفه ونصر تعزه وسلطان حق تظهره ورحمة منك تجللناها وعافية منك تلبسناها برحمتك يا أرحم الراحمين

م. محمود جلال - الأسكندرية
[email protected] , [email protected]

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة