المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 8 محرم 1427 - نعم لقد تشيعت ... وهذا هو السبب -25-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت .. وهذا هو السبب
الحلقة الخامسة والعشرون

شيعني الحسين عليه السلام

جاء مرفوقا بأحد الإخوة المستبصرين ، لم أكن أعرفه من قبل ، قال عنه مرافقه انه قد استبصر حديثا ، وعرف حقيقة الإسلام المحمدي الذي لم تخالطه شائبة من شوائب المستكبرين والمشركين، وكان ذلك من طريقه،ثم قدمه : الأخ عماد ... شاب من شباب الإسلام العظيم ، تربى في أسرة ملتزمة بدينها ، في عصر قلت فيه الأسر الملتزمة ، أخذ أبجديات العبادة عن والده ووالدته ، قبل أن يبلغ سن التكليف، فزاده ذلك دفعا نحو الالتزام الكامل،تعرف على إسلام أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وبحث في خصوصياته وتفاصيله فرآه أقرب إلى الوحي والنبي صلى الله عليه وآله وسلم من غيره من المذاهب التي تسمت بأسماء أصحابها ، فالتزم به وباشر تطبيق شعائره وأحكامه ، وأحلها محل الشعائر والأحكام التي كان يطبقها بطريق التقليد الوراثي ، حدثته عن فكرة الإدلاء بإفادات المستبصرين فرغب في أن يكون ضمن من سيدلي بدافع تشيعه لأئمة أهل البيت عليهم السلام . فما كان مني إلا أن رحبت بقدومه ، وشكرت له سعيه من أجل إظهار الحق ، ثم طلبت منه أن يدلي بإفادته فقال:
كم يشعر المرء بالغباء والغبن عندما يستفيق من غفوته، ويخرج من غفلته ، وكم تكون ردة الفعل سريعة، لطرد كل تلك الآثار التي علقت بنفسه، وأعاقتها ردحا من الزمن .

في ما مضى من عمري، كنت من بين ملايين المسلمين الذين دخلوا الدين من بوابة التقليد المجرد من العلم والمعرفة ، ومع إنني انتهجت بعد نضجي وإدراكي لبعض التكاليف الواجبة علي ، منهج الإسلام الشمولي الذي لا يفصل الدين عن الحياة ، والذي يعتبر أن السياسة جزء أساسي لا يتجزأ من الدين الحنيف، فقد بقيت سالكا نفس النهج التقليدي للعبادة والفهم، ومتبعا أثر التدين الذي اكتشفت فيما بعد أنه من إملاءات الأنظمة التي خضعت لها رقاب المسلمين، بالجبر والإكراه قرون عديدة دون أن ألتفت إلى مصدر هذا الفقه ،ولا العصر الذي جاء منه، وطبيعي أن يكون نتاج الظلم تحريفا لحقيقة الدين وسمو معانيه ، ووضوح أحكامه ،لأن طبيعة الانحراف لا تولد إلا انحرافا مثله.

لم أسمع أو أقرأ عن المسلمين الشيعة إلا كل منكر وسوء ، فقد كان منطق التكفير هو السائد حيال تلك الفرقة، من جانب الخط الذي كنت منتسبا إليه،والمعروف بالخط السني ، استنادا إلى جملة من التهم التي ألصقت بواجهة تلك الطائفة ، لذلك لم أكلف نفسي عناء البحث عنهم، ولا تبادر إلى ذهني ، ولا خالطني شعور أو إحساس بالسؤال عنهم والاهتمام بهم ، حتى الثورة الإسلامية في إيران ، لم تكن عندي بالمقدار والأهمية التي كان يجب أن تكون عليه ، وقد استغل الاستكبار العالمي هذه الفجوة ليعمق الشرخ ويباعد بين عموم المسلمين وبين تلك النهضة المباركة ، تأصيلا منه لروح العداء والضغينة التي أسسها المتسلطون الأوائل على رقاب المسلمين، فالشيعة في محصلة الفكر السني كفار مارقون وروافض حلت دماؤهم وأموالهم وأعراضهم، واستمر اعتقادي في الشيعة بتلك القناعة ، إلى أن جاء يوم شاهدت فيه بالصدفة مراسم عاشوراء التي دأبوا على إحيائها، من خلال قناة تلفزية فرنسية ، فشكلت مشاهدتي لتلك المظاهر صدمة نفسية، كان لها الأثر الكبير في تحولي من الخط الوراثي الذي كنت أسلكه، إلى الخط المعرفي الذي استبدلته به .

فنهضة الإمام الحسين عليه السلام ، وثورته المباركة وشهادته العظيمة ، وتضحيته من أجل الإسلام ، لم تكن تعني شيئا عند أتباع خط الإسلام السني الأشعري، الذي اعتمده أغلب حكام المسلمين ، الذين لا يحبذون الثورات والثوار بطبعهم ، ويرون فيها وسائل لهدم أنظمتهم ،وتقويض أسسها المبنية على الظلم والتعدي والاستكبار، مخالفة لمبدإ العبودية لله وحده، وترك ما دونه من آلهة بشرية مصطنعة .
دفعتني صدمة تلك المشاهد إلى الاستغراب والسؤال:
لقد تعود مجتمعنا على الاحتفال بيوم عاشوراء، على أساس أنه يوم مبارك يفرح فيه المسلمون ، ويطبخون فيه الحبوب، ويظهرون فيه الزينة، والتوسعة على العيال ، ويصومون ذلك اليوم قربة إلى الله ، وان اعترف علماءه بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصمه، فإنهم قد بنوا صيامه على مقالة منسوبة لليهود تقول إن عاشوراء يوم أنجى الله فيه موسى من فرعون، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :نحن أحق بموسى منهم،ووعد بصيامه العام القادم،لكنه توفي صلى الله عليه وآله وسلم، ووجدت روايتين أخريين تقولان مع اختلاف في أسماء الأنبياء بينهما ،بأنه اليوم الذي أنجى فيه الله سبحانه وتعالى عشرة أنبياء ، فلماذا يكون يوم العاشر من المحرم عندنا يوم فرح وسرور ، ويكون عند الشيعة يوم حزن وبكاء وسواد؟أين تكمن الحقيقة يا ترى؟
هالني وأنا أتابع باهتمام كبير مراسم الحزن والعزاء التي يقيمها المسلمون الشيعة على الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء ، ووجدت نفسي أتساءل عن معنى تلك المراسم وحقيقتها

ورغم حصول تلك الرجة ، لم استطع أن أتبين حقيقة الإمام الحسين عليه السلام ويومه العظيم إلا بعد أن التقيت بأحد أفراد الشيعة في المدينة التي أعيش فيها ، رأيت أن أسأله عن تلك المظاهر التي تراءت لي غريبة في بعض تفاصيلها .
قلت له : لماذا يفرح المسلمون السنة يوم عاشوراء ويفرح اليهود فيه أيضا ، ومقابل ذلك نجد الشيعة يكثرون من مظاهر الحزن فيه؟
فقال: إننا أمام خبرين أحدهما رواية والآخر دراية ، فخبر أنه اليوم الذي أنجي الله فيه موسى وان اليهود يصومونه تبركا به ليس له أصل في الواقع لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس له مصدر لاستقاء معلومته غير الوحي أو تجربته الشخصية والتي هي مستمدة من نفس المصدر، فلم يؤثر عنه انه اتبع يهوديا أو نصرانيا في مسألة من المسائل،ومن تهافت تلك الرواية ،أن واضعها لما لم يجد مرتكزا يرسي عليه أكذوبته، ادعى بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،التفت إلى صيام اليهود في العام العاشر من الهجرة، أي قبل شهر ونيف من وفاته، فقال: نحن أحق بموسى منهم وووعد بصيامه في العام القادم، لكنه توفي ولم يتمكن من ذلك،ويكفي الرواية وهنا وبطلانا أن اليهود لا يعتمدون التقويم القمري ، ولو قدر للرواية صحة ووافق ذلك اليوم يوم العاشر من المحرم فانه لا يتفق قطعا مع بقية الأعوام لنقص تعداد السنة القمرية عن السنة الشمسية، هذا مضافا إلى رواية أخرى منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقول بأنه اليوم الذي أنجى الله فيه عشرة أنبياء منهم نوح وإبراهيم ، والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام ،أولى باللطف الإلهي والعناية الربانية ،وأما خبر استشهاد الإمام الحسين عليه السلام وخيرة أهل بيته عليهم السلام وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم فهو خبر دراية ، لذلك اعتمد المسلمون الشيعة على الدراية ، ورأوا التعامل مع ما هو قطعي الدلالة على إتباع الظن والتعبد بالموضوعات التي اختلقها الطغاة من اجل التغطية على جرائمهم.
قلت له : فلماذا كل هذا الحزن على الحسين بن علي رضي الله عنه؟ ألا يكفي ما أظهره عليه أهله وأتباعه عند موته؟ ألا يعتبر ذلك من البدع المنسوبة للشيعة؟
فقال لي : قد لا تختلف معي إذا قلت لك إن الإمام الحسين عليه السلام هو ريحانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد لقبه هو وأخوه الحسن بن علي عليهما السلام بسيدا شباب أهل الجنة ، وهو خامس أصحاب الكساء الذين نزلت فيهم آية التطهير التي تقول:" إنما يريد الله ليهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. " وقد نسبه النبي إلى نفسه نسبا باطنا فوق نسبه الظاهر فقال:" حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا."
قلت له: كل ذلك واضح وصحيح ونعترف به،مع أننا لا نجد فيه مبررا لإقامة تلك المراسم.
فقال: ذلك مما لم تتبينه أنت ولا أتباع خطك ،من خلال رؤيتكم للأشياء بعين العصبية المذهبية، لذلك فإنني أرجو أن لا تقاطعني حتى أكمل كلامي، في بيان حجتي المتمثلة في الحزن على أبي عبد الله الحسين عليه السلام، في محنته ومصيبته يوم عاشوراء.. سكت قليلا ثم قال: هل تعلم أن من بين التكاليف التي ألقيت على جميع المسلمين ، مودة قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد جاء ذلك في قوله تعالى :" قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى." وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ماهية القربى الذين أشارت إليهم الآية ؟ فقال: هم علي وفاطمة وأبناءهما. وقد أراد الله تعالى أن يكرم نبيه بأن ألزم المسلمين محبة قرباه صلى الله عليه وآله وسلم واحترامهم، وتقديمهم ،وتبجيلهم،وتوقيرهم، وجعل ذلك أجرا لرسالة الإسلام التي جاء بها إلى الأمة ، وذلك كله يندرج في معاني المودة التي تضمنتها الآية الشريفة.

ومودة القربى تلك كما ترى، أصبحت تكليفا واجبا على كل جيل من أجيال المسلمين، مما يترتب عليه بالنسبة إلى تلك الأجيال ،أن تلتزم بإيفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم حقه في مودة قرباه، طاعة لله تعالى وامتثالا لأمره.
ومحنة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام يوم عاشوراء هي محنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وخروجه طلبا للإصلاح ،هو طاعة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قلت له: لكننا نحن أهل السنة نحب أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحترمهم ، لكننا لا نغالي في ذلك كما تفعل الشيعة .
قال: بين لي كيف تحبون أهل البيت ؟ وكيف يمكنكم تجسيد ذلك وإظهاره؟ وماذا قدمتم للأطهار عليهم السلام حتى توفون بواجبكم نحوهم ، ويعتبركم أهل البيت عليهم السلام من محبيهم حقا؟ فللمودة والحب تطبيقات ، كما تظهر لهما من خلال ذلك علامات لابد من تجليها على المحب، وإلا لم يكن الأمر كذلك.

ونظرت بيني وبين نفسي، وغصت في أعماق مشاعري وأحاسيسي ،باحثا عن مظهر أو علامة استدل بها على حبي ،وحب أهل السنة لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،فلم أجد شيئا ألوذ به، فلم أجد له تجسيدا ولا عثرت على دليل يكون إلى جانبي .. خيم علي صمت أشبه بالوجوم ..فقال: لماذا سكت؟ ألأنك لم تجد ما يصدق دعواك في محبة أهل البيت عليهم السلام، وأضيف لك إن المحبة إتباع وتأس، وهو الركن المهم والمطلوب في هذه المودة ، قال تعالى :"يا أيها الذين آمنوا إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله." فهل إتبعتم أهل البيت عليهم السلام في شيء من الأشياء، وهي كلها سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، تعلموها وورثوها منه؟ أنا لا أعتقد ذلك بل اجزم إنكم لم تتبعوهم في شيء مطلقا ، ونفضتم أيديكم منهم ، ووقفتم في صف المحاربين لهم بدأ من السقيفة وانتهاء ببقائكم على ولاية من ظهر عداءه للدين من هؤلاء الفسقة والظالمين الذين يجثمون على صدوركم ، وتعتبرونهم أولياء أموركم.
قلت:على رسلك فان جانبا هاما من أهل السنة ، والمتمثل في طلائعه المثقفة لا تؤمن بولاية هؤلاء الأشرار من أتباع حزب النفاق، والحركات الإسلامية الحديثة قد خرجت من قمقم طاعة الظالمين ، بعد أن جربته طويلا ووقفت على بطلانه.
قال:وهل تعتقد أنه خروج حقيقي ، ألا ترى أنها ما تزال مقيمة على تلك المذاهب التي أسسها هؤلاء الظلمة ، ألم يكن مالك على سبيل المثال صنيعة أبو جعفر المنصور العباسي ، وذلك من أجل حمل الناس على ترك سادس أئمة أهل البيت عليهم السلام الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، الذي كان وأبوه محمد بن علي الملقب بالباقر وبقية الأئمة عليهم السلام أساتذة كل هؤلاء الفقهاء.
قلت: هذا صحيح ، إلا أن ذلك مرده قلة الوثوق بالبديل الذي يستطيع تعويض منهجهم القديم.
قال: بل إني أراه نتاج ثقافة أسست على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،وحاكمية وقعت ضحية أناس ليسوا أهلا للقيام بها.
قلت : فإلى أي حد تذهبون بمودة قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟
قال: ليس للمحبة حد يا صديقي، أحبب أهل البيت عليهم السلام ، وكل الذين وصلوا إلى مقام القرب الإلهي ،بقدر ما تشاء وتريد ، فقط لا تخرج بهم من دائرة المخلوقية، وافعل ما بدا لك ،وهو يمثل حقيقة معنى من معاني المحبة والولاء، لأننا في هذه الشعيرة متنافسين من أجل تحصيل الأجر الأكبر، كما ترغبنا فيه بقية الآية :"...ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا.."
ثم تعال لأقرب لك فهم المودة: لو أن الإمام الحسين عليه السلام كان في زماننا وخرج من أجل أن يصلح في أمة جده ، ماذا أنت فاعل؟
قلت: أخرج معه قطعا.
قال : لا تستعجل على نفسك هكذا، فلو كنت فاعلا ذلك حقا، لما استكثرت عليه هذه الجموع المحيية لذكراه ، والهاتفة باسمه الذي يعني الجنة في الآخرة ، والإسلام المحمدي الصافي في الدنيا ، وعنوان الشهادة ورمز الفداء ، والصرخة المدوية عبر الزمن، تستحث الأباة، وتحرض المجاهدين ،وتستحث الأنفس التواقة إلى العزة والكرامة ، وتشعر الإنسان بإنسانيته، أمام مظاهر الطغيان والظلم، وتتردد بين جنبات القلوب المؤمنة، والأنفس المطمئنة الراجعة إلى ربها.
قلت : ألا يكفي بكاء القرون الأولى ..ألم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا عزاء بعد ثلاث؟
قال: لقد قلت لك إن كل جيل له تكليفه بخصوص المودة ، فنصرة الحسين عليه السلام واجبة على من سمع بخروجه فلم يفعل وحال حائل دونه وما يريد ، والبكاء عليه واجب لمن سمع بمقتله، حتى لو كان ذلك بعد أربعة عشرة قرنا، لأن الإمام الحسين رمز الإسلام، وبقية أصحاب الكساء، والبكاء عليه في محنته أمر عبادي يراد به وجه الله تعالى ،لأنه أحد أوليائه المقربين،واستجابة لنداء المودة الذي أطلقه الباري تعالى في وحيه، وفوق ذلك كله فقد بكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ولده الحسين عليه السلام .
قلت: وكيف بكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على سيدنا الحسين رضي الله عنه وحادثة كربلاء لا تزال في رحم الغيب،وبينها وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من خمسين عاما ؟
قال: أخرج أحمد بن حنبل بسنده عن أنس بن مالك أن ملك المطر استأذن ربه أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له فقال لأم سلمة املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد قال وجاء الحسين ليدخل فمنعته فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وعلى منكبه وعلى عاتقه قال فقال الملك للنبي صلى الله عليه وسلم أتحبه قال نعم قال أما إن أمتك ستقتله وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه .

كانت مفاجئة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فبكى على ولده وهو بين يديه ، وكانت عيناه تذرفان الدموع كلما رآه ، لذلك حاول أن يبني في قلوب المسلمين محبة أهل بيته ، والحسين منهم عليهم السلام ، زيادة على تأسيس رابطة الأخوة والمحبة بين جميع أفراد الأمة نافيا الإيمان عن كل من لا يتقيد بتلك الثوابت، فقد قال أكثر من مرة :" لا يؤمنن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه." ، بكاه أمير المؤمنين علي عليه السلام وبكته أمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ، وبكاه خير أهل الأرض أفلا ترى عدم البكاء عليه إجحافا في حق الإسلام وقيمه العظيمة.أما ما قولك لا عزاء بعد ثلاث فالرواية مشكوك في نسبتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن تقديم العزاء واجب لا يحصره وقت ويشكل إطلاق قيده مفسدة على الناس والدين، بل إنه مدعاة لتذكر الموت وساعة الرحيل عن دار الدنيا ، وأدبا واحتراما ومواساة يظهرها المعزي تجاه أهل الميت، هذا من حيث العزاء أما من حيث البكاء فانه خصلة تدل على أن صاحبه يتميز بقلب رقيق وفياض بالمودة والرحمة ، والخطر كل الخطر من أولئك الذين لهم قلوب كالحجارة أو اشد قسوة، خرجت الرحمة منها فتركتها صلدة بلا شعور أو إحساس،والنبي يعقوب عليه السلام بكى على فقد ابنه يوسف حتى ذهب نور بصره، ويعني ذلك انه بكى سنين طويلة ، وهو يدرك جيدا أن ابنه لم يمت وسوف يلتقي به ، فلم يعاتبه الله سبحانه وتعالى على فعله ذلك ولا طلب منه الإقلاع عنه،فكيف بالله عليك ترى أنت وخطك الذي تتبعه في البكاء نكارة ومذمة ، ولا أراكم متبعين فيه سنة للنبي ، فليس هناك ما يشير من قريب ولا بعيد نهيه عن البكاء ، وما هي والله إلا سنة صاحبكم في نهيه عن البكاء وضبه عليه ، بعدما اتبعتموه في بدع عديدة، كالبدعة التي استحدثها جماعة في نوافل ليالي شهر رمضان والمعروفة عندكم بالتراويح.
قلت: دعني من هذا كله وقلي الآن ،ما الفرق بين ثورة الحسين عليه السلام ، وثورة عبد الله بن الزبير.
قال: كالفرق بين واضحة النهار وظلام الليل الدامس.
قلت : كيف ذلك وهما ثورتان إسلاميتان؟
قال:لم يخرج الإمام الحسين عليه السلام إلا بعد أن حوصر وضيق عليه من أجل أخذ البيعة ليزيد الفاسق لعنه الله، وباعتبار أن أبا عبد الله عليه السلام يمثل القدوة الإسلامية وقمة التقوى التي يمكن أن توجد في المجتمع ، فمثله لا يبايع مثل ذلك الخبيث، ولم يكن خروجه لنفسه أو لحاجة شخصية يريد قضاءها ، بل خرج طلبا للإصلاح في أمة جده ، ورغبة منه في إبطال بيعة الظالمين عمليا وكان هو القدوة المؤهل لتلك المهمة ، لتكون الدلالة الكبرى على بطلان مبايعة كل ظالم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ،
لقد جسد الإمام الحسين الرؤية القرآنية في التعامل مع الظلم ، وبمقارعته له في قلة قليلة ضرب مثلا قرآنيا يقول فيه سبحانه وتعالى :" وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثرية والله مع الصابرين."

ورغم استشهاده عليه السلام ومن معه من أهل بيته وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم، فإنه لمن يعرف حقيقة الشهادة وفلسفتها، يؤمن بأن الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام، قد حقق نصرا لم يتسنى لمن سبقه في ميدان بذل النفس في سبيل الله تعالى، بحث حققت نهضته المباركة ما كان يؤمله من يقظة شاملة، أوقفت الأمة على حقيقة كانت غافلة عنها ، وتمثلت في أن الأرض حلبة صراع بين الحق والباطل ، وكل تخاذل من جانب أتباع الحق يقابله تطاول من جانب الباطل ، فلا يمكن للدين أن تقوم له قائمة وأتباعه متخاذلون متواكلون ينحى بعضهم باللائمة على بعض وقد فرطوا في أسباب عزتهم ، ورضوا بالمذلة والمهانة تحت تيه الظلم والظالمين ومن لا أهلية له في قيادة الأمة الإسلامية.
أما بالنسبة إلى ثورة عبد الله بن الزبير، فإنها لم تكن بذات الصفات التي عليها ثورة أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، لأن ابن الزبير كانت له أطماع في نيل السلطة ، فقد توثب مع خالته يوم الجمل يريد الفتنة ، وقتل بسبب ذلك آلاف المسلمين، ولما انهزم وقبض عليه عفا عنه الإمام علي عليه السلام ، ومع ذلك بقيت في نفس ذلك الرجل أحقاد ورثها عن خالته ، فلم يشكر اليد التي أنقذته من الموت ، وقابلها بالامتناع عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيام استيلائه على مكة فمكث أربعين جمعة لا يصلي عليه ، فلما سئل عن سبب إحجامه عن ذلك قال: إن له أهيل سوء أردت أن أرغم أنوفهم."

فظهر من خلال ذلك، بغض الرجل لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أبغضهم فهو منافق باتفاق عقلاء المسلمين، لقول علي عليه السلام نقلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي، أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق ."ولو كان الرجل فقيها عارفا، لما التجئ إلى البيت الحرام، وكان السبب في انتهاك حرمتها، وقذفها بالمنجنيق وسفك الدماء فيها،وقد أشير على أبي عبد الله الحسين عليه السلام بالبقاء في بيت الله الحرام،ليسكن عنه طلب جلاوزة بزيد ، فرفض من أجل أن لا تنتهك حرمة البيت العتيق.

والفرق واضح بين الثورتين ، ثورة أسست لثورات عديدة تمكنت من الثار للحسين عليه السلام و للمبادئ التي حملها ولا تزال تقدم المزيد من الشهداء ، ولا يزال الأحرار يقتبسون من مسيرة سيد الشهداء عليه السلام ونهضته الفريدة أسلوب الثورة الحقيقية الخالية من كل أطماع الدنيا ، بينما لم يبق لابن الزبير وثورته غير اسطر معدودة ذكرها التاريخ على مضض.
قلت : فلماذا لا يضع أهل السنة ثورة الحسين رضي الله عنه ، ومصيبته في كربلاء الموضع الذي يبوئه الشيعة؟
قال: لأن سياسة الظالمين كانت وراء ذلك التجاهل والجفاء ، وقد نهجت طرقا ملتوية من أجل طمس معالم تلك الثورة ، حتى ظهر من علمائهم من قال : إن الحسين قتل بسيف جده.
قلت : بارك الله فيك يا أخي ، فهل لديك كتاب يروي تفاصيل تلك النهضة المباركة فإنني أجهل تفاصيلها كما لا يخفى عليك.
قال: وأخيرا ألفت انتباهك إلى نقطة مهمة في هذا الإطار ، تقول إن الذين لم يرعوا حرمة الإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلام ، لا يمكنهم مراعاة حرمة سنته ، ولا إعطائها القيمة التي تستحق ، هي التي لم تكتب عند هؤلاء إلى ما بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام بأكثر من نصف قرن ، وقتل أبي عبد الله الحسين عليه السلام وذبحه وقطع رأسه الشريف والتمثيل بجثمانه الطاهر ما هو في حقيقته وواقعه إلا قتل للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وذبح لسنته ودينه ، وأنت ترى اليوم أن مدرسة الإمام الحسين عليه السلام قد أظهرت مكانتها وبينت مقدرتها ، وتجلت أحقيتها في هؤلاء الأبرار الذين يبذلون النفس والنفيس من أجل إعلاء كلمة الحق ، بينما لم يظهر من الجانب الآخر غير المواقف المزرية والتبعية المذلة للظلم والظالمين .
ولما لاحظ شدة اهتمامي وإلحاحي عليه أجاب قائلا: سوف أعطيك كتاب يشفي غليلك.
وتملكني شعور بالانكسار والخجل من كل أسئلتي التي نطقت بلسان تربية مذهبية بغيضة أسسها الغاصبون لحكومة الإسلام ، والعابثون بمقدرات الإسلام والمسلمين ، فزد في إلحاحي على الرجل لكي يستعجل في الإتيان بالكتاب ، فما كان منه إلا أن لبى طلبي ، وعاد إلي بعد برهة وهو يحمل كتابا عن ثورة الإمام الحسين عليه السلام.

قرأت الكتاب ، بل التهمت محتواه التهاما لم يحصل لي أن فعلته بكتاب قبله ، فأحداثه وقصته حتمت علي ذلك ..وبكيت كما لم يبك احد من الناس ، وعلا صوتي في البيت بصورة لم يكن في إمكان عائلتي التغاضي عن ذلك ، فهرعوا إلى بيتي مسرعين ، تحلقوا حولي ليستجلوا الأمر، لم أقدر على أن أمسك نفسي ، فلم أرد على أحد إلا بعد أن أخذت أمي برأسي ووضعته على صدرها وانخرطت هي معي في بكاء لا تعرف المسكينة له سببا، ولما هدأت أشجاني ، حدثتهم عن مصيبة الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء ، والتي هي في حقيقة الأمر مصيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ريحانته وأهل بيته عليهم السلام، وقرأت عليهم مقاطع من تلك المصيبة فكان تأثير ذلك كبير إلى حد دفع بهم إلى البكاء.
وتوالت الأيام بعد ذلك ، وكنت في كل مرة أنتهي فيها مطالعة كتاب من الكتب التي كان ذلك الشيعي يقدمها إلي ، أبسط الحديث مع عائلتي بخصوص المحصلة التي خرجت بها ، ولم يمض وقت طويل حتى كنت وكامل أفراد عائلتي قد تبينّا صراط الله المستقيم الذي دعانا إلى نهجه ، وهو صراط أهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، الذين جعلهم ورثة علم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ،حفظة دينة ، وأولياء أمور عباده، والحكام بأمره ، فأقروا جميعا بولايتهم ، وبايعوهم بيعة رضا وقناعة وتسليم ، شاكرين الله سبحانه وتعالى على نعمة الهداية بمعرفة حقيقة الولاية وحقيقة أصحابها.

فكان الحسين عليه السلام وثورته ومصيبته ، ومحنة أهل بيته عليهم السلام السبب في معرفتي لحقيقة التشيع لهؤلاء الأطهار عليهم الصلاة والسلام ، واقتنعت أن الخط الذي لم يرع أمر الله في مودة قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والحسين عليه السلام أقرب أقربائه،وعمل فيهم بخلافها، بغضا وضغينة وكرها وقتلا وتشريدا وسجنا وتعذيبا ،ممانعة لهم عن حقوقهم ،لا يمكنه أن يحفظ سنته التي أهملت عندهم، وهي التي تمثل الفهم الكامل للقرآن والتشريع .
أحمد الله على الخير العميم الذي أولانيه بإتباع أهل بيت نبيه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، في زمن بدأت أنوار الحقيقة تتراءى للمبصرين ، وأشكره على نعمة الهداية التي أسبغها علي أنا عبده الصغير الحقير ، موجها ندائي ودعوتي إلى من لم يتعرف على إسلام أهل البيت عليهم السلام ، ليكسر عنهم أسوار الوهم والزيف والكذب ليقفوا على الحقيقة جلية واضحة ، سائلا الله لهم التوفيق والسداد والسلام.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة