المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 16 ذي الحجة 1426 - نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب -20-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت .. وهذا هو السبب
الحلقة التاسعة عشرة

شيعني كتاب علل الشرائع

عادل... رجل عرف الالتزام بشعائر الدين منذ نعومة أظافره إلى أن تقدمت به السن،لم يتغير في أداء تكاليفه ولا انقطع عنها يوما،عرف بين أقرانه بحماسته الكبيرة وغيرته على الدين ، فكان مرجع دائرته فيما يخص أخبار المسلمين ، فاشتغل بذلك الأمر حتى نسي نفسه ، وزاده تنامي الصحوة الإسلامية في ربوع العالم الإسلامي تمسكا ومضيا قدما من أجل إعلاء كلمة الله ونبذ ما دونها من باطل وأراجيف ،  أودع السجن بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخص فيها، فقضى ثلاث سنوات أتم فيها حفظ القرآن ، وخرج بعد ذلك أكثر إصرارا من ذي قبل أنه على الحق، لم يكن متعصبا في مناقشاته وحديثه ، ولا كانت مسلماته تلجئه إلى ذلك ، كان يعتمد الأساليب المنطقية في استكشاف الحقيقة ، فعقله عنده ميزان أودعه الله تعالى في رأسه ليزن به الأشياء.

علمت بتشيعه بعد مدة من خروجه من السجن ، وتتبعت أخباره واحتياجاته بعد ذلك ، ولما عزمت على عقد جلسة الإفادة دعوته ليقدم كيفية تشيعه فجاء رغم كثرة مشاغله ، واضعا تلك الجلسة موضع الأولوية ، ولما جاء دوره قال:"توفي أحد الأقارب ، وكنت ضمن المودعين ، كان يوما قائظا من أيام الصيف ،وكان المكان صحراويا تلفح حرارته الجسم من أخمص القدمين إلى الرأس ، ولم يكن هناك بد من الإسراع في إقامة صلاة الجنازة عليه ، مواراته التراب ، أثناء أداء صلاة الجنازة وفي مختتمها سمعت أحدهم يكبر تكبيرة زائدة على المعروف والمعمول به عندنا، فقلت في نفسي لعل الرجل نسي نفسه فكبر دون أن يلتفت إلى ذلك.

ورغم حرارة الطقس العالية فقد أبى المشيعون وخاصة كبار السن ومن تبعهم من الشباب على تلك السنة الحميدة ، إلا أن يقرؤوا ما تيسر من سور الكتاب العزيز، كسورة يس وقصار السور، في الوقت الذي يودع فيه الميت مثواه الأخير، وعند انتهاء القراء من القراءة والدافنون من الدفن تقدم إمام القرية للدعاء وأمن عليه الحاضرون قبل قراءة سورة الفاتحة،وبعد تقديم التعازي ، التفت إلى وجود رجل يريد الاقتراب مني ، لاحظت أن الرجل ليس من أهل القرية ، تقدم مني وقدم تعازيه فشكرت له سعيه .

وجرت العادة أن يتجه أغلب الحاضرين في التشييع إلى البيت الذي خصص لاستقبال الوافدين للتعزية، للقيام على خدمتهم ، وتهيئة أسباب الراحة لهم ، وطلبا لمواساة أهل الميت ، حانت مني التفاتة فوجدت ذلك المعزي جالسا مع من حضر ، وبعد تناول العشاء بدأ الحضور في مسامراتهم وأحاديثهم كل حسب اهتماماته، لكن الحديث في عمومه كان منحصرا في المسائل الدينية ، وخصوصا ما تعلق منه بعالم ما بعد الموت ، ووجد الرجل فرصة للحديث فابتدر قائلا:"من منكم يخبرني عن عدد تكبيرات الصلاة على الميت وماذا تعني تلك التكبيرات؟

استغرب عدد من الحضور من سؤال الرجل، لكنهم مع ذلك أجابه أحد الحضور بأن عدد التكبيرات هو أربع تكبيرات، ولكن لا يعلم الغاية منها، ولا يوجد في الفقه المالكي، ولا السني عموما ما يفيد في شأنها.
وقال آخر وكان أستاذا في التربية الإسلامية : لقد حدث اختلاف في عهد الخليفة عمر بن الخطاب بخصوص هذه المسألة ، لما أشكل عليهم عدد تكبيراتها ، ففريق قال بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  كبر أربعا على الجنازة، وفريق آخر قال إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  كبر خمسا،ولم  يحسم الأمر بين الفريقين ، فما كان من الخليفة إلا أن أمضى أمر الصلاة على موتى المسلمين فجعلها أربع تكبيرات ، ولم يذكر المؤرخون السبب الذي جعل عمر يرجح أمر التكبيرات الأربع على الخمس.

فما كان مني عند ذلك أن قلت له : إذا أنت الذي كبر تلك التكبيرة الزائدة، وقد كنت أظنك نطقتها سهوا ؟
فقال الرجل: لم أكن ساهيا ، وإنما كبرت خمسا ، لأن الخمس تكبيرات على الميت أصح من الأربع.
فانبرى احد الحضور، وقال مغضبا: هل أنت أعلم من عمر بن الخطاب حتى ترى أن قولك أصح من قوله؟
فقال الرجل: ليست المسألة بهذا المنطق ، لأنني لم أرى الدين برأيي، ولم أقسه بعقلي ، حتى تقول لي هذا الكلام، لأن الدين لا يؤخذ إلا من أبوابه التي أمر الله سبحانه وتعالى أن يدخل منها، وهي أبواب أهل بيته الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ليحملوا الدين، كتاب وسنة وعبادات ومعاملات، إلى الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم...
فقاطعه الرجل مدفوعا بحماسة زائدة: إذا من أين جئت بالتكبيرة الخامسة التي لم يلتفت إليها عمر بن الخطاب؟
فقال الرجل:لقد أشار الأخ المتدخل إلى أن التاريخ قد سجل الخلاف بشأن التكبيرات على الميت  في عهد الخليفة عمر، وأنا قد أخذت ذلك من أئمة أهل البيت عليهم السلام الاثني عشر الذين أجمعوا كلهم على أن عدد التكبيرات على الميت هي خمسة.
قال المتحمس : لماذا لا تكون أربع تكبيرات ؟ وما الفرق بينهما؟
فقال الرجل:لقد ثبت عند أهل البيت عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي على موتى المسلمين صلاتين، صلاة بخمس تكبيرات على المسلمين الذين لم يظهر منهم نفاق ، وصلاة بأربع تكبيرات على المنافقين قبل أن ينزل فيهم أمر الهي بعدم الصلاة عليهم والوقوف على قبورهم مطلقا.

أما الفرق بين الصلاتين فهو يحتاج إلى خزان الدين وحفظة علومه ليبينوه لنا، هؤلاء هم كما كنت أشرت في بداية كلامي أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصفوة من الخلق الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى ليتحملوا مسؤولية حفظ الدين ، والإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام هذا الإمام الجليل الذي درس عنده مالك بن انس وأبو حنيفة ،قد فسر ذلك نقلا عن آبائه ،عن أبيه الأكبر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، بأن الصلاة على الميت هي خمس تكبيرات، بعدد أركان الدين الخمس، وبعدد الصلوات الخمس، دلالة على تمام وكمال دين الميت ، وأما الصلاة بأربع تكبيرات، فهي إشارة إلى  نقص في دين الميت ، وقد اقتضت الضرورة، في بداية استقرا ر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة، الصلاة على موتى المنافقين لتأليف أهلهم ، وعدم بث الفرقة والبلبلة في نفوس الوافدين الجدد ،الذين ما زالوا لم يميزوا أبسط الأحكام، فضلا عن التمييز بين المؤمن والمنافق ،والذي قد لا يكون متاحا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، كما في قوله تعالى :" وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم."

لاذ جميع الحاضرين بالصمت كأن على رؤوسهم الطير،أما المتحمس الذي كان يقاطع الرجل فقد هدأت نبرته ، ولاحت على محياه المفاجئة .

أما أنا فلم أتمالك من التحرك صوب الرجل، فجلست قبالته ، وتوجهت إليه بالحديث قائلا: لقد وقع بيانك  في قلبي موقع القبول والرضا ، وقد رأيت أن حجتك لا تقبل الشك والطعن ، وظهر لي أنا شخصيا أن الصلاة على الميت بخمس تكبيرات أصح من تلك التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا بأربع تكبيرات ، لا ندري لها معنى ولا كيفية ، لكنني مع ذلك أتساءل لماذا أقدم عمر على ذلك الاختيار الغير صائب؟
فقال الرجل: لم تكن هذه هي المحدثة الوحيدة التي أقدم عمر على وضعها في أوساط المسلمين موضع النفاذ والإمضاء ، فقد زاد في آذان صلاة الصبح " الصلاة خير من النوم" ولم تكن موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم،واضعا الصلاة موضع التخيير بينها وبين النوم، وشتان ما بين الصلاة والنوم ،  كما حذف من الآذان الحيعلة الثالثة، وهي "حي على خير العمل" لما رأى تقاعس الناس في الذهاب إلى الجهاد ، فأراد أن يفهمهم بطريقته أن الجهاد هو خير العمل، وأحدث بدعة صلاة التراويح جماعة بالمسجد كما ذكر مالك في المطأ، ونهى كذلك عن حج التمتع التي تعتبر حجة الإسلام الأساسية لمن هم خارج مكة،ولم يعمل بحج التمتع منذ منعه، فلما مات فعاد إليه الناس، وأقدم على قطع شجرة بيعة الرضوان بدعوى الخوف من أن يعبدها الناس، وليس الأمر كذلك لأنها كانت تذكره بما أحدثه يومها من تمرد على أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعصية له ، وعدم نزول عند رغبته في الصلح مع مشركي مكة، إلى غير ذلك من المحدثات التي ابتدعها ، وكانت مخالفة لما كان عليه الحال في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن اجل تفادي سوء فهم الدين والاختلاف فيه ، ومنع إمكان التحريف عن أحكامه ، كانت الحاجة إلى من يقوم مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حفظ الشريعة وعلومها ، فكان تكليف الأئمة بعد الرسل عليهم الصلاة والسلام ، من طرف المولى سبحانه وتعالى تعيينا على الشخص والاسم ، لذلك الدور مما لا يرده عاقل.
قلت للرجل: لقد أقنعتني تماما بعلة التكبيرات على الميت ، فهل لجميع الشعائر التي أمر بها الباري تعالى علل؟ وهل ذكرها أئمة أهل البيت عليهم السلام؟
فقال الرجل: نعم إن لكل شعيرة من الشعائر علة من العلل التي جاءت شارحة لسبب وجودها أو لمعنى القيام بها، وبفضل الأئمة الأطهار من ذرية المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أمكن جمع تلك العلل ، فانفرد المسلمون الشيعة الامامية الاثني عشرية بامتلاكهم لها، دون غيرهم من الفرق الأخرى ، مما أعطى لمن ورد حياض الطاهرين عليهم السلام، انطباعا راسخا بأن الإسلام المحمدي الأصيل هو الذي عند أهل البيت عليهم السلام ، ومن بين المصنفات التي عنيت بتلك العلل كتاب علل الشرائع للصدوق رضوان الله تعالى عليه وهو من علماء القرن الرابع هجري .
قلت له : فهل يوجد هذا الكتاب في المكتبات الآن ؟
قال: لا لأن المجتمعات التي اتخذت من المذهبية العمياء منهجا أدارت ظهرها لتلك الكتب، وحصرت أتباعها في كتب مؤيدة لتوجهاتها المذهبية ، دون تلك المصنفات النفيسة ، فحرمت أفرادها من الاطلاع عليها ، خشية إتباعها ، لكن توجد عندي نسخة منه سأعيرها لك بشرط أن تحافظ عليها ولا تتأخر في إرجاعها.

فقبلت شرط الرجل ، ومن الغد عاد إلى ومعه ذلك المجلد النفيس ، فتسلمته منه في شوق وحملته معي إلى البيت لأطالعه.
لقد كان ذلك الكتاب بحق الوسيلة التي عرفتني بقيمة الأئمة الأطهار عليهم السلام ، وبحقيقة الإسلام الذي تبنوه ، والذي يعرف بالإسلام الشيعي الاثني عشري نسبة إلى عدد أئمة أهل البيت الاثني عشر، ووقفت على مدى ما يختزنونه من علوم إسلامية صافية لا درن عليها ولا بدع ولا محدثات فيها، فقررت أن اعتنق الإسلام الشيعي الذي رأيته الأكمل والأصح، خاصة وهو لم يهمل جانب الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا على مستوى النصح ولا على مستوى التعيين الإلهيين، وجاءت علل الأحكام التي نقلها الشيخ الصدوق عقلية ومنطقية ومتفقة مع ذلك التشريع ومتجانسة معه ، دالة على أن الناطق بها لم يختلقها من عنده ، وإنما جاء بها من مصدرها الذي خرجت منه ، لسان الصدق ومنطق الحق الذي تركه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لأهل بيته الطاهرين من بعده، وفهمت تبعا لذلك أن بقية الفرق ما هي إلا اجتهادات من طرف أصحابها لا ترقى إلى الدور الإلهي في الحفظ ، أو هي من صنيعة الطواغيت والظلمة لصرف الناس عن أحقية أهل البيت عليهم السلام وحقيقتهم.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة