المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 4 ذي الحجة 1426 - نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب -17-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت .. وهذا هو السبب
الحلقة السابعة عشرة

شيعتني الثورة الإسلامية في إيران

صادق... من شباب الأمة المنكوبة في دينها ، وأعظم نكبة ينكب بها المرء هي ضعف دينه وهزاله أمام هجمة الأفكار التحريفية المناهضة ، والعقائد المخالفة التي ترفض التعايش مع غيرها ، ذلك الضعف الذي نشأ من فصل الدين عن الحياة، وحصره في مجرد طقوس يقوم بها المسلم تجاه ربه.

بدأ صادق يشق حياته ويبني مشروع مستقبله ، بعد أن أنهى دراسته الثانوية دون أن يحرز على شهادتها النهائية، فقد مات والده وتركه في مواجهة متطلبات الحياة ، وفي كلفته عائلة متعددة الأفراد وهو كبير أولادها، لذلك لم يستطع أن يكمل دراسته ، فلم ير بدا من خوض غمار الحياة، عند أول مقترح للعمل تقدم به أحد أقاربه .
ومنذ أن وطأت قدماه مقر الشركة التي كنت أعمل بها ، وجدت نفسي مهتما به ، مأخوذا بجاذبية شخصه التي تميزه عن بقية المنتسبين إلى الشركة،فقررت أن أربط معه علاقة صداقة وصلة أخوة ، سيما وعلامات التدين بادية على ملامحه وسلوكه وكلامه، والتفت صادق إلى شخصي فوجد في ما افتقده في أقرانه من خصال وخلل ، فوافق على مبدإ ربط أواصر تلك العلاقة.
وباعتبار أن صادق كان ممن أكرمهم الباري سبحانه وتعالى بالاستبصار، وإدراك الإسلام الحق ، من خلال التشيع لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم،فقد وجهت له الدعوة لحضور جلسة الإفادة بخصوص الإخوة الذين اختاروا عن بصيرة ويقين إتباع خط الشيعة الامامية الاثني عشرية ، واعتناقه كدين وفكر وعقيدة بطيب خاطر، بعيدا عن كل المؤثرات السلبية الخاطئة ، فلبى الطلب وكان حاضرا معنا في الجلسة ، ولما وجهت إليه السؤال أجاب قائلا:
بدأت ميولي إلى إتخاذ سبيل طاعة الله سبحانه وتعالى تتنامى منذ بلوغي ، سيما وقد تلقيت مبادئي الإسلامية الأولى من والدي رحمه الله ،ومن محيط عائلتي الكبيرة، ثم كان لمؤدب مسجد الجوار الأثر في تغذية روحي بعدد من السور القرآنية ، فقد دأبت العائلة على إرسال أبنائها إلى مؤدب المسجد والمعروف بالكتّاب، قبل دخولهم الصف الابتدائي ، والذي أصبح يعرف في السنين الأخيرة بالتعليم الأساسي، سنة دراسية كاملة أو سنتين بحسب نمو الطفل واستعداده، يقضيها في حفظ القرآن قبل أن يتحول إلى التعليم الحكومي .
كبرت وكبرت معي اهتماماتي وزادت تطلعاتي للمعرفة والعلم ، فتكونت شخصيتي على قبول كل مسألة بدليلها، لذلك لم أكن أحسب نفسي يوما من الأيام منذ أن عقلت تابعا لهذا المذهب أو كان لي ميل لجماعة معينة ، وفي ذلك وجدت راحتي ، وكان حافزا لي على إدراك الحقائق بكل يسر، وبعيدا عن تشنجات التعصب التي تعتري أتباع هذا المذهب أو ذاك.

لاحظت في مجتمعي صنفين من الناس ، صنف يهتم بالسياسة ، وينشغل بحيثياتها إلى حد الانغماس فيها،لكنه يعتبر أن الدين أفيون الشعوب، اتخذ من الفكر اليساري ذريعة لنبذ الدين واعتباره عقبة في وجه تطلع البشرية نحو التطور وبلوغ المجتمع المثالي الذي بشر فكرهم الإلحادي به.
وصنف عزف عنها ، وانزوى في ركن تجاهلها ، واعتبرها مسألة لا علاقة للدين بها ، فالدين عنده شيئ والسياسة شيئ آخر، وهذا الصنف رفع شعار الدين ، وقال بفصله عن السياسة،...
التفت إلى مسألة الحكومة في المجتمع المسلم ، وتساءلت : ترى هل للإسلام حكومة؟ وإذا كان الأمر إيجابا فهل وجد ذلك النمط من الحكم قديما؟ ولماذا انقطع امتداده إلى العصر الحديث؟
حاولت أن أعود إلى استقراء التاريخ فلم أجد فيه ما يجيب على تساؤلاتي ، بل زاد في حيرتي ، وعمق شكوكي التي كانت متجهة نحو حقيقة أن للإسلام حكومة غير واضحة المعالم ، لتعدد الدعاوى القائلة بإسلامية هذه الحكومة أو تلك .

القناعة بوجوب الحكومة الإسلامية نابعة من الشريعة الإسلامية التي جاءت لتكون بديلا صالحا ، ومنظومة صحيحة يتفيئ الناس ظلالها ، ويجنوا ثمار العيش تحت سلطانها العادل المتقيد بأحكام الله تعالى ، فلا يعقل أن يخلق الله تعالى الخلق ، وتتكون المجتمعات البشرية ، وينزل الوحي على الأنبياء والرسل بشرائع وقوانين دون أن تكون هناك أداة لتطبيق تلك الشرائع ، والمحافظة عليها بعد الرسل.
ومع ترسخ يقيني بوجوب الحكومة الإسلامية على الله تعالى ،من خلال عدد من الآيات القرآنية التي تضمنت مفرداتها مصطلح الحكم الإلهي والأمر بالعمل على أساسه، كقوله تعالى :" فأحكم بينهم بما أراك الله." وقوله تعالى في مقارنة واضحة الدلالة على رجاحة الحكم الإلهي على غيره من الحكام :" أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون." ناسبة مرجعية الحكم أدواة وتشريعا إلى الله تعالى دون غيره :"إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم." وإلتفتّ إلى الذين قالوا بأن الوحي ترك أمرها للناس يختارون من يريدون أن يحكمهم ، بلا ضوابط ولا شروط ،فتبين لي أن نظريتهم كانت تبريرا لواقع فرض من طرف أقلية استولت على الحكم ، لم يقو على الاستمرار ربع قرن من الزمن، تهاوى بعده في أيدي الطلقاء، وذرت رياح النفاق شورى سقيفة بني ساعدة، ومع ذلك بقي من بقي متمسكا بنظرية الشورى تلك ، بناء على روايات مكذوبة كرواية تأبير النخل التي أخرجها أصحاب الصحاح الستة، ومفادها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بقوم يلقحون النخل فقال لهم : لو لم تفعلوا لصلح فخرج شيصا فمر بهم بعد مدة فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا. قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم .

وفهمت أن اختلاق مثل هذه الروايات كان القصد منه فصل الدين عن الحياة ، تكريسا للمقالة التي ادعاها أصحاب نظرية الشورى في اختيار من سيلي السلطة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والتي وضعت في مقابل نصوص أخرى صحيحة الأسانيد وواضحة المتون ،تفيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغادر الدنيا إلا بعد أن نصب من سيلي الحكم بعده ، تثبيتا لدعائم الدين ، وحفظا له من كل طارئ قد يطرأ عليه لو ترك أمر الحكومة إلى الناس .
والتفت في هذا العصر، إلى أن مسألة الحكومة الإسلامية المؤسسة من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ،لابد أن يكون لها أنصار وأتباع إلى اليوم وإن قل عددهم ، لعدم إمكانية زوال الحق وذهابه ، ولم أجد جماعة من المسلمين يقول بوجوب الحكومة الإسلامية نصا وتعيينا غير الشيعة الامامية الاثني عشرية ،فكان بحثي مركزا عليهم ، بعدما أسقطت من يدي بقية الفرق، لعدم حجية الأدلة التي احتجوا بها، ، وتهافت التأويلات التي تذرعوا بها ، وبعدها عن مقاصد النصوص الصحيحة ، ومعارضتها لها ، ومناقضتها للعقل السليم، والفطرة التي فطر الله الناس عليها.
ولم يكن تسليمي بصحة الطرح الشيعي للإسلام عموما ، ولنظرية الحكم فيه خصوصا، إلا بعد أن لمست صحة دعواه من النصوص التي استدل عليها، ومن كتب خصومه ،الذين لم يجدوا بدا من الانصراف إلى التأويل البعيد عن الواقع ،كلما صدمتهم الحجة، والتفسير المخالف لروح النص، مخالفة مفضوحة وجلية دفعا للحق، كلما ضاقت عليهم سبل إنكار الحقيقة.

ومن النصوص التي شدت انتباهي النص الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم:" إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة." فوجدته مطابقا لأئمة أهل البيت الاثني عشر عليهم السلام ، الذين قدموا للأمة الإسلامية عمليا ما كانت تحتاجه من فهم صحيح لفلسفة وجودها وأحكام دينها ، ومعارف علومها ، وبينات عقائدها ، بينما لم يجد مخالفوهم له تفسيرا نظريا مقنعا إلى اليوم .
وظهرت لي بعد ذلك العلاقة المتينة التي كانت تربط الأنظمة التي كانت تحكم بغير الإسلام وفقهاء تلك المذاهب،وما كانوا يتلقونه منهم تعليما وتبنيا ، حتى عدوا فقهاء السلط الغاشمة، وعلماء بلاط الظلم والبغي والجور،فتجندوا جميعا وتحالفوا سريعا من أجل إطفاء نور الحق تعالى ،خدمة لمصالح بعضهم الدنيوية، لكنهم لم يفلحوا في مخططاتهم ،وخابت مساعيهم ، وبقيت تبعاتهم إلى يوم القيامة وصمة عار وسمة سوء، يوصفون بها في الدنيا والآخرة .

وعرفت أن الهجمة الشرسة التي تعرض لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسنته الصحيحة ، وسياسة الإيقاع بالعلماء وإخضاعهم لم تكن إلا مقدمات أريد بها إفراغ الدين الإسلامي من محتواه وفاعليته ، وهي الحكومة والسياسة ، ليصبح كبقية الديانات الإلهية السابقة محرفا ، ليس له دور يذكر في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وبذلك تسنى لعبيد الدنيا أن يجدوا فسحة للتمتع بدنياهم والسير وفق ما أوعزوا به إلى أولئك الفقهاء.
ثم مضى ذلك الإيحاء في أجيال المسلمين مضي القدر المحتوم ، دون التفات لمصدره ، ولا اعتبار بمنبته ، فنسبت أنظمة الظلم والجور إلى الإسلام ، واعتبر حكام بني أمية وبني العباس خلفاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحق بهم سلاطين العثمانيين من الأتراك،ثم جاء من جاء ليدعي التدين والإسلام ويحكم المسلمين باسم الدين وهو ابعد ما يكون عنه.
ووقفت على الهوة السحيقة التي أشرفت عليها الأمة الإسلامية وبدأت تتهاوى من منحدرها ،وهي لم تدرك بعد موقفها ، ولم تعي حقيقة تكليفها السياسي، ولم تتبين ما هو مطلوب منها .

من ذلك الفراغ الهائل الذي كان يحيط بالفكر الإسلامي المختزل عند عامة الناس ، فهمت وفهمت الطلائع المؤمنة بأن الدين الإسلامي من دون سياسة وقيادة لا يساوي شيئا ، وهو على الشكل الذي صوره مؤسسوا المدارس الفقهية، التي وجدت مقابل مرجعية أهل البيت عليهم السلام ، أقرب إلى المسيحية المحرفة منه إلى الإسلام المحمدي الأصيل،وظهر جليا أن الذين وقفوا ويقفون للحيلولة دون إشعاع الإسلام، وظهوره في أبهى مظاهره ، وعلى حقيقته التي تركه عليها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الهداة عليهم السلام ، هم الذين رفضوا اختيار الله سبحانه وتعالى المؤهل لقيادة الأمة ، وحكموا هواهم ، ونزعوا إلى جاهليتهم التي لم تغادر أوهامها عقولهم ، فكانت السقيفة وما استتبعته من انحراف عن منهجية الحكم الإسلامي وأدواته، وساء بذلك الفهم الصحيح للدين عقيدة وشريعة، نظرا للتربية المحرفة التي كان يفرضها الطغاة على الأمة لتسير حسب هواهم وطبقا لإرادتهم .

وقرأت التاريخ على علاته كتابة وتأليفا ، فلم أجد بعد حكومة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل حكومة واحدة تمكنت من أن تقدم للبشرية خير هذا الذين العظيم ، ومبادئه السامية ، وأسسه الكبرى في إرساء التوحيد الخالص، وبسط العدل وقيم الخير والأخلاق الفاضلة، ولا كان في هم واحدة منها إقامة النظام الإسلامي، سوى فترة حكم الإمام علي عليه السلام ، وحتى تلك الفترة لم يتسن لأمير المؤمنين أن يفعل شيئا يمكنه أن يكون الأساس للحكومة الإسلامية الصحيحة،سوى ما كان يبثه من مبادئ عبرت عن روح الإسلام المحمدي الصحيح، لأنه وجد أمامه مقاومة من ثلاثة قوى استنفدت جل وقته ، وضيعت عليه جهوده ، وحصرته في إطار واحد وهو مقاومة تلك القوى ومن وقف وراءها ، لأنها كانت تمثل التحريف والعصيان، والتفت حوله فلم يجد معه غير قلة مؤمنة بمبادئه ، وكثرة من المتقاعسين والمتهاونين ، طولوا عليه زمن المواجهة، وباعدوا بينه وبين الحسم خصوصا في معركة صفين وما استتبعها ، ولولا هؤلاء المتشككين والمرتابين ،لما عرفنا في التاريخ حاكما طليقا يحكم باسم الإسلام والإسلام بريء منه، ولا ظهر مبدأ إفراغ الدين من إشعاعه ، وفصله عن الحكومة ، وإبعاده عن السياسة .
وكل ما بناه الإمام علي عليه السلام خلال خمس سنوات من حكمه ، وكل ما بثه من تعاليم صحيحة عن الدين المحمدي ، ذرته رياح أولئك الطلقاء ، وأجلته من ضمير الأمة ، وباعدت بينه وبين الباحثين عن الدين الصحيح ، إلى أن انحصر في رموز قليلة ، لكن على قلتها كان دورها في الإبقاء على جوهر الإسلام كبيرا، بحيث تكسرت عليه محاولات التحريف التي مورست ضد الدين الخاتم.

كنت من الذين التفتوا إلى ظاهرة الثورة الإسلامية المتنامية في إيران ،باعتبارها تجربة رائدة ، ومظهرا جديدا من مظاهر عز الإسلام ورفعته، وتابعت بناء على ذلك ما كان يصلني عنها وعن قياداتها من أخبار وأنباء ، تناقلتها وكالات الأخبار العالمية باحتشام عندما كان الإمام الراحل قدس سره الشريف مقيما في العراق ، ولما استشعر الشاه المقبور الخطر الذي يمثله الإمام القائد على عرشه ، أمضى اتفاقا مع البعثيين في العراق، تنازل بموجبه عن دعم الأكراد العراقيين ،مقابل إخراج الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه من العراق ، وكان لانتقال الإمام الراحل روح الله الموسوي الخميني طيب الله ثراه من العراق إلى فرنسا، وتحديدا إلى نوفل لي شاتو حيث مقر إقامته التي سبقت عودته إلى إيران بستة أشهر تقريبا، الزخم الإعلامي الأكبر، فقد أولت وكالات الأنباء العالمية والرأي العام العالمي ، لهذا الرجل العظيم ولنهضته المباركة ،اهتماما بالغا ، بعدما كان التعتيم الإعلامي سائدا حيال حركته العلمائية التي كان يقودها قدس سره الشريف، والتي أفرزت فيما بعد قيام دولة إسلامية متكاملة الفكر، عالمية النظرة ، ظهرت من الوهلة الأولى برؤى ، ومصطلحات ، وطروح لم يكن مألوفة بين المسلمين .
وقد اعتبرت الطلائع الإسلامية المنتشرة في كامل بلاد الإسلام ، الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه مجددا لروح الإسلام العظيم ،وباعثا لروح النهضة الإسلامية،ومطبقا لمصطلح الاستكبار والاستضعاف ، ومصححا لمفاهيم الثورة الإسلامية لدى الأجيال المعاصرة ، فتأثر بها كل ذي فكر مستنير ، واهتمت بتطلعاتها وطروحها ثلة من طليعة الأمة، استطاعت أن تجد لنفسها بفضل ذلك موطئا على الساحة الفكر السياسي، وأن تفرض وجودها بعد ذلك كمشروع حضاري قابل للتطبيق ، وأطروحة تستطيع أن تكون البديل الذي يمكنه أن يحل جميع قضايا ومشاكل البشرية.
مدعاة الفخر والاعتزاز بهذه الثورة المباركة يكمن في التحدي الذي رفعه الإمام الراحل قدس سره الشريف ، عندما قرر العودة إلى إيران في ظروف داخلية اقل ما يقال فيها أنها تشكل خطرا على حياته .
وعاد الإمام رضوان الله تعالى عليه قبل انتصار الثورة بعشرة أيام ، وكانت الجماهير المليونية المؤمنة في استقباله ، وأبى إلا أن يتوجه إلى مقبرة الشهداء ليترحم على أولئك الذين بذلوا أنفسهم في سبيل الله ، ويقول كلمته بخصوص نهضته الإسلامية المباركة.
نزل الإمام الخميني طيب الله تعالى ثراه إلى طهران ، وأزلام الشاه المقبور وجلاوزته وأدوات قمعه لا تزال تعمل بقوة واستماتة ، ضاربا بذلك المثل الأول لشعبه الإيراني المسلم في التضحية والفداء ، مما حفز الجماهير المؤمنة ،على أن تحذو حذوه ، لمقارعة طاغوت العصر من الأسرة البهلوية .

أعلنت حالة الطوارئ وفرض منع الجولان في كافة المدن الإيرانية ، في محاولة لسحب البساط من تحت إقدام قادة الثورة ، لكن الإمام الراحل أصدر فتوى تحرم على المواطنين دخول بيوتهم ، وبذلك باءت محاولات أزلام الشاه ومن ورائهم الاستكبار العالمي في إجهاض الثورة .
وكان النصر حليف الثورة الإسلامية ، وتلقى الاستكبار العالمي الذي تقوده أمركا ضربة قاصمة، لم تكن في حساباتهم ، فقد كان دأبهم دائما امتصاص غضب الشعوب ، ثم الانقلاب على مكتسباتها بعد تحين الفرصة المواتية ، كما فعل بحكومة مصدق وانتفاضة الشعب الإيراني قبل ذلك .
وتحقق الحلم الذي ظل يراود أباة هذه الأمة وشرفاءها في قيام دولة إسلامية تتبنى تطبيق الشريعة الإسلامية بكل فصولها وبنودها ، وبجميع أحكامها ، امتثالا لأمر الله تعالى في إنفاذ كلمته وإعلاء شأنها ، وتحقيقا لمسيرة 124 ألف نبي ومرسل .

تجربة الثورة وتجربة الدولة بين أيدي المؤمنين الذين نصبوا همهم في السعي الدءوب لإرضاء الله سبحانه وتعالى ، يحتاجها كل موحد يريد أن يتخلص من نير وتبعية طغم الظلم والفساد ، شياطين الإنس الذين تحدث عنهم الوحي ، وحذر من مكائدهم وأعمالهم الإجرامية ، ودعا المؤمنين ليأخذوا حذرهم منهم.
وجدت أمامي إذا حجتين ، الحجة الأولى نظرية وتمثلت في النصوص الصريحة التي أشارت إلى لزوم الدولة على الله تعالى بعد نبيه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وبينت بشكل نظري وعملي واضحين، من الذي سيكون حاكما في الأمة بعد رحيل نبيها صلى الله عليه وآله وسلم؟
والحجة الثانية عملية وتمثلت في انتصار ثورة لولا تدخل العناية الإلهية لما انتصرت، وقيام دولة إسلامية ، رفعت شارة التحدي لأعداء الله تعالى ، والدعوة لاستئصالهم ، من جهة ونادت إلى الوحدة الإسلامية على أساس أننا أمة توحيد وقرآن.

لقد طبق الامام الراحل رضوان الله تعالى عليه كثيرا مسألة قرآنية على ارض الواقع، واستطاع بذلك توظيفها من أجل تلاحم المجتمع الاسلامي ، وتكتل المسؤولين في الدولة الفتية ،دفعا لهم الى الاصرار على المضي قدما في طريق التمهيد لصاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ،وخدمة بعضهم بعضا تطبيقا لأوامر الله ونواهيه، فقد كان قدس سره الشريف يقول دائما: طالما أن قوى الاستكبار تعاديكم وتتهجهم عليكم ،ولا ترضاكم فاعلموا أنكم على الحق وإنهم على الباطل.
والتفت من خلال ذلك إلى قوله تعالى:" ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير."
على تلك الثابتة تواصلت مسيرة الجمهورية الإسلامية في إيران ، متحدية قوى الاستكبار والشيطنة وأذنابهما إلى اليوم ضاربة في كل مرة أروع الأمثلة لبقية شعوب العالم ، ثابتة على مبادئها لا تزحزحها رياح الدعاية المغرضة التي تريد الحيلولة دون تلك التجربة الرائدة واهتمام بقية الشعوب الإسلامية بها.
لذلك لم أتردد في مولاة أئمة أهل البيت عليهم السلام كقادة نص عليهم الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم،ومضيت يكل كياني وجواري مقتفيا أثر بركة الإمام الخميني ، مستمدا منها القوة والعزم ، سائلا الله العلي القدير أن يحفظها، إلى حين ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة