المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمود جلال خليل - مصر - 17 رمضان 1427 - بطحة الجمل
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمود جلال خليل
الدولة : مصر
المساهمة :

بطحة الجمل

سوف تظل وقعة الجمل مثل البطحة على راس الجسد السني رغم أنه حاول طويلا ومرارا أن يداويها ولكنه كان يفشل في كل مرة فحاول أن يداريها ولكنه فشل أيضا , لذلك ابقي عليها كما هي وعلى ما بها من جروح وقروح ملتهبة تهيج ويهيج معها الجسد كله كلما لمسها احد أو حتى أشار إليها من بعيد , بينما تجد أن الشيعة يطيب لهم أن يتذكروا هذه الواقعة بل ويحيوها مع وقعة صفين والنهروان ومن بعدها كربلاء ومن قبلها السقيفة رغم أنهم كانوا الطرف الخاسر في كل هذه الوقائع وانتهت جميعها بهزيمتهم وقتلهم والتمثيل بجثثهم إلا أنها جسدت وإلى حد بعيد وعلى أوضح ما يكون مظلومية أهل بيت النبوة وكيف كانوا هم الطرف المظلوم والمعتدى عليه والذي سلب حقه وملكه وإرثه وفدكه حتى قتل السبطين الحسن والحسين.

أما فقهاء أهل السنة والجماعة فهم ومنذ أمد بعيد فقد أغلقوا دون وقعة الجمل أبوابا ومنعوا أتباعهم من الحديث فيها والغور في أحداثها وعابوا على ابن عبد البر كتابه ( الاستيعاب ) لأنه تناول فيه ما شجر بين الصحابة  وكانوا يقولون ( أن الله نجا منها أيدينا فلا نخوض فيها بألسنتنا )!!!
رغم أن الأمة مازالت وإلى اليوم تعاني آثار هذه الحروب ومعها صفين والنهراوان والتي انقسم بعدها المسلمون إلى شيعة علي وشيعة معاوية وهم الذين عرفوا فيما بعد بأهل السنة والجماعة , أما سبب إعراضهم عن الحديث في وقعة الجمل وما بعدها وما قبلها فليس لأن خروج عائشة ومن معها طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام (رض) على الإمام علي لم يكن له ما يبرره وأنه تسبب في شق الصف المسلم وإراقة الدماء وقتل أكثر من ثلاثة عشر ألف من الصحابة والتابعين , وليس لأن الوقعة انتهت بهزيمة جيش ومن تبعها وهي من اللاتي أمرهن الله أن يقرن في بيوتهن , ولكن لأن وقعة الجمل تهدم الطرح السني كله بجميع أطروحاته وقواعده وأولها قاعدة (( عدالة الصحابة )) التي يقوم عليها مذهب أهل السنة والجماعة , فكيف هذا ؟

عرّف الناس الصحابي بأنه: هو كل من صحب النبي (ص) أو رآه سنة أو شهرا, أو يوما أو ساعة ,ووصفوا العدالة بأنها: أهلية قبول الشهادة والرواية عن النبي (ص) وقال الغزالي في معنى هذه الأهلية أنها عبارة عن استقامة السيرة والدين وحاصلها يرجع إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه وذلك إنما يتحقق باجتناب الكبائر وبعض الصغائر وبعض المباحات.

فأين كل هذا من آلاف القتلى من الصحابة والتابعين الذين وقعوا في وقعة الجمل وصفين والنهراوان ؟ وكيف نفهم عشرات الأحاديث النبوية الشريفة التي تحكم العلاقة بين المسلم والمسلم مثل قوله (ص) إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار , وكيف نفهم قوله (ص) سب المسلم فسوق وقتاله كفر , وقوله (ص) كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه , فإذا علمنا أن رسول الله (ص) حذر عائشة صراحة من الخروج لقتال الإمام علي وأخبرها باسم الجمل الذي ستركبه في خروجها وغيره من العلامات فماذا بعد ؟ 

كانت عائشة بمكة ، وقد خرجت إليها قبل أن يقتل عثمان ، فلما كانت في بعض طريقها راجعة إلى المدينة لقيها ابن أم كلاب ، فقالت له : ما فعل بعثمان ؟ قال : قتل ! قالت : بعدا وسحقا ، فمن بايع الناس ؟ قال : طلحة . فأسرها ذلك وقالت : إيه ذو الإصبع , إيه أبا شبل لله أبوك ...  ثم لقيها آخر ، فسألته : ما خبر الناس ؟ فقال لها : بايعوا عليا !!! فقالت : والله ما كنت أبالي أن تقع هذه على هذه ، ثم رجعت إلى مكة . فانصرفت إلى مكة وهي تقول : قتل والله عثمان مظلوما ، والله لأطلبن بدمه ! فقالوا لها : ولم ؟ والله إن أول من أمال حرفه لأنت ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلا فقد كفر . قالت : إنهم استتابوه ، ثم قتلوه ، وقد قلت وقالوا ، وقولي الأخير خير من قولي الأول , فقال لها أبن أم كلاب :

فمنك البداء ومنك الغير ***** ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام ***** رجاء لنا إنه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله ***** وقاتله عندنا من أمر
ولم يسقط السقف من فوقنا ***** ولم تنكسف والقمر
وقد بايع الناس ذا تدرإ ***** يزيل الشبا ويقيم الصعر
ويلبس للحرب أثوابها ***** وما من وفى مثل من قد غدر   

ومن المعروف أن عائشة كانت من أشد المؤلبين على الخليفة عثمان , وكثيرا ما أخرجت قميص رسول الله (ص) ونصبته في المسجد وقالت هذا قميص رسول الله (ص) لم يبل وعثمان قد أبلى سنته , بل كانت تحرض على قتله بقولها ((اقتلوا نعثلا قتله الله .... اقتلوا نعثلا فقد كفر )) , وقد دعاها مروان أيام كان عثمان محاصرا ، فقال لها : يا أم المؤمنين ، لو قمت فأصلحت بين هذا الرجل وبين الناس . فقالت : قد فرغت من جهازي وأنا أريد الحج . قال : فيدفع إليك بكل درهم أنفقته درهمين . قالت : لعلك ترى أني في شك من صاحبك ؟ أما والله لوددت أنه مقطع في غرارة من غرائري ، وأني أطيق حمله ، فأطرحه في البحر 

ثم إن طلحة والزبير (رض) استأذنا علي في العمرة فأذن لهما بالخروج , فأتيا مكة ولقيا عائشة فسمعا عنها طلبها بدم عثمان فوافقاها على طلبها , وطلحة هو ابن عمها والزبير ختنها , ثم جرى بينهم حديث طويل فقالت عائشة : نأتي الشام , فقال ابن عامر قد كفاكم معاوية الشام , فأتوا البصرة , فإن لي بها صنائع ولهم في طلحة هوى , ولما علمت أم سلمة (رض) بعزم عائشة (رض) على الخروج إلى البصرة أتتها وقالت لها يابنة أبي بكر ما  أنت قائلة لو أن رسول الله عارضك بأطراف الفلوات ، قد هتكت حجابا قد ضربه عليك  ؟ وقالت لها : أفأذكرك ؟ قالت : نعم . قالت أم سلمة : أتذكرين إذ أقبل عليه السلام ونحن معه ، فخلا بعلي يناجيه ، فأطال ، فأردت أن تهجمين عليهما ، فنهيتك فعصيتني ، فهجمت عليهما ، فما لبثت أن رجعت باكية ، فقلت : ما شأنك ؟ فقلت : إني هجمت عليهما وهما يتناجيان ، فقلت لعلي : ليس لي من رسول الله إلا يوم من تسعة أيام ، أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي ! فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي وهو غضبان محمر الوجه ، فقال : (( ارجعي وراءك ، والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الإيمان )) ؟ قالت عائشة : نعم أذكر . قالت أم سلمة : وأذكرك أيضا ، وكنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر له ، فقعد في ظل سمرة ، وجاء أبوك وعمر فاستأذنا عليه ، فقمنا إلى الحجاب ، ودخلا يحادثانه فيما أرادا ، ثم قالا : يا رسول الله ، إنا لا ندري قدر ما تصحبنا ، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ، ليكون بعدك مفزعا ؟ فقال لهما : (( أما إني قد أرى مكانه ، ولو فعلت لتفرقتم عنه ، كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران )) فسكتا ، ثم خرجا . فلما خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلت له ، وكنت أجرأ عليه منا : من كنت يا رسول الله مستخلفا عليهم ؟ فقال : (( خاصف النعل )) . فنظرنا ، فلم نر أحد إلا عليا ، فقلت : يا رسول الله ، ما أرى إلا عليا . فقال : (( هو ذاك )) ؟ فقالت عائشة : نعم ، أذكر ذلك . فقالت لها : فأي خروج تخرجين بعد هذا , وقالت لها أيضا :  أتذكرين يوم أراد رسول الله (ص) سفرا فقال ليت شعري ! أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب ؟ فرفعت يدي وقلت أعوذ بالله أن أكونها , فقال : والله لابد لإحداكن أن تكونها , اتقي الله يا حميراء أن تكونيها , أتذكرين هذا يا عائشة , قالت نعم  , وقالت ما أقبلني لوعظك , وأسمعني لقولك , فإن أخرج ففي غير حرج وإن أقعد ففي غير بأس , فخرج رسولها فنادى في الناس : أن أم المؤمنين غير خارجة , فدخل عليها عبد الله بن الزبير فنفث في أذنها , وفتلها في الذروة والغارب , فخرج رسولها ينادي : من أراد أن يسير فليسر فإن أم المؤمنين خارجة , فأغلظت لها أم سلمة القول , فقالت لها عائشة : شتمتني يا أخت , فقالت لها أم سلمة : ولكن الفتنة إذا أقبلت غطت على البصيرة , وإذا أدبرت أبصرها العاقل والجاهل .

وطلبوا من حفصة المسير معهم إلى البصرة فأجابتهم , فمنعها أخوها عبد الله بن عمر. وناد مناديها أن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة , فمن أراد إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان , وليس له مركب وجهاز فليأت , وأعطى يعلى بن أمية عائشة جملا اسمه عسكر اشتراه بثمانين دينارا فركبته , فساروا فيما يقرب من ألف رجل من أهل مكة والمدينة ومعهم أبان والوليد ابنا عثمان ومروان بن الحكم وسائر بني أمية .

روى الحاكم في مستدركه قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي حدثنا يعلى بن عبيد ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم  قال : لما بلغت عائشة بعض ديار بني عامر نبحت عليها الكلاب فقالت : أي ماء هذا ؟ قالوا الحوأب قالت : ما أظنني إلا راجعة فقال  الزبير : لا بعد تقدمي و يراك الناس و يصلح الله ذات بينهم قلت : ما أظنني إلا راجعة سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : كيف بإحداكن إذ نبحتها كلاب الحوأب  . فأتاها القوم بأربعين رجلا ، فأقسموا بالله أنه ليس بماء الحوأب ! ! وأتى عبد الله بن الزبير فحلف لها بالله لقد خلفته أول الليل ، وأتاها ببينة زور من الأعراب فشهدوا بذلك . فزعموا أنها أول شهادة زور شهد بها في الإسلام ! وجاءها محمد بن طلحة ، فقال لها : تقدمي - يرحمك الله - ودعي هذا القول  

وهكذا سارت عائشة إلى البصرة أو سير بها لقتال الإمام علي والمطالبة بدم عثمان , وفي الطريق إلى البصرة دخل الإمام علي على السيدة أم سلمة وكان بينهما هذا الحوار :
قال الحاكم : حدثني  أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي  من أصل كتابه ، حدثنا  الحسن بن علي بن شبيب المعمري ، حدثنا عبد الله بن صالح الأزدي ، حدثني محمد بن سليمان بن الأصبهاني ، عن سعيد بن مسلم الملكي ، عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت : لما سار علي  إلى البصرة دخل على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم فقالت : سر في حفظ الله و في كنفه فو الله إنك لعلى الحق و الحق معك و لولا أني أكره أن أعصى الله و رسوله فإنه أمرنا صلى الله عليه و سلم أن نقر في بيوتنا لسرت معك و لكن و الله لأرسلن معك من هو أفضل عندي و أعز علي من نفسي ابني  عمر .

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة