المستبصرون » مساهمات المستبصرين

ابو مرتضى علي - الوطن العربي - 6 محرم 1427 - مفهوم الولاء والتبرّئ .. وحقيقته
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : ابو مرتضى علي
الدولة : الوطن العربي
المساهمة :

بسم الله الرّحمان الرّحيم
والصلاة والسلام على المصطفى الأمين وآله الأطهار المنتجبين ,
(( وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ، ولا تتبع السُبُل فتفرّق بكم عن سيبله ، ذلكم وصّاكم به لعلّكم تتقون ))

إخوة الإيمان :
سلام من الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته .

مفهوم الولاء والتبرّئ , وحقيقته

تمهيد :
تاه المسلمون مع أهوائهم يوم توزّعوا على أنفسهم شيّعا , ويوم تركوا ما أمروا به من أمر الله تعالى ووصايا رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلّم) , ثمّ إتّسعت المتاهات لتُنجب فرقا ومذاهب تثير الخصومات ، وتُغريها سوى المطامع والنعرات ,.
أعجب , وأنا البسيط علما والأحقر فعلا ممن يعتقد بعدل الله تعالى وكمال خلق رسوله الأكرم (ص) القوّام لله بالقسط والشهيد على النّاس بالحقّ , كيف يظنّ ظنّ السوء بأنهما ترك خير أمّة أخرجت للناس هُمّلا بلا دليل ولا راع ولا منهاج قويم , تدين له الأعناق بالولاء والطاعة . وذاك إعتقاد من كيّفَ الدّين الحنيف بصبغة : وسعوها في قريش لتتسع ,؟ :" وبذلك جعلوا لكلّ شخص غاية تقطع العصم ، فعاد كلّ فرد أمّة ، وتاهت بهم السبل بعد تركهم حكم الولاء لأهل العصمة الحقّة وما إختاره الله لهم وارتضاه رسوله (ص) الصادق في قوله والحكيم في فعله بعد أن وضع بين أيديهم مناهج النجاة ومصابيح الهداية وعرّفها لهم وأمرهم بالولاء لها مرارا وتكرارا ، وأمرهم بالسير على هديها ، والاعتصام بحبل مودّتها , ولكنهم هاجروا ما أمروا بمودّته وابتغوا من دونهم أولياء مّما سوّلت لهم أنفسهم وأهوائهم , وكان أغلبهم في ذلك للحقّ كارهين ,
حيث شيّدوا مبدأ النقيض ، واغتصبوا ما لغيرهم مع عقيدة القياس- ليصبح خليفة المرء ، خير من رسوله- وكان للإجتهاد في مقابل النص صولات وجولات , حتّى قدّموا القبيح على الحسن بعدما أجازوا ولاية الفاجر عوضا على الإمام العادل , ما أقاموا فيكم الصلاة ,؟ وقد نقل ابن الفرّان عن الإمام أحمد بن حنبل قوله ": ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة ، وسُمِّيَ أمير المؤمنين ، فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيتَ ولا يراه إماما عليه ,؟ برّا كان أو فاجرا يراه أمير المؤمنين ,؟؟؟ [ *] , ولا يخرجُ على الأمراء بالسيف وإن جاروا ,؟؟؟ [** ]

وبمثل هذه الفتاوى المبتدعة أخضعوا رقاب الأمّة . وبين بيعة الفلتات وجنود العسل وسيف الحجاج , ؟ ضاعت أعظم أحكام التشريع الإسلامي ، ومن بينها مفهوم الموالاة والتبرّئ وما وجوبها على الفرد والمجتمع المسلم , ومع ضياع المفهوم لهذا الحكم ، تاهت بنا السبل بين حالات الذلّ والتشرذم والتباغض والهوان , ولن يكون لنا ملاذ عزّ وسعادة دون معرفة مفهوم الولاء وتمسّك بأهله (ع) ، والتبرّئ ممن ناوئهم أو عاداهم أو ترك نصرتهم , عبر العصور والأيّام . والتي وضع أسسها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) عبر مراحل عمره الشريف وهو الصادق الذي لم يذهب بصدقه الدهر ، ولم تحلَّ من تشريعه الحكمة ، ولا يزال قوله وأمره مبدأ للحقّ وأهله , أعرف الحقّ تعرف أهله .

وممّا تؤاخذ عليه الفرقة الجعفريّة من الشيعة الإمامية , مسألة الولاء والتبرّيء إتّجاه بعض الصحابة وما يرونه ويعتقدونه من حرمة لأحدهم إلاّ بالإعتماد على آيات الله تعالى وسنّة رسول الأعظم (ص) الموثّقة بحكم الإجماع والعقل السليم في حقّ كلٌّ منهم , لذلك تابعتهم الألسن والأقلام عبر العصور والأيام ، بالإساءة والطعن في أخلاقهم ومعتقداتهم وسيرتهم , وهم من ناحيتهم آثروا أن يدفعوا بالحسنة السيئة ، و بالمودّة الجفاء ، و بالمحبّة البغض, وليت الأخرين أتخذوا عوض المعادات والبغض وتهويل , سبل البحث والمناظرة وفهم الغاية من حكم الولاء والتبرّيء وإدراك أعراض ما أوجسوا منه خيفة , ولكن بين المصالح الدنيويّة ، والجهل المستطاب ، والتقليد الأعمى , و على قدر قوّة الدّين ، يكون خلوص النيّة .

لذلك مسألة الصحبة والصحابة , بين منْ رأى بعدالتهم كلّهم والولاء لهم ، والتبرّئ ممن يتناولهم بجرح أو تعديل ,؟ بل وأعتقدوا بعصمتهم ، حتّى نزّهوهم عن الخطأ والسهو والنسيان وجعلوا منهم نجوما يُهتدى بها , وبأيهم إقتديتم ، إهتديتم ,؟ في حين رأى آخرين ومعهم الشيعة ، بأنّ الصحبة لا تُجيز لصاحبها العصمة ولا المولاة , إلاّ لمن أوتي الضمانة من كتاب تعالى أو سنّة رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلّم) , لا ما شيّدت يد الوضع والإفتراء من طواحين بن هند وسمرة بن جندب وابن عمر , وما دون ذلك فهم بشر يقع منهم ما يقع من غيرهم ، ويعززون حكمهم هذا بما جاء به تاريخ الصحابة من رزايا وبلايا , من يوم الخميس وما أدراك ما يوم الخميس , حتّى يوم حصار الخليفة الثالث وقتله بيد الصحابة , وحرب الصحابة فيما بينهم بين الجمل والصفين مرورا بالنهروان , حتّى الطفوف وما أدراك ما يوم الطفوف , رغم الإنذارات والتلميحات من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم: ((لا ترجعوا بعدي كفّارا ، يضرب بعضكم رقاب بعض ,)) ولكن لمعرفة الحقيقة في إتّخاذهم أو عدمه بتلكم الوصايا المقدّسة يتجلّى لمن تدبّر وتفكّر فيما جاء به حديث الحوض من الصحيحين وهذا نصّ البخاري :

في باب الحوض وهو في آخر كتاب الرقاق ص94 ج4 بالإسناد عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال : بينما أنا قائم فإذا زمرة ، حتّى إذا عرفتهم ، خرج رجل بينهم وبيني ،
فقال : هلمّ ,؟
قلت : أين ,؟
قال : إلى النّار والله .
قلت : وما شأنهم ؟
قال : إنهم إرتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ,؟؟:" فلا أرى ينجوا منهم إلاّ مثل همل النعم ,:" وما في الفتح الكبير للنبهاني , فأقول سحقا سحقا لمن غير بعدي .ج1 ص 455 .
- فمن يا يرى الرجل الذي يقف بين النبي (ص) والزمرة من أصحابه ليأخذهم إلى النار ,؟؟
ثمّ كم يكون عدد الهمّل من النعم في أقصى الحالات ,؟ سؤالان ينتظران الإجابة ,؟ وبعد قد نبحث على النجوم التي تهدينا في عتمة ليالينا التي طال أمدها , وتخرجنا من طوامير التقليد الأعمى التي ألزمونا بها أصحاب المصالح وأتباع الموروث من عقيدة إبتداء وما ورّث الآباء ,

وهذا يُعتبر دليل إلزام , فتكون بعده مسألة الولاء والتبريء مسألة سعادة أو شقاء ، ونعيم أو جحيم , وتكون معرفة الذين أشار لهم الحبيب المصطفى (ص) -بهمل النعم -, واجب عين لمن أراد لنفسه النجاة . حتّي نواليهم ونقتدي بهديهم ونكون معهم يوم الفزع الأكبر , حيث يُحشرُ المرء مع من أحبّ .
والحبّ معناه الموالاة ، والإخلاص ، والإقتداء , في مقابل التبرّئ ممن تولوا على أدبارهم القهقرى , ونقول لهم ما قال الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله وسلّم) سحقا سحقا لمن بدّل بعد نبيّه (ص) ,

ولنجتهد ونبحث عن سُبل النجاة وطرق الهداية والصراط المستقيم , وحتما أنّ الله بحكم عدله ولطفه ورسوله بحكم خُلق وكرمه لن يتركا الأمّة همّلا كما يعتقد السفهاء , بل تلك بصائر من ربّك لمن ألقى السمع وهو بصير , نلتمسها واضحة المعالم ، مشرقة الزوايا تُنير دروب السّالكين , بين آيات بيّنات ، وسننٍ عطرة , وهذه مصابيح منها لظلمة القبر . وينابيع زلال ليوم العطش الأكبر , لمن شاء أن يتّخذ إلى ربّه سبيلا ,

1- أخرج الشيخان عن أبن عباس أنّ رسول الله (ص) قال يوم خير ": لأعطينّ الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه ، يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ,:"
, فتطاول لها القوم , فؤوتي بعليّ (ع) وكان أرمد، فبصق رسول الله في عينيه ، ودعا له فبرئ ، حتى كأن لم يكن به وجع ، فأعطي الراية , وفتح الله على يديه . [1] .
هذا عليّ (ع) أحبّ الله ورسوله , - وكلّنا يدّع ذلك - ولكن الميزة أن الله يحبّه ورسوله , وهذا فضل الله الأوفى ، لا يؤتيه إلاّ من إصفاء من عباده , أأترك ولاية هذا المرتضى ، وهو حبيب لله ورسوله (ص) وهو الضمانة لمن والاه , واتبع الطريق المعوج .؟

2- قال رسول الله (ص) يوم غدير خمّ ": , من كنت مولاه ، فعليّ مولاه ، اللهمّ وال من والاه ، وعاد من من عاداه ,:" [2] .
فهل هناك من الأمّة من يدّع بأن رسول الله (ص) ليس بمولاه ,. ؟ لا أظنّ ذلك بل الكلّ يزعم ذلك قولا دون فعل بتركهم النصف الثاني من أمر المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلّم) , لأنّ ولاية عليّ من ولاية رسول الله (ص) , وهذا معنى الحديث . فمن لم يتّخذ من عليّ مولا له بعد رسول الله ، فقد نكث ولاية رسول الله (ص) , ولن يكون ذلك إلاّ بالتبرئ ممن ثبت ظلمه لعليّ (ع) أو مخالفته له في قول أو فعل , فما ظنّك من حاربه ، ولعنه ,؟ ومن يرى غير هذا المعنى ، فليأتي ببرهانه المزعوم ,؟

3- أخرج مسلم في صحيحه عن عليّ (ع) أنّ رسول الله قال له : (( لا يُحبّك إلاّ مؤمن ، ولا يبغضك إلاّمنافق ,)) [3] .
فهل يكون الحبّ دون إقتداء والولاء , وإعلان البراءة من أعداء الحبيب ,؟ ومن يقف في الطرف الأخر , يدخل في حكم الخاذل للحقّ ، والمبغض له , وذلك يولد النفاق لا محالة ,؟ فلينظر المؤمن من يوال .؟

4- قال رسول الله (ص) ": من آذى عليّا ، فقد آذاني , :" [4] .
من لم يكن مواليا لعليّ (ع) وناصرا له باليد واللسان , سيكون خاذلا لأهل الحقّ ولو بالاعتزال , ويكون في حكم من اغتصب حقّ عليّ (ع) وميراثه وهاجم بيته , أو هدده بالإحراق وزوجته الزهراء وابناه الحسنان (عليهم السّلام ) , وفي الخذلان ، يكون الايذاء بعينه ,؟
وهل منكم من يرى في مثل ذلك الخُلق رضا لله ورسوله (ص) على الفاعل والآمر, أو من والاهم أو اهتدى بهديهم ,؟ ولكن بالصدق والأمانة يبنى الإيمان .

5- قال رسول الله (ص): (( من أحبّ عليّا فقد أحبّني ، ومن أحبّني فقد أحبّ الله ، ومن أبغض عليّا فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله ,[5], ومن سبّ عليا فقد سبّني )).[6]

كلمات صدرت عن رسول الرحمة (ص) متكررة في الحبّ والبغض في حقّ أخيه وخليفته الشرعي عليّ (ع) ليُنذر قومه , ولكنهم هجروه وناصبوه العداوة وقاتلوه وزوجته والسبطين إبناه (عليهم السلام ) , ولم يطيعوا الله في ما أمروا به (( قل لا أسألكم عنه أجرا ، إلاّ المودّة في القربى ,)) كما تركوا وصايا نبيّه (ص) , حتّى إنحدروا في المهانة والضلالة , بنكثهم بيعة عليّ (ع) وولايتهم لأبن هند , ؟
وما سنّ لهم من لعن الإمام عليّ (ع) من فوق المنابر لعقود عدّة , وقتل لأتباعه وأنصاره , أفهل من الإنصاف والدّين والعقل أن نكون أولياء للقاتل والمقتول ,؟ وأن نترضّى على علي (ع) و معاوية في آن واحد.؟ أفلا تتدبّرون , أم على القلوب أقفالها ,؟ ونختم هذا البحث بأصدق القول وأعطره كتاب الله العزيز :
من قوله تعالى : ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، أولئك هم خير البرية )) , قال رسول الله (ص) : (( هم أنت يا عليّ وشيعتك تأتون يوم القيامة راضين مرضيين ، ويأتي أعداءك غضابا مُقمحين ,))

وهنا قاعدة الولاء والتبرئ تكون المفصل بين السعادة والشقاء مع هذه الفضيلة الإلهية ، والمكرمة الربّانيّة , وقد روى عدّة من الأعلام والحفاظ بإسناد وطرق صحيحة و موثوقة : عن جابر وابن عباس وغيرهم ,[7] نزولها في علي(ع) وشيعته ,

* وأعلم أن نزول كرائم القرآن كانت في عليّ (ع) كما ينقل ذلك الإمام أحمد في مسنده و مناقبه عن ابن عباس بقوله : (( ما في القرآن آية إلاّ وعليّ رأسها ، وقائدها ، وشريفها ، وأميرها , وقد عاتب الله أصحاب محمّد (ص) في القرآن ، وما ذكر عليّ (ع) إلاّ بخير , والحمد لله ربّ العالمين على هدايته وفضله ))
** طوبى لمن أخلص لله عمله وحبّه وبغضه وأخذه وتركه وكلامه , والتزم الإخلاص في سرّه وعلانيته ,**
والسلام في البدء والختام ممن سيبقى على العهد مقيما
أبو مرتضى علي

[ * ] الأحكام السلطانية للفرّان - 20 و مآثر الأنافة للقلقشندي ج 1ص87 ,
[**] المذاهب الإسلاميّة ص 155 ,
[1] صحيح البخاري ج 3 ص 137 و مسلم ج4 ص 149 ومسند أحمد ج1 ص 160 ,
[2] مسند أحمد ج 1 ص 135 وسنن ابن ماجة ج1ص45 سنن الترمذي ج5 ص 591 ,
[3] صحيح مسلم ج1 ص 84 و مسند أحمد ج1 ص 135 و خصائص النسائي 27 ,
[4] مسند أحمد ج4 ص434 و مسند أبي يعلى ج2 - 109 و الصواعق ج2 ص360 ,
[5] مجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص 129 و الصواعق المحرقة ج 2 ص 360 و الطبراني في الرياض 3-122 و تارخ الخلفاء للسيوطي ص 173 وكنز العمال ج 11 ص 622 و نور الأبصار ص 89 ,
[6] مسند أحمد ج7 ص 356 و البداية والنهاية ج7 ص 391 و خصائص النسائي ص 24 ,
[7] السيوطي في الدر المنثور ج6-379 والطبري في تفسيره ج3-171 والشوكاني في فتح القديرج5-464

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة