المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 16 ذي الحجة 1426 - نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب -19-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت .. وهذا هو السبب
الحلقة التاسعة عشرة

مسألة الاصطفاء في القرآن هي التي شيعتني

زهير ... صديق الطفولة وشريك في ذكرياتها اللطيفة والممتعة، كان مذ ولا يزال متحليا بروح مرحة عالية التربية ، حسن المعاشرة ، لطيف الطباع ، قوي البنية لكنني لم أذكر أنه استعملها في الاعتداء على أحد مهما كان تطاوله عليه ، لكن ليس معنى ذلك أنه يقبل أن يظلم ، لقد تعلم كيف ينال حقه بفضل تعقله ومنطقه ، جاء إلى الجلسة ملبيا الدعوة التي كنت وجهتها إليه ، مدفوعا بحماسة إظهار الحق ونصرة أهله الكرام عليهم الصلاة والسلام ، وعند إعطائه الكلمة قال:

نشأت في وسط متسامح لا يعرف التعصب ، منفتح على الثقافة والعلم ، فلم يكن لدي إشكال في التواصل مع كافة الشرائح التي تتعايش معي في المجتمع ، ومن الثانوية إلى الجامعة تعددت علاقاتي مع مختلف التوجهات الفكرية ، إسلامية و علمانية، مع الحرص الكامل الذي كنت أظهره في الحوار والنقاش مع هؤلاء،عاملا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:"وأدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن."

أولى ملاحظاتي التي أفضت بي إلى التمسك بحبل أهل البيت عليهم السلام ، تعلق بمسألة الاصطفاء التي تحدث عنها القرآن الكريم ، موضحا أنها سنة إلهية مترابطة ومتسلسلة عبر الزمن ، غير موقوفة على أمة دون أخرى ، ويعتبر الاصطفاء الإلهي في القرآن ثابتة من الثوابت التي لا تتغير ، وقد مثلت على مدى مسيرة البشرية في هذه الحياة الملاذ الذي يستطيع به الهارب من الانحراف والزيغ ، إتباع السبيل القويم والصراط المستقيم ، الذي انتهجه المصطفون عليهم الصلاة والسلام ،وجعله الله سبحانه وتعالى عنوان التوفيق والفلاح ، وبارك سعي من اتخذه وجهة حاثا على العمل بمقتضى ذلك الهدي ،والسير في الحياة طبق ذلك النهج.

ومع وقوفي على هذه الحقيقة التي لا تقبل الشك ولا تحتمل الطعن ، لاحظت أن المجتمع الإسلامي الذي أعيش فيه لم يكن يعر هذه المسألة أهمية تستحق الذكر، بحيث اسقط من عقيدته وثقافته معنى الاصطفاء وغاياته ، فقررت أن أستقرأ كتاب الله تدبرا وتفسيرا اعتمادا على أمهات المصادر الإسلامية .

وبعودتي إلى كتاب الله وتدبر آياته وجدت أن فيه سننا كونية لا تتبدل مطلقا ، تتعلق بالوسائط التي جعلها الله سبحانه وتعلى بينه وبين عباده ، والمعبر عنها بصفوة الخلق ، أولئك الذين تمكنوا من نيل المكانة والحظوة والرضا من الله سبحانه وتعالى ، بفضل سرعة استجابتهم لأوامره ونواهيه ،وانسجامهم مع أحكامه وعلومه،وتفوقهم في عبادته علما وعملا،قال تعالى:" إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ." فتقبلهم الخالق سبحانه وتعالى بقبول حسن وأنبتهم نباتا حسنا، أهلهم لأن يكونوا عناصر تبليغ عنه، وهداية الناس لصالح الأعمال وعقبي الدار.

استوقفتني الآية التي في سورة آل عمران ، لما تضمنته من مفردات ، فقد كنت متصورا قبل ذلك أن الاصطفاء مخصوص بالأنبياء والمرسلين والملائكة ، ولم ألتفت إلى أن المسألة تتعداهم إلى غيرهم من عناصر التبليغ والهداية ، وتذهب بعيدا حتى تشمل كل هذا الكون من حيث اختيار الأنسب والأصلح .

المفردات التي أشرت إليها تتعلق بآل الأنبياء عليهم السلام الذين ذكرتهم الآية ، وأدرجتهم ضمن قائمة المصطفين، وتساءلت هل أن آل الأنبياء هم أنفسهم أنبياء أم أن لهم مقاما آخر لا يقل أهمية عن مقام النبوة؟
ووجدت الجواب في قوله تعالى لإبراهيم عليه السلام:" إني جاعلك للناس إماما." بمعنى إني جاعلك قدوة وهاديا في الناس يتبعون أثرك ويأتمرون بأمرك ويقتدون بك ويسلكون طريقك . وفرح إبراهيم الخليل عليه السلام بالإمامة وسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون في ذريته ، لكن الله تعالى اشترط فيها شروطا ، منها أن الظالم لا يمكن أن يكون إماما، والظلم كما هو معروف ليس محصورا في عمل ما ، أو خاصا بصفة ما ، بل يصطلح على كل عمل أو صفة خارجة عن الأوامر والنواهي الإلهية، والتي من بينها الشرك بالله ، قال تعالى :" إن الشرك لظلم عظيم."

ولما تبينت مقام الإمامة، تساءلت عن دورها في المجتمع وخلافتها لمرحلة النبوة؟
وجدت قوله تعالى مفسرا لذلك السؤال، :"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين." وظهر من الآية أن الدور الموكل للإمامة ،والعمل المناط بالأئمة عليهم السلام ،هو هداية الناس بعد الأنبياء وإرشادهم إلى العمل الأصلح ، والنهج الأقوم ،وحثهم على المبادرة إلى عمل كل خير من شانه أن يرغب الناس في القرب من الله ،فكانوا بهداية الله تعالى أمثلة تحقق مصداق تشاريعه ،قال تعالى :" أولئك الذين هداهم الله فبهداهم إقتده." وأمر عباده المؤمنين بإتباعهم، وكانت إرادته في أن يكون هؤلاء الأخيار حججه على خلقه في الدنيا والشهداء بالحق عليهم في الآخرة .قال تعالى:"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول شهيدا عليكم."
والأمة الوسط هنا هم أئمة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين خصهم الله تعالى في الدنيا بهداية الناس وإرشادهم والسلوك بهم سبيل الرشاد وأعطاهم في الآخرة مقام الشهادة على الناس، وشهادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليهم بما استرعاهم من مقاليد الأمة.

وفهمت أن للوسائط التي جعلها الله تعالى بينه وبين خلقه منازل ومراتب تقتضيها كل مرحلة من مراحل التبليغ عنه ،فاصطفى من خلقه أنبياء، وجعل منهم رسلا، وحملهم شرائعه إلى الناس ، وخصهم بالإمامة وأذن لهم في أن يكونوا قدوة ظاهرين وحكاما بتعاليمه ،وكانت الوصية في نقل ذلك وإمراره بين الصفوة واجبا لم يهمله أحد منهم ، قال تعالى :"ووصى بها إبراهيم وبنيه يا بني إن الله قد اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون."

واستلزمت الوصية في أن يكون هناك من يقوم مقام الرسل في إمامة الناس وقيادتهم إلى توفيق الطاعة ، وبناء المجتمع الواعي بدوره وتكليفه ، والوصول بالإنسان إلى مرتبة التوحيد الصحيح والعبودية الحقة ، والبلوغ به إلى مستوى خليفة الله في الأرض، وضمير الهاء في الآية عائد إلى الإمامة التي تقلدها إبراهيم عليه السلام بأمر واختيار من الله تعالى، فهي أولى المسائل التي تستلزم الوصية .
قال تعالى :" ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا."
وحددت الآية أن علوم الرسل عليهم السلام، لا تكون إلا في الصفوة من الخلق ، تلك الفئة التي تعتبر امتدادا لحركتهم ، ومن نفس معدنهم المتفوق على بقية الخلق ، بما أشرت إليه من استعدادات ذاتية،يزيدها الباري تعالى من فيضه ورحمته، كما جاء في شأن طالوت عليه السلام عندما نص عليه نبي من أنبياء بني إسرائيل ، فقوبل تعيينه بالاحتجاج ، غير أن نبيهم رد عليهم في وقله تعالى :"إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ." لذلك تحملت تلك السلسلة الطاهرة من الناس، مسؤولية إلهية في حفظ شرائع أنبيائها، بعد ما أتم لها الخالق تعالى إمكانيات تحمل تلك المسؤولية الجسيمة .
إذا نستطيع أن نجزم، بأن اللطف الإلهي شاء أن تتواصل حلقاته ، وتتوالى إفاضاته على العالمين رحمة وخيرا، فلم تعدم منه أمة من الأمم ، ولا كان مخصوصا بعصر دون آخر ، فكان بابا من العطاء المتواصل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ومن هنا فهمت أن معنى قوله تعالى:"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون." يتفق تماما مع قوله تعالى :" إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما أستحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء..."
فالآية الأولى جاءت مجملة للسبب الذي جعله الله تعالى بينه وبين خلقه ، وجاءت الآية الثانية سارحة له ، فقسمت المرحلتين ، وأعني بهما مرحلة التنزيل ومرحلة الحفظ إلى مراتب ووظائف هي كالآتي :
أما فيما يخص مرحلة التنزيل ، فقد جعل الأنبياء والرسل أدواة تبليغ عنه وعناصر نشر تعاليمه وبثها في المجتمعات التي يراد بناءها على أسس الانقياد لله تعالى وطاعته وفق أحكامه المنزلة.
أما فيما يخص مرحلة الحفظ ، فقد جعل الربانيين يتسلمون دور الإمامة من أولئك المرسلين، ومنحهم من تزكيته وتأييده وعلومه ما أمكنهم إعداد مرحلة جديدة ودور يستطيع أن يخلف الإمامة الربانية الهادية ، وهو دور العلماء الربانيين قال تعالى:"إنما يخشى الله من عباده العلماء."

واقتنعت بذلك انه ليس هناك تنزيل بدون واسطة من الله تعالى كما انه ليس هناك حفظ دون واسطة أيضا.
وتساءلت بعد ذلك : إذا كان الاصطفاء كذلك فأين يوجد في الأمة الإسلامية؟
وكان حديث الثقلين هو الذي أرشدني إلى الصفوة الطاهرة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بعد الغيبة التي أخضعوا لها قسرا في وجداني ووجدان الأمة الإسلامية، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى ريدا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما."
واصطدم الحديث برواية مالك : كتاب الله وسنتي. لكن رواية مالك لم تصمد أمام تعدد طرق حديث الثقلين وصحة أسانيده ، مقابل رواية بلاغا، لا سند لها ، وفوق ذلك فالخلاف ليس في اعتماد السنة النبوية كمصدر من مصادر التشريع من عدمه، لن السنة النبوية لم يقل احد بإلغائها سوى ما صدر من عمر بن الخطاب عند منعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كتابة وصيته ، وقال: حسبنا كتاب الله ، وكل من قال بعده بذلك الرأي فهو مستند إليه .

لذلك أعتقد جازما بخصوص رواية مالك ،أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحلنا إلى مصدرين من مصادر الشريعة ، ليس لهما وجود على أرض الواقع ،كلاهما مبثوثان في المسلمين ، لا يملكان لنفسيهما دفع الضر وسط خليط من الناس يتحرك أغلبهم وفق مصلحته، وقد ظهر بالدليل على أن إطلاق مصدري الشريعة في الناس صحابة كانوا أم غيرهم ، لا يمكنه أن يكون الحل الأمثل لحفظ الدين وبقائه، فلا عموم الناس مؤهلون لذلك ولا ذلك الإطلاق مسألة مرجعية المحتاجين إلى الحكم والفتوى، فوجب لذلك تعيين أناس لهم من المكانة والأهلية والقدرة، على أداء علوم الوحي إلى الأجيال المتتابعة ، حتى يمكن للدين أن يستمر في دوره .
وجاءت آية التطهير لتظهر لي إمكانيات الأئمة الهداة التي ميزتهم عن بقية المسلمين علما وعملا ، قال تعالى :"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا."
فأظهرت عصمتهم بشكل واضح وجلي ، لأن من أذهب الله تعالى عنهم رجس الشيطان ، وطهرهم تطهيرا لا يمكن أن يكونوا غير معصومين، فإذهاب الشيطان عنهم برجسه وكل خبائثه، وشدة تطهيرهم عاملان من عوامل الاصطفاء ، ومن اصطفاه خالقه ، فهو معصوم من الخطإ حتما . وأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم معصومين من الخطإ .

ثم بحثت عن أهل البيت عليهم السلام من يكونون فوجدت عند المسلمين قولين:
القول الأول يقول: إنهم عامة نسائه وأبنائه ومعهم الإمام علي عليه السلام.
القول الثاني: يخص منهم عليا وفاطمة والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين عليهم السلام.
وبحثت في القول الأول فوجدته لا يستند على حجة أو دليل يبقي نساء النبي في دائرة اختصاص الأهل، لأنه لم ترد رواية تفيد ذلك القصد ، لا إدعت واحدة من النساء شمولها،بل لقد وجدت أن إثنتان من نساء النبي قد رويتا نزول الآية في الخمسة الطاهرين، وهم :محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، زيادة على أنه لم يقل بعصمة نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحد، بينما ثبتت عصمة أصحاب الكساء علما وعملا، أما كون الآية نازلة ضمن سلسلة آيات تخاطب نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوحدة السياق تقتضي نسبة الآية لهن، فجوابه أن وحدة السياق ليست محصلة في هذه الآية لأن الخطاب تغير فيها من ضمير مؤنث قبلها وبعدها إلى ضمير مذكر فيها،وفي القرآن مثال يطابق الصياغة، قال تعالى :"يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك انك كنت من الخاطئين."كما لم أجد من يقول بنزول الآية في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقط غير عكرمة الخارجي مولى ابن عباس، الذي اتهمه علماء الجرح بالكذب كما اتهمه ابن ابن عباس ، الذي كان يوثقه تارة على الكنيف ، وتارة أخرى يشهر به فيقول : إن هذا يكذب على أبي ،أما مقاتل الجوزجاني فحسبه انه لم يوثقه احد من العلماء ، هذان فقط هما من ادعى تلك الدعوى الباطلة ومن دون بينة ولا حتى رواية واحدة تؤيد دعواهما، وعليه وفلا وزن عند العقلاء لما تفوها به من زيف ، ومن اعتبر كلامهما حجة فقد حاد عن الحق ودخل في ظلمات الباطل الذي لا يدوم.

واقتنعت في نهاية المطاف بأحقية أهل البيت عليهم السلام في إمامة الأمة الإسلامية وقيادتها ،وفهمت معنى التشيع لهم وموالاتهم،على الرغم من الحرب التي أعلن عليهم ، وتواصلت قرون عديدة ، مورست فيها كافة أنواع الأسلحة في مواجهتهم ، بدا من الدعاية المغرضة التي كان يراد منها تشويه صورتهم في أعين المسلمين،وانتهاء بحملات السجن والتشريد والقتل والتعذيب والتنكيل ، ولو وقع معشار ما وقع لهم لغيرهم لاندرست معالمهم ، وذهبت ريحهم ، ولم يعد لهم اثر ، لكن الله سلم وهو ولي المؤمنين والمدافع عنهم ، لأن دينه مستودع عندهم ، هم أهله وحملته إلى بقية الناس، فواليتهم وواليت أولياءهم ، وعاديت وتبرأت من أعدائهم، لله تعالى وابتغاء مرضاته ،وامتثالا لأمره في إتباع الطاهرين ، فله الحمد والمنة والشكر.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة