المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 28 ذي الحجة 1426 - نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب -23-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت.. وهذا هو السبب
الحلقة الثالثة والعشرون

فوجئت بحقيقة الشيعة والتشيع .. فتشيعت

بشير... أخ في الله عرفته حديثا ، ورغم حداثة العهد تلك فانه قد أخذ مكانا كبيرا في قلبي، لما لمسته منه من رفعة وعزة ورجولة ، ما لفت نظري في شخصه، أنه كان سريع المبادرة ، كثير التفكر في أمر الله تعالى ، قليل الاهتمام بالمسائل الدنيوية الزائلة ، يهتم ويغتم إذا ضيع أمرا من دينه، ولا يأبه ولا يبالي إذا ضاع منه أمر من أمور الدنيا ، كان يحزن إلى حد البكاء إذا ضيع شيئا في جنب الله تعالى ، وكان يضحك إذا ضيع فرصة دنيوية، كان مما قربني له أنني سمعت بتشيعه لأهل البيت عليهم السلام ، وقد حكى لي قصته ، ولما عرضت لي الفكرة في جمع إفادات المستبصرين، دعوته ليدلي بشهادته ، فجاء رغم بعد المسافة ، وكان حاضرا معنا في الجلسة، ولما جاء دوره قال:
لم يكن في حسابي أن أدرس التشيع في يوم من الأيام،ولا أن ألتفت إلى كنهه ومعناه الحقيقيين ، فقد قرأت عنه من الزاوية المذهبية ، وتعرفت على وجهه المشوه ،والذي كنت معتقدا أنه وجهه الحقيقي ، من خلال كتب مناهضة ومعادية له ، ككتاب ضحى الإسلام لأحمد أمين المصري،ومنهاج السنة لابن تيمية، وكتب أخرى أفرزت أنتاجها، امتداد حركة القصاصين ووعاض السلاطين من عبدة الدنيا ، وجميع الأيدي القذرة التي حرفت وشوهت كل جميل في التراث الإسلامي ، وهي لا تزال تعمل للحيلولة دون معرفة المسلمين لحقائق دينهم، وما يترتب عليها من فهم ووعي بالواقع المرير الذي عاشه أجدادهم ، ويعيشون فيه هم أيضا إلى الآن .

لم تتولد في نفسي همة معرفة الشيعة، إلا بعد أن ألقت الصدفة في طريقي أحد أفراد الشيعة ، لم يكن ذو أصول شيعية ، فهو قد تشيع بعد دراسة وتمحيص استمر فترة زمنية غير قصيرة ، زيادة عن كونه من أهالي منطقة عرفت بإتباع المذهب المالكي قرون متعاقبة
الصدفة تمثلت في دعوتي لحضور حفل زفاف أحد الأصدقاء ، وأثناء تواجدي بالحفل وجدت الرجل من بين المدعوين، لم أكن أعرفه معرفة جيدة ، كل ما عرفته عنه هو ما قيل فيه من إشاعات متعلقة بانتمائه ، وبسبب ذلك كنت أتوقى الالتقاء به ، والجلوس معه على نفس الطاولة، كان ذلك صيف سنة 1985 والحرب المفروضة على إيران الإسلامية لا تزال مشتعلة ، تناهى إلى مسامعي حديثه ، فكنت أرهف له آذاني دون أن ألتفت إليه فأشعره بأنني مهتم بكلامه، تكلم عن مظلومية الجمهورية الإسلامية في إيران ، وعن الجناية الذي اقترفها النظام البعثي المجرم في العراق بحق المسلمين في إيران والعراق على حد سواء، وتساءل عن دور علماء الأمة المغيب ،ودعا إلى أن يتحمل جميع المسلمين مسؤوليتهم في الدفاع عن الإسلام والمسلمين ومقدساتهم، مذكرا أن تكليف كل مسلم منوط به، مستشهدا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:" كلكم على ثغرة من ثغور الإسلام فليحذر أحدكم أن يؤتى منه."

وجدت كلامه منطقيا ،واستدلالاته نابعة من نصوص صحيحة وقناعة راسخة لديه جعلته يتكلم بثقة تامة وعزة نفس .
إستدرت من مجلسي والتفت إليه، ثم خاطبته قائلا: ألست شيعيا ؟
قال : بلى. قلت: وهل الشيعة مسلمون حقا ؟ قال وقد ظهرت على ملامحه علامات الغضب: إذا لم يكن الإسلام عندهم وفيهم، فأين يمكن أن يوجد؟
قلت : وكل هذه التهم التي تحاصر التشيع والشيعة ، كالادعاء بأن جبريل قد أخطأ في تنزيل الرسالة ، ودعوى تحريف القرآن ، ودعوى تأسيس الفكر الشيعي على يد عبد الله بن سبأ اليهودي، ودعوى استباحة الشيعة للمحرمات،أليست كافية بأن تكون دليل على انحراف طائفتك؟
قال: وهل تعتقد أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ،يعتقدون بالذي ذكرت؟
قلت له : حاشا وكلا ، أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم مبرئون من ذلك ، لكن أتباعهم قد يكونون انحرفوا عن طريقهم.
فقال: طالما أنك قد برأت أهل البيت عليهم السلام من تلك التهم الباطلة من أساسها ، فأعلم أن ما روج على الشيعة من أقاويل ليس لها إثبات على أرض الواقع ،هي مدعاة للسخرية والاستخفاف بمن يعتقدها في الشيعة،وترك العلم وإتباع الظن يؤدي دائما بصاحبه إلى التفريط في الحقيقة الابتعاد عنها ، قال تعالى:" يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم." ونصيحة الباري تعالى هذه جاءت لغلق الباب أمام عامل الظن لأنه وسيلة واهمة لا توصل صاحبها إلى علم أبدا. أما ما تقوّل على الشيعة بشان جبريل عليه السلام لا أساس له من الصحة ، واجزم لك بأن مخترع تلك الدعاية المغرضة لقيط من أبناء عواهر زمن انحطاط الأمة، والمستأنس بذلك القول ليس له عقل يميز به ، ولا فكر مستنير يسرح إليه ، أما دعوى تحريف القرآن فقد قال الإمام جعفر بن محمد الصادق سادس أئمة أهل البيت عليهم السلام في معرض حديثه عن الذين انحرفوا عن نهج أهل البيت عليهم السلام:..وأقاموا حروفه ، وحرفوا حدوده." في إشارة إلى أن غير أتباعه وشيعته هم الذين حرفوا تفسير الكتاب العزيز، نزولا عند إرادة ورغبة حكامهم. وجميع الفرق الإسلامية نقلت روايات التحريف في القرآن ، غير أن علماء الشيعة كالشيخ الكليني أفردها في باب النوادر، تصغيرا لشأنها ، بينما نقلها من تسموا بأصحاب الصحاح في أبواب الفقه دون تخصيص ولا إفراد.

كما إن ابن سبأ على حسب الدعوى المطلقة قد عاش زمن الإمام علي عليه السلام ، وكان بحسب تلك الأقاويل من أتباعه والدعاة إلى إمامته وإمامة أبنائه،فلو كان موجودا وجاء بمفتريات قد تسهم في تحريف الدين وتقويض أسسه لشهر به ، وحذر منه ، ولتبرا من مفترياته، وسيرة علي عليه السلام في عدم الاعتماد على المشكوك في صدقيتهم ونزاهتهم غير خافية على ذوي الأفهام ،فهو عند تسلمه زمام الحكم قد عزل جميع الولاة الذين اعتمدهم الخليفة الثالث عثمان ، وقيل له أن لا يتعجل في عزل معاوية الطليق ، فأبى ، ورد مستشهدا بقوله تعالى قائلا:"وما كنت متخذا المظلين عضدا." فكيف يأنس والحال تلك بيهودي لا يعلم أصله من فصله؟

ومحيط علي عليه السلام أتباعا وأعوانا وجيشا كلهم من العلماء وحفظة القرآن وزهاد القوم وخيرتهم، فكيف يستقيم الاعتقاد بأن يوجد مشبوه بينهم ، أو أن يستطيع منافق أو عدو من أعداء الله أن يحوز مكانا بين هؤلاء الأتقياء ، على أن عددا من الباحثين والمحققين قد انتهوا إلى أن شخصية عبد الله بن سبأ، ليست إلا دعاية مغرضة صنعها الدهاء الأموي، لينفر الناس عن إسلام أهل البيت عليهم السلام ، الإسلام الشيعي، وهي كشخصية حقيقية ، مارست دورها وقامت بمهمتها على أحسن وجه في التنقل بين الحجاز والعراق ومصر، لدعوة المسلمين إلى ولاية أهل البيت عليهم السلام ، وكونهم الأحق والأولى بتقلدها منذ البداية من غيرهم ، لا يمكنها أن تعدو الصحابي الجليل عمار بن ياسر ذوي الأصول اليمنية ، وكل ذوي أصل يمني يشترك في نسبته إلى سبأ التي تعتبر رمز اليمن واليمنيين ، وابن السوداء لقب عيره به بنو أمية وعلى رأسهم عثمان عند حفر الخندق ، لأن عمارا كان شديد السمرة ، وكانت أمه سمية وأبوه ياسر رضوان الله تعالى عليهما سوداوان، وباعتبار أن عمارا قد قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم:" يا عمار تقتلك الفئة الباغية."

قلت له: كلامك منطقي وتحليلك لا يستطيع منصف أن يتجاهله، إلا إنني أتساءل عن السبب الذي جعل الغالبية العظمى من المسلمين تتنكب عن نهجهم؟
قال: وهل لتلك الغالبية من المسلمين القدرة على غير ذلك الفعل، طالما أنها جعلت مقاليد دينها بين أيدي أعدائها من الطغاة والظلمة، واستمرت عل ذلك دهرا طويلا ، وهي إلى اليوم تراوح في مشيها على نفس الطريق، وبنفس الوتيرة،ولم تتعظ يوما من بطلان مسلكها ، ومنذ ظهور علي عليه السلام ووضوح مقامه ، لم يجد هذا الرجل الفذ أتباعا،غير المستضعفين من أمثال أبي ذر وعمار وسلمان والمقداد ، ومقابل ذلك ظهرت أضغان النفاق والشرك من خلال التحريض عليه والوشاية به ، إعتقادا من هؤلاء بإمكانية إسقاط علي عليه السلام ، وزحزحته من قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يزد تكالبهم على الوقيعة بعلي عليه السلام، إلا رسوخا لمحبة أمير المؤمنين في كل الأفئدة، التي رفضت الدنيا وباطلها وزيفها وبهرجها ، وكلما خرج حب الدنيا من قلب مؤمن ، تهافت عليه طلابها فوضعوه في قلوبهم ، لذلك لم يجتمع حب علي عليه السلام، وحب الدنيا في قلب مؤمن أبدا ، وبقيت هذه المعادلة مقياسا صحيحا،يعرف به المتجه إلى الله تعالى ،من المتجه إلى الشيطان والدنيا.

قلت له : فماذا قدم الشيعة إذا للإسلام؟
قال: قدموا كل خير ، وأظهروا كل جميل ، وبينوا كل لبس ، وعاشوا بين الناس بأبدان قلوبها معلقة بالمحل الأعلى،فخيرة الصحابة كانوا شيعة علي وأهل بيته عليهم السلام، وخيرة التابعين هم أيضا شيعة أهل البيت عليهم السلام ، وفي كل جيل من الأجيال الإسلامية مثّل الشيعة نخبتهم وخيرتهم بدون مبالغة ، وبكل تواضع أقول لك إننا إذا صنفنا و ميزنا العلماء، لوجدنا علماء الشيعة هم أفضل العلماء، بدليل ما كتبوه للأمة الإسلامية وللناس جميعا، وإذا صنفنا عامة الناس وجدنا عامة الشيعة هم أفضل عامة ، لقول الأئمة عليهم السلام :" ليس من شيعتنا من يوجد في مصر ويوجد من هو أتقى منه." وكان حثهم لأتباعهم للعمل الصالح وتطبيق أحكام الله تعالى من أولى أولوياتهم ، فقالوا:" كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم." حتى الشعراء فانك إذا وردت دواوينهم ، وجدت أن أفضلهم شيعة أهل البيت عليهم السلام ، وبصراحة فإنني لا أرى طيبا ولا جميلا إلا وهو شيعي.

قلت له : أراك تبالغ في تفضيل وتقديم الشيعة.
قال: أنا أنقل لك الحقيقة بغير طلاء ولا زينة، الحقيقة التي ظلت مغيبة عنا قرون طويلة ، تلك التي أبعدنا عنها بالكذب تارة وبالدعاية الباطلة تارة أخرى ، لذلك فإنني أتمنى من كل مسلم أن لا يطمئن إلى كل ما يلقى إليه، فليشكك في كل شيء ليتخلص من موروثاته التي علق بها كثير من البهتان ،ثم ليبدأ البحث عن الحقيقة ، خاليا من التبعات ، وأنا متأكد من انه سيدرك الحقيقة من دون عناء.
قلت له : وهل النخب التي تحدثت عنها من الشيعة مخصوصة بالعصور الفارطة ، أم تشمل العصر الحديث؟
قال: التشيع يا أخي متصل الحلقات، ومترابط الأجيال، فلم يخل منه مكان ولا زمان، أنا لا أدعوك فقط إلى متابعة النهضة المباركة للجمهورية الإسلامية في إيران،ولا إلى التفات إلى تلك الثلة المؤمنة في لبنان ، المسماة بحزب الله ، وعلى ذكر هذه التسمية ، فهي موجودة في القرآن الكريم واضحة وجلية لكل عين منذ أن نزل بها الوحي ، قال تعالى:"ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون." ومع ذلك فانه لم يتسم بها أحد من طلائع المسلمين منذ أن بدأ النضال والجهاد في سبيل الله، كأن بها طلسما ، وجاء شيعة أهل البيت عليهم السلام فأسسوا بها حزبا، قارع الصهاينة الأوغاد وانتصروا عليه رغم قلة العدة والعدد، وكانت وسائل الإعلام التابعة لقوى الاستكبار العالمي تتكتم على عمليات حزب الله ، وعند الإعلان عن كل عملية ، ينسبون ذلك إلى المقاومة الوطنية اللبنانية إلى أن تم النصر باندحار الصهاينة ، عندها ظهرت الأعلام الصفراء على كامل الحدود اللبنانية ، ووصل المنتسبون إلى حزب الله بأعلامهم إلى السياج الحديدي الفاصل ، وهم يعلمون جيدا أن القوة الصهيونية على الجانب الآخر قد تطلق عليهم النار لكنهم لم يأبهوا لذلك الأمر مما زاد في رعب بني صهيون.

أدعوك كما ذكرت آنفا إلى تحكيم قلبك ، بعد الأدلة النظرية من نصوص قرآنية وأحاديث نبوية إلى التأمل في هاتين التجربتين ، في زمن إذا لم نتكاتف معها فقد لا تتكرر تجربة أخرى ، وقد يبتعد الأمل في تحقيق الوعد الإلهي :"ونريد أن نمن على الذين أستضعفوا في الأرض فنجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين."
انتهى الحديث مع ذلك الشيعي ، نظرا لأن المكان لا يسمح بأكثر من ذلك ، فقد جئنا جميعا لحضور حفل زفاف أحد الأصدقاء ، وعلينا أن نلتفت إليه ونهتم به ،وتغيرت منذ تلك المناسبة السعيدة على أهلها وعلي،بتعرفي على شخص ،استطاع بمنطقه ولباقته ومعرفته، أن يهديني إلى إتباع الصراط المستقيم ،الذي تاه عنه كثير من الناس، ممن يمتلكون أسباب المعرفة ووسائل البحث والوصل إلى الحقيقة، ولم نفترق من ذلك الحفل إلا بعد أن ووعدني بأن يمدني بكتاب تأسيس الشيعة الكرام لعلوم الإسلام ، لأتأكد من مصداقية القيمة التي ذكرها ،عن العناصر التي شايعت عليا والأئمة من ذريته عليهم السلام ، فكان كتابا شاهدا على تلك الفئة المباركة، التي لعبت دورا رئيسا في حفظ الدين، وإحياء أحكامه وسننه ، وتطوير مناهجه وعلومه، مما أتاح لي أن أنزع غشاوة التضليل، والقي بتبعات التمذهب الموروث عن الآباء ، إن كان الآباء حقيقة على تلك المذاهب المفروضة على الناس في الزمن الغابر، وأيقنت أن الإسلام المحمدي والدين الحق، لا يمكنه أن يكون في غير أهل البيت عليهم السلام ، فآمنت به واتبعت طريقتهم كما قال تعالى :"أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده."

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة