المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 13 محرم 1427 - نعم لقد تشيعت ... وهذا هو السبب -28-
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

نعم لقد تشيعت .. وهذا هو السبب
الحلقة الثامنة والعشرون

شيعتني روحية أئمة أهل البيت عليهم السلام

عمار... شخص من وسط المجتمع التونسي ، شديد التواضع بحيث لم يعرف له ترفع أو تعال على غيره، ولعل ذلك ناشئ من أصله الذي ينحدر من أهل بيت النبوة عليهم السلام ، فلا غرابة من خلق صدر من موضعه،مع أن الاحترام والتقدير الذين حازهما من معاشريه،لم يتأتيا من نسبته إلى الأشراف عليهم السلام ، بل فرضتهما جملة سلوكياته ومحاسن أخلاقه، تأخرت نسبته إلى الطاهرين عليهم السلام فكرا وعقيدة ، بعد أن تقدمت نسبته إليهم نسبا، ومرد ذلك إلى عصور خلت من القمع والإبادة، التي تعرض لها أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم رضوان الله تعالى عليهم ، والتي لم يسلم منها حتى من جهل حاله ، فلم ينج من الفتك والقتل الذريع، إلا القليل ممن لاذ بالصحارى النائية، أو الجبال الوعرة التي لا يستطيع طلب بلوغها، لاستبعاد بلوغ الفارين إليها .
لم يكن في بداية تدينه يأبه لمذهب من المذاهب ، لذلك لم يخالطه تعصب مريض ، فلم يستند إلى فئة أو طائفة من الطوائف السنية الأربعة ، مما سهل عليه اعتناق إسلام التشيع لأهل البيت عليهم السلام، واعترافه بأحقيتهم وإقراره بإمامتهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم نشأ من اطلاعه على جانب آخر من الجوانب العملية التي دأب الطاهرون على القيام بها طاعة لخالقهم ، وتحقيقا لعبوديتهم الحقيقية له .

دعوته إلى جلستنا فلبى الدعوة وجاء إلى المكان المحدد ليقول كلمة قد يكون لها الأثر في استنقاذ نفس تريد الهداية إلى الحق ، والحق أحق أن يتبع ، فلما جاء دوره أفاد قائلا:
كنت في أواسط الثمانينات من الذين تحمسوا للدين الإسلامي ،فوجدت نفسي مندفعا وتشرفت بالانتساب إلى الحركة الإسلامية التي عرفت بالاتجاه الإسلامي،
على الرغم من أن بداية التزامي بالإسلام لم تكن متأخرة ، فإنني لم أكن فيها بذلك النضج والفهم الذي أصبحت عليه منذ مدة ، وذلك عائد تحديدا إلى خصلة ميزت شخصيتي ، تمثلت في حبي للمعرفة ، وولعي باستشراف الحقائق والتطلع إليها، مهما صغرت وتضاءلت من حيث قيمتها. لذلك بنيت عقلي على عدم الخضوع لفكرة إلا إذا اجتمعت لدي قرائنها ، ووقفت على مدى صحتها.
إهتممت في البداية بالتاريخ الإسلامي ، فوجدته مؤلفا تأليفا غلب عليه الطابع الإنتمائي على المستويين المذهبي والعرقي، جاء محتواه مؤرخا للخلفاء والملوك ، متجاهلا العناصر المؤثرة التي صنعت الأحداث الرائعة في الأزمنة التي خلت، وهي طبقات الناس الفاعلة في حركة التاريخ، وفئات الرجال الذين قدمهم الله سبحانه وتعالى أمثلة ونماذج يمكن للبشرية أن تحتذي حذوها،وكان من المفترض مثلا أن يكتب التاريخ باعتماد مبدإ حركة الرسل والرسالات فيه ، وهو أمر لم يحصل . اللهم إلا إذا تتناولنا القراءة التاريخية التي قدمها الوحي لتكون عبرة للناس.

كنت مولعا بالكتب إلى أبعد حد ، فلم يمنعني مانع من مطالعة أي كتاب ينال إعجابي ، وتتبعت مكتباته ومعارضه ، إلى درجة أنفقت فيها جزءا هاما من أموالي ، ودفعني عشقي للكتاب إلى أن أجعل جل نفقاتي متجهة إليه، فلم التفت إلى بقية متطلبات الحياة، إلا بشح وتقتير كبيرين.
عند إقتراب موعد افتتاح المعرض الدولي للكتاب،الذي يلتئم بالعاصمة التونسية، إتفقت مع أحد الأصدقاء على الذهاب إليه ،على متن سيارته الخاصة ، فوافق على مقترحي، لأنه هو أيضا من المولعين باقتناء ومطالعة الكتب، ومواكبة النهضة الثقافية العالمية على وجه العموم، والإسلامية على وجه الخصوص

في إحدى دور النشر المشرقية المشاركة ، إستقطبت إهتمامي عناوين كتب مصففة على رفوف العرض في جناح تلك الدار ، لم تترك لي مجالا لتجاوزها والبحث عن غيرها، فمددت يدي لتصفح أولها وهي الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين عليه السلام ، فانبهرت بما بين دفتي الكتاب من جوامع الكلم ، وعظمة الدعاء المبوب فيه ، وتناسق ألفاظه ، ودقة معانيه ، وعمق مطالبه، والذي لم أقرأ عنه من قبل ولا سمعت به، على مدى سني مطالعاتي ، ولا حتى في المساجد التي كنت أرتادها مدة طويلة طويلة، وأصلي فيها جماعة الصلوات الخمس ، أصابتني دهشة كبرى لما وقعت عليه عيناي ، واستغربت من تجاهل المسلمين -الذين أعيش بينهم- لهذه الأدعية وتجنبهم لها، ثم التفت إلى كتاب آخر يحمل عنوان مهج الدعوات، وهو مجلد كبير جمع فيه مؤلفه السيد ابن طاووس رضوان الله تعالى عليه، لباب الأدعية وزبدتها، نقلا عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمة الهداة من أهل بيته عليهم السلام ،وامتدت يدي إلى كتاب البلد الأمين للكفعمي، ثم إلى كتاب مصباح المتهجد للشيخ الطوسي، ثم إلى كتاب مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي، ثم إلى كتاب جمال الأسبوع والإقبال للسيد ابن طاووس وغيرها من كتب الأدعية التي وجدتها إلى حد يزيد عن الكفاية.

لم يعد للوقت عندي قيمة في تلك اللحظات ، فقد ذهلت عنها بما عثرت عليه من ذخائر لا تقدر بقيمة،وبقدر ما تملكني إحساس بالفرح لما عثرت عليه ، بقدر ما علت نفسي كآبة على الإهمال والتجاهل لهذا التراث العظيم الذي بقي المسلمون الشيعة ينعمون به لوحدهم قرون طويلة، وتمنيت لو أن هذه الادعية والمناجات كانت منحة لجميع أهل الإسلام ، ولكن ما كلما يتمنى المرء يدركه ، فالمانع الذي حال دون ذلك هي الأنظمة التي حكمت على أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم بالخروج عن سلطانها ، فأعلنت الحرب عليهم بكل الوسائل ، والتي منها حرق ذلك التراث ومنع تداوله بين المسلمين، وإرهاب أو قتل كل من تجرأ على عصيان أمر ذلك الحظر.

من الأمثلة التي يمكنني أن أسوقها للتعريف بعظمة دعاء أئمة أهل البيت عليهم السلام ، دعاء كميل الذي علمه أمير المؤمنين عليا عليه السلام صاحبه كميل بن زياد النخعي، والذي يجتمع المسلمون الشيعة عقب صلاة العشاء ليلة الجمعة للدعاء به ، ودعاء الصباح ، ودعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة ، ودعاء السحر الكبير للإمام زين العابدين، واختصارا لمطلب التعريف، رأيت أن أنقل إلى القراء نماذج من أدعية أئمة أهل البيت عليهم السلام ، تعبر عن مخزون علم لا يضاهى ، ومقام روحي لا يقاس.

دعاء مكارم الأخلاق :" اللهم صل على محمد وآله، وبلغ إيماني أكمل الإيمان ، واجعل يقيني أفضل اليقين ، وانته بنيتي إلى أحسن النيات، وبعملي إلى أحسن الأعمال ، اللهم وفّر بلطفك نيتي وصحح بما عندك يقيني واستصلح بقدرتك ما فسد مني ..."

دعاء السحر ويدعى به في أسحار شهر رمضان:"الهي لا تؤدبني بعقوبتك ولا تمكر بي في حيلتك ، من أين لي الخير يا رب ولا يوجد إلا من عندك، ومن أين لي النجاة ، ولا تستطاع إلا بك ، لا الذي أحسن استغنى عن عونك ورحمتك ، ولا الذي أساء اجترأ عليك ولم يرضك خرج من قدرتك، يا رب.. يا رب..يا رب... (حتى ينقطع النفس) بك عرفتك، وأنت دللتني عليك، ودعوتني إليك ، ولولا أنت لم ادر ما أنت ، الحمد لله الذي أدعوه فيجيبني ، وان كنت بطيئا حين يدعوني ، والحمد لله الذي اسأله فيعطيني ، وان كنت بخيلا حين يستقرضني ، والحمد لله الذي أناديه كلما شئت لحاجتي ، وأخلو به حيث شئت لسري بغير شفيع ، فيقضي لي حاجتي ، الحمد لله الذي لا أدعو غيره ، ولو دعوت غيره لم يستجب لي دعائي ، والحمد لله الذي لا ارجوا غيره ، ولو رجوت غيره لأخلف رجائي...

دعاء الافتتاح ويدعى به في كل ليلة من ليالي شهر رمضان : اللهم إني افتتح الثناء بحمدك ، وأنت مسدد للصواب بمنك ، وأيقنت انك ارحم الراحمين في موضع العفو الرحمة ، واشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة ، وأعظم المتجبرين في موضع الكبرياء والعظمة ، اللهم أذنت لي في دعائك ومسألتك فاسمع يا سميع مدحتي ، واجب يا رحيم دعوتي ، واقل يا غفور عثرتي ، فكم يا الهي من كربة قد فرجتها ، وهموم قد كشفتها ، وعثرة قد أقلتها ، ورحمة قد نشرتها ، وحلقة بلاء قد فككتها ...

دعاء الصباح لأمير المؤمنين: اللهم يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه، وسرح قطع الليل المظلم بغياهب تلجلجه، وأتقن صنع الفلك الدوار في مقادير تبرجه ، وشعشع ضياء الشمس بنور تأججه ، يا من دل على ذاته بذاته ، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته وجل عن ملائمة كيفياته ، يا من قرب من خطرا الظنون ، وبعد عن لحظات العيون ، وعلم بما كان قبل أن يكون، يا من أرقدني في مهاد أمنه وأمانه ، وأيقظني إلى ما منحني به من مننه وإحسانه ، وكف أكف السوء عني بيده وسلطانه ، صل الله على الدليل إليك في الليل الأليل ، والماسك من أسبابك بحبل الشرف الأطول ، والناصح الحسب في ذروة الكاهل الأعبل ، والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الأول ، وعلى آله الأخيار المصطفين الأبرار ، وافتح اللهم لنا مصاريع الصباح بمفاتيح الرحمة والفلاح، وألبسني من أفضل خلع الهداية والصلاح ، واغرس اللهم بعظمتك في شرب جناني ينابيع الخشوع ، وأجر اللهم من آماقي زفرات الدموع ، وأدّب اللهم نزق الخرق مني بأزمّة القنوع...

الصحيفة السجادية – مناجات الراجين
:"يا من إذا سأله عبد أعطاه، وإذا أمل ما عنده بلغه مناه ، وإذا اقبل عليه قربه وأدناه، وإذا جاهره بالعصيان ستر على ذنبه وغطاه، وإذا توكل عليه أحسبه وكفاه. الهي من الذي نزل بك ملتمسا قراك فما قريته، ومن الذي أناخ ببابك مرتجيا نداك فما أوليته ، أيحسن أن أرجع عن بابك بالخيبة مصروفا، ولست أعرف سواك مولى بالإحسان موصوفا ، كيف أرجو غيرك ؟ والخير كله بيدك، وكيف أؤمل سواك ؟ والخلق والأمر لك ، أأقطع رجائي منك ؟ وقد أوليتني ما لم أسأله من فضلك ، أم تفقرني إلى مثلي ؟ وأنا اعتصم بحبلك ، يا من سعد برحمته القاصدون ، ولم يشق بنقمته المستغفرون، كيف أنساك ولم تزل ذاكري؟ وكيف ألهو عنك ؟ وأنت مراقبي. إلهي بذيل كرمك أعلقت يدي، ولنيل عطاياك بسطت أملي ، فأخلصني بخالصة توحيدك، واجعلني من صفوة عبيدك، يا من كل هارب إليه يلتجئ، وكل طالب إياه يرتجي، يا خير مرجو، ويا أكرم مدعو، ويا من لا يرد سائله، ولا يخيب آمله، يا من بابه مفتوح لداعيه، وحجابه مرفوع لراجيه ، أسألك بكرمك أن تمن علي من عطائك بما تقر به عيني ، ومن رجائك بما تطمئن به نفسي، ومن اليقين بما تهون به علي مصيبات الدنيا ، وتجلو به عن بصيرتي غشوات العمى برحمتك يا أرحم الراحمين.
لم أكن أعرف عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في ذلك الوقت شيئا يستحق الذكر، فقد غاب أثرهم في خضم الصحابة ، وذهل المسلمون عن مقامهم ، لاعتقاد أسسه الغاصبون للحكم الإسلامي .
اقتربت من العارض، وكان لبنانيا وقلت له: أصحيح نسبة هذه الأدعية إلى أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: هذا شيء مؤكد وتداولته الأجيال وتقبلته بالتصديق والعمل ، لكن لماذا سألتني هذا السؤال الغريب؟
قلت له : لأننا لا نجد شيئا من هذه الكنوز العظيمة والخيرات العميمة في تراثنا رغم انه منسوب إلى سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
فقال: لعل ذلك راجع إلى الإهمال الذي لاقاه فكر أهل البيت عليهم السلام ،من أتباع خط الأنظمة التي حمت رقاب أسلافنا.
وأومأت إليه براسي موافقا على عزوه ، وواصلت بحث عن الكتب من خلال ما توحي به عناوينها.

ومن خلال تصفحي لتلك المؤلفات وقفت على شدة اهتمام أصحابها بتدوين كل الأدعية التي سمعت من بيت مهبط الوحي ومختلف الملائكة،
ولقد تتبع كل تلك الكنوز العظيمة، هؤلاء العلماء الأفذاذ وغيرهم ، واستطاع منهم أن يخرجوا ذلك كله في كتب تحتوي على أعمال وعبادات وآداب حول كامل ، من مسنونات ومستحبات وتعقيبات ، تسهيلا وتمكينا للراغبين في إتباع آثار النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم .
قفز إلى ذاكرتي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم :" الدعاء مخ العبادة." ووقفت على حقيقة أطلت علي من خلال صفحات الأدعية التي كنت أتأمل فيها تقول : إنني كنت أعبد الله سبحانه وتعالى بلا مخ وبلا روح أيضا.
والتفت إلى كتاب آخر استدرجني عنوانه ،كأنما ينادي أعماق روحي : الآداب المعنوية للصلاة. للإمام الراحل مجدد الدين ومؤسس الثورة والدولة الإسلامية المباركة في إيران رضوان الله تعالى عليه وطيب ثراه، تركت ما في يدي وانهمكت فيه تصفحا وقراءة سريعة في فهرسه وبعض أبوابه ، فتملكتني حيرة ، وأخذتني دهشة ، رباه .. ما هذا ..؟أي دين هذا؟ وأي نوع من الناس هؤلاء..؟ ولماذا حال حائل بيننا وبين هذه الخيرات والنعم العميمة؟
أهكذا كان يصلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،وأهل بيته الكرام ؟ أهذه هي فعلا أدعية الأطهار الذين كانوا بحق الأمثلة الحقيقية والنماذج التي بقيت حية أبد الدهر؟ لا شك أن الذي دعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بباب مدينة علومه وأهل بيته عليهم السلام، أقدر على استيعاب الدين الإسلامي، وتقديم شعائره بالشكل الصحيح من غيرهم ، وانتقلت تلك المعارف ،والتطبيقات إلى ذريتهم وشيعتهم من بعدهم .

سألت عن اللغة التي كتب بها هذا الرجل الفذ ، فقيل لي إنها لغة العرفان ومنطق العارفين،وكلامه هو تعبير عن تجليات للروح من مقام القرب، ليست متاحة إلا للذين أناخوا رحالهم في فناء الزهد والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، وقد رأيت أن أنقل إليكم نبذة من كلامه.( ثم أخرج من بين طيات ثيابه ورقة) يقول قدس سره الشريف في بيان المعاني الروحية والأسرار العرفانية لسنن التكبيرات الست التي تسبق تكبيرة الإحرام عند سفر العبد إلى ملكوت العزة وفناء الطاعة :
فأنت يا أيها السالك إلى الله ،والمجاهد في سبيل الله ،إذا أقمت الصلب في محضر القرب ، وأخلصت النية في جانب العزلة ، وصفيت قلبك ودخلت زمرة أهل الوفاء، فهيئ نفسك لدخول الباب، وأطلب إجازة فتح الأبواب، وتحرك من منزل الطبيعة ، وارفع حجابها الغليظ ،بالتمسك بمقام الكبرياء،وارمه وراء ظهرك ، وكبر وأدخل الحجاب، وارفعه إلى الوراء ، وارفع الحجاب الثالث فقد وصلت إلى منزل القلب ، فقف واقرأ الدعاء المأثور(( اللهم أنت الملك الحق المبين ، لا اله إلا أنت سبحانك وبحمدك ،ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي ،فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ))
وأسلب المالكية عن غير الحق ، واحصر مطلق التصرفات بتلك الآيات المقدسة كي لا تحسب نفسك رافعا للحجاب، ولائقا لتكبير الحق ، فإنه أكبر من أن يوصف.

ثم أقصر الألوهية على الحق،وأطلب غفران ذنوبك، ثم إرفع الحجاب الرابع والخامس وإرمه إلى الخلف ، وكرر التكبير ، وافتح عين قلبك حتى تسمع النداء، (تقدم) فإن ظهر في قلبك حلاوة المحضر، ولذة الورود أو هيبة الحضور وعظمته ، فاعلم أنه قد صدرت رخصة الورود من جانب الغيب،فقل في مجال الخوف والرجاء والابتهال والتبتل والتذرع(( لبيك وسعديك، الخير في يديك ،والشر ليس إليك، المهدي من هديت، عبدك وابن عبديك، منك وبك واليك، لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، سبحانك وحنانيك، تباركت وتعاليت ،سبحانك رب البيت الحرام )) . وتفكر في حقائق هذه الأذكار الشريفة، فإن فيها أبوابا من المعارف ، وفي نفس الوقت فيها أدب الحضور . وبعد تسبيح الحق، وتنزيه مقامه المقدس، عن جواز التوصيف ، ارفع الحجاب السادس وكبر، فان رأيتك لائقا، فارفع الحجاب السابع، وهو اللطيفة السابعة، وإلا فقف واقرع باب إحسان الحق، واعترف عن القلب بإساءتك وقل (( يا محسن قد أتاك المسيء)) وتوجه بأن تكون صادقا حقيقة ، وإلا فكن حذرا وخائفا من النفاق في محضر ذي الجلال،ثم بعد ذلك إرفع الحجاب السابع وأرمه وراءك برفع اليد وقل تكبيرة الإحرام ، وأعرف نفسك محرومة عن الغير ، فقد دخلت حرم الكبرياء ، فقل(( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين... )) واعلم بأنك على خطر عظيم، وهو النفاق في أول العبادة ، في محضر عالم السر والخفيات . وإذا رأيت نفسك عاريا عن هذه المقامات ، فالكاتب المحجوب عن كل كمال ومعرفة ، والمقيد بعلائق الدنيا ّ، وحب النفس والمشغول بالشهوة والغضب ، فلا تفضح نفسك في محضر الحق والملائكة المقربين ، واعترف بنقصك وعجزك، وكن على خجل من قصورك واحتجابك ، وادخل بانكسار القلب والانفعال والخجلة واقرأ الأذكار على لسان الأولياء فانك لست لائقا لها ،لأنه ما لم تترك نفسك والعالمين ، لم تكن صادقا في هذه الأقوال، وما لم تسلم تسليما حقيقيا بين يدي الله لم تكن مسلما ، وما دمت رائيا نفسك، لم تخرج عن حدود الشرك..وما لم تكن فانيا مطلقا في جناب الحق لم تستطع أن تقول((إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين))، فإن لم تجد نفسك بطل هذا الميدان، فلا تدخل في صف أهل المعرفة أصلا ، ولا توجب خجلتك عند الأحرار، فعن الصادق عليه السلام قال:" كبرت فاستصغر ما بين العلا والثرى دون كبريائه، فإن الله إذا إطلع على قلب العبد وهو يكبر، وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره ، قال: يا كاذب أتخدعني؟ وعزتي وجلالي لأحرمنك حلاوة ذكري ، ولأحجبنك عن قربي ، والمسارّة بمناجاتي ." إختبر أنت قلبك حين صلاتك، فإن كنت تجد حلاوتها ، وفي نفسك سرورها وبهجتها ، وقلبك مسرور بمناجاته ، وملتذ بمخاطباته فاعلم أنه قد صدقك في تكبيرك له ، وإلا فقد عرفت من سلب لذة المناجاة وحرمان حلاوة العبادة ، أنه دليل على تكذيب الله لك وطردك من بابه.
وباعتبار أن الصلاة هي معراج المؤمن إلى خالقه ، وأهم أسبابه إليه، فقد كان محرابها يمثل موضع الشحن الروحي للسالك إلى الله تعالى ، وإعطائها هذه الأولوية، ومنحها هذا الاهتمام والعناية الكبيرين، من طرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام ، يعد مظهرا من مظاهر الشكر، والاعتراف بحقيقة العبودية له.

عن الصادق عليه السلام في استقبال القبلة والتوجه إلى الله قال: إذا استقبلت القبلة ، فآيس من الدنيا وما فيها من الخلق ، وما هم فيه ، وفرغ قلبك عن كل شاغل يشغلك عن الله ، وعاين بسرك عظمة الله واذكر وقوفك بين يديه ، قال تعالى :"هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق." وقف على قدم الخوف والرجاء."
لأن كل مؤمن يكون بين خوفين : ذنب قد مضى ، لا يدري ما صنع الله فيه ، وعمر قد بقي لا يدري ما يكسب له فيه من المهالك ، فهو لا يصبح إلا خائفا ، ولا يصلحه إلا الخوف . ولا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا ، ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا بما يخاف ويرجو.
وجاء في نصيحة الإمام الصادق لأحد أصحابه :يا أبا إسحاق خف الله كأنك تراه ، وإن كنت لا تراه فإنه يراك ، وان كنت ترى انه لا يراك فقد كفرت ، وان كنت تعلم أنه يراك ثم برزت له بالمعصية ، فقد جعلته من أهون الناظرين إليك.

ومن إحدى خطب الإمام علي عليه السلام يوصي أصحابه:
تعاهدوا أمر الصلاة، وحافظوا عليها ، واستكثروا منها ، وتقربوا بها ، فإنها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سئلوا:" ما سلككم في سقر* قالوا لم نك من المصلين." وإنها لتحتّ الذنوب حتّ الورق وتطلقها إطلاق الرّبق، وشبهها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحمّة ، تكون على باب الرجل ، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات ، فما عسى أن يبقى عليه من الدرن.
وقد عرف حقها رجال من المؤمنين الذين لا تشغلهم عنها زينة متاع ولا قرة عين ولد ولا مال ، يقول الله سبحانه:" رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة." وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصبا بالصلاة بعد التبشير له بالجنة لقول الله سبحانه :" وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها" فكان يأمر بها أهله ويصبر عليها نفسه.
ثم إن الزكاة جعلت مع الصلاة قربانا لأهل الإسلام فمن أعطاها طيب النفس بها ، فإنها تجعل له كفارة ، ومن النار حجازا ووقاية ، فلا يتبعنّها أحد نفسه ، ولا يكثرن عليها لهفه ، فان من أعطاها غير طيّب النفس بها يرجو بها ما هو أفضل منها ، فهو جاهل بالسنة ، مغبون الأجر ضال العمل طويل الندم.
أيها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله ، فان الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير وجوعها طويل.
واستوقفني أيضا كلام بليغ، قاله الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، لرجل حج البيت الحرام ، رأى منه عجبا في نفسه ويقينا بقبول حجه فسأله الإمام عليه السلام: أحججت يا شبلي؟. قال: نعم يا ابن رسول الله، فقال عليه السلام : أنزلت الميقات وتجردت عن مخيط الثياب واغتسلت؟ قال: نعم. قال عليه السلام : فحين نزلت الميقات، نويت أنك خلعت ثياب المعصية، ولبست ثوب الطاعة؟ قال: لا.
قال عليه السلام: فحين تجردت عن مخيط ثيابك ، نويت أنك تجردت عن الرياء والنفاق والدخول في الشبهات؟ قال: لا. قال عليه السلام : فحين اغتسلت، نويت أنك اغتسلت من الخطايا والذنوب؟ قال: لا. قال عليه السلام : فما نزلت الميقات، ولا تجردت عن مخيط الثياب، ولا اغتسلت.
ثم قال عليه السلام : حين تنظّفت وأحرمت، وعقدت الحج، نويت أنك تنظفت بنور التوبة الخالصة لله تعالى؟ قال: لا.
قال عليه السلام : فحين أحرمت، نويت أنك حرّمت على نفسك كل محرّم حرّمه الله عز و جل قال: لا.
قال عليه السلام : فحين عقدت الحج، نويت أنك قد حللت كل عقد لغير الله؟ قال: لا.
قال له عليه السلام : ما تنظفت، ولا أحرمت ولا عقدت الحج.
ثم قال عليه السلام له : أدخلت الميقات، وصليت ركعتي الإحرام ولبيت؟؟ قال: نعم قال عليه السلام: فحين دخلت الميقات، نويت أنك بنية الزيارة؟ قال: لا.
قال عليه السلام : فحين صليت الركعتين ،نويت أنك تقربت إلى الله بخير الأعمال من الصلاة، وأكبر حسنات العباد؟ قال: لا.
قال له عليه السلام: ما دخلت الميقات، ولا لبّيت، ثم قال عليه السلام له: أدخلت الحرم، ورأيت الكعبة وصليت؟. قال: نعم.
قال عليه السلام: فحين دخلت الحرم، نويت أنك حرّمت على نفسك كل غيبة تستغيبها المسلمين، من أهل ملة الإسلام؟ قال: لا. قال عليه السلام: فحين وصلت مكة ،نويت بقلبك أنك قصدت الله؟ قال: لا. قال عليه السلام: فما دخلت الحرم، ولا رأيت الكعبة، ولا صليت.
ثم قال عليه السلام: طفت بالبيت، ومسست الأركان وسعيت؟ قال: نعم، قال عليه السلام: فحين سعيت نويت أنك هربت إلى الله، وعرف ذلك منك علام الغيوب؟ قال: لا.
قال عليه السلام: فما طفت بالبيت، ولا مسست الأركان، ولا سعيت.
ثم قال عليه السلام له: صافحت الحجر، ووقفت بمقام إبراهيم عليه السلام ، وصليت به ركعتين: قال: نعم، فصاح عليه السلام صيحة كاد يفارق الدنيا بها ثم قال عليه السلام: آه. آه. وقال عليه السلام: من صافح الحجر الأسود فقد صافح الله تعالى، فانظر يا مسكين، ولا تضيّع أجر ما عظم حرمته، وتنقض المصافحة بالمخالفة وقبض الحرام، نظير أهل الآثام. ثم قال عليه السلام: نويت حين وقفت عند مقام إبراهيم عليه السلام ،أنك وقفت على كل طاعة. وتخلّفت عن كل معصية؟ قال: لا.
قال عليه السلام: فحين صليت ركعتين، نويت أنك بصلاة إبراهيم عليه السلام ، وأرغمت بصوتك أنف الشيطان؟: قال: لا. قال عليه السلام: فما صافحت الحجر الأسود، ولا وقفت عند المقام، ولا صليت فيه الركعتين.
ثم قال عليه السلام له: أأشرفت على بئر زمزم، وشربت من مائها؟ قال: نعم. قال عليه السلام: نويت أنك أشرفت على الطاعة، وغضضت طرفك عن المعصية؟ قال: لا.
قال عليه السلام: فما أشرفت عليها، ولا شربت مائها. قال: أسعيت بين الصفا والمروة، ومشيت وترددت بينهما؟ قال: نعم. قال عليه السلام: نويت أنك بين الرجاء والخوف؟ قال: لا. قال عليه السلام: فما سعيت ولا مشيت، ولا ترددت بين الصفا والمروة. ثم قال عليه السلام: خرجت إلى منى؟ قال نعم. قال عليه السلام: نويت أنك أمنت الناس من لسانك وقلبك ويدك؟ قال: لا. قال عليه السلام: فما خرجت إلى منى.
ثم قال له: أوقفت الوقفة بعرفة؟ وطلعت جبل الرحمة، وعرفت وادي نمرة، ودعوت الله سبحانه عند الميل والحجرات؟ قال: نعم. قال عليه السلام: هل عرفت بموقفك بعرفة ، معرفة الله سبحانه، أمر العارف والعلوم، وعرفت قبض الله على صحيفتك، واطلاعه على سريرتك وقلبك؟.. قال: لا. قال عليه السلام: نويت بطلوعك جبل الرحمة ، أن الله يرحم كل مؤمن ومؤمنة، ويتولى كل مسلم ومسلمة؟ قال: لا. قال عليه السلام: فنويت عند النمرة أنك لا تأمر حتى تأتمر، ولا تزجر حتى تنزجر، قال: لا، قال عليه السلام: فعندما وقفت عند العلم نويت أنها شاهدة لك على الطاعات، حافظة لك مع الحفظة بأمر رب السماوات؟. قال: لا. قال عليه السلام: فما وقفت بعرفة، ولا طلعت جبل الرحمة، ولا عرفت نمرة، ولا دعوت، ولا وقفت عند النمرات، ثم قال عليه السلام: مررت بين العلمين ، وصليت قبل مرورك ركعتين، ومشيت بمزدلفة، ولقطت فيها الحصى، ومررت بالمشعر الحرام؟ قال: نعم، قال عليه السلام: فحين صليت ركعتين، نويت أنها صلاة شكر في ليلة عشر تنفي كل عسر، وتيسر كل يسر؟ قال: لا.
قال عليه السلام: فعندما مشيت بين العلمين، ولم تعدل عنهما يميناً ولا شمالاً، نويت أن تعدل عن دين الحق يميناً وشمالاً، ولا بقلبك، ولا بلسانك، ولا بجوارحك؟ قال: لا. قال عليه السلام: فعندما مشيت بمزدلفة، ولقطت منها الحصى، نويت أنك رفعت عنك كل معصية وجهل، وثبت كل علم وعمل؟ قال: لا. قال عليه السلام: فعندما مررت بالمشعر الحرام، نويت أنك أشعرت قلبك إشعار أهل التقوى، والخوف لله عز و جل؟ قال: لا. قال عليه السلام: فما مررت بالعلمين، ولا صليت ركعتين، ولا مشيت بالمزدلفة، ولا رفعت منها الحصى، ولا مررت بالمشعر الحرام. ثم قال عليه السلام: وصلت منى ورميت الجمرة، وحلقت رأسك، وذبحت هديك، وصليت في مسجد الخيف، ورجعت إلى مكة، وطفت طواف الإفاضة؟ قال: نعم. قال عليه السلام: فنويت عندما وصلت منى، ورميت الجمار، أنك بلغت أنك رميت عدوك إبليس، وعصيته بتمام حجك النفيس؟ قال: لا. قال عليه السلام: فعندما حلقت رأسك ، نويت أنك تطهّرت من الأدناس، ومن تبعة بني آدم، وخرجت من الذنوب كما ولدتك أمك؟ قال: لا. قال عليه السلام: أفعندما صليت في مسجد الخيف، نويت أنك لا تخاف إلا الله عز و جل وذنبك، ولا ترجو إلا رحمة الله تعالى؟ قال: لا. قال عليه السلام: فعندما ذبحت هديك ،نويت أنك ذبحت حنجرة الطمع، بما تمسكت بحقيقة الورع، وأنك اتبعت سنة إبراهيم عليه السلام، بذبح ولده، وثمرة فؤاده، وريحانة قلبه، وحاجة سنته لمن بعده، وقربه إلى الله تعالى لمن خلفه؟: قال: لا.
قال عليه السلام: فعندما رجعت إلى مكة، وطفت طوف الإفاضة، نويت أنك أفضت من رحمة الله تعالى، ورجعت إلى طاعته، وتمسكت بوده، وأديت فرائضه، وتقربت إلى الله تعالى؟ قال: لا. قال له: زين العابدين عليه السلام: فما وصلت منى، ولا رميت الجمار، ولا حلقت رأسك، ولا ذبحت، ولا أديت نسكك، ولا صليت في مسجد الخيف، ولا طفت طواف الإفاضة، ولا تقربت، إرجع فانك لم تحج، فطفق الشبلي يبكي على ما فرط في حجه، وما زال يتعلم حتى حج من قابل بمعرفة ويقين.
والعبادة عند صفوة الله وأحبائه، ليست وسيلة للتواصل مع الخالق ، وأداء شكره على نعمه ، فقط بل هي جوهر وجودهم وأساس خلقتهم، لذلك يستحيل علينا تقليد الأطهار تقليدا باطنيا ، بل قد يصعب علينا تقليدهم حتى في الظاهر لأنهم أرواح زكية و طينة طيبة تفوقنا تلبية واستجابة .

وتوجه أهل البيت عليهم السلام وأدعيتهم وصلواتهم في محاريب العبادة إلى الله تعالى لم يكن مسبوقا من أحد سوى معلمهم الأكبر سيد بيتهم وعلم هداهم النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتح لهم الباري تعالى باب رحمته في خمس صلوات مفروضة جملة ركعاتها 17 ركعة، فعظموه بضعفها نوافل جملة ركعاتها 34 ركعة ، وإذا مجموع عدد ركعات صلواتهم المفروضة والمسنونة قد أربى على 51 ركعة ، زادتها رونقا وتقوى، تأملاتهم، واعتكافاتهم، وتوجهاتهم ،ومناجياتهم للباري تعالى، خالقهم والمنعم عليهم .
قررت أن اشتري كل تلك العناوين وآخذها معي، ولما لم يكن معي المال الكافي استقرضت صديقي فأقرضني لإتمام بقية حساب كتبي المقتناة.
وعدت إلى بيتي بتلك الكنوز التي لا تقدر بثمن ، ثم عكفت عليها قراءة وتمحيصا، ولم يمر يوم وأنا بين تلك الكتب الثمينة التي اقتنيتها ، أتنقل من كتاب إلى آخر من معين إلى سلسبيل ، ومن ماء روي إلى ماء فرات ، تبينت حقيقة أئمة أهل البيت عليهم السلام ، ومقامهم ومكانتهم وعلومهم ، فوجدت أن العبادة قد أناخت برحلهم وحطت في رباطهم ، ووطنت نفسها على التسليم لهم ببلوغ منتهى رضا الرب تبارك وتعالى فيها، ووقفت على أن الإسلام الذي قدمه أهل البيت عليهم السلام للأمة الإسلامية، نقلا عن جدهم الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، هو الإسلام الصافي الذي لم تشبه شائبة التحريف ، ولا مسته أيدي المزورين ، الدين الخاتم الحق الذي جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، وتركه لأهل بيته الطاهرين باعتبارهم وعاته وحفظته والقائمين به صدقا وعدلا ، فلم أتردد في موالاتهم وإتباعهم ومحبتهم ، والإيمان إيمانا جازما ، بأنهم الأئمة الهداة الذين بفضلهم حافظ الدين على نقاوته ، وتواصل عطائه رغم كل المحاولات التي أرادت القضاء عليه، وذلك دليل آخر على ربانية هؤلاء الأطهار شيطانية محاربيهم ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة