المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 16 ذي الحجة 1426 - نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب -18-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت .. وهذا هو السبب
الحلقة الثامنة عشرة

رزية الخميس هي التي شيعتني

أما نبيل... فقال:كنت في ما مضى ميالا للتصوف ، تواقا للعزلة هربا من انحرافات المجتمع ، متوقيا بذلك من الانسياق وراءها وتحمل تبعاتها ، لكنني بقدر ما تميزت الأجواء التي عشت فيها بروحية عالية، لم أكن أعرفها من قبل ، بقدر ما شعرت بأن هنالك حلقة مفقودة في التصوف حتمت علي عدم الاطمئنان إلى ذلك المنهج ،الأمر الذي دفعني إلى البحث من جديد عن الطريق الذي يمثل الإسلام الذي جاء به النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ، والذي يشكل سبيل التواصل مع الله سبحانه وتعالى،لكنني وبكل أسف لم أهتد إلى حل يسكن الطمأنينة في قلبي.

ومرت الأيام وأنا على حال من الحيرة والقلق ، إلى أن قيض الله لي رجلا في زمن قل فيه الرجال ، وكثر أشباههم ،قلب كياني وغير مجرى حياتي تغييرا هاما ، أوقفني على تلة الحقيقة ، وأوردني مشربا رويا ، ملأت منه حافظتي ، وجمعت من خيره العميم ما يمكن أن يقيني سرابيل الذل بقية عمري ، ويكون لي سببا من أسباب الفوز يوم تبيض فيه وجوه وتسود وجوه .

منذ اللقاء الأول مع ذلك الشخص اكتشفت أنني لا أملك إلا بعض مظاهر الدين وشكلياته ،ولا املك لها عمقا في وجداني، وأحسست بضآلتي أمام جبل من القرائن والحجج التي كان يستدل بها ذلك الصديق، وبقدر ما كان يتملكني الاستغراب وتأخذني الحيرة مما كان يلقيه إلي الرجل ، بقدر ما كنت أشعر بان هناك نفس جديد يختلجني ، وإحساس بالوعي يأخذ محل الغفلة التي كانت تحاصرني كما كانت تحاصر الغالبية العظمى من المسلمين .

ولعل الذي حسم النزاع في نهاية المطاف ، حبي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومودتي لأهل بيته الطاهرين ، فقد جاءني ذات يوم وابتدرني قائلا:" ماذا يمثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنسبة إليك؟"
فقلت له:" إنه خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، به بدأ المولى تعالى الخلق وبه اختتم شرائعه، وهو فوق ذلك كله حبيب الرحمان، متميزا على جده إبراهيم الخليل عليه السلام ، ليس في الخلق من هو أفضل ولا اقرب ولا أرفع منه."
فقال لي :" إذا أنت من القرين بفضله منزلته عند الله سبحانه وتعالى ."
فقلت له:"أفي ذلك شك؟"
فقال :" أنا لا أشك في عقيدتك وصدق مشاعرك نحو النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنني لا أرى لذلك الحب أثرا عليك ."
فقلت له :" وكيف ترى يكون الأثر؟"
فقال:" أثر ذلك يكمن في إتباعك ومحبتك وولائك له، وغيرتك عليه، فقد قرن الله سبحانه وتعالى محبته بإتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، في وقوله جل من قائل:" يا أيها الذين آمنوا إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله". و جعل طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طاعته ، ومعصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معصيته ، في قوله :" ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله." وقال أيضا:" فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم." وحدد جملة من التصرفات السيئة ، واعتبرها سلبية ، وسببا في إحباط الأعمال ، ناهيا عن الإتيان بها ومشددا على ذلك في قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم* يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون* إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة واجر عظيم *إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون.

ومع ذلك فقد صدر عن ذلك الجيل المعاصر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والمعبر عنه بالصحابة ،ما أفاد بأن منهم من لم يستوعب الأمر ، ولم يأخذ بالنصيحة ، مظهرا موقفا دل على جاهلية لم تغادر صاحبها ، وجهل بأبسط القيم التي جاء بها الدين الحنيف، حيث تطاول منهم من تطاول على مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلى درجة تجاهله وإلغاء دوره .
فقلت له:" فقلت له أعتقد انك تتحدث عن فئة المنافقين الذين كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبدينه الخاتم، هؤلاء الناس قد كشف الوحي عوراتهم ، وأزاح الستر الذي كانوا يختبئون وراءه.
فقال لي :" لكن هل تعرف منهم أكثر من واحد ؟ وقد أرجف منهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من ألف وخمسمائة فرد،لماذا أهملت أسماء هؤلاء على خطورة ما يقدمون عليه ويسعون لتحقيقه ، وهو محق الدين ، وقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم إن هؤلاء الذين كانوا من جيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عاشوا معه في المدينة وما حولها ، ذهبوا معه وسافروا وحاربوا ، وحادثوه وسمعوا منه ، وشهدوا أنه رسول الله ،ودخلوا في دين الله ، ماذا نسميهم ؟ أليسوا صحابة هم أيضا ، ألم يتطاول منهم من تطاول ، وعرض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتله فقال صلى الله عليه وآله وسلم:" لا تفعل حتى لا يقل محمدا يقتل أصحابه." لذا يجب أن يفهم المسلمون أن الصحابة جيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لا يختلف في شيء عن بقية أجيال المسلمين.
قلت :" نحن لا نعرف أكثر من ابن أبي سلول،وقد لا يتجاوز المعرفين منهم عدد أصابع اليدين.
فقال :" تلك نقطة يجب التنبه إليها، لأن الذي أراد أن يعفي آثار المنافقين وحزبهم الخطير كان يقصد ، التستر على أسماء لا يروق لأتباعها أن ينكشف حالهم ، ويظهروا على حقيقتهم.فمثلا لو أن شخصا كأبيك أو أخيك أو جدك كان يعيش مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم صدر منه موقف فيه تطاول عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وجرأة على مقامه الشريف،ماذا يكون موقفك منه؟
فقالت : " أراجعه ، فان أبى فإنني أتبرا منه على الملإ ، معتبرا إياه ممن حاد الله ورسوله ، وأعتذر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما صدر منه .
قال:" إذا فماذا تقول في صحابي، قدم لنا على أساس أنه صاحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم المقرب ،وقد وقف في حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعة أيام قبل وفاته، ليتجرأ عليه في بيته ، ويمنعه من كتابة وصيته ، وينعته بالهجر والهذيان.
قلت له:" ماذا تقول يا رجل ؟ وهل يعقل أن يصدر مثل ذلك الموقف من أناس هم أقرب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غيرهم ، وقد سبقونا إلى الإيمان بالإسلام وإتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنا لا أتصور حدوث ذلك ، اللهم إلا إذا كانت الروايات متفق على صحتها ، وأخرجها أصحاب الصحاح.
فقال:"إن القرب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم والبعد عنه، يتجسدان في طاعته والامتثال لأمره، أو معصيته ومخالفته ، وذلك ليس محكوما باسم أو صفة ميزت هذا الصحابي عن ذاك، ناهيك أن الصحابة رضوان الله تعالى على أخيارهم ، لا يتميزون عنا في شيء من فرص التكافئ التي جعلها الله متاحة للجميع ، بل لقد ذم كتاب الله عددا منهم ، واستثنى النبي ذلك العدد من رحمة الله في أحاديث الحوض التي استحضر منها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أخرجه البخاري وغيره :...وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي فيقول إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول سحقا.

أما السبق والإتباع ، فانه ليس محددا بزمن أو محصورا في جيل من الأجيال ،لأن الله سبحانه وتعالى قد عدل بين الناس وسواهم أمام طاعته وأعطاهم الفرص متكافئة.
وقد جاء ذكر المتأخرين من المسلمين عن ذلك العصر،على لسان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، عندما عرف الصحابة بأن الذين سيأتون من بعده هم أحبابه الذين سيؤمنون به بمجرد الاطلاع على حقيقة بعثته ، دون حاجة إلى مشاهدة معجزاته ولا حضور شخصه ورؤية صفاته، اجر الواحد من أحبابه اجر سبعين رجلا من صحابته.

أما من جهة إخراج الرواية فقد اتفق الجميع على إخراجها والاعتراف بمضمونها ، بدون أدنى حرج.
قلت له:" فما هي الحادثة ، ومن هو ذلك الصحابي، وفي أي الكتب أخرجت؟
فقال:" أخرج البخاري ومسلم وغيرهما بأسانيدهم عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، فقال : اشتد برسول الله (ص) وجعه يوم الخميس ، فقال : إئتوني بكتاب ، أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله (ص). وفي رواية أخرى (فقالوا: ما شأنه أهجر استفهموه؟ فذهبوا يردون عليه)قال :دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه."
فقالت له: الحادثة في منتهى الفظاعة والتجني على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكنها لم تفصح عن الجاني ، ولا أخبرت عن الجماعة التي كانت تقف معه ذلك الموقف وتسانده.
قال:" الرواية الثانية هي التي فضحت الجاني وكشفت شخصه ، عندما عمد من عمد إلى التخفيف من حدة الألفاظ التي أطلقها ، واستبدالها بألفاظ تخفف من الوزر الذي لحق به .
أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس قال: لما خضر النبي (ص) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال: هلم أكتب إليكم كتابا لن تضلوا بعده ، قال عمر: إن النبي (ص) غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله (ص) كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي (ص) قال: قوموا عني.قال عبيد الله : فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (ص) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.

وتبين أن الذي وقف في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليمنعه من إنفاذ أمره في كتابة وصيته ، ليس إلا عمر بن الخطاب. وقد أجمع الرواة والمحدثون وأصحاب السير والمؤرخون جميعا على الإقرار بصحة وقوع ذلك ، غير أنهم التمسوا له العذر في موقفه ، معللين بأنه لم يكن قاصدا أذية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا التعرض له ،فطبع الرجل عندهم دائما ميالا إلى الغلظة والتحرش والاستفزاز، وقد ظهرت منه قبل ذلك مواقف طواها الزمن في سجله الحافل بالتجاوزات.
قلت له :"لكن لماذا وقف عمر ذلك الموقف الغريب؟
قال:" قبل أن تسأل عن ذلك ، وجب عليك أن تلتفت إلى أن مكان عمر، ما كان له أن يكون في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لولا تمرده عن الخروج مع أسامة بن زيد، في الجيش الذي أوعبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقتال الروم ، والذي عسكر في الجرف قرب المدينة استعدادا للرحيل، وكان قائده أسامة يحاول جمع عناصره التي كانت تأبى عليه ذلك ،بعد المعارضة التي ظهرت اثر تعيينه ،استخفافا بشخصه واستنقاصا له، وعصيانا لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
قلت له : "وهل كان عمر ضمن الأفراد الذين عينهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليكونوا تحت إمرة أسامة بن زيد، ثم كان من المعارضين لتعيين أسامة ؟
قال:"نعم ،لقد صرح بذلك أغلب أصحاب السير والتاريخ ، ذاكرين عددا من الصحابة الذين نص عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ليكونوا ضمن تعداد ذلك الجيش، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، وليست المرة الأولى التي يكون فيها عمر جنديا تحت إمرة غيره، ففي عزوة ذات السلاسل كان تحت إمرة عمرو بن العاص، وفي خيبر كان تحت إمرة الإمام علي عليه السلام ،وقد رجع قبل ذلك يجبن أصحابه وأصحابه يجبنونه كما صرح بذلك ابن الأثير في تاريخه .

أما فيما يخص معارضته لتعيين أسامة فليس أدل على ذلك ، من تحمله مسؤولية نقل ذلك إلى الخليفة الأول عندما طلب منه تغيير استبدال أسامة بقائد آخر، ولو كان الرجل يقدر المسألة لما اندفع في غمارها يطلب بدلا عن تعيين النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت :" لكن لماذا يقدم صحابي بذلك المقام على معصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
قال:" لقد تعلق الأمر بالحكومة الإسلامية ،ومن سيتولاها بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فحديث الثقلين الذي سبق لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذاعته في الناس ،قد أشار إلى أن العاصم من الضلال، ليس إلا التمسك بكتاب الله، والعترة الطاهرة من بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهما الثقلان اللذان يمتلكان مقومات بناء الأمة ، وظاهر الحديث يدل على أن القرآن لا يمكن أن يكون إلا عند الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، لأنهم الناطقون عنه صدقا وعدلا،ولا يستطيع أحد غيرهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبر غوره ، تفسير رموزه ، وفك غموض متشابهه ، والتفريق بين منسوخه وناسخه غير الصفوة الطاهرة عليها السلام ، وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ذلك في سورة الواقعة فقال:" لا يمسه إلا المطهرون ." بمعنى لا يستطيع إدراك حقائقه ، والتمكن من فهمه الفهم المطابق للمقصد غير الذين وقع تطهيرهم ليقوموا بذلك الدور، ولم يقع تطهير من المولى سبحانه وتعالى في هذه الأمة سوى أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،قال تعالى:"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت يطهركم تطهيرا." كما لم يدع أحد إختصاصهم بالآية ودخولهم فيها غير هم ، وقد قال تعالى :" يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله وكونوا مع الصادقين." ،وقد علمنا أن الصدق في الناس نسبي ، وفيهم كامل ، فليس هناك من هم أصدق منهم قولا وفعلا،وسيرتهم تشهد لهم بذلك ، وقد إلتفت عمر وجماعته إلى الغاية من إرسالهم إلى حرب الروم ، وصرفهم عن المدينة ، وفهموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرغب في تسلم علي عليه السلام لقيادة الأمة في أجواء خالية من هؤلاء الطامعين، بعد أن عقد له زمامها في منصرفه من حجة الوداع عند غدير خم ، حينما قال:" ...فمن كنت مولاه فعلي مولاه..." وقد كان عمر من أول المهنئين لعلي بالولاية قائلا: بخ بخ لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
قلت له:"ولكن هل يعقل أن يصدر من عمر ذلك الموقف، وهو الذي جاءت الروايات معظمة له ، وقد وضعته في مقام الذي لا غنى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه، بل وأكثر من ذلك فقد نزل القرآن موافقا لرأي عمر في عدة آيات؟
قال:" لقد صدر من عمر مواقف أخرى قبل ذلك فيها جرأة على النبي،وتطاول يدلان على جاهلية وجهالة لم تفارقا الرجل منذ أسلم ، حتى إسلامه كان غريبا من حيث وقوعه، فعموم الوافدين على الدين الجديد، كانوا يقبلون عليه ولديهم رغبة في التعرف عليه ، ثم تستتبع ذلك عزيمة الدخول فيه بعد الاقتناع به، وابن الخطاب لم يكن كذلك، بل لقد خرج ثائرا من بيت أخته، بعد أن لطمها وأدمي وجهها،متوعدا بقتل من يعترض سبيله من المسلمين ، ولما وصل إلى مكان تجمعهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، وعرف من بالبيت قدومه ، أراد من أراد الخروج إليه ليريح منه المسلمين ، أبى عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وخرج إليه بنفسه ، فتناوله بيديه الشريفتين ورفعه ليلقي به على الأرض فيحطم عظامه ، لكن الرجل فاجئ الجميع ونطق بالشهادتين، حاقنا بذلك دمه، عمر نفسه سكت عن تلك الحادثة ، ولم يعقب عليها.

وله موقف آخر لا يقل سوءا ،عندما اعترض النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجذبه من ثوبه ليمنعه من الصلاة على ابن أبي سلول، وفي صلح الحديبية عندما إشتد في المعارضة، إلى أن استعاذ منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأعتقد جازما أن ما أهمله المؤرخون ، وغطاه الطلقاء الذين مهد لهم عمر سبيل السلطة من تجاوزاته وجناياته بحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام أكثر من أن تحصى، حتى إن السيوطي أفرد باب في تاريخ الخلفاء سماه أوليات عمر، تخفيفا لجرمه بحق الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
أما قولك بأن القرآن نزل موافقا لرأي عمر فذلك ما لم يثبت فيه نص مطلقا ، وكل ما كتب في ذلك المعنى ، كان بأيد بعيدة عن الدين والعلم والأمانة ، فعلى سبيل المثال جاء في كتاب التفسير المأثور عن عمر بن الخطاب ، أن عمر اغتاظ لما سمع قول يهودي إن جبريل عدو لليهود ، فقرأ عمر الآية :" من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين." قبل أن تنزل، ولما ذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فوجدها قد نزلت. إلى غير ذلك من الترهات التي لا تنطلي إلا على الجهلة والبله.
قلت: لكن عقيدتي في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأبى علي قبول كلامك ؟
فقال: لقد بنيت عقيدتكم على قبول الطعن والنقيصة في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعدم قبولها في أبي بكر وعمر وعثمان ، ورفعتم من مقام هؤلاء ووضعتم من مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الكرام،هذا للأسف الشديد ما نجح فيه معاوية وبنو أمية وعامة حزب الطلقاء لعنهم الله ، واستطاعوا بدهائهم و خبثهم وأكاذيبهم ،أن يجعلوا من الصحابة بديلا عن علي وأهل بيته عليهم السلام، فشجعوا على الافتراء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووضع الأحاديث الممجدة والمقدسة لعدد من الصحابة ، وبذلك جعلوا منهم رمز الإسلام ، فتكونت عقيدة تنزيه جميع الصحابة برا كان أم فاجرا ، مؤمنا كان أم منافقا ، ورفع جميعهم إلى مستوى العدالة، بل اعتبروا من الذين لا يخطئون أبدا ، وقدم منهم من قدم حتى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كأحاديث الدف والمزمار ، وقدموا من قدموا حياءه على حياء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يستحي إلا بحيائه، وقبلوا صدور ذنب العبوس والتولي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يقبلوه من صحابي ، وردوا ذلك ودافعوا عنه دفاع المستميت.

وقد ترسخت عقيدة تقديس الصحابة وتقديمهم بدلا عن أهل البيت عليهم السلام ، إلى درجة صعب معها مراجعة أكثر هؤلاء المقدسين،بسبب طول المدة التي ظلت أجيالهم عاكفة على تلك الحالة، فالعقبة إذا هي في ركام تلك القرون وليس في محتواه ، لأن المحتوى لا يستند إلى أساس يعتمد عليه.
قلت له:" إنني أرى أن الإسلام بما حواه من عقيدة وشريعة قرآنا وسنة نبوية وتاريخا وسيرة ،لو لم يحمله الصحابة علما وعملا وجهادا لما وصل إلينا منه شيء.
قال:" إن هذا الدور الذي نسبته للصحابة ليس إلا لعلي والأئمة من ذريته عليهم السلام ، فدور الحفظ والهداية مناط بهم ، والنصوص تشهد لهم بذلك ، واستقامتهم في تطبيق الإسلام علوما وأخلاقا غير خافية أيضا، وهذا تراثهم قائم بذاته قد ظهرت آثاره واضحة للعيان ، وقد سجل التاريخ تصديهم للذب عن الدين بما مكنهم الله سبحانه وتعالى من معارف وعلوم، بينما ظهر احتياج الصحابة وغيرهم من الأجيال الإسلامية إليهم ، وقد سئل الخليل بن أحمد الفراهيدي ، ما الدليل على إمامة علي عليه السلام ، فقال: استغناؤه عن الكل واحتياج الكل إليه دليل عل إمامته، وظهر من علي عليه السلام نفسه قوله المتكرر: سلوني قبل أن تفقدوني." وقد اشتهر بين الحفاظ مقالة عمر نفسه : لولا علي لهلك عمر.
قلت له : فهل يمكنك أن تقدم لي الدليل على أحقية أهل البيت عليهم السلام من خلال تراثهم.
قال :" نعم، سوف أعطيك بعض الكتب التي تستطيع منها أن تقف على أحقية أئمة أهل البيت الاثني عشر الذين نص عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أئمة وقادة وسادة بعده،وإني متأكد من أنك إذا درستها بتمعن وروية ، بعيدا عن التعصب ، فانك ستصل إلى قمة الحقيقة .
وتواعدنا على أن يسلمني بعض الكتب التي تحوي تراث أهل البيت عليهم .

وفي الموعد المحدد جاء صديقي يحمل معه كتاب نهج الحق وكشف الصدق للعلامة الحلي ، وفدك في التاريخ للشهيد محمد باقر الصدر،والصحيفة السجادية التي تحوي أدعية رابع أئمة أهل البيت عليهم السلام ، الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، فسلم لي تلك الكتب ووعدني بالمزيد منها إذا قرأتها .
ولم يدم تصفحي لتلك الكتب غير أسبوع واحد أمكنني من خلاله الوقوف على قوة الدليل الذي يمتلكه الشيعة الإمامية الاثني عشرية ، عقيدة وشريعة وتاريخا ، ومدى انسجام كل تلك البراهين مع العقل والمنطق، فأقررت بالحق الذي عليه آل طه وواليتهم امتثالا لأمر الله سبحانه وتعالى فيهم،ثم التزمت ذلك المنقذ الذي حررني من ظلمات الوهم ورؤى السراب ، فكان يمدني في كل مرة بما أحتاجه للإجابة على سؤال أو لحل معضلة ، إلى أن تمكنت من أن اجمع زادا من الأدلة في عقلي ، وأشتري عددا من الكتب التي تلزمني في معرفة ديني الحق الذي تركه خاتم الأنبياء والمرسلين لأهل بيته باعتبارهم ورثة علومه والقادرون أكثر من غيرهم على تحمل مسؤولية أداء ذلك لمن سيأتي بعد من الناس، والحمد لله رب العالمين.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة