المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 28 ذي الحجة 1426 - نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب -24-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت.. وهذا هو السبب
الحلقة الرابعة والعشرون

مناهضة الشيعة للظالمين على مر التاريخ هو الذي شيعني

استهواه الأدب بشتى أصنافه، وعلى وجه الخصوص الآداب العربية والتاريخ الإسلامي،ودفعه شغفه بالشعر إلى توق التخصص في الآداب العربية ، فكان اختياره على كلية الآداب والعلوم الإنسانية ليواصل فيها دراسته العليا، إنه نور الدين... الشاب الذي عرف بدثامة أخلاقه ورفعة شخصيته ، منذ أن كان صبيا يافعا ،وتطلع روحه إلى الخير، شيمة درج عليها حتى استوى عوده. لم أجد فيه مذ عرفته سوء يعرفه به الناس ،ولا وقفت له على غميزة يستحق بها التجنب والمباعدة ،فقلت في نفسي كما قالت ابنة شعيب لوالدها :" إن خير من استأجرت القوي الأمين."
هذا خير عنصر استأمنه على ما يختلج في صدري ، فيكون لما أبثه له محل جدارة واستحقاق ، لطيب عنصره ، ولصفاء روحه ، فلم أجد لديه ما يعكر حديثي ، ولا ظهر لي من تقاسيم وجهه ما ينبئ بعدم تقبل مقالتي ، وأنا أدعوه إليها ، وكان تجاوبه مع حديثي ، وانسجامه مع كلامي يدلان على أن عامل الوراثة الذي اتبعه أغلب المسلمين ليس له تأثير على ذوي الأنفس المطمئنة، ولا على ذوي العقول المنفتحة على هذا العالم الرحب بعلومه المتنوعة، مما سيعطي للحق صولة تنكشف فيها أساسات الباطل فينسف نسفا ، ويعود دين خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم محمدي المولد ، علوي البناء ، ومهدوي الدولة والنظام الإسلامي المنشود.

دعوته إلى جلستنا ليقول كلمة حول الظروف التي أحاطت بانتقاله من المذهب الذي كان عليه ،وهو المذهب السني المالكي ، إلى إسلام أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: قبل أن ألتزم بالدين الإسلامي الحنيف ، كنت متحمسا للثورة على الظلم والظالمين ، كارها لكل عناوين الاستعلاء التي تعتري الحكام ، فتنحرف بهم عن الجادة ، ويكونون عناصر ضيق وكبت واستنزاف باطل لقدرات شعوبهم، وقد ساعدني في ذلك نشوئي في وسط عائلي مستقيم يعتمد على مبادئ رافضة لكافة أشكال الظلم، ومعاصرتي لجيل كان يلتمس روح مناهضة الظالمين من مبادئ غريبة عنه ، نظرا لحالة الغربة عن دينه الإسلامي التي كان يعيشها، والتي فرضت عليه إتباع المنهج الثوري خارج الإطار الإسلامي ، كأنما الإسلام لا يحتمل ذلك ، أو أنه خال منه تماما، فكانت الماركسية هي الفكر الذي رأيت فيه الوسيلة الوحيدة التي تسمح بمناوئة الظلم والوقوف في وجه الظالمين،أمام غياب البديل الإسلامي وخلو الساحة منه.

لم أكن أتصور في ذلك الوقت، أن الإسلام يحتوي بدائل ونماذج، يمكنها أن تكون خير مثال يؤخذ، في إطار الصراع بين الحق والباطل ، وبين العدل والظلم ، وبين الفضيلة والرذيلة ، وبين الخير والشر، وخط الرحمان وخط الشيطان.
بل لقد كنت معتقدا آنذاك من خلال ملاحظاتي الخاصة، أن الدين يمثل الرجعية والتواطئ والتبعية للظلم،بحسب ما هو واقع من تعاملات أولئك الذين تجلببوا برداء الدين وانخرطوا في مسار ولاء الطغاة، تطبيقا لسياسة صنعها فقهاء البلاط ، وأمروها إلى الأجيال الإسلامية، فسارت على هديها، وهي تعتقد أنها أمر إلهي.
ولم يتغير موقفي من عمالة الدين وخدمته للظالمين إلى محاربته لجميع أنواع الظلم ، إلا بعد أن انتصرت الثورة الإسلامية في إيران ، والتقيت في تلك الفترة بهذا الأخ العزيز الذي دعاني إلى هذه الجلسة ، لأروي لكم كيفية انتمائي لخط أهل البيت عليهم السلام .

كانت دار الاتحاد العام التونسي للشغل قريبة جدا من بيت العائلة ،وكنت عند كل مناسبة أو تظاهرة أو اعتصام يقام هناك، متواجدا للاطلاع عن مجريات العمل النقابي، والمستجدات على الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للبلاد، فدار الاتحاد كالمخبر الذي تكتشف فيه أعراض السقم وأعراض الصحة في المجتمع والدولة والبلاد.
إلتقيت به في إحتفال بعيد العمال العالمي، دأب على تنظيمه الاتحاد العام التونسي للشغل، شأنه في ذلك شأن كل اتحادات العمال في العالم ، وكنت أعرفه من قبل، من خلال الجيرة الطويلة التي ربطت عائلتي بعائلته ،قبل أن تفرق الظروف بيننا، سررت بلقائه من جديد بسبب موقفه مني ، فهو لم يقطعني لصلتي الوثيقة بالماركسيين ،وتعاملي معهم على المستويين الفكري والتنظيمي، كان يعتبر ذلك من حقي كفرد في أن أمارس بحرية ما يقرره عقلي، وتستخلصه قناعتي، ويعتقده ضميري من فكر.
كان يعرف جيدا مدى تديّن عائلتي ، وحرصها الشديد على تنشئة أبنائها وفق الدين الإسلامي اعتقادا وسلوكا، ولم يكن شذوذي عن تلك التربية ، مروقا عن القيم والمقدسات، لأنني بقيت محتفظا بتلك الأسس في أعماق نفسي ،وإن الذي حاد بي طريق خالقي ،ليس إلا إختلاقات البشر وتحريفاتهم ، حتى انجازات الثورة الإسلامية في إيران، لم تتمكن من الوصول إلى أدعياء الفكر التحديثي (اليسار الماركسي والقومي )إلا مشوشة ومشوهة ، بما كانت تلفقه عنها قوى الاستكبار العالمي، ومثلث الشر الحقيقي أمركا وبريطانيا والكيان الصهيوني.

رحبت برفيق صباي وشبابي وبعد تبادل قبلات الود واستحضار بعض الذكريات ، بادرني بالسؤال: أمازلت ماركسيا يا نور الدين؟
فقلت له: نعم لا زلت كذلك ، إلا أنني بدأت أشك في مدى عملية هذا الفكر وفاعليته وجدواه ، خاصة ونحن على أبواب تحولات عميقة بدأ فيها معتنقوه يسلكون طريق التخلص منه ، فالاتحاد السوفييتي حاله اليوم ينبئ بذلك ، وغدا قد يأتي بما لم يكن في حسبان أحد .
فقال: إنني لا ألومك على موقفك من الدين ، فقد وجدت أمامك من يحول دونك وبلوغ مصافه ، لكنني اليوم اعرض عليك هذا الإسلام الذي بقي غائبا علينا قرون عديدة ...
فقاطعته قائلا: أتقصد الإسلام الشيعي الذي يعتنقه الإيرانيون وحزب الله ؟
قال: نعم ذلك ما أقصده ، وأنت تعرف جيدا أنني كنت تابعا لمدرسة الخلافة ، تلك المدرسة التي باعدت بينك وبين التدين بفصل الدين عن السياسة والحياة، حسب معتقدات المذاهب التي تتسمى بالسنية وهي مذهب ابن حنبل والشافعي ومالك الذين اقروا جميعا بوجوب الصبر عند جور الحاكم ، وقد نقل ذلك الشيخ أبو زهرة المصري في كتابه المذاهب الإسلامية ، استنادا إلى الأحاديث التي نسبت للنبي كذبا وافتراء عليه ، منها ما أخرجه الشيخان (البخاري ومسلم) :" من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية ، ولا ينزعن يدا من طاعة."

وقد مثلت مواقف عبد الله بن عمر بن الخطاب (رمز التسنن وراويتهم العدل)عندما انتفضت المدينة بعد أن تناهى إلى أهلها استشهاد الإمام الحسين وذريته وشيعته في كربلاء وسبي بنات رسول الله على أيدي الطلقاء عليهم لعنة الله والملائكة والمؤمنين، فوقف هذا الأخير في وجه مواليه مهددا ومتوعدا، تقول الرواية التي أخرجها البخاري ومسلم أيضا:
"لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه .
وتحرك مسرع في الموقف الثني إلى والي المدينة ، ليعلن براءته من ثورة أهل المدينة وبقاءه على طاعة يزيد لعنه الله، تقول الرواية التي أخرجها مسلم:
جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع(وكان واليا ليزيد على المدينة) حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية

أما الموقف الثالث فهو أفظع وأدهى ، فقد جاء إلى الحجاج مهرولا بعد أن رأى ما صنع بعد الله بن الزبير ، وطلب تجديد البيعة فأراد الحجاج الإمعان في إذلاله ، وكان مشغولا في الأكل ، فمد إليه رجله وقال بايع هذه فان يداي مشغولتان ، وبايع ابن عمر الحجاج من رجله.
وقد التصقت سمة الخنوع والخضوع والطاعة للظالمين بحيث لم تفارق ذلك الخط أبدا إلا في العصر الحديث ، بسبب المؤثرات الخارجة عن ذلك الخط والتي منها انفتاح البعض على الآراء والأفكار الأخرى التي تنتمي أيضا للإسلام ، وملاحظة نجاح التجربة الإسلامية للنهضة الإسلامية في إيران ثورة ودولة.

ومقابل خط العمالة والخضوع للظلم بذل أتباع أهل البيت عليهم السلام من أجل الإبقاء على الإسلام حيا ومعطاء وفاعلا في الأمة الإسلامية أرواح خيرة الأجيال ، ونخب الأقوام ، من أمثال رشيد الهجري وميثم التمار وعمرو بن الحمق الخزاعي وجويرية بن مسهر العبدي، وسعيد بن جبير، وحجر بن عدي الكندي ، غيرهم مما لا يسعني استحضارهم وذكر أسمائهم ، فهم يعدون بالآلاف
قلت له : وهل تشيعت أنت؟
قال: نعم لقد تشيعت عن دراسة معمقة ، خرجت على أثرها متيقنا أن الإسلام الأصيل هو الذي ذهب إليه المسلمون الشيعة الامامية الاثني عشرية، نسبة إلى أئمتهم الاثني عشر .
قلت له : فما الفارق بين الإسلامين؟
قال:الجانب الثوري الذي كنت تفتقده في خط الإسلام السني الذي والى أنظمة الظلم والجور،التي حكمت الشعوب الإسلامية، تطبيقا لروايات موضوعة . قلت : بين لي ذلك؟
قال: منذ أن فارق النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الدنيا ، وشيعة أهل البيت عليهم السلام في صراع مرير، من أجل غرس الفكر الذي ورثوه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص الدين الإسلامي ،ذلك العمل العظيم كان له دور أساسي في بقاء جوهر الإسلام المحمدي نقيا وصحيحا بحيث لم يتطرق إليه شيء من اختلاقات البشر ، فلم يفصلوا الدين عن السياسة ،كما فصلها الخط السني ، وهم يعتبرون استنادا إلى أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحيحة أن الدين جاء من أجل صلاح الدنيا والآخرة ، وقيادة البشرية جمعاء في مسيرتها إلى الله تعالى نحو نظام الحكم الإلهي والمجتمع المسلم المثالي ، والبديل عن كافة النظم الوضعية التي تفتقد روح التواصل المتين مع الله ، والمصداقية بين البشر، ولو نظر الباحث المنصف في مجموع أحكام الإسلام لرآها تناولت جميع متعلقات ومتطلبات البشر ، بدأ من أبسط المسائل كآداب التخلي إلى أعقدها فيما يتعلق بالمواريث والعقود والمعاملات ، وهذه الأخيرة مثلت في حجمها أكثر التشريع الإسلامي .

وباعتبار أن الأحكام المشار إليها تحتاج إلى أداة تسهر عليها وتنشرها بين الناس بأمانة ، وتنفذها تنفيذا صحيحا ، تظهر ثماره على المجتمع ليتحقق العدل الإلهي فيما بين البشر ويأمن الناس تحت ظل تلك الحكومة الإلهية، جاء الأمر الإلهي للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بتعيين علي بن أبي طالب عليه السلام إماما يهتدي المسلمون بتطبيقاته وعلومه ، وحاكما مؤهلا ليشغل الفراغ الذي سيخلفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

لكن التحريفيين الذين كانت أطماعهم في السلطة غير خافية بحيث دخل منهم إلى الدين من دخل وهو يرجو نيل مكان في أعلى قمة التسيير، وتطاول منهم من تطاول على مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليعتقد الجاهل والأحمق أن مقام ذلك المتطاول، لا يقل قيمة عن مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون قد هيئ فرصة للاستيلاء على الحكم بعد وفاة النبي مع من رفض التعيين الإلهي للإمام علي عليه السلام.

وتم أمر الحكم للانقلابيين وضيق على علي عليه السلام وأهل بيته ومع مرور الزمن تحولت أحقية أهل البيت عليهم السلام وقدسيتهم إلى نكارة وجهالة تعامل بها حيالهم أغلب الأمة ، نتيجة سياسات التجهيل والقمع التي مارسها المتسلطون على الحكم والأمة، وتحولت منزلة الطاهرين من ذلك المقام المرموق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،إلى موضع التهمة ومبرر التنكيل والقتل،وتحول نظام الحكم الذي سلط على رقاب المسلمين من تلك الحالة الانقلابية الشاذة إلى ملك غاشم لا يفرق بين حق وباطل، وعوض الحكومة الإلهية الراشدة ، مني المسلمون بنظام حكم جاهلي لم يراع ابسط الحقوق لأفرد المجتمع ، فتحول أهل البيت عليهم السلام عندما رأوا أن الدين وتشريعاته أصبحا في خطر إلى المعارضة الفاعلة في أوساط الأمة ، فخرج الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام في هجرته العظيمة من المدينة إلى مكة ثم بعد ذلك إلى الكوفة ليعيد الحكومة الهادية بأمر ربها إلى أصحابها الشرعيين، ليضرب للمسلمين وللناس جميعا مثلا في الفداء والتضحية من أجل المبدأ، وكانت مواجهته لقوى البغي والظلم من نتاج مؤامرة السقيفة ، درسا لن ينسى لكل الأحرار في العالم من اجل الثبات على الموقف والمبدأ ، لأن الحياة إذا لم يكن فيها موقف ومبدأ فهي إلى الحيوانية اقرب منها للإنسانية،وأسس سيد شباب أهل الجنة عليه السلام مدرسة الشهادة وجامعة الثورة في يوم عاشوراء وكانت كربلاء موضع حجر الأساس لنهضات وثورات تتابعت تأسيا بريحانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان للائمة من أولاده عليهم السلام الدور البارز في قيادة تلك الثورات، فعلموا أتباعهم وشيعتهم أحكام الإسلام وعلومه الصحيحة ، ونظموا صفوف الطلائع المؤمنة، ونشروا روح خدمة الإسلام وفداءه بكل غال ونفيس، فاندلعت ثورات عديدة ، أسقطت طلقاء بني أمية ، وفرقت جمعهم إلى غير رجعة ، لكن الأمة عادت فكررت نفس التقصير ،وأخلت بواجبها في التقيد بالإسلام وموالاة أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فاستولى بنو العباس على الحكم ولم تمر فترة وجيزة حتى أعادوا الظلم إلى موقعه على صدر الأمة الإسلامية ، وبقي أهل البيت عليهم السلام في نفس موقع المعارضة ، ونفس الدور في التعليم والإرشاد والدعم الروحي والمادي وتنظيم كوادر العمل الإسلامي التي كانت تتخرج من مجالسهم، فتوالت الثورات ضد الظلم والظالمين ، وكانت أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام في تحريم إتباع الظالمين أو إعانتهم ، أدلة مسجلة في تراثهم الخالد، من ذلك قول الإمام علي عليه السلام: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق." وقول الإمام الصادق عليه السلام: من أرضى سلطانا جائرا بسخط الله خرج من دين الله." وغير ذلك من الروايات التي تحرم طاعة الظالمين ، وبناء على ذلك أفتى علماء الشيعة بان أي عمل يقوم به المكلف وفيه شكل من أشكال المعونة للظالم فهو حرام ، ويعد كبيرة من الكبائر.

وقصة صفوان الجمال شاهد على ذلك، تقول الرواية :
كان في عهد الرشيد رجل من الشيعة يدعى صفوان ، وكانت له جمال يكريها لهارون الرشيد حين يذهب إلى مكة للحج ، فدخل يوما على الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ، فقال له: يا صفوان كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيئا واحدا، قال: جعلت فداك أي شيء ؟ قال: كراء جمالك من هارون ، قال: والله ما أكريته أشرا ولا بطرا ، ولا للصيد ولا للهو، ولكن أكريته لطريق مكة ، ولا أتولاه بنفسي، ولكن ابعث غلماني، فقال: يا صفوان أيقع كراؤك عليهم ؟ قال : نعم جعلت فداك، قال: أتحب بقاؤهم حتى يخرج كراؤك؟ قال: نعم ، قال:فمن أحب بقاؤهم فهو منهم، ومن كان منهم فهو في النار. فذهب صفوان وباع جماله عن آخرها. فبلغ ذلك الرشيد ، فدعاه وقال له : يا صفوان بلغني انك بعت جمالك، قال :نعم ، قال: ولم؟ قال: أنا شيخ والغلمان لا يفون بالأعمال. قال: هيهات هيهات، إني لأعلم من أشار عليك بذلك ، أشار عليك موسى بن جعفر، قال: مالي ولموسى بن جعفر؟ قال: دع عنك هذا والله لولا حسن صحبتك لقتلتك.

ومن اجل إضفاء الشرعية على أنظمتهم سعى ملوك بني العباس إلى استمالة أئمة أهل البيت بعد أن استطاعوا استمالة اغلب الفقهاء والرواة والحفاظ ، وكانت للمنصور الدوانيقي محاولة فاشلة مع الإمام جعفر بن محمد الصادق، فقد وجه إليه رسولا ومعه رقعة كتب فيها : لم لا تغشانا كما يغشانا الناس؟ فرد عليه أبو عبد الله الصادق عليه السلام : ليس لنا من الدنيا ما نخافكم عليه ، وليس لكم من الآخرة ما نرجوكم منها ، ولستم في نعمة فنهنيكم ، ولستم في نقمة فنعزيكم، فلم نخشاكم؟ فرد عليه الدوانيقي: تصحبنا لتنصحنا.فرد الإمام الصادق عليه السلام: من كان يريد الدنيا لا ينصحكم ، ومن كان يريد الآخرة فلا يصحبكم.
وكلفت كل تلك المواقف أئمة أهل البيت عليهم السلام مزيدا من التضييق والسجن والقتل ودس السم لهم، من طرف المتسلطين على الأمة ، فلم يمنعهم ذلك من المضي قدما في مواقفهم،التي كانت تمثل التطبيق الصحيح للدين الذي جاء به جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وسمة الثورة والاستماتة على الحق التي ميزت هذا الخط جعلت أعناق الأحرار والتواقين إلى العزة تلتفت إليه وتتجه نحوه.
وانت ترى اليوم ان الفكر الماركسي والثورة البلشفية التي تمخضت عنه لم تستطع ان تقدم شيئا يذكر من مساواة وعدل وامن لمعتنقي ذلك الفكر فضلا عن البشرية جمعاء اضافة الى تعلقها بكل ما هو مادي ومحسوس وانكارها ما وراء ذلك ، فهم لا يعترفون بوجود خالق هذا الكون ولا بحياة ما بعد الموت ، وهو في نظري فكر سطحي يائس لا يستند على مقالة صحيحة في هذا الخصوص، وانت تدرك اكثر مني بان المعلول لا بد له من علة ، والسبب من مسبب... فقاطعته قائلا : أنا مؤمن بوجود خالق لهذا الكون ، لقد دخلت مع الماركسيين لسبب واحد وهو ثورية فكرهم ، ووجاهة برنامجهم الاقتصادي في إرساء نظام عادل في توزيع للثروات ، أنا لم ولن أتبنى نظرياتهم الاجتماعية ولا رأيهم في الوجود ككل.
قال: إذا عليك أن تراجع حساباتك بخصوص الإسلام والتاريخ الإسلامي لتتعرف على نقاط الخلل التي باعدت بينك وبين هذا الفكر العظيم الذي طرحه أئمة أهل البيت عليهم السلام .
قلت له : فهل عندك ما يمكنني من ذلك ؟
قال: نعم وسترافقني بعد مغادرتنا دار الاتحاد إلى البيت، لتسلم على العائلة، وأقدم لك ما يمكن أن يفيدك فيما ذكرت لك.

بعد انتهاء الاحتفال ، توجهنا جميعا إلى بيت هذا الأخ الكريم ، ورحب بي أفراد عائلته وسألوني عن عائلتي كيف حالهم والى أين صاروا، وبعد أداء واجب السلام أخذني إلى مكتبته ، واختار لي بعض الكتب التاريخية التي تناولت الحركات الثورية في العصرين الأموي والعباسي، مع كتاب الشهيد مرتضى مطهري المجتمع والتاريخ ، ودوافع نحو المادية ، وكتاب الاستحمار للشهيد علي شريعتي، ، فأخذتها منه والتزمت بقراءتها سريعا ، وهو ما تم فعلا ، وعلى أثر ذلك اقتنعت بأن الماركسية لا تمثل المنهج الثوري الصحيح ، وهي في أبعادها لا تتجاوز حركة عمر الإنسان ومسيرته في الحياة الدنيا ، بينما يمثل الإسلام الذي يرفض الظلم ، ويعتبره خروجا عن جوهر الدين ، ومقارعة الظالمين عبادة كبرى عند أئمة أهل البيت عليهم السلام ، هو الإسلام الصحيح الذي جاء به النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، فغيرت وجهتي إليه واقتنعت به وسلكت طريقه ، وأعلنت ذلك لصديقي فحمد الله على نعمة هدايتي ، واستحثني على مزيد البحث والمطالعة ، حتى تترسخ الفكرة في عقلي ، وتستوثق في وجداني ، وبقي يتابعني في تلك المرحلة، ولم يتركني إلا بعد أن استوفيت حل كل الشبهات، التي ألقاها الظلمة على دوحة أهل البيت عليهم السلام، ليشوهوا مظهرها البديع.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة