المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 14 محرم 1427 - نعم لقد تشيعت ... وهذا هو السبب -29-(الحلقة الاخيرة)
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت .. وهذا هو السبب
الحلقة التاسعة والعشرون والاخيرة

شيعتني فطرتي وكتاب المراجعات

ما إن أتم عمار... إفادته ، وأدلى بشهادته ، حتى أخذت الكلمة ، فشكرت جميع من حضر من الإخوة ، على ما أبدوه من شهادات لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله ، ولأهل البيت عليهم السلام ، وللمسلمين الذين ما يزالون بعيدين عن منهاج أهل البيت عليهم السلام،وللتاريخ الذي لم يرق إليه الدنس ، متوجا جملة الإفادات بإفادتي أنا أيضا فقلت:
عرفت الإسلام صغيرا في كنف عائلتي المحافظة القادمة من تخوم شط الجريد ، ومن فطناسة إحدى القرى الصحراوية النائية من ولاية قبلي، فكنت أصلي وأصوم بأمر وإرشاد وتوجيه من أبي وأمي .

منذ أن بدأت أدرك وفي سنواتي الأولى في المدرسة الابتدائية ، كنت أتردد على بيت أحد رفاق الدراسة ، الذي كانت تشدني إلى بيت أسرته صورة ملكت علي جميع أحاسيسي ، وشدتني إلى عالم من الخيال والتأمل ، فكنت أسرح معها بعيدا في عالم ذلك الفارس العظيم الذي كتب إلى جانب صورته علي بن أبي طالب عليه السلام ، على فرس أبيض قد نط برجليه الأماميتين في الفضاء وهو يوجه ضربته القاضية إلى فارس آخر كتب عليه رأس الغول وقد سالت الدماء منه ، انطبعت تلك الصورة في أعماق نفسي ، لأنني قد وجدت أخيرا ما يلامس الحكايات التي كانت جدتي لأمي رحمها الله تحكيها لي ولأخوتي عن سيدنا علي بن أبي طالب عليه السلام ومعاركه الحاسمة مع رأس الغول – وقد علمت فيما بعد أنه عمرو بن ود ،وأن المعركة كانت غزوة الخندق – جدتي كانت تكبر الإمام عليه السلام وتصفه بحيدرة الأحمر – نسبة إلى ندرة مثيله كندرة الكبريت الأحمر– وحكاياتها كل ليلة من ليالي الصيف أو الشتاء لا تنتهي ، وكنا نأوي إليها بعد العشاء فتحكي لنا عن ذلك الرجل العظيم وتروي قصصا من بطولاته ، فنرهف لها السمع ونسكن حولها كأننا كبار عاقلون ، وكأن البيت لم يعد يحوي أطفالا لا يهدئون من اللهو واللعب والعبث .
يمكن اعتبار أن جدتي هي التي عرفتني بالإمام علي عليه السلام ، وتحديدا عرفتني بجانب الرجولة والبطولة فيه، وكانت الصورة التي شاهدتها متزامنة مع فترة الحكايات عنه ، فكنت أستغل الفرصة كلما قصدت بيت رفيق الدراسة ، لأمكث اكبر وقت ممكن أمام تلك الصورة المعبرة.

كبرت وكبرت معي أحلامي وآمالي ، ولم يكبر تديني لسبب لم افهمه إلا بعد أن تشيعت لأئمة أهل البيت عليهم السلام، واعتنقت إسلامهم ، وهو أن التدين الوراثي قاصر عن تقديم الحجج والأدلة والبراهين المؤيدة لهذه العقيدة أو تلك الشعيرة، مما أثر سلبا على المتدينين بالوراثة ، فعجزوا عن الدفاع عن عقائدهم أمام ادعاءات خصومهم من أتباع الأفكار المادية والعلمانية.
ومع انتمائي العقائدي الذي غلب عليه الطابع الوراثي ، أخذت عن والدي الكريم ، أعزه الله وأبقاه روحية الثورة والحماسة والشجاعة والرجولة والكرم، وهي خصال شهد له بها القريب والبعيد حتى أصبح مضرب مثل من عايشه عن قرب.
وقد كانت تلك الخصال دافعا لوالدي - الذي تربى يتيما – في مقاومة الاستعمار الفرنسي والانخراط في سلك الثوار، وحمل السلاح دفاعا عن البلاد والقيم والمبادئ التي تربى عليها، وعن والدي أخذت تلك الخصال،وبه اقتديت ، وكانت بذرة رفض الظلم وعدم الخضوع والاستكانة له، هي التي ميزت شخصيتي ، وهي التي كان لها الأثر البالغ نمو الحس الإنساني في داخلي ، وتحولت البذرة إلى شجرة مورقة ضاربة العروق في أعماق عقلي وقلبي وكياني ، وأينعت ثمارها في ضميري قناعة لا تتزحزح أبدا من أن الظلم والظالمين ليس لهم مكان في شخصي وفي حياتي ، لذلك فإنني أتقرب إلى الله تعالى بكرههم وبغضهم والبراءة منهم ومقارعتهم لو أجد لهم قوة.

واستقلت البلاد (ظاهرا) وصدقنا وصدق الناس ، وبعد مرور فترة قصيرة على ذلك سقط القناع عن النظام وظهر ضيق افقه ، وانكشفت تبعيته لفرنسا ، وبان عداؤه للدين الإسلامي ، وبدأت مظالمه وتعسفاته وممارساته الفاسدة تتكشف يوما بعد يوم، ولم تكن بقية مكونات الشعب التونسي لتقف على حقيقة ما يجري في كواليس السلطة ، لولا وجود ثلة من المثقفين ، أخذت على عهدتها فضح ممارسات النظام وتوعية أفراد الشعب ، ومقاومة تلك المظالم بالتظاهر والكتابة والخطابة، وفي غياب التدين الواعي ، لم يجرئ المتدينون بالوراثة على فعل شيء ، ولولا التحرك الطلابي والنقابي على الساحة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، لما أمكن فضح عمالة النظام البورقيبي ، وتواطئه مع القوى الاستعمارية ، في تهميش قدرات البلاد ، واستنزاف طاقاتها من أجل تفاهات أعياد الميلاد التي كانت تقام على نخب الزعيم الأوحد للبلاد، والصفقات المشبوهة التي كانت تبرم مع شركات الكبرى الداعمة لتلك القوى.

في ذلك الوقت لم يكن في الساحة السياسية إسلاميون، لأن الإسلام السائد هو إسلام ليس فيه سياسة ، ويعتبر أنها ليست من الدين في شيء ، فقصارى جهد فقهاء المذهب المالكي لا يتجاوز إطار السلطة مهما كانت ، فموالاتها والعمل تحت ظلها واجب عندهم وان أظهر الحاكم ظلمه وفسقه .
لذلك فإنني وباعتبار النفس الثوري الذي خالط كياني ، كنت متحمسا للوقوف في وجه الظلم والظالمين ، غير مهتم بالنتيجة التي قد تسفر عنها تلك المواجهة ، ولم أجد غير اليساريين في تلك الفترة يعملون بلا كلل ولا ملل ضد النظام، ويسعون من أجل إسقاطه سلميا ، وان كان طرحهم العسكري وارد أيضا فمنظومتهم فيها نماذج من الثورات التي اعتمدت الحل العسكري للوصول إلى السلطة ونيل الحكم، وأمثلته الثورة البلشفية وثورة ماو تسي تونغ والثورة الكوبية تحت قيادة كاسترو.
كانت تربطني ببعضهم علاقات صداقة وزمالة في الدراسة ، اقترحوا علي فكرة طبع وتوزيع مناشير مناهضة للنظام فوافقت على الفور ودون تفكير، كان ذلك ربيع سنة 1974 في مدينة بنزرت،وتسببت تلك المناشير في تأجيل زيارة الرئيس 24 ساعة عن موعدها المقرر، واعتقل كافة المشاركين ، وكنت آخر المعتقلين، فقد تمكنت ليلة توزيع المناشير من الإفلات من كمين الشرطة ،بينما وقع رفيقي في قبضتهم ، وتبين بعد ذلك انه هو الذي أبلغ عنا ، لأنه قد أطلق سراحه ولم يرافقنا إلى وزارة الداخلية ولا إلى المحكمة ولا ظهر اسم ولا رسم في دفاتر البحث.
وضغط على والدي من أجل تسليمي ، فاتصل بي في المكان الوحيد الذي تصور أن يجدني فيه ، وخيرني بين أنم أغادر البلاد،أو مرافقته إلى الشرطة، لكنني خيرت أن أرافقه إلى الشرطة من أجل سلامة العائلة .
أخذني أبي إلى البيت حيث غيرت ملابسي ، ومنه إلى مركز الشرطة، وهناك وجدت رفاقي قد اعترفوا تفصيلا بالعملية، فما كان مني إلا أن اعترفت بما قمت به ، وفي نفس اليوم نقنا إلى وزارة الداخلية ، ومنها إلى السجن المدني ، وبعد ذلك حوكمت بسنة سجنا من أجل طبع وتوزيع مناشير مناهضة للنظام، ومحرضة على الثورة.

عرفت السجن من الداخل، وشتان ما بين من رأى السجن من خارجه ، وبين من عاينه من الداخل ، وعاش فترة من عمره بين جدرانه وزنزاناته ، لم يكن ذلك ليفل من عزمي ، ولا أحبط معنوياتي ، فقد وجدت الإحاطة من والدي، الذي طيب خاطري في أول زيارة لي في السجن، فكان ذلك الشحن المعنوي دافعا قويا لي لتحدي الظلم بكافة أشكاله ، وعدت إلى الزنزانة بعد تلك الزيارة ، وأنا أكاد أطير من الفرح ، لما استشعرته من ذلك القلب الكبير الذي رباني على مكارم الأخلاق ، ورفعة القيم الإسلامية،فلم أشعر بالنقيصة وأنا بين السجان وجدران الزنزانة، وتحول الضيق إلى فضاء رحب من التفكر والرجاء ، إلى أن صدر مرسوم رئاسي قضى بإطلاق سراحنا، قبل أشهر من نهاية العقوبة ، ووجدت نفسي من جديد في معترك الحياة، بعيدا عن الدراسة، وأجوائها المليئة حركة وحياة.
عدت إلى مدينة قابس سنة 1980 بعد أن فارقتها سنة 1963 ، كأنما قدر لي أن أعود إلى أجواء الصورة التي كنت شاهدتها في صغري ، وأجواء حكايات جدتي رحمها الله ،عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، وكأنما قدّر لتلك البقعة أن تكون، منطلق الرؤية والتصور الجديد عن الإمام عليه السلام.

كنت أعرف جيدا أن لي بها ابن عم ، وكان أول عمل قمت به عند وصولي، التوجه إليه ، فاستقبلني ورحب بي ، وأعلمته بأنني جئت أبحث عن عمل يناسب اختصاصي ، ولم يدم بحثي طويلا،إذ سرعان ما وجدت عملا في إحدى شركاتها الكبرى .
وباشرت عملي بحمد الله تعالى، وكان علي أن أتزوج سريعا، فقد بلغت من العمر 27 سنة ، وتزوجت في صيف تلك السنة مودعا العزوبية،واستقررت في بيت مستقل أنا وزوجتي ، تقاسمت فيه معها تقلبات الزمن وابتلاءات قضاء وقدر الله تعالى ، ورزقنا ذرية طيبة، والحمد له على نعمائه التي لا تحصى.
في تلك الفترة كنت أتردد على ابن عمي ، وكان فيما مضى منتميا إلى حركة الاتجاه الإسلامي التي عرفت فيما بعد بحركة النهضة، لكنه وبسبب خلاف حصل بينه وبين قياداتها انفصل عنها ، وبدأ بحثه عن بديل مقنع يعوض انتماءه القديم ، إلا أنني لم أواكب سفراته التي قام بها إلى أقطاب الطرق الصوفية ، وحدثني عنها حديثا عابرا، لأنها لم تحرك فيه رغبة بالانتماء إليها ، ولم تقنعه في فصلها الواضع للدين عن الحياة.

في أحد الأيام ، قصدت بيت ابن عمي ولما انتهيت إليه ، حدثني قائلا: هل تعرف شيئا عن الشيعة؟
فأجبته بالنفي. فقال:لقد كنت ذهبت منذ مدة إلى مدينة قفصة (مدينة تقع غرب مدينة قابس ، وتبعد عنها 146 كلم تمتاز بمناخ جبلي صحراوي يغلب عليه البرد الشديد في الشتاء والحرارة المرتفعة في الصيف) لمقابلة الشيخ التيجاني السماوي ، والتعرف على المذهب الشيعي الذي إعتنقه منذ سنوات، عن طريق أحد الإخوة العراقيين، وعاد إلى تونس وهو يدعو الناس إليه.
فقلت له : وهل أخذت فكرة جيدة عن التشيع منه؟
فقال: لقد تناقشت معه حول عدد من المسائل ، ولكنني لم أقتنع بكلامه ، فعدت منه مشوش الفكر متشككا، على أمل البحث .
قلت : وكيف يتسنى لك ذلك وكتب الشيعة غير موجودة عندنا؟
قال: القضية ليست متعلقة بكتب الشيعة ، لأن ما احتج به الشيخ التيجاني علي لم يخرج من دائرة السنة التي أنتمي إليها ، فكتب الصحاح والمدونات الروائية السنية الأخرى هي المصادر التي كان يحتج بها علي (سكت قليلا ثم قال):لقد أرسل إلي الشيخ التيجاني السماوي منذ أيام كتابين ، الأول هو كتاب المراجعات للسيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي رضوان الله تعالى عليه ، والثاني كتاب دلائل الصدق للشيخ المظفر رضوان الله تعالى عليه. ولدي الآن رغبة في مطالعتهما ، فهل ترافقني في التعرف على هذا الفكر؟
فوافقته على الفور، وجرت إجابتي على لساني كأنما هناك شيء يدفعها إلى الموافقة دفعا.
كان ذلك صيف سنة 1981 ، مع العلم أنني كنت منتميا إلى حركة الاتجاه الإسلامي إلى غاية تلك الفترة، فلما تشيعت وأعلنت تشيعي إلى أعضاء تلك الحركة، وجدت منهم فتورا وعدم توافق في الرأي،فانقطعت عنهم .

بدأت جلسات مطالعة كتاب المراجعات ، فإذا هو كتاب يحتوي على لقاءات ومراسلات جرت بين السيد عبد الحسين وشيخ جامع الأزهر في تلك الفترة ، والمدعو بالشيخ سليم البشري، يعني أنه حوار ونقاش بين عالمين: الأول شيعي عراقي المولد لبناني النشأة ينحدر نسبه إلى الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق عليهما السلام ، والثاني مصري النشأة والمولد قلد مشيخة الأزهر الشريف في تلك الفترة من الزمن ، كان لقاءهما الأول في القاهرة، وتعددت للودّ الذي نشأ بينهما ،والرابطة التي اتفقت رغبتهما على إنشائها فيما بعد للتقريب بين المدارس الفقهية الإسلامية ، والتأسيس لروح الأخوة الإسلامية في شكل رابطة التقريب بين المذاهب الإسلامية، هذه التي نتمنى أن تعمّ كافة علماء الأمة الإسلامية، لتجني من ورائها وحدة الكلمة والصف.
كان الحوار علميا إلى أبعد الحدود ، وكان الشرط الذي وضعه شيخ الأزهر، هو الاستدلال على أحقية الإمام علي عليه السلام على إمامته العامة، وولايته لأمور المسلمين التي قلده النبي صلى الله عليه وآله وسلم إياها،من خلال اعتماد النصوص الصحيحة المدونة عند أهل السنة في كتبهم المشهورة، باعتبار أن قراءة نفس تلك النصوص من المنظور السني، لم تسفر إلا على نتيجة مخالفة تماما ما وصل إليه أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم.

بدأنا في قراءة المراجعات مراجعة مراجعة ، فكنت كلما انقضى الزمن المخصص للمطالعة ، إلا وغادرت بيت ابن عمي متلهفا إلى الموعد القادم ، ورأيتني في تلك الأيام أكثر تحفزا واشد حماسة ، وأدق موعدا، وأرهف حسا من قبل ، ولم نأت على آخر صفحات كتاب المراجعات، إلا وتيقنت تمام اليقين، بأحقية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في قيادة الأمة الإسلامية، بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

استطاع صاحب كتاب المراجعات، أن يثبت من خلال النصوص التي استدل عليها من مصادر أهل السنة ، أحقية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في الإمامة العامة، باعتباره المؤهل أكثر من غيره لقيادة الأمة الإسلامية ، وليكون المرجع الأثبت والأصح، في ما يتعلق بالأحكام الشرعية ، مما دفع بشيخ جامع الأزهر، إلى الاعتراف بتوضيحات السيد ، والإقرار بنتيجة البحث المتداول بينهما في مسألة الإمامة، من حيث كون الإمامة رديف النبوة ، ودورها يتجاوز إطار الحكومة، ليشمل مقام حفظ التشريع الإسلامي ، ووجوب التعيين فيها على الله تعالى، ضرورة تطلبتها مرحلة ما بعد النبوة، وبيان ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجب ، يندرج في إطار التبليغ الموكل به، وقد نص المولى على ذلك وبلغ نبيه صلى الله عليه وآله وسلم الأمة ، ونصّب عليا عليه السلام في منصرفه من حجته المعروفة بحجة الوداع ، يوم الثامن عشر من ذي الحجة ،من السنة العاشرة من الهجرة، في موضع يسمى غدير خم ، قبل أسابيع قليلة من وفاته صلى الله عليه وآله وسلم،وقد قام قبل ذلك بنفسه بتهيئة وإعداد الإمام علي عليه السلام لتلك المهمة الجسيمة ، فرباه وعلمه ورعاه وأحاطه بعنايته الفائقة وتربيته ورعايته الإلهية ، مما أثار حفيظة المناوئين، وأشعل حسد وبغض عدد من الصحابة لعلي عليه السلام ، ولما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على وجوه الناس ومن خلال أفعالهم ما قذف به صدأ قلوبهم من كراهية وحسد وحقد على علي وأهل بيته عليهم السلام ، حذرهم تحذيرا شديدا في أكثر من مناسبة ، وبعد كل ظهور لذلك الإحساس البغيض ، من ذلك أنه قال لبريدة الأسلمي : لا تبغض عليا فان عليا لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق." وزوجه سيدة نساء العالمين عليها السلام ، بعد أن رد كل من طلبها للزواج ، عندما جاءه أمر الوحي بذلك ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : لو لم يكن علي لما كان لفاطمة ند.." وهو الوحيد الذي لم يتأمّر عليه أحد عدا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بينما تأمّر هو عليه السلام على البقية من تأمّر، وأمره صلى الله عليه وآله وسلم بغلق كافة الأبواب المشرعة على المسجد إلا بابه وباب علي وفاطمة ، وقد احتج منهم من احتج على ذلك القرار لكنه أجابهم بأن الله سبحانه وتعالى أمره بذلك، وعزل ابن أبي قحافة من إمارة الحج وإرسال علي عليه السلام بدله أميرا دليل على أن مسألة الإمارة لا يصلح لها أحد وعلي عليه السلام موجود ، فكانت كل تلك الأعمال والإشارات والبيانات ، تعريفا بمقام علي عليه السلام ، تهيئة للمسلمين بقبوله إماما وقائدا وعلما عليهم ، يسلك بهم طريق الرشاد، ويهديهم سواء السبيل.

و مهد صلى الله عليه وآله وسلم لعملية تسليم السلطة لعلي عليه السلام من بعده، بشكل يهيئ الأمة لتقبل ذلك، بالنص على أفضليته ، وأحقيته بمنصب الإمامة، ولياقته بموضع القيادة، على رأس هرم السلطة ، وخصائصه التي يتميز بها عن غيره ، في عدد من الأحاديث المتفق على صحتها ، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام:" أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ."لما تركه خليفة له على المدينة ،وخرج لغزوة تبوك ، تسبا من مؤامرة المنافقين.
لكن الأمة أبت أن تسمع وتطيع وحصل لها ما حصل لبني إسرائيل عندما تجلوا تعيين موسى لهارون أخاه خليفة له عليهم ، واستضعفوه وكادوا يقتلونه كما صرح بذلك القرآن الكريم.

ومن المراجعات انتقلنا إلى مطالعة كتاب دلائل الصدق للشيخ المظفر قدس سره، فترسخت قناعاتي ، وتجذر إيماني بحقيقة أهل البيت عليهم السلام ، وصحة عقيدتهم ونقاوة أركانها وسلامة بناءها ، ودقة تحليلها للمسائل، وإجاباتها المنطقية على الإشكالات المطروحة ، وردودها المفحمة على الطاعنين، فأعلنت تشيعي ، وأظهرت عقيدتي في الوسط الذي كنت أعيش فيه ، وتحملت المسؤولية في نشر الإسلام المحمدي، الذي نقله أئمة أهل البيت عليهم السلام الاثني عشر، عن جدهم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان ذلك منطلقا فعليا وبداية مثمرة للدعوة إلى التشيع الامامي الاثني عشري ، فلم تمر سنوات قليلة حتى أصبح التشيع متواجدا داخل أسوار الجامعة التونسية ، ومنه إلى الأسر والقرى والمدن ، رغم قلة الموارد ،وضيق ذات اليد، من أن تفي بكل متطلبات الدعوة، من تنقل وشراء للكتب، وطبع للدراسات وتوزيعها على الراغبين في مطالعة الفكر النيّر، لمن أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ..

خاتمة المطاف
الآن وبعد أن انتهينا من جميع إفادات الإخوة الكرام، يمكننا أن نلخص الأسباب التي دعت الإخوة الحاضرين إلى اعتماد إسلام أهل البيت عليهم السلام ، والتشيع لهم ، وترك ما دونه من أسلام منسوب إلى الصحابة ، وما هو في حقيقته غير خليط من حق وباطل أسسه الطغاة من بني أمية على مدى أكثر من قرن، سهر على غرسه حكامهم في أجيال الأمة ، فنشأ سوادهم على ذلك ، والناس على دين ملوكهم.

وبتتبعنا للحجج التي دفعت بهؤلاء الباحثين إلى اعتبار أن الإسلام الشيعي الامامي الاثني عشري هو الإسلام المحمدي الصحيح الذي لم تشبه شائبة التحريف ، ولا أصابه نزق الظالمين، نجد أن تلك الحجج قد انقسمت في مجموعها إلى محورين أساسيين :
المحور النقلي والمعبر عنه بالروائي ، حيث اعتمد علماء المسلمين الشيعة فيه على النصوص التي هي عند مخالفيهم ، كأساس أول في الاحتجاج، وهي مقسمة بدورها إلى قسمين:

القسم العقائدي
وقد أعطى للتوحيد حقيقته ، من حيث ذات الله تعالى المقدسة وصفاته ووضعها موضعها ، وقد سلك مسلكا تنزيهيا واضحا ، نفى عنه كل ما ادعاه غيرهم من تحقق رؤيته في الدنيا والآخرة ومصاحبته إلى الجنة،وأعطوه حقه في العدل بينما نسبه غيرهم إلى الظلم.
كما أعطى الإسلام الشيعي النبوة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام موضعهم الذي يستحقون، فنفوا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل الروايات المكذوبة التي شوهت الكتب التي تلقب بالصحاح ، والتي تمس من شخصه وتحط من كرامته ، كالادعاء عليه بأنه كان يطوف على نسائه التسع في ليلة واحدة وبغسل واحد ، وتبوله قائما في سباطة قوم،وحبه لسماع الباطل ، ومشاهدته لامرأة عارية تغتسل وتسبيحه لذلك الجمال، والادعاء بسحره من طرف يهودي ، وتذكير قارئ له بما نسيه من قرآن ، وأمره لامرأة بإرضاع شاب نبت في ذقنه الشعر ليصبح ابن زوجها، وعبوسه لمجيء أعمى ، ومحاولاته المتكررة الانتحار عندما ينقطع عنه الوحي ، فينقذه جبريل في آخر لحظة ..إلى غير ذلك من الترهات والأباطيل التي اعتمدها المخالفون للإمامة الإلهية، كما نفوا عن بقية الأنبياء عليهم السلام ما نسب إليهم من كذب وظلم ، وأقروهم على عصمتهم التي يجب أن يكونوا جميعا عليها ، لضرورة البعثة وما تتطلبه من مثال كامل الصفات والخصائص لا تشوبه شائبة تعيبه وتعطل دورة ، وتقلل من حجته.

القسم التشريعي
وقد أظهر أئمة أهل البيت عليهم السلام وعيا كاملا بالشريعة الإسلامية ودقائق تفاصيلها ، من أبسط الأحكام إلى أعقدها ، بينما تاه غيرهم في مسائل لا تتطلب غير تطبيق ظاهر الآية ، كآية الوضوء مثلا ، والبسملة في الصلاة مفروضة كانت أم مسنونة.
أما المحور العقلي فقد تميز إسلام أهل البيت عليهم السلام بإعطاء العقل المستنير مكانته في البحث والتحليل والاستنباط ، وفق الشروط المؤهلة لذلك ، وبفضل العقل أمكن الوصول إلى الحقائق والاطلاع عليها، ومن خلال المقارنة والموازنة بين النصوص اثبتوا بالعقل ما يجب في التوحيد من تنزيه مطلق ، والنبوة والإمامة من تعيين وعصمة ، ودفع الشبهات عنهما ..
في أجواء مليئة بالطمأنينة والارتياح ، وفي خاتمة لقاء تميز بانفتاح قلوب وعقول شاءت لنفسها ، وأراد لها الله سبحانه وتعالى أن تسلك طريق الهدى،
اختتمت جلسة الإفادة ، وانفض جمعها ، وتفرق الإخوة المؤمنون منها كل إلى جهته ، آملين أن تكون لإفاداتهم التي أدلوا بها بخصوص تشيعهم لأئمة أهل البيت الاثني عشر عليهم السلام، الذين نص عليهم المولى سبحانه وتعالى، ليكونوا حفظة دينه بعد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وحكاما بشريعته ، وولاة لأمور مسلميه.. النتيجة المرجوة لمن لم يتعرف على دوافع ترك المسلمين لمذاهبهم التي تعبدوا بها زمنا، واعتنقوا بدلها منهج الإسلام الشيعي الامامي الاثني عشري – نسبة إلى الأئمة الاثني عشر الذين نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكونهم أئمة للمسلمين–
ظاهرة الانتقال من التسنّن إلى التشيّع والتي ظهرت هنا وهناك في مختلف مناطق العالم ، أرقت وتؤرق أنفسا وحكومات واستوطنت الشر وتوطنت عليه ، فاندفع منها من اندفع مستميتا يطلب إطفاء نور الهداية إلى أئمة الهدى ومصابيح الدجى والعروة الوثقى وحبل الله المتين الذي لا ينقطع ، وسائلهم في تلك المخططات وأدواتهم لبلوغ تلك الغايات الادعاء بالباطل ، واللجوء إلى الكذب الذي استجار به من سبقهم إلى سوق الوهم ، ووهن عزمهم في النهاية ، ولم يستطيعوا وقف شيء من ذلك المد القادم ليحق الحق بكلمات الله التامات ، ويتم الله نوره رغم أنوف الظالمين وأعوانهم من الكاذبين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العلمين.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة