المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 2 ذي الحجة 1426 - نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب -15-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت .. وهذا هو السبب
الحلقة الخامسة عشرة

حديث الغدير وحادثته هما اللذان شيعاني

عبد السلام ... رجل ذو شخصية تميزت بالانفتاح على الغير ، دمث الأخلاق ، رحب الصدر ، دائم الابتسامة ، يحترم الناس ولا يتعامل معهم إلا على قاعدة من التقدير والاعتبار، لأجل ذلك كسب ود واحترام كل من عرفه عن قرب، حدثوني عنه وعن خصائصه ، وكيفية تشيعه إلى أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فوجهت إليه الدعوة ليكون ضمن الإخوة في جلسة الإفادة التي قررت إقامتها ، مساهمة من طرفي في مزيد إظهار الحقائق المتعلقة بالدين الإسلامي النقي من الشوائب ، والذي أراده الله تعالى ورسوله ليكون خاتم الرسالات الإلهية ، وخلاصة الشرائع الربانية ، فاعلا ومؤثرا قائما في الأمة ، ظاهرا بثمرته في العالم ، بواسطة الأئمة الاثني عشر من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أمثلة الحق وبواعث الصدق ، نأيا بالناس عن المزالق ، وحفظا لهم من الوقوع في المهالك .فلبى الطلب وحضر مع من حضر ، ولما جاء دوره في الكلام قال:
في ماضي الأيام لم أكن أعرف عن حادثة الغدير شيئا يذكر ، على الرغم من إقرار حفاظ الخط الذي كنت متبعا له، قبل تحولي إلى خط أهل البيت عليهم السلام ، وتشيعي للصفوة الطاهرة من أئمة الهدى ،كل ما كان يتردد عند أهل الاختصاص جزء صغير من حديث الغدير مقتصرا على جملة واحدة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيها :" من كنت مولاه فعلي مولاه." قد ضرب الصفح عن كامل تفاصيل اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ،سنة عشر من الهجرة النبوية المباركة، الذي وقعت فيه الحادثة.

بدا اهتمامي بحادثة الغدير المباركة، عندما عثرت على سبيل الصدفة، وأنا أتصفح تاريخ ابن كثير المعروف ب" البداية والنهاية "، على رواية نقلها بإسناده عن أبي هريرة يقول فيها نقلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من صام يوم الثامن عشر من ذي الحجة كتب الله له صيام ستين شهرا."
رسمت في ذهني تعجبا بقيمة ذلك اليوم ، دفعني إلى مزيد التعرف على حقيقة ذلك اليوم، وما يمثله في الإسلام ، ثم اعترضني الحديث الذي نقله مسلم النيسابوري - وهو ثاني الحفاظ المعتمدين عند أتباع المذهب الذي كنت أعتنقه- في باب فضائل أهل البيت عليهم السلام، والذي بتر منه ما شاء أن يبتر، نقل فيه عن زيد بن أرقم قوله : قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة... وبمزيد من البحث والتقصي أمكنني الوقوف على حقيقة غدير خم ،وحادثة اليوم الثامن عشر من ذي الحجة.

لم يستطع الحفاظ ولا المؤرخون التنصل من ذلك الحدث العظيم ، فنقل منهم من نقل الحادثة والخطبة كاملتين ، وأحجم منهم من أحجم بدافع هوى أو بمنع سياسة أو نتيجة اختلاف مذهبي ، تفنن منهم في تغطية الحقيقة الناتجة عن تلك الحادثة الكبرى وذلك اليوم العظيم.

ملخص ألفاظهم كالآتي: حج النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حجته المعروفة بحجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة المباركة ،فتبعته جموع غفيرة من المسلمين عدت أكثر من مائة ألف نفس، وعند منصرفه من تلك الحجة تبعته نفس تلك الجموع إن لم يكن أكثر منها ، وفي مكان يدعى غدير خم بين مكة والمدينة بالجحفة ، وهي ميقات أهل مصر والشام، وكان يوما صائفا حتى إن الرجل ليضع رداءه تحت قدميه من شدة الحر،نزل عليه جبريل عليه السلام قائلا:" يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس.." وأمره بأن ينصب عليا إماما وعلما وهاديا وحاكما في المسلمين بعده، فدعى إلى دوحات فقممن ، ووضع له من الرحال ما صعد عليه وخطب في الناس خطبة ، قال في آخرها : معاشر المسلمين، ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: اللهم بلى.فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ،وأنصر من نصره، وأخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار.
ثم أمر صلى الله عليه وآله وسلم الناس بمبايعة أمير المؤمنين عليه السلام فبويع في ذلك اليوم من طرف تلك الجموع ، وكان الخليفة الثاني من ضمن من بايعوا عليا عليه السلام ،وقد نقلوا عنه قوله: بخ بخ لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، ولم ينصرف الناس من ذلك الموقف حتى نزل قوله تعالى :"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا." فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحمد لله على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب بولاية علي بن أبي طالب من بعدي.
وخطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الغدير هامة وكبيرة تناول فيها تسلسل مراتب الولاية بقوله : إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم.. مبينا أن ولايته على الناس هي من ولاية الله تعالى وبأمره ، وكذلك ولاية علي عليه السلام.

هذا الفهم لم يستطع أن يصل إليه كل المسلمين ، فالغالبية العظمى منهم اليوم لا تعترف لعلي بالولاية العامة عليهم، وذلك بسبب التأويل الخاطئ لمصطلح ومولى، والادعاء بأنها لا تفيد ولاية الأمر في معناها ،والذي أوصل المتنطعون على الحقيقة مرادفاته إلى نيف وعشرين معنى هي:
الرب - العم -ابن العم - الابن - ابن الأخت - المعتق - المعتق - العبد - المالك - التابع - المنعم عليه - الشريك - الحليف - الصاحب - الجار - النزيل - الصهر - القريب - المنعم - العقيد - الولي - الأولى بالشيء - السيد غير المالك والمعتق - المحب - الناصر - المتصرف في الأمر - المتولي في الأمر، وذكروا من معاني الولي أيضا: الأمير والسلطان
وأجمع علماء اللغة على مجيء مولى بمعنى ولي .

وقد استند من استند على تعدد معاني الولي والمولى ، وتعذر من تعذر بها في عدم مجيئها محددا لمقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ولاية الأمر بعده، مستدلين وجاهة موقفهم بعدم فهم الصحابة الأخيار رضوان الله تعالى عليهم، لذلك المقصد، ورأوه تبعا لهم لا يفيد ما ذهب إليه أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد كلفه الباري سبحانه وتعالى بنصب علي عليه السلام وليا لأمر الأمة من بعده.
غير أن البصير يمكنه أن يستجلي الحقيقة من خلال النظر في المعاني المدرجة للمولى فيتبين له من جهة مدى تطابق إحداها بمقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم وبمراجعة تفاصيل تلك الحادثة يتسنى تثبيت المراد الذي رغب الوحي في إبلاغه للمسلمين.

وبتتبع المفردات التي تؤدي معنى مولى وولي وجدت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يقصد بها كل هذه المعاني ، أو بعضها ، ولا كان غافلا عن تعدد معاني مولى في اللغة ،فالإطار الذي أطلق فيه المصطلح لم يترك لبقية الإفادات مجالا لاحتمال القصد من الإطلاق.
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن قاصدا من ولايته التي فوضها وأحالها إلى علي عليه السلام من بعده ، أن يكون علي ربا ، ولا فهم المسلمون منه ذلك المعنى لأنه يستلزم الكفر ، ولا كان قاصدا معنى العم، ولا ابن العم، ولا الابن، ولا ابن الأخت ،ولا المعتِق ،ولا المعتَق ،ولا المالك، ولا العبد ،ولا التابع، ولا الشريك،ولا الحليف، ولا الصاحب، ولا الجار، ولا النزيل، ولا الصهر، ولا القريب،ولا المنعم، ولا المنعم عليه، ولا العقيد، ولا المحب، ولا الناصر ، لأنها كلها لا تنسجم مع مقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي عندما نستبدلها بالمفردة المذكورة نجدها بعيدة أو مستحيلة الاحتمال، ولا تستقيم لغويا ولا بلاغيا ، كأن يقال مثلا من كنت عمه، أو ابنه ،أو ابن أخته، أو قريبه، أو جاره، أو ناصره أو... فهذا علي ... " .
بينما يتفق مفاد مولى مع مفردة الولي والأولى بالشيء والسيد غير المالك والمعتق، لكونها تفيد مقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله :"من كنت مولاه فهذا علي مولاه." خاصة إذا أضفنا لها قرائن أخرى من نفس إطار الحادثة ، وقرائن أخرى داعمة لها ومؤيدة من خارج ذلك الإطار.
أما ما جاء مؤيدا لمعنى الرياسة والحكم من نفس إطار الحادثة ، فإفادة مولى لمعنى الأولى بالشيء من خلال السؤال الذي طرحه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جموع المسلمين ، والذي قال فيه :" الست أولى بكم من أنفسكم؟"
وعندما ردوا عليه بالإيجاب، قال:إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه..."
موضحا بشكل جلي وكامل مراتب ولاية الأمر المقصودة، وهي الله باعتباره الخالق والمشرع والحاكم والمتصرف المطلق، والنبي باعتباره الواسطة، والسبب بينه وبين خلقه، والنائب عنه في أداء حقه، والحاكم بمقتضى حكمه، ثم الإمام باعتباره خليفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمستحفظ على شريعته، والقائم مقلمه في أمته من بعده.
كما إن في دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم:"...اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأنصر من نصره وأخذل من خذله..." إفادة أخرى أثبتت أن مقصده صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن منصرفا إلا إلى منصب الحكم.

أما بقية المؤيدات من نفس إطار الحادثة،فزمنيا يمكن القول بأن قرب رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، دعا الوحي إلى إبرام أمر الحكومة بعده ، ولم يبق عن ذلك الموعد ستون يوما ، وفرصة تجمع جماهير الأمة لن تتكرر .
وأما مكانا فهو صحراء الحجاز الوعرة والشديدة الحر، وفي هاجرة من النهار لا تحتمل الوقوف والبقاء إلا لسبب هام ، وخطب جديد لم ينزل من قبل فيه إثبات عملي، والذين ذهبوا إلى تأويل لا يستقيم مفاده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقصد من خلال خطبته وحديثه في يوم الغدير الحث على حب علي عليه السلام ، لم يصيبوا إلا بهتانا ، وحادوا عن الحقيقة بكل أركانها ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قد حث على حب علي وأهل بيته عليهم السلام ، إمتثالا لأمر الله تعالى فيهم ، في قوله:" قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى." وقال في علي عليه السلام :" لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق."وقال صلى الله عليه وآله وسلم: عنوان صحيفة المؤمن حب علي ."وقال صلى الله عليه وآله وسلم غير ذلك من الأحاديث التي تحث على تلك المحبة وتفرضها على الأمة فرضا لا يحتمل تبريرا.
أما ما يؤيد المقصد من ولاية الأمر لعلي عليه السلام من خارج إطار الحادثة ، فحديث المنزلة الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام:" أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي."

ولا شك أن المتتبع البسيط لآي القرآن الكريم، يستطيع أن يستخرج منازل هارون من موسى ، والتي تتطابق حسب مفاد الحديث،مع منزلة علي عليه السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي منها الخلافة من بعده ، في قوله تعالى:"... وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين." ، كما أن المعاند أيضا سوف لا يتقيد بهذا الدليل ، ولسوف ينساق وراء انحراف من إنحرف ، بالادعاء زورا وبهتانا بأن خلافة علي عليه السلام، هي في الأهل فقط دون الأمة ، ولست أدري من أين جاؤوا بفريتهم تلك حتى يجزموا بها ، ويعكفوا عليها ،ويؤسسوا بها مذهبا لم يأت بخير أبدا منذ تأسس، وهل كانت خلافة علي عليه السلام في أهله تحتاج إلى دلالة أو إشارة أو توضيح ،حتى نحتمل أن يدعيها غير علي عليه السلام؟

لذلك فإن مقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن كذلك لأنه قد استفاض فيه من قبل ،وحث على الالتزام به ورغب فيه وحذر من تركه، ولا يحتاج إلى إيقاف الناس في ذلك المكان الوعر، وفي ذلك الوقت القائظ ، ومن أجل ذلك المطلب الذي تكرر حديثه فيه، ويحتمل التأجيل إلى حين رجوعه إلى المدينة.
وفهمت أن الحكمة كانت تقتضي أن يعين الوحي من يقوم مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، صونا للدين وحفظا لمكونات النظام الإسلامي الجديد ، في وسط ما تزال الأحكام الجاهلية، والنعرات القبلية تلقي بظلالها على أغلب الوافدين على الدين الجديد.
وكل من لم يفهم الأحداث التي سبقت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد قرأها بعين التبعية العمياء ،وجحد حق الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأوليائه الكرام ،الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ليكونوا خلفاءه في أرضه، وأمناءه على عباده ، سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا.

ومن لم يستطع أن يستوعب حقيقة ومقام أهل البيت عليهم السلام ، بكونهم غير الصحابة،ولا يقاس بهم احد ، لا يمكنه أن يمضي طويلا في هذا الإطار، لأنه سيصطدم بعقبة التمييز الخاطئ التي بنى عليها عقيدته، وانصحه بان يترك موروثاته جانبا ليحكم النصوص الصحيحة ، ويميز بعقله الحقيقة من الوهم.
وأخيرا فإنني أحمد الله تعالى حمدا كثيرا، وأشكره شكرا متواصلا، على نعمة ولاية أوليائه، التي هي مفتاح السعادة في الدارين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة