المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 4 ذي الحجة 1426 - نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب -16-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت .. وهذا هو السبب
الحلقة السادسة عشرة

إتصال التشيع بعهد النبي صلى الله عليه وآله، وانقطاع غيره هما اللذان شيعاني

إبراهيم... شاب أسمر اللون كسمرة أسامة بن زيد ،أوصله بحثه ، ووقف به تحقيقه عند قناعة لا تثنيها رياح الشك ، ولا يغير من انطباعها في قرارة نفسه عامل من العوامل الريبة ، جاء دوره في الكلام فقال:
كنت في ما مضى معتنقا المذهب المالكي على أساس التبعية الوراثية ، دون نظر ولا تحقيق، وكان اعتقادي واعتقاد أهلي آنذاك بأن الذي نتقرب به إلى الله من أحكام وشعائر هي الإسلام ، ولم نكن نر إسلاما غير الذي وجدنا أنفسنا عليه، فلم نتساءل أو نشك في أمر من أموره على الإطلاق، لأننا في العموم نفتقد إرادة البحث التي عادة ما تطرأ على الباحث، من شك وريبة لتناقض الأدلة، أو لتعارض الأفكار بحيث تدفع صاحبها إلى ذلك السبيل من البحث، وتجره إلى ميدان مقارعة الحجة بأختها ، عندها فقط يتميز الخبيث من الطيب، ويعلو منبر الحق ويردد الفضاء صدى براهينه ، وتداعب نسمات خيره آذان الواعين ، فتنير به قلوبهم وتتفتح عليه عقولهم ، فلا يأنسون إلا به ، ولا يسكنون إلا إليه..

لما نظرت في المذاهب والفرق الإسلامية، لم أجد فريقا ولا مذهبا متصلا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعهده، اتصالا وثيقا لا فاصلة بينه، غير خط أهل البيت عليهم السلام ، بينما انقطعت بقية الخطوط عن عصر النبوة انقطاعا مفرطا ، لا يدعو العاقل إلى الإطمئنان إليها، وقد وصلت إلى هذه القناعة على الرغم من أن الذين كتبوا في تاريخ الفرق لم يكونوا أمناء في نقلهم ، وكانوا في معظمهم متحاملين على غير خطوطهم ،تجند معظمهم لنقل كل ترهة ودعاية، تمس من صحة وصدق خصومهم.

كان أول المذاهب التي يصطلح عليها بالمذاهب السنية ، والتي تدعي أنها على سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المذهب الحنفي، نسبة إلى أبي حنيفة النعمان، الذي ولد سنة 80 هجرية، وتوفي سنة 150 هجرية وعاش معظم أيامه في الكوفة ، انتقل في طلب العلم إلى المدينة، فتتلمذ على أيد عدد من أكابر العلماء، منهم الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام،الذي كانت له معه حوارات ومناظرات. لقب أبو حنيفة بالإمام الأعظم من طرف زمرة من المتعصبين من أتباعه ، وهو لقب لا يستحق تقلده لأنه اعتمد على رأيه في استنباط أحكام ، مستدلا عليه في أغلب حالات استنباطه بروايات ضعيفة، تاركا وراء ظهره أغلب الصحيح.

ثاني تلك المذاهب، هو المذهب المالكي نسبة إلى مالك بن أنس الذي ولد سنة 92 هجرية وتوفي سنة هجرية 176 بالمدينة ودفن بها، وعاش معظم أيامه في المدينة المنورة ، وقد تتلمذ مالك أيضا على يد الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، لكنه لم نجد له بعد ذلك علاقة بالإمام نظرا للعوامل السياسية التي أحاطت بمالك ، من بينها انه كان مقربا من أبي جعفر المنصور العباسي ، وهو الذي أشار عليه بكتابة الموطأ، وشدد العباسيون على جعله الفقيه الأوحد المقرب من السلطة آنذاك ، إلى درجة أنهم أطلقوا في المدينة من ينادي:" لا يفتى ومالك بالمدينة." إمعانا منهم في إقصاء أئمة أهل البيت عليهم السلام عن دورهم ، والحيلولة بينهم وبين عامة المسلمين، بالأمر تارة وبالإكراه تارة أخرى.

ثالث تلك المذاهب المذهب الشافعي نسبة إلى محمد بن إدريس الشافعي الذي ولد سنة 150 هجرية في السنة التي توفي فيها أبو حنيفة، وتوفي سنة 204 هجرية في مصر ودفن بالقرافة الصغرى،عاش الشافعي فترتين الأولى طالبا للعلم وتنقل بين العراق والحجاز فلقي مالكا ، لكنه لم يأخذ عنه لما وجد عليه من مظاهر الأبهة والسلطة ، والفترة الثانية كانت مصر مقرا له قبل أن يعود إلى العراق ليموت هناك.

رابع تلك المذاهب، المذهب الحنبلي نسبة إلى أحمد بن حنبل، الذي توفي ببغداد سنة 241 هجرية ودفن بمقبرة باب حرب ببغداد ، عاش في بغداد التي كانت موطن العلوم وقتها، ومنافسة عنيدة للمدينة المنورة، صاحب محمد بن إدريس الشافعي وأخذ عنه.

بعد إطلاعي على تاريخ ولادة فقهاء المذاهب الأربعة، التي اصطلح عليها بمذاهب أهل السنة والجماعة ، تساءلت في نفسي : بماذا كان يتعبد أهل القرن الأول قبل مجيء أبي حنيفة ومالك ، والثاني وقبل مجيء الشافعي والثالث قبل مجيء إبن حنبل، ولم ينتشر فقه أصحاب تلك المذاهب فيها؟ ولماذا ترك بقية الفقهاء وأهملت اجتهاداتهم ، وضرب الصفح عن الأساتذة الكبار ، والتفت إلى تلاميذهم؟ ولماذا انحصرت المذاهب التي ادعت إختصاصها بالسنة النبوية في أربعة فقط؟ وهل صحيح أن تلك المذاهب هي صاحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسنته الشريفة؟
أسئلة عديدة جالت في خاطري ، وكانت تبحث عن جواب مقنع لها، فازددت تشبثا بمعرفة ما جرى، وأين تكمن الحقيقة وسط هذا الركام الهائل من الموروثات، التي اختلطت إلى حد التباين والتناقض.

عند تصفحي لما كتب عن القرن الأول هجري ، لم أجد لتلك المذاهب أثرا لأنها لا يمكن أن تكون سابقة لوجود مؤسسيها،ولا كان لها إشعاع أثناء وجودهم ، ناهيك أنه قد ضرب منهم من ضرب ، وعوقب من عوقب من طرف السلطة، لفتاوى أو اعتقادات لم ترق لخلفاء بني العباس،وقرب منهم بعد ذلك من قرب لتوافق طرأ على علاقاتهم، ولا عمل بمقتضاها على الوجه الذي نشهده الآن في القرن الذي تلاه.

وحصر تلك المذاهب في إطار وضع له عنوان مزيف ،وهو الادعاء بأنه يمثل السنة النبوية المطهرة، مدعاة إلى الاستغراب من ذلك الحصر، الذي لا يعكس حقيقة محتوى تلك المذاهب، نعم يمكن أن نصطلح على تلك المذاهب، بأنها استندت في أخذ السنة النبوية عن جميع الصحابة، باعتبار أنهم عدول بالنسبة إليها، في مقابل الخط الذي رأى غير ذلك، إعتمادا على النصوص الملزمة بإتباع أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وأخذ معالم دينهم عنهم ، قرآنا كان أم سنة، وعليه فتسمية خط ما بأنه يمثل السنة النبوية، هو من باب التمويه والتضليل، لأن الأمة قاطبة لم تختلف في وجوب الأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما وقع الاختلاف في موردها، لذلك فان الانقسام الذي وقع في تركيبة الأمة الإسلامية يمكن تسميته بالتشيع إلى هذا الطرف الذي يرى أهلية الأئمة الأطهار في قيادة الأمة الإسلامية أم ذلك الطرف الذي لا يرى ذلك ويعتبر أن أي متصدر للحكم أهل لذلك ، وشيعة علي عليه السلام بقوا على نهجهم الذي تمسك به من تمسك إلى اليوم ، وشيعة معاوية وحزب الطلقاء ، لم ترق تلك التسمية لأتباعهم فيما بعد فاستبدلوها بعنوان أكثر جاذبية ، وهو إتباع السنة النبوية المطهرة ، ولا أرى عاقلا يقول بمفارقة أهل البيت عليهم السلام للسنة النبوية المطهرة ، وهم يمثلون صفوة الخلق بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم،ولا راشدا يعتبر أن السنة الصحيحة عند غيرهم.

فإما أن تكون أيها السلم من شيعة أهل البيت عليهم السلام، أو تكون من شيعة غيرهم ممن هب ودب ،ويعني أيضا ، أما أن تتقيد بالنصوص الصحيحة التي وردت عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، أو أن تتبع الوهم والهوى والنصوص المكذوبة .

وعلى ذكر النصوص المكذوبة ، فهي طافحة في كتب الخط السني منتشرة في عديد أبواب كتبه ، وقد تفنن حفاظه وفقهاءه في ذلك حتى افردوا بابا مفترى سموه باب رضاعة الكبير، ومن أراد أن يقف بنفسه على ذلك الإسفاف فليراجع أمهات كتب هؤلاء كالصحاح وموطأ مالك وغيرها كثير.
ثم إن أصحاب تلك المذاهب قد تخلوا عن كثير من المسائل التي أفتوا فيها ، فقالوا بخلافها دون أن تصل إلى الناس نقائض تلك الفتاوى ، كما صرح بذلك السيوطي في شرح موطأ مالك، وكما هو الشأن كذلك بخصوص كتاب الشافعي الذي ألفه في مصر، فلم ير له أثر بعد ذلك، وبقي فقهه الأول الذي ألفه في العراق ، تماما كما أسقط فقه واجتهادات أصحاب بقية المذاهب، التي اندثرت بحكم عدم مساندة الحكام لها ، فذهبت برحيل أصحابها.

الحقيقة الماثلة بين أيدينا الآن تقول : إن حياة تلك المذاهب واستمرار بقائها ما كان له أن يتم ،لولا مساندة العباسيين والمماليك العثمانيين لها، بينما ترك ما لم يوافقهم في الرأي ، وحورب كل من وقف في وجه الظلم والتحريف ، ولم يكن هناك من يجرئ على الوقوف في وجه الظلم وأهله دفاعا عن الدين ،غير أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ،الذين استبسلوا في الذود عن حياض الدين الحق، إلى حين ظهوره على يد المصلح العظيم أرواحنا لمقدمه الفداء.
وبقاء خط أهل البيت عليهم السلام منذ أن دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة إلى إتباعه من بعده ، فاستجاب لذلك ثلة من خلصهم كسلمان الفارسي ، وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود ، وغيرهم ، من دون سند إلا دفاع الله تعالى وإرادته في حفظ دينه ، إلى أن وصلنا اليوم غضا طريا لم تشبه شائبة بدعة أو تحريف، كما يدعي عميان القلوب عكس ذلك،دليل مادي على أن هذا الخط هو الذي يمثل فعلا دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه وصل إلينا بفضل الله متخطيا عقبات جمة، لو وضعت واحدة منها في طريق تلك المذاهب التي تدعي السنة النبوية باطلا، لانمحت من كتب التاريخ ، فضلا عن استمرارها إلى اليوم.
تتلمذ أبو حنيفة ومالك بن أنس على عدد من أجلة العلماء على رأسهم الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الملقب بالصادق عليه وعلى آبائه السلام ، الذي ولد في المدينة المنورة سنة 73 هجرية، وتوفي بها، ودفن في مقابر الشهداء بالبقيع، إلى جانب آبائه الإمام الحسن بن علي عليه السلام، والإمام علي بن الحسين عليه السلام، والإمام محمد بن علي عليه السلام سنة 148 هجرية.

لم يتلمذ من أئمة المذاهب الإسلامية ،على يدي الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، أبو حنيفة ومالك بن أنس فقط ، بل تتلمذ عليه أيضا سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، ويحي بن سعيد ،ومن العلماء والمحدثين والفقهاء غيرهم، كأبي أيوب السجستاني ، وشعبة بن الحجاج ، وعبد الملك بن جريج ، حتى إن جابر بن حيان عالم الكيمياء الشهير كان من تلاميذ الإمام الصادق عليه السلام في ذلك العلم، وبلغ مجموع تلامذة الإمام جعفر بن محمد عليه السلام أربعة آلاف تلميذ . كان الإمام جعفر بن محمد الصادق، ووالده محمد بن علي باقر العلوم عليه السلام، المؤسسين لجامعة العلوم الإسلامية،التي تخرج منها آلاف العلماء الأجلاء في شتى العلوم، في عصر استفحلت فيه عقائد غريبة على الإسلام ، وظهرت وسط الأمة فرق ،تأسست أفكارها من أجل إبعاد المسلمين عن نبع أهل البيت الصافي ، وصرفهم عن معين دين النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، فتصدى هو ووالده عليهما السلام إلى ذلك التحريف لإبطاله، وتفنيد مزاعم التحريفيين في العقائد الإسلامية، على خطى آبائه وأجداده في الذب عن الدين، والدفاع عن بيضته ، مما جعلهم عرضة للإضطهاد والتنكيل والقتل،من طرف طواغيت أزمنتهم من الأمويين والعباسيين، الذين كانوا يقفون وراء جل محاولات التحريف، والبدع التي ألصقت بالدين .

وقد سجل المؤرخون مواقف أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وتصديهم لإزالة الشوائب التي علقت بالدين ، أقتصر منها على ما نقل عن الإمام الصادق عليه السلام، سادس أئمة أهل البيت عليهم السلام،الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، أقدمه ليكون دليلا على أعلمية هؤلاء الأطهار، وسعة معارفهم ، وقدرته على الإمساك بأزمة الدين وكرائم علومه.

كان للإمام جعفر بن محمد الصادق موقف جادا وصارما من أبي حنيفة النعمان، عندما بلغه أن الرجل يستعمل القياس برأيه ، وفي رواية أنه قال لأبي حنيفة لما دخل عليه: من أنت؟ قال : أبو حنيفة. قال: مفتي أهل العراق؟ قال: نعم قال :بم تفتيهم؟ قال : بكتاب الله .قال: وإنك لعالم بكتاب الله ، ناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه؟ قال : نعم. قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل:" وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين." أي موضع هو؟
قال أبو حنيفة: هو ما بين مكة والمدينة.فالتفت أبو عبد الله عليه السلام إلى جلسائه وقال: نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكة والمدينة ولا تأمنون على دمائكم من القتل، وعلى أموالكم من السرقة؟
فقالوا: اللهم نعم.
فقال أبو عبد الله : ويحك يا أبا حنيفة ، إن الله لا يقول إلا حقا ، أخبرني عن قول الله عز وجل:"ومن دخله كان آمنا." أي موضع هو ؟ قال: ذلك بيت الله الحرام. فالتفت أبو عبد الله إلى جلسائه وقال: نشدتكم بالله هل تعلمون إن عبد الله بن الزبير، وسعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل؟
قالوا: اللهم نعم . فقال أبو عبد الله عليه السلام : ويحك يا أبا حنيفة إن الله لا يقول إلا حقا، فقال أبو حنيفة: ليس لي علم بكتاب الله ، إنما أنا صاحب قياس.
قال أبو عبد الله عليه السلام : فأنظر في قياسك إن كنت مقيسا ، أيما أعظم عند الله القتل أم الزنا؟
قال : بل القتل.
قال عليه السلام: فكيف رضي في القتل بشاهدين ، ولم يرضى في الزنا إلا بأربعة ؟
ثم قال عليه السلام :الصلاة أفضل أم الصيام؟
قال : بل الصلاة أفضل.
قال عليه السلام: فيجب على قياس قولك على الحائض، قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها دون الصيام، وقد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلاة.

ثم قال له عليه السلام : البول أقذر أم المني ؟
قال: البول أقذر.
فقال عليه السلام: يجب على قياسك،أن يجب الغسل من البول دون المني ، وقد أوجب الله تعالى الغسل من المني دون البول.
قال: إنما أنا صاحب رأي.
قال عليه السلام: فما ترى في رجل كان له عبد، فتزوج وزوج عبده في ليلة واحدة، فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة ، ثم سافرا وجعلا إمرأتيهما في بيت واحد، وولدتا غلامين، فسقط البيت عليهم، فقتل المرأتين، وبقي الغلامان، أيهما في رأيك المالك والمملوك ، وأيهما الوارث والموروث؟
قال أبو حنيفة: إنما أنا صاحب حدود.
قال عليه السلام : فما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح ، ورجل أقطع قطع يد رجل ، كيف يقام عليهما؟
قال أبو حنيفة: إنما أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء.
قال عليه السلام : فأخبرني عن قول الله لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون:" لعله يتذكر أو يخشى" ولعل منها شك؟
قال نعم .
قال عليه السلام: وكذلك من الله شك إذ قال : لعله؟
قال أبو حنيفة : لا علم لي .
قال عليه السلام: تزعم أنك تفتي بكتاب الله، ولست ممن ورثه، وتزعم أنك صاحب قياس ، وأول من قاس إبليس لعنه الله ( إذ قال خلقتني من نار وخلقته من طين) ولم يبن دين الإسلام على القياس ، وتزعم أنك صاحب رأي ، وكان الرأي من رسول الله صوابا ، ومن دونه خطأ ، لأن الله تعالى قال :" فاحكم بينهم بما أراك الله" ولم يقل ذلك لغيره، وتزعم أنك صاحب حدود ، ومن أنزلت عليه أولى بعلمها منك ، وتزعم أنك عالم بمباعث الأنبياء ، وخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك ، ولولا أن يقال : دخل على ابن رسول الله فلم يسأله عن شيء، ما سألتك عن شيء ، فقس إن كنت مقيسا.
قال أبو حنيفة: لا أتكلم بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس.
قال عليه السلام : كلا إن حب الرياسة غير تاركك ،كما لم يترك من كان قبلك.

ولم ير خط من الخطوط المدعية للإسلام حاثا لأتباعه على ربط العلم بالعمل وبذل الجهد من أجل إعلاء كلمة الله ، وفداء الإسلام العظيم بالنفس والمال والولد غير خط التشيع لأهل البيت عليهم السلام، فكانوا تبعا لائمتهم أمثلة تضرب ونماذج معبرة عن الإسلام الصافي يحتذي بها من يريد النجاة في الدارين ..
"عليكم بتقوى الله، والورع والاجتهاد ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة، وحسن الخلق والجوار، وكونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الاجتهاد، والصدق والورع."
من البديهي على المسلمين الواعين، أن لا يتقبلوا كل ما جاء من تلك العصور، إلا بعد فحص وتمييز ، لأن أغلب ما كتب فيها،كان بإيعاز من أنظمة شهد لها التاريخ بالدموية والظلم والبعد عن الدين ، والتكالب على الشهوات والدنيا، وعليه فمن الواجب أن ننبه بقية المسلمين إلى ما القي إلينا خلال تلك الفترات ، ليحذروا من الانسياق وراء تبعاته.

والمحتاط لدينه اليوم ، حرصا على النجاة من عقاب الله تعالى ، وسعيا من اجل نيل رضاه ودخول جنة الخلد التي وعدها الله سبحانه وتعالى عباده المتقين، يستطيع أن يميز بسهولة كما استطعت أنا أن أعرف طريقي فشققته قرير العين ، متيقنا من إمتلاكي للوسيلة التي ستقربني من الله سبحانه ، وهي إن جميع الفرق التي تدعي الإسلام، منقطعة عن العصر النبوي وانقطاعا واضحا ، باستثناء فرقة واحدة هي الشيعة الامامية الاثني عشرية ، لاعتقادهم، واقتدائهم،وطاعتهم لأئمتهم المتصلين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم اتصالا وثيقا ، بدأ من الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، أول أئمة الهدى الذين نص عليهم الله جل جلاله ، ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ،وانتهاء بالإمام الثاني عشر عليه السلام وسفرائه الكرام ، مما جعل شيعتهم على مدى ثلاثة قرون في مأمن الكذب والوضع، الذي استفحل منذ وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبل نشوء تلك الفرق والمذاهب ، وقد شهد المخالف والموالف لأئمة أهل البيت عليهم السلام بالصدق والتقوى والورع ، وقد أسس الأئمة الأطهار قاعدة الاجتهاد في الفقه ، وشجعوا تلامذتهم الذين بلغوا درجته على استنباط تلك الأحكام تمكينا للمسلمين من العمل بمقتضى تلك الفتاوى ، واستجابة لمقتضى تطور العصر والحاجة إلى رفع أي إشكال فيه على المسلمين .
ووقف العلماء الأعلام بعد ذلك، واخذوا المشعل في قيادة المسلمين الشيعة وإرشادهم وبثهم تعاليم الإسلام الصحيح الذي لم تدنسه أيدي الظالمين والمحرفين، فهم إلى الآن تعتبرون العمل بموجب الرسائل العملية للمراجع العظام، واجب لا بديل عنه ومبرئ للذمة، والمتعبد عندهم بغير فقه كحمار الطاحونة ، طبقا لحديث الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام.

لذلك لم أتردد في أن أعلن تشيعي لأهل البيت عليهم السلام في مجتمعي وعلى الملإ من الخاص والعام ، معتزا بذلك ، آملا أن يلتفت بقية المسلمين إلى حقيقة أئمة أهل البيت عليهم السلام فيعودون إليهم باعتبارهم ولاة أمورهم في الدنيا والآخرة، والحمد لله على نعمة الهداية أولا وأخيرا.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة