المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 10 محرم 1427 - نعم لقد تشيعت ... وهذا هو السبب -26-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت .. وهذا هو السبب
الحلقة السادسة والعشرون

وسطية الشيعة ودعوتهم إلى الوحدة الإسلامية والعمل من أجلها هما عوامل تشيعي

مصطفى... صديق لم أعرفه إلا حديثا، التقيت به عن طريق الصدفة، وقدموه إلي على أساس أنه قد تشيع، وبطريقة التأمل والمقارنة والاستدلال، فأعجبت بشخصه، وأكبرت عقله النادر، وسط عقول تعودت على إيكال تمييز الأشياء إلى غيرها، وقررت متبعة خطواته الأولى من التشيع بمحاورته وإعطائه ما يحتاج من معلومات تخص الشيعة الامامية الاثني عشرية، وعند ما قررت أن اجمع إفادات الإخوة المستبصرين، وجهت إليه دعوة لحضور جلسة الإفادة، فحضر وقال:
كنت من المنتسبين إلى احدى الاحزاب الاسلامية في أواسط الثمانينات، وكان أول ما ألقي إلينا من فكر متصل بذلك الحزب المصطلحات التي كان عناصر ذلك الحزب يحفظونها عن ظهر قلب ، ويطرحونها على غيرهم من المنتسبين في شكل أسئلة مفحمة ، لا يستطيع المسئول لها ردا، ولا يجر لها جوابا،وكانت تلك المصطلحات حافزا للمنتسبين الجدد إلى هذا الحزب ، على مواجهة الإسلاميين عموما، إظهارا لقوة ذلك الحزب، وتمكن أفراده من أسس الدين الإسلامي.

ولم يكن ذلك التصرف من طرف تلك القواعد، نابعا من اجتهادات أولئك الأفراد، بل كانوا مدفوعين بكل قوة من قيادات الحزب نفسه، لما لمسوه من هشاشة في ثقافة القواعد الإسلامية عموما،وعاملا يمكنهم من استمالة أعداد منهم إلى حزبهم ونظريتهم.
إلا أن المسلم الواعي ، سرعان ما يكتشف أن دعوة حزب التحرير إلى إقامة حكم الله في الأرض ، ليست نابعة من فهم حقيقي للأحكام نفسها ، ولا إدراك صحيح لنظرية الخلافة أو الإمامة في الأمة ،ولا فهم بمقاصد الشريعة وأهدافها ،وقد ظهر عجزهم حتى في قراءة التاريخ الإسلامي ،عندما اعتبر مؤسسهم، أن عصور الظلام التي أرخت سدولها على الأمة، منذ وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،إلى عصر سقوط الإمبراطورية التركية، الملقبة بالخلافة العثمانية، هي عصور خلافة شرعية، وقد سقطت الخلافة عنده في عهد السلطان عبد الحميد سنة 1907 ميلادية.

ومن ناحية أخرى، ترى عناصر ذلك الحزب يعلنون عداءهم للثورة الإسلامية في إيران ، ويعتبرونها غير إسلامية ، بسبب إعراض أو سكوت قادة الثورة على مشروع إقامة الخلافة الذي تقدموا به إليهم ،وليتهم فهموا أن هنالك فارق جوهري بين التلفيق الذي يدعون إليه، ونظرية الإمامة التي يعتقدها الجانب الشيعي كأداة حكم إلهية.

لقد وجدت نفسي في ساحة تنوعت فيها الاتجاهات، ولم يشكل ذلك التنوع إلا دافعا نحو مزيد من الانكماش عن الطرف الآخر والرأي الآخر، إلى درجة ظهر العداء، وبرزت الكراهية على سطح العلاقات بين أفراد تلك الجماعات.

وتساءلت عن سبب هذه النفرة التي تدفع إلى حالة من العداء ؟ وكنت متصورا أن هذه الحالة ليس لها علاقة بالموروث القديم الذي بين أيدينا اليوم ، فلم أقحم هذه الفرضية المستبعدة إلا بعد أن أعيتني الحيلة في الوصول إلى نتيجة تبرر سبب الفرقة .
لقد حث المولى سبحانه وتعالى المسلمين على الوحدة، ونبذ الفرقة ،وأكد على ضرورة رص الصفوف، على المستويين الفكري باعتبار أن الدين واحد، والبنيوي باعتبار أن الأمة واحدة
قال تعالى )): واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تهتدون.((ّ
وقال أيضا :(( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم.))
وقال كذلك :((وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)).

لكن تلك الالزامات الإلهية ، والنصائح النبوية ذهبت أدراج الرياح ،فلم يعرها اهتماما غير ثلة قليلة ألزمت أنفسها بإتباع الأوامر وتجنب النواهي الإلهية، واضعة نصب أعينها أولوية الأخوة ووحدة الصف الإسلامي، أما البقية الباقية فقد اتبعت هواها في تحصيل عاجل الدنيا ، فركنت إلى أعداء الدين وهي معتقدة أنهم أولياء أمورها، فاقتحموا بها المحظور ، وأوردوها مورد التشتت والاختلاف ، ومارسوا معها سياسة فرق تسد، ولم يتركوها إلا وهي شتات متفرق، يعتدي بعضه على بعض .
إزاء هذا الاختلاف الشديد بين هذه الفرق المتناحرة ، قررت أن أبحث عن الطائفة التي تمتلك أداة الوحدة باعتبارها المركز والأصل، فوجدت أن منهج أئمة أهل البيت عليهم السلام هو أصل الإسلام المحمدي ، وأن أئمته الكرام عليهم السلام هم أقطاب رحى علوم الدين ، من بيوتهم خرجت علوم الإسلام ، وعلى أيديهم تخرج ألوف الفقهاء، وكانوا دائما مراجع الأمة الإسلامية، في عصور ظهورهم، وتمكنهم من بسط العلوم ونشر الأفكار، التي تجسد حقيقة الدين الإسلامي ، خالية من إملاءات الظالمين .

وأروع الأمثلة التي يمكننا ضربها هنا سلوك الإمام علي عليه السلام تجاه الغاصبين لحكومته ، فقد آثر أبو الحسن عليه السلام السكوت على حقه عندما طالب به لم يجد آذانا صاغية ، وخير الإبقاء على وحدة الصف الإسلامي على تمزيقه، ولا تزال مقالته الشهيرة :" فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى." تتردد شاهدة على تفرد شخصية أمير المؤمنين عليه السلام ورجاحة عقله، ودقة فكره،زادها علوا ورفعة ،مساهماته في إرشاد الغاصبين وتصحيح أخطائهم ،من أجل سلامة الدين واستحقاقات الأمة الإسلامية.

لقد مثل أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم على مر التاريخ ،الدرع الواقي الذي تكسرت عليه أعتى هجمات أعداء الإسلام من منافقين ومشركين، وبقدر ما سعت أنظمة الظلم والبغي والجور من أجل تفتيت تماسك المسلمين حول ولاية أهل البيت عليهم السلام ، بقدر ما ظهرت لعيان المبصرين حقيقة هذا البيت النبوي الطاهر،وما حواه من إشراقات خير، وإمدادات عزم وصمود ، ونفحات علم لم يتوصل إليها غيرهم ، وكانوا في جميع ذلك سادة الإسلام والمسلمين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.
لذلك فان جل هموم أهل البيت عليهم السلام، كانت منصبة في خانة حفظ الإسلام، وحفظ وحدة صف الأمة، ومن أجلهما امتنعوا عن القيام في وجه الغاصبين لحكومتهم الإلهية.
والدعوة إلى الوحدة الإسلامية والعمل من أجل تحقيقها، مطلب أسسه الله تعالى في كتابه، ودعا إليه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وحث عليه أئمة الهدى من أهل بيته الكرام البررة عليهم السلام، ومسؤولية جسيمة تحملتها أجيال العلماء، وزمر المؤمنين على مر العصور، فلم تظهر دعوة إلى الوحدة الإسلامية، إلا والمسلمون الشيعة قد سبقوا إليها ، ودعوا إلى تفعيلها وإقامتها على الأسس التي أمر بها الباري سبحانه وتعالى ليس هذا فقط ، بل لقد شكل انضباط المسلمين الشيعة حول علمائهم ومرجعياتهم، السمة البارزة التي ميزتهم عن بقية الخطوط الإسلامية، الفاقدة في أغلبها للمرجعية والانضباط.
ولئن جاءت الدعوة إلى الوحدة الإسلامية مستشفة من روايات وأحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام ، حيث انصبت جهودهم وجهود شيعتهم في إطار بناء تلك الأواصر، ففقهاء أغلب المدارس الفقهية كانوا تلاميذهم إما مباشرة ، أو بواسطة عالم من شيعتهم ، كما كان سفراء الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه عثمان بن سعيد العمري وابنه محمد وحسين بن روح وعلي بن محمد السمري، إضافة إلى دورهم الهام في تحقيق التواصل بين الإمام الغائب وأنصاره وشيعته والنظر في حاجاتهم ، مقصد جانب هام المسلمين ممن عايشهم وشاهد أخلاقهم وورعهم وزهدهم ، فكان يلتجئ إليهم الشاكي والملهوف والمحتاج، فيقضون حاجته بقطع النظر عن انتمائه .

إن السمة التي ميزت رواد نهضة العصر الحديث، دعوتهم الملحة للوحدة والعمل من أجل غرس بذرتها في قلب الأمة الإسلامية ، ففي القرن التاسع عشر، عندما كانت الأمة الإسلامية ترزح تحت وطأة التخلف الذي ألم بها، من جراء ضياع مقاليد الحكم الإسلامي ، وسقوطه بين أيد غير كفئة به ، جاء السيد جمال الدين الحسيني الأسد آبادي الملقب بالأفغاني ليركز ثقافة الوحدة والتوحيد بين طلائع الأمة الإسلامية من علماء ومتعلمي، واستطاع بلباقته وسعة إطلاعه وتبصره، أن يجمع حوله عددا من العلماء في كل من إيران والعراق وأفغانستان والهند ومصر وتركيا ، وأن يؤسس لمشروع الفكر الإسلامي الوحدوي، من خلال ما كان يطرحه من كتابات ، في مجلة العروة الوثقى التي صدرت أعدادها القليلة في المهجر (فرنسا) ، رفقة الشيخ محمد عبده، ، ولئن لم يكتب لتلك التجربة الرائدة النجاح، بتحقيق المطلب الغالي الذي كان يؤمله السيد الجليل، إلا أن الجهد الذي قدمه، والفكرة التي غرسها في ضمائر طليعة الأمة ، كان لها الأثر الايجابي في بناء وعي كامل، وإدراك شامل بواقع الأمة وسبيل نهضتها .

وجاء بعده السيد الأجل عبد الحسين شرف الدين الموسوي ، صاحب كتاب المراجعات ، الذي أسس مع جماعة من علماء مصر أمثال الشيخ حسن البنا جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية ، امتدادا لحركة السيد جمال الدين الحسيني ، وبناء على ما كانت قدمته للأمة الإسلامية ، من محيطها الهندي إلى محيطها الأطلسي ، من الدعوة إلى إرساء روح الأخوة والألفة ، وزرع بذور التعاون التوادد والتكافل بين أفراد الأمة ،التي تمتلك بين يديها خاتمة الرسالات السماوية، وصفوة الشرائع الإلهية، التي جاءت لتصحح إنحراف البشرية عن علة الخلق ، وهي التوحيد الخالص لله تعالى ، ونبذ ما دونه من أرباب لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، عملا بالحديث المأثور:" من استمع إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان الناطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان."

وجاءت الثورة الإسلامية في إيران، لتعيد إلى الإسلام إشعاعه ورونقه ونوره وفاعليته، بعد قرون الانحسار والانكماش، وكان للإمام السيد الجليل آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني قدس سره، الفضل في جني ثمرة انتصار ثلك الثورة الخالدة .
ثم جاءت دعوة الإمام الراحل السيد روح الله الموسوي الخميني إلى كافة المسلمين بالتوحد ، والعمل على الخروج من عنق الزجاجة التي وضعهم فيها أعداء الإسلام، بتجزئة الشعوب الإسلامية ، وزرع روح الشقاق والفرقة بين كياناتها،ولم يغب تحذيره ولا خلت تنبيهاته من كل خطبه التي كان يوجهها إلى الشعب الإيراني على وجه الخصوص والشعوب الإسلامية على وجه العموم منها قوله:" ليسمع الجميع هذه الحقيقة، إن أعداء الإسلام يسعون بكل قوّتهم لإيجاد التفرقة والاختلاف بين المجتمعات الإسلامية ويسعون بأي وسيلة وتحت أي عنوان لإيجاد النزاعات بين المسلمين، والتي بتحقيقها تتهيّأ الأرضية الصالحة لتسلّطهم الكامل من جديد على جميع الدول الإسلامية، ويساعدهم على ذلك هجومهم لنهب الثروات، ومن هذه الجهة يجب الاحتراز عن أي عمل يؤدي إلى التفرقة وهذا تكليف شرعي وإلهي."
مذكرا في كلمات أخرى بأن الذي يجمعنا وهو التوحيد والنبوة والقرآن أكثر مما يفرقنا ، ومن الواجب المؤكد على جميع المسلمين نبذ الاختلاف ومحو آثار الفرقة ، من أجل تأسيس المجتمع المسلم المثالي المتقيد بأحكام الله تعالى ، والمنضوي تحت راية العلماء الأعلام .
داعيا جميع تلك الشعوب مادا لها يدا عارفة بالله تعالى قلما مدت مثيلاتها من موقعه:" إنني أمدّ يد الأخوّة لكل الشعوب الإسلامية.. لكل مسلمي العالم في شرق العالم وغربه.
وعمل على إعلان يومي مولد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم عند المسلمين السنة 12 ربيع الأول وعند المسلمين الشيعة 17 منه ، أسبوع الوحدة الإسلامية ، في إشارة منه إلى جمال تعايش المسلمين وان اختلفت أفكارهم وتباينت قراءاتهم مع بعضهم البعض، فلا ضرر في ذلك ما دام كل طرف متمسك بالعمل بمقتضى حجته، مع احترامه للطرف الآخر، فالساحة الإسلامية تتسع الجميع.

وجاء بعد ذلك السيد الجليل المغيب المغدور موسى الصدر فرج الله تعالى كربته وفك أسره إن كان حيا ، أو ألحقه بآبائه الكرام البررة ، فدعا بدوره إلى توحيد آليات العمل الاسمي من فقه وعلماء ، لتحذو العامة حذوهم ، وتحرك في ذلك الإطار، فكتب المقالات ،ووجه رسائل تضمنت مطلبه ورغبته منها رسالته إلى الشيخ حسن خالد مفتي الجمهورية اللبنانية، جاء فيها:
في هذه الأيام العصيبة التي تلفّ الأمة بالقلق، وبين يدَي هذه الأخطار المحدِقة التي تجعل المنطقة كلّها (حاضرها ومستقبلها) في مضرب الطوفان: تبدو لنا بوضوح أكثر فأكثر حاجة المسلمين الملحّة إلى وحدة شاملة متلاحمة لجمع ما تفرّق من صفوفهم وتوحيد ما تبعثر من جهودهم، وذلك حتى تتبين لهم مواقع أقدامهم وتعود الثقة إلى أنفسهم وهم في طريقهم إلى المستقبل وأمام بناء تاريخهم وأداء مسؤولياتهم. إنّ جمع الكلمة وتوحيد الطاقات وتنمية الكفاءات ليس موجبها كونها من أشرف الغايات الدينية ووصية نبيّنا العظيم فحسب، ولكنها أيضاً تتصل بوجودنا وكرامتنا وبمقوّمات وجود أجيالنا، إنها مسألة حياتية.،ووحدة الكلمة هذه لا ينبغي أن تظل شعاراً مرفوعاً أو كلمة مكتوبة، بل يجب أن تكون ومضة الفكر وخفقة القلب ودرب السلوك، إنها البُعد الأساسي للمستقبل.

ولم تكن هذه الدعوات ،ولا هؤلاء الرجال الأفذاذ ،حالات استثنائية حصلت في الزمن الحديث ، بل كانت امتدادا لحركة وجهود أئمة أهل البيت عليهم السلام من أجل تعميق الفهم القرآني في مسالة الوحدة لدى كافة فئات المسلمين ، ومختلف أجناسهم، وتنفيذ البرنامج الريادي الذي أسسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،في تأصيل روابط الأخوة الإسلامية بين جميع المسلمين، ولو لم يكن التأسيس لهذه النعمة منطلقا من هؤلاء الأخيار، لما أمكن للمتأخرين من رواد نهضة الأمة، أن يجدوا طريقا إلى إقامة تلك القيم العظيمة

وبحثت في فتاوى المراجع والعلماء بشقيهما الشيعي والسني، فوجدت أن جميع علماء الشيعة ومراجعهم لا يحكمون بتكفير أحد من المسلمين نطق بالشهادتين،بل لا يحكمون بكفر أحد مطلقا إلا إذا ظهر منه ما ينقض إيمانه،فأجازوا الصلاة وراء أئمة مساجد العامة وعدم إعادتها، وباستثناء الفتوى الشهيرة التي أصدرها الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الشريف والتي أقرت بان المذهب الجعفري ( المسلمون الشيعة الامامية الاثني عشرية)إسلامي صحيح يجوز لبقية أتباع المذاهب التعبد به، ظهر في الجانب الآخر- والذي جاء صنيعة أنظمة لم تحمل من الإسلام غير المظهر، ومارست شتى أنواع الظلم على الأمة - فقهاء إتبعوا سبيل أسلافهم القدامى، فحكموا بتكفير الشيعة، واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، واستطاعت الاستخبارات العالمية المعادية للإسلام المحمدي الأصيل، وأخص بالذكر منها البريطانية، أن تنشئ وتدعم في الحجاز محمد بن عبد الوهاب صاحب المذهب الوهابي الضال، والأمريكية في دعمها لأسامة بن لادن أحد عملائها الذي أسس تنظيم القاعدة في أفغانستان والذي هو مبني على أساس ذلك الفكر الوهابي المتحجر، وجند فيه الكتلة العربية في مقاتلة النظام الشيوعي، وحليفه الاتحاد السوفييتي، حيث كانت تلك الاستخبارات تمد هؤلاء بصواريخ الستينغر المحمولة على الكتف، فيسقطون بها طائرات الميغ السوفييتية المتطورة ، ويقولون لنا أنهم يسقطونها بالبنادق البدائية، وانقلب بعد ذلك السحر على الساحر، فإذا عميل الأمس عدو اليوم ، كأنما هي مسرحية محبوكة الفصول يريد من ورائها خبراء التجسس الوصول إلى الهيمنة على العالم الإسلامي ، وإلا فإن العاقل يدرك بكل يسر، بلاهة وبلادة هؤلاء الذين يسمون أنفسهم مجاهدين، ويتبعون تنظيم القاعدة.

وتبين لي بعد ذلك، وسطية أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ، لأنه لم يصدر منهم تطرف منذ عصر الإمام علي عليه السلام إلى اليوم ، فكانوا دائما وأبدا أمثلة للتسامح، وكظم الغيظ ، والعفو عن الناس ، وكانوا بحق نموذجا يحتذي به كل عاقل أبي، في مكارم الأخلاق، وحميد الصفات .
ووقفت على أن عالمية الإسلام، لا يوفيها إلا فكر أهل البيت عليهم السلام ،لأن طرحه متكامل ومستجيب لكل المستجدات والمستحدثات التي طرأت وتطرأ على الناس ، فنظرية الحكم الإسلامي المستمدة من الكتاب العزيز، والسنة النبوية الصحيحة المروية من طريق أهل بيت النبوة عليهم الصلاة والسلام ، تستجيب لمتطلبات الدين والعصر، في استمرار عطاء الإسلام عبر آلياتهم المباركة، ونظرة ذلك الفكر إلى الإنسان باعتباره مخلوقا محترما له الحق في أن يعيش حياته دون مساس بتفاصيلها الاعتقادية ، عملا بقاعدة لا إكراه في الدين.

وعرفت أن الدين قد بني بالحكمة والموعظة الحسنة ، ولم يبن بالقوة والسيف والغلبة ، وما حققته الدعوة بشقيها النظري والعملي ، خير مما انتزع تحت ظلال السيوف ثم فرط فيه الأسلاف .
مشكلة المسلمين اليوم، تكمن في التطبيق السليم لأحكام الإسلام السمحة، وظهور أفراده بمظهر يرغب غير المسلمين في التعرف على الدين الإسلامي، والاقتناع به واعتناقه، وليس الظهور بمظهر المتعسف الذي يرفض منطق الحوار والعلم ، ولا يرى طريقا لعودة الدين إلا بالعنف وقتل الأبرياء.
ونحن اليوم نعيش حالة من إثبات الذات وفرض الوجود ، ونبحث على الحضور الفاعل في هذا العالم الذي فرط في إيمانه ومعتقده ، وابتعد عن خالقه حتى كاد الأمل في عودة الضال أن ينقطع ، ومن أجل تحقيق عامل العودة إلى الذات والمتمثل في تفعيل عامل التقوى في الأنفس، علينا أن نلزمها أمام الله تعالى بسلوك منهج النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيته البررة عليهم السلام ، ملتفتين إلى أهمية اعتبار النفس عاملة على هذا الدرب ، وليست مالكة له ، لأن الدين هو دين الله والعباد هم وعباده، وكل معتقد لملكية ما في هذا الإطار فعليه أن يصحح اعتقاده .

مقابل هذه الشمولية الانفتاح والواقعية التي ظهرت علاماتها على خط أهل البيت عليهم السلام ، مني العالم بكافة مجتمعاته، بظهور تيارات تنتسب إلى الإسلام ،ولكنها بعيدة عنه في تعاملاتها وتطبيقاتها ، ترفع شعار الجهاد ، وإقامة حكم الله في الأرض بالقوة تميزت قياداتها بجمود الفكر الذي يحملونه إلى حد التحجر،ورفض الغير والحكم عليه بلا بينة ، فسببت ممارساتها الخاطئة في خلق حالة من العداء والكراهية للإسلام، وعوض أن نتقدم خطوة نحو تعايش وحوار حضاري، وتناغم عقلي بين مختلف الديانات والحضارات ، دفعت بنا تلك الجماعات في طريق النفرة التحرز من بعضنا البعض ، بينما جاء نداء المولى سبحانه وتعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، والمسلمين تبعا له بالتعايش السلمي مع بقية الديانات (( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ...)) وتوالت الفواجع والكوارث، فمن اعتداءات 11 سبتمبر إلى تفجيرات مدريد ولندن ، إلى القتل المجاني للمسلمين الشيعة بدعوى أنهم كفار ، مرورا بالمجازر والانتهاكات التي قام بها هؤلاء الوحوش في حق قبائل الهزارة الشيعة في كل من باميان ومزار شريف في أفغانستان ، وكلما اطل عليك وجه من تلك العصابات أيقنت انه لا يمتلك من الدين حتى المظهر الذي قد ينبئك بصلاحه وتقواه ، فلا ترى غير الوجوه الكالحة ، والتقاسيم التي لا ترتسم عادة إلا على أقل الجهال ، فرأيت إتباع الحق الذي عليه المسلمون الشيعة ، فحزمت أمري وواليت محمدا وآله عليهم أفضل الصلاة والسلام ، وتركت ما دونهم قربة إلى الله تعالى .

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة