المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 4 شوال 1427 - هل أوصى النبي صلى الله عليه وآله ؟
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

هل أوصى النبي صلى الله عليه وآله ؟

الوصية في الإسلام، هي من الفرائض التي أوجبها الشارع المقدس، ونزل فيها من الذكر ما نزل تعظيما لحقها، وإنفاذا لأمرها، وإمضاء لحكمها،قال تعالى:" كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين."(1)
وجرت سنة الله تعلى في الأنبياء والمرسلين عليهم السلام منذ آدم عليه السلام، إلى نبينا الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم،  أن يوصي كل مفارق منهم للدنيا، بمن يراه الوحي أهلا لحفظ الشريعة، وقيادة الأمة وتوجيهها وهدايتها،  قال تعالى:" ووصى بها إبراهيم وبنيه يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون."(2)
وقد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهميتها بما جاء في هذه الرواية:
عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه( وآله)  وسلم قال:" ما حق إمرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ."(3)
وجاء الحفاظ والفقهاء بعد ذلك، فخصصوا في كتبهم بابا للوصية، باعتبارها عملا واجبا، منصوصا عليه من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم،وبذلك لم يعد هناك أدنى شك في وجوب الوصية على جميع المكلفين.
إلا أن  الذين مضوا في طريق إنكار تعلق وصايا الأنبياء عليهم السلام، والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم،بمن سيلي الحكم من بعد رحيلهم عن دار الدنيا، فالتجئ رواتهم وحفاظهم إلى إنكار كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوصى مطلقا، وارتبكوا في إخراج الروايات فخلطوا خلطا وخبطوا خبطا كانوا يريدون من ورائهما حجب الحقيقة عن المسلمين، وإظهار أول من  أنكر الوصية مظهر الصادق،  بينما هو كاذب مفتر على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
محور الكلام متعلق بالسؤال الذي جعلته عنوانا للبحث وهو: هل يوجد في كتاب الله، ما يفيد أن الأنبياء مكلفون بالتنصيص على من سيلي أمور أممهم  بعد رحيلهم؟ وهل أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بعدما أكد على وجوب الوصية؟

الاستخلاف والوصية في الأمم السابقة
لا يمكن الحديث عن الوصية دون ذكر الاستخلاف،لأن مقصدنا من الحديث عن الوصية، منصرف إلى مسألة استخلاف الأنبياء عليهم السلام عموما، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم على وجه الخصوص.
لقد دل لجوء الملإ من بني إسرائيل إلى أحد أنبيائهم، بأن يختار لهم قائدا بعده،على مشروعية التنصيص الإلهي للقيادة، من بعد الأنبياء عليهم السلام، ولما جاء اختيار الوحي لطالوت عليه السلام، تمرد من تمرد وتذمر من تذمر، واعترض من اعترض على ذلك الاختيار، بسبب لم يكن كما كانوا يتوقعونه من مقايساتهم وترجيحاتهم .
قال تعالى :"ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا قالوا وما لنا لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين* وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله قد اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم". (4)
وقد بين النبي عليه السلام في رده على المعترضين بأن المسألة ليست من مشمولاته وإنما هي اصطفاء من الله تعالى واختيار منه، لعلمه بسرائر مخلوقاته وحقائقهم الباطنة التي لا يستطيع أحد أن يدركها إلا هو جل شأنه، واختياره الذي أراده وأمضاه، ما هو في حقيقته إلا لطف من ألطافه به يأمن الناس من الانحراف والزيغ والضلال .

عصمة المستحفظين شرط في الاستخلاف
لا شك أن الكتاب العزيز وحده يحتاج إلى ترجمان، يرفع اللبس عن كثير من الآيات المبهمة، التي تحتمل وجوها عدة في معانيها، وقد أشار إلى تلك النقطة، باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله لابن عباس، عندما أرسله إلى محاججة الخوارج : يا ابن عباس لا تخاصمهم بالقرآن،فإن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاجهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا ." (5)
لذلك نجد من خلال هذه القاعدة أن هناك من استعمل عددا من الآيات المتشابهة لضرب الإسلام ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم، اعتمادا على حملها على غير محملها، لذلك نستطيع أن نجزم،أنه لا يمكن فهم الكتاب العزيز إلا عن طريق ثقله، الذين هم أهل البيت عليهم السلام، ودور النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيان معاني كلام الله،ومقاصد آياته، وغايات وحيه، واضح في قوله تعالى:" ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربي زدني علما."(6)
واضح لا يحتاج إلى بيان، ودور آله الأطهار في تحمل مسؤولية البيان والتعليم والإرشاد والهداية التي كان يمارسها سيدهم الأكبر صلى الله عليه وآله وسلم، واضحة كذلك من خلال النصوص التي تجمعت لدينا، والتي كشفت بشكل عملي ما قدموه للأمة الإسلامية على مدى القرون الثلاثة الأولى، والتي عاش فيها خلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم الاثني عشر عليهم السلام، حيث تجلى دورهم الكبير في حفظ الشريعة كتابا وسنة نبوية،والاستحفاظ على المكاسب التي تركها الأنبياء عليهم السلام دور لا يمكن للوحي أن يهمله ويتركه للناس، لأنه الضمان الوحيد الذي يمنع التحريف من مخالطة الدين النقي الصافي.
وذلك الدور يستوجب أن يكون المضطلع به معصوما من الخطا منزه عن الزلل لحاجة القائم به إلى ملكة تكون أساسا للحفظ ودعامة للتطبيق، وتتجلى هذه الخاصية بالنسبة للنبي طالوت عليه السلام في قوله تعالى : وزاده بسطة في العلم والجسم. أي إن طالوت عليه السلام كانت له بسطة في العلم والجسم، ولكي يتأهل للقيام بالدور المناط به زاده الله تعالى بسطة أخرى، وفي ذلك دليل على ضرورة العصمة في حالة الاصطفاء.
أما بالنسبة لأمتنا الإسلامية،فقد ظهرت أدلة عصمة أهل البيت عليهم السلام في مواضع عديدة من الكتاب والسنة، زادتها وضوحا سيرتهم العطرة في الأجيال الإسلامية التي عاشوا بين ظهرانيها .
أما في الكتاب العزيز فقد دلت آية التطهير على عصمتهم عليهم السلام، وهي قوله تعالى :" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا."(7)
فإذهاب رجس الشيطان وشدة تطهير النفس عاملان يفيدان عصمتهم عليهم السلام
كما دل قوله تعالى:" أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ."(8) على عصمتهم،
فطاعة أولي الأمر الذين أمرنا الله تعالى بها تفيد عصمتهم لانتفاء وجود النقيضين في أوامر الله تعالى، كأن يأمرنا بطاعة غير المعصوم ثم يحاسبنا على أخطائه، لذلك فإن من أمرنا الله تعالى بطاعتهم معصومين من الخطا، ولقوله تعالى أيضا في بيان من هم أولي الأمر:" وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف ذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول والى أولي المر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم."(9)
وقد ثبت في التاريخ والسيرة بما لا يدع مجالا للشك من أن عليا عليه السلام كان الوحيد الذي كان الصحابة يرجعون إليه كلما أشكل عليهم أمر وعسرت عليهم مسألة، حتى إن الخليفة الثاني كان يردد في كل مرة لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن، وتصدى الأئمة من ولده لنفس الدور، وقاموا مقامه في الذب عن الدين والشريعة، واستحقوا بحق لقب أئمة وهداة ومعلمي الأمة الإسلامية، ومستحفظي دستورها من التحريف والتأويل المخالف لروح النصوص.
أما ما جاء مخبرا على عصمة أهل البيت عليهم السلام في السنة المطهرة، فحديث الثقلين الذي دل مضمونه في التقاء الكتاب بالعترة وعدم افتراقهما على عصمة علي عليه السلام وأهل بيته الطاهرين .
كما دل حديث المنزلة على أن عليا معصوم من الخطا، تماما كعصمة هارون عليه السلام،لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستثن من المنازل غير النبوة.

تضارب الروايات عند العامة بشان الوصية والاستخلاف
الروايات التي أخرجها حفاظ خط السقيفة متناقضة فيما بينها، فقسم نفى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى مطلقا، أهم رواته عائشة التي قالت بعدم وجود وصية مستدلة في ذلك بأن النبي  صلى الله عليه وآله وسلم قد مات بين سحرها ونحرها ولم يوصي:
عن الأسود قال ذكر عند عائشة أن النبي صلى الله عليه( وآله)  وسلم أوصى إلى علي، فقالت: من قاله؟ لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لمسندته إلى صدري، فدعا بالطست فانخنث فمات، فما شعرت، فكيف أوصى إلى علي ؟(10)
عن عائشة قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه( وآله)  وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء .(11)
وقسم جاءت رواياته نافية للوصية، ومتراجعة بعد المحاجة بوجوب الوصية، بأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بكتاب الله:
حدثنا طلحة قال سألت عبد الله بن أبي أوفى :أوصى النبي صلى الله عليه ( وآله) وسلم؟ فقال: لا. فقلت: كيف كتب على الناس الوصية أمروا بها ولم يوص؟ قال :أوصى بكتاب الله .(12)
وقسم آخر أقر بالوصية ولكنه أسقط منها المهم بدعوى النسيان:
عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بثلاثة فقال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب،وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم، قال ابن عباس: وسكت عن الثالثة أو قال: فأنسيتها .و قال الحميدي عن سفيان قال سليمان: لا أدري أذكر سعيد الثالثة فنسيتها أو سكت عنها .(13)
عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى قلنا يا ابن العباس وما يوم الخميس؟ قال اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا. فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما شأنه أهجر؟ قال سفيان يعني هذى استفهموه، فذهبوا يعيدون عليه، فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه. وأمر بثلاث، وقال سفيان مرة أوصى بثلاث قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت سعيد عن الثالثة، فلا أدري أسكت عنها عمدا، وقال مرة أو نسيها و قال سفيان مرة وإما أن يكون تركها أو نسيها .(14)
وقسم أخير، جاءت رواياته مقرة بالوصية، ومتحدثة عنها بألفاظ مختلفة، تتفاوت بحسب الانتماء المذهبي للناقل، خلاصتها تقول، بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغادر الدنيا إلا بعد أن أوصى، ووضع جميع الأمور التي يحتاجها الدين، وتحتاجها الأمة مواضعها، وقد استدلوا أولا على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوصى، من خلال النصوص المعتمدة في كتب مخالفيهم، زيادة على النصوص المتواترة والصحيحة التي بحوزتهم، أما النصوص التي احتجوا بها من كتب مخالفيهم فهي كالآتي:
حديث الثقلين :
عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما (15)
عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به فحث عليه ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ثلاث مرات.(16)
حديث الثقلين من الأحاديث التي اتفق على نقلها أوعية العلم وجهابذة الحديث من أمثال مسلم والترمذي والنسائي أحمد بن حنبل عند مخالفي خط الإمامة الإلهية، وهو وان كان يتضمن تصريحا شفويا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوصيته في الأمة، فان من نقله كمسلم  لم يشأ إدراجه في مكانه الطبيعي من باب الوصية فجعله في باب الفضائل وحذا حذوه بقية الحفاظ، ما عدا الدارمي الذي لم يجد غير باب فضائل القرآن، ليكتب فيه الحديث.

حديث الثقلين وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
إذا نحن تتبعنا متن الحديث، وأمعنا النظر في ألفاظه، وجدنا ضالتنا التي نبحث عنها، وهي الوصية في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقوله في الحديث الأول الذي أخرجه أحمد: "إني أوشك أن أدعى فأجيب."
وقوله في حديث الدارمي:" إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه."
إخبار منه للأمة بقرب رحيله،وإشعار لها بأهمية ما سيقوله، الذي يتضمن الوصية الواجبة عليه تجاهها، وقد فعل ذلك، فقال كما في رواية أحمد والدرامي :" وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي."
وفي رواية أخرى :" إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ."
أما ما قيل بأن النبي أوصى بكتاب الله وسنة نبيه، فان الخلاف ليس في السنة، وإنما عمن نأخذها؟
هذا مضاف إلى أن المصدر الوحيد للرواية هو مالك الذي رواها بلاغا في كتابه (17)
ورواية لا يكون فيها سند وتروى بلاغا، دليل على أن الذي أخرجها لم يأنس لسنده فقطه، أو يكون قد اختلقها من عنده، وفي الحالتين فالرواية لا يعتد بها عند أرباب علم الحديث .
وما تمسك من تمسك بالرواية المقطوعة السند إلا لإطلاق عنان السنة إلى كل راكب، فلا تكون حصرا على الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، مما يتيح المجال للوضع والاختلاق، ويوسع دائرة القيادة والحكم في بقية الناس.  
فتبين من خلال ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أوصى فعلا ولم يترك الأمة بلا قيادة بعده، تاركا لها ثقلين هامين: الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،شريعة الباري تعالى في الأمة، والأئمة الإثني عشر من أهل بيت النبوة عليهم السلام حفظة الكتاب والقائمون على الشريعة وهداة الأمة.
وبالرجوع إلى بقية الروايات، نرى أن الذين أنكروا وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يكن إنكارهم مستندا على إثبات، فعائشة التي استفزها قول القائل : إن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلامه كان تقريرا وليس استفسارا، فأرادت إنكار ذلك بالادعاء باطلا، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مات بين سحرها ونحرها، أو على صدرها في رواية أخرى، وقد فهم جميع العقلاء من خلال الروايات التي حكت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قد مات بين يدي علي عليه السلام، فكان آخر الناس عهدا به، وهو الذي أخبر بذلك،وحالات الموت عادة ما تستبعد منها النساء، لقلة صبرهن من جهة،ولاحتمال كونهن على غير طهر فيؤذي ذلك الميت،كما هو منهي عنه في كتب الفقه،
وتصوير النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الشكل الذي نقله لنا حفاظ العامة، من أنه متيم بعائشة إلى درجة إلغاء بقية نسائه والحيف عليهن، وبأبيها إلى درجة عدم اعتبار أحد معه غير صاحب السقيفة، هي شوائب من إرهاصات ظلم وشيطنة العصر الأموي،وكل ما قيل، من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقدمهما على بقية الناس، كذب وافتراء لا أصل له في الواقع.
وحقد عائشة، وبغضها وضغينتها لعلي وفاطمة والحسنان عليهم السلام، أوضح من أن نبسط فيهم المقال، وحربها المسماة باسم جملها،دليل مادي كبير يؤيد دعوى كراهيتها لعلي عليه السلام وأهل بيته،ليس هذا فقط،بل نقل عنها أنها سجدت شكرا لله، لما بلغها مقتل الإمام علي عليه السلام. ولم تنته إلى ذلك الحد، فخرجت على بغلة، معترضة مع بني أمية،على دفن الإمام الحسن بن علي عليهما السلام، في حجرة جده صلى الله عليه وآله وسلم، كل هذه الأدلة توهن كلامها، ولا تترك له قيمة، وتشدد على من بقي يحسب لكلامها ولا لشخصها حسابا أن تلحقه سمة موالاة مبغضي علي عليه السلام وفي ذلك من خطورة الخروج من الإيمان ما فيها.
وبالتفاتنا إلى قول ذلك القائل، من أن عليا وصي، يتراءى لنا تعبير واضح الدلالة،على سريان ذلك الاعتقاد بين الصحابة في العصر النبوي، وما النصوص التي حاول من حاول إلباسها على الناس وتمييعها، وتأويلها على غير وجهها،وحملها على غير محملها، إلا معاني مفهومة قديما وحديثا، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن عليا وصي، ومؤتمن على الدين والأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن قال غير ذلك فهو مبتدع ومتبع سنن المحرفين الكلم عن مواضعه.
نقل ابن عقدة بسنده عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله لفاطمة عليها السلام:"... إنا أهل بيت أعطينا ست خصال لم يعطها أحد من الأولين ولا يدركها أحد من الآخرين: منا نبيا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصيا خير الأوصياء وهو بعلك وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عم أبيك، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك، ومنا مهدي هذه الأمة الذي عيسى بن مريم يصلي خلفه .(18)
من ذلك ما قاله عدد من جهابذة الشعراء في علي عليه السلام وكونه وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، نختار منه ما يدعم الرأي السائد في تلك العصور:
حسان بن ثابت الأنصاري المتوفى سنة 55 هجرية

ألــــست أخاه في الـهدى ووصيه ***** وأعـلم مـنهم بالـكتاب وبالــسنن؟
فــــــحقك ما دامت بنجد وشـيجة ***** عــظيم علينا ثم بـعد عـلى الــيمن(19)

السيد الحميري المتوفى سنة 173 هجرية

يــــا بــائع الــــدين بــــــدنياه ***** لــــــيس بــهذا أمـــر الله
من أين أبغضت علي الوصي ***** واحـــمد قـــد كان يرضاه(20)

الناشئ الصغير المتوفى سنة 365 هجرية

ذاك عـــلي الــذي تــــفرده ***** في يوم خم بفضله اتضحا
إذ قــال بين الورى وقام به ***** معتضدا في القيام مكتشحا
من كنت مولاه فالوصي له ***** مـــولى بوحي الإله وحى
فـــبخبخوا ثــم بايعوه ومن ***** بــايع الله مــخلصا ربــحا(21)

أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي المتوفى  سنة 398 هجرية

لعلي الطهر الشهير ***** مجد أناف على ثبير
صــنو النبي محمد ***** ووصيه يوم الـغدير
وحـليل فاطمة ووا ***** لــد شبر وأبو شـبير(22)

وعلي عليه السلام حسب ما جاءنا من أخبار، لم يسلم من التشويه والطعن والسعاية به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم،  ليس حبا في الله ولا في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل من أجل إسقاط مقام علي عليه السلام، ومكانته عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم،وأصحاب تلك المحاولات أشير إليهم في عدد من الروايات نذكر منها:
عن عمران بن حصين قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية وأمر عليهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فأحدث شيئا في سفره فتعاهد قال عفان فتعاقد أربعة من أصحاب محمد صلى الله عليه ( وآله) وسلم أن يذكروا أمره لرسول الله صلى الله عليه( وآله)  وسلم قال عمران وكنا إذا قدمنا من سفر بدأنا برسول الله صلى الله عليه( وآله)  وسلم فسلمنا عليه قال فدخلوا عليه فقام رجل منهم فقال يا رسول الله إن عليا فعل كذا وكذا فأعرض عنه ثم قام الثاني فقال يا رسول الله إن عليا فعل كذا وكذا فأعرض عنه، ثم قام الثالث فقال: يا رسول الله إن عليا فعل كذا وكذا. فأعرض عنه، ثم قام الرابع فقال: يا رسول الله إن عليا فعل كذا وكذا. قال: فأقبل رسول الله صلى الله عليه( وآله) وسلم على الرابع وقد تغير وجهه، فقال: دعوا عليا،دعوا عليا، إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي . (23)
كان بودنا لو تعرفنا على أسماء هؤلاء الذين تعاقدوا على الإيقاع بعلي عليه السلام، لكن ماذا نفعل وقد اجتهد أعداء علي عليه السلام في التغطية على تلك الأسماء، وسعوا إلى محوها تغطية على هؤلاء المبغضين لعلي عليه السلام، لأننا أمام واجهتين، واجهة الإيمان التي تتزين وتفخر وتتباهى بعلي عليه السلام، وبحب علي عليه السلام، وواجهة النفاق التي تبغض عليا عليه السلام،وتتجاهر ببغضه، على الرغم من مقالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعي عليه السلام: "أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق." (24)
وركوب هؤلاء البغضة لأمير المؤمنين لم يأت من فراغ، لأن كل الذين كانت نفوسهم تواقة إلى تنسم كرسي الحكم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم،ورأوا بأم أعينهم اهتمام وعناية ورعاية واحتضان وحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام وأقواله الصريحة فيه والتي تشير كلها أن أمر الحكومة محسوم في شخص علي عليه السلام ولا يتعداه إلى  أحد غيره. وما حديث الغدير الذي ملأ طباق الحفاظ وكتبهم حتى كاد يخلو منه كتاب، إلا دليل على التنصيص على علي عليه السلام،إماما وعلما وهاديا للناس بعد مرحلة النبوة.    
حديث الغدير:
عن البراء بن عازب قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه( وآله)  وسلم في حجته التي حج، فنزل في بعض الطريق، فأمر الصلاة جامعة، فأخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى .قال: ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى. قال: فهذا ولي من أنا مولاه، اللهم وال من والاه، اللهم عاد من عاداه .(25)

الوصية والاستخلاف بين معترف وجاحد
وإزاء تلك الروايات انقسم المسلمون إلى فريقين، فريق أنكر وصية النبي تبعا لمذهبه العقائدي، وفريق أثبت الوصية .
أما المنكرون فقد عربدت بهم فرق التحريف، وأصحاب الأهواء والبدع، وتبع الظن، فذهبت مذاهبهم بعيدا عن الحقيقة، واستمر بعامتهم وعلمائهم الانزلاق في متاهة البعد عن الدين الحق، حتى كادت معالمه أن تندرس عندهم،وأقاموا شبها للدين، اعتمده لهم أولياءهم من الحاكمين بغير ما أنزل الله،فاتخذوه دينا وعكفوا عليه كما عكف من قبلهم بنو إسرائيل على السامري وعجله.
واختيارهم لنفي الوصية جاء تبعا لإملاءات بناها أصحاب سقيفتهم، وسرعان ما انتقضوها فخر سقفها على رؤوسهم، وفضح أكاذيبهم التي ادعت إهمال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمته وتركها بلا راع، فأوصى خليفتهم الأول للثاني الذي اسند ظهر الأول في السقيفة، وزاد الثاني طينهم بلة بالتحسر على موت ثالث السقيفة، والذي لولا ذلك لكان ثالث الخلفاء، أما وقد مات فالمسألة تستوجب صرفها من جديد عن علي عليه السلام بإحالة الخلافة بشكل غير مباشر فيه كثير من الدهاء إلى الخليفة الأموي الذي تسبب في تمزيق الأمة وتبديد خيراتها على بني أبيه. 
وأما المثبتون فقد انسجموا مع أحكام الله تعالى وامتثلوا لكل أوامره ونواهيه، دون تحريف أو تزييف لحقيقة من حقائقها، فقد مضوا على بصيرة من أمرهم، وعبدوا خالقهم بيقين وعلم ظاهرين، فأثبتوا الوصية في حياتهم العملية، وأقاموا أسسها حتى أصبحت من مميزاتهم، طاعة لله تعالى، وتأسيا بسيرة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم...

جريمة في حق الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ودينه
ويتبين من خلال النصوص أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أوصى على الملإ من المسلمين شفويا، وأراد أن يوصي كتابة، لكنه منع من ذلك من طرف أناس اقتحموا عليه بيته من بينهم الخليفة الثاني، الذي كان قاصدا الحيلولة دون أن يقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكتابة وصيته .
عن ابن عباس قال لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده قال عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط قال قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع فخرج ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه .(26)
وحتى لا نغفل عن جريمة الخليفة الثاني في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لابد من التعرض لها بشيء من الإجمال، لكشف القناع عن أولئك الذين حاولوا تبرير الخليفة، والتغطية على جرمه الذي تقشعر منه نفوس المؤمنين، فما الذي حدا به إلى أن يتطاول على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيدعي عليه الهجر ؟ والهجر لغة معناه الهذيان، والتلفظ بكلام لا معنى له تحت وطأة المرض والألم. وهو يعلم أن مخالفته مدعاة إلى السخط والعقاب، ووجوب طاعته مما لا يختلف فيها اثنان، فلماذا خالف ابن الخطاب إرادة الباري تعالى في طاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

التستر على الجريمة
أما البخاري ومن حذا حذوه في التستر على جريمة ابن الخطاب والتقليل من حدتها بحذف اسمه عندما أوردوا الرواية من طريقين، ففي الأولى وعندما ذكروا الهجر لم يحددوا القائل باسمه، وتركوا الفاعل مجهولا، أما في الرواية الثانية فقد نصت على أن الذي تصدى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو ابن الخطاب وجماعة من الصحابة كانوا معه، ولكن الحافظ أو الراوي حاول التستر على الجريمة بالتقليل من خطورة كلام ابن الخطاب، وتخفيف حدته بتغيير ألفاظه من الهجر إلى القول : إن النبي قد غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا كتاب الله.
فدل على أن الذين تورطوا في التغطية على ابن الخطاب لا يملكون من العلم والعقل شيئا،لأن دعواهم التي أطلقوها على لسان ابن الخطاب، تجاوزت تحدي النبي والاعتداء عليه لفظا، إلى الدعوة لإسقاط السنة النبوية كمصدر تشريعي، باعتماد الكتاب فقط، والذي يعلمه جميع المسلمين أن الراد للسنة النبوية على صاحبها أفضل صلاة وأزكي تسليم كالراد لكتاب الله تعالى، لأنه الآمر بأخذها والعمل بها، قال تعالى :" وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب." (27)
وقد أجمع الفقهاء على أن التارك للسنة النبوية، هو تارك للدين بالضرورة، لأنها بيان وشرح لما في كتاب الله من محكم ومتشابه وعام وخاص وناسخ ومنسوخ، ومن دون سنة مطهرة لا نستطيع أن نتبين أكثر ما جاء في الكتاب العزيز.
ولا أعتقد أن الخليفة الثاني نسي ما قام به في حجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى مرأى ومسمع منه، حتى يدعي أنه لم يستخلف، والنصوص التي ذكرنا طرفا منها تصب كلها في خانة الاستخلاف، لأن الاستخلاف عمل عقلائي يتقبله كل من أدرك أهمية الاستخلاف وضرورته،قبل أن يكون قانونا ملزما. 
عن ابن عمر قال دخلت على حفصة فقالت: أعلمت أن أباك غير مستخلف قال قلت: ما كان ليفعل. قالت: إنه فاعل. قال: فحلفت أني أكلمه في ذلك، فسكت حتى غدوت ولم أكلمه. قال: فكنت كأنما أحمل بيميني جبلا،حتى رجعت فدخلت عليه، فسألني عن حال الناس، وأنا أخبره،قال: ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة،فآليت أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف، وإنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم، ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع، فرعاية الناس أشد. قال: فوافقه قولي، فوضع رأسه ساعة، ثم رفعه إلي فقال، إن الله عز وجل يحفظ دينه، وإني لئن لا أستخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف، قال فو الله ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا، وإنه غير مستخلف. (28)
والمتأمل في الرواية الأخيرة، يفق على اضطراب أقوال هؤلاء القوم بشكل يكشف عن باطلهم الذي انغمسوا فيه وأوقعوا حانبا كبيرا من الأمة معهم في هوة التحريف والانحراف عن الحق، لأنه إذا كانت سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم متمثلة في عدم الاستخلاف والترك فلماذا يستخلف الخليفة الأول؟ أليس ذلك مخالفا للسنة المزعومة في عدم الاستخلاف؟ ولماذا يضع الخليفة الثاني نفسه أمام خيارين، خيار النبي صلى الله عليه وآله وسلم،وخيار الخليفة الأول، فهل يعتقد ابن الخطاب أن الخليفة الأول مصدر تشريعي مقابل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يمكنه أن يرجع إلى احدهما حتى وان كانا مختلفين كما في هذه الحالة؟

ختاما
بعد أن ثبتت لدينا مشروعية الوصية، وتأكد وجوبها على كل الناس، نجزم يقينا أن النبي أوصى بكل ما تحتاجه الأمة، تنفيذا لأمر الله تعالى، وليس بحسب رأي رآه لأن الوصية والاستخلاف مبدأ الهي لا يتبدل مطلقا. وبعودتنا إلى النصوص التي تركها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نجد أنه قد أدى ما عليه، ولم يغادر الدنيا،إلا بعد ما بين ما أمر به بخصوص الحكومة الإسلامية، ولم يترك أمرها هملا وعرضة للنزو والانقلاب، وعلى كثرة النصوص التي أظهرت عليا عليه السلام مظهر القائد المرتقب للأمة، فإن الخلل الذي حصل كان من جانب الأمة، التي غفلت عن تكاليفها في الطاعة لله ورسوله، والعمل بمقتضى أحكامهما، في إتباع الأولى والأصلح لها.
والذين ادعوا بهتانا وزورا وخداعا، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستخلف ولم يوصي، انقلبوا على ادعائهم، واستخلفوا بشكل مباشر، كالخليفة الأول الذي أوصى كتابة إلى الخليفة الثاني، والثاني الذي أعطاها للخليفة الثالث عبر صهره ابن عوف، وبطريقة خبيثة ليس لله تعالى فيها رضا .
وظهر من خلال ما أظهروه من انشغال بمصير الأمة، وتشبيهها في صورة عدم الاستخلاف بالإبل التي تركها الراعي هملا، أن ذلك الانشغال لم يكن القصد منه الحرص الحقيقي على مصير الأمة، بقدر ما كان يراد به صرف الحق عن أهله وإقصاءه عن صاحبه، وهو الإمام علي عليه السلام للكره والضغينة التي ما زالوا يكنونها له، منذ أوجدها المؤسسون إلى أتباعهم في كل عصر.
وعليه وقد تبين خط الكذب من خط الصدق، فدعوى ترك النبي للأمة الإسلامية من بعده بلا قائد يسلك بها سبل السلام والأمن، ويقابلها حرص من استولى على السلطة في الأمة بدعوى عدم وجود للاستخلاف، ثم نقض ذلك بالاستخلاف عليها، باطلة ليس لها مستند واحد يقوي جانبها، وكل ما قيل في نسبتها إلى اختيار الناس لا يقف أمام محكم قوله تعالى من أن أساس الحكم الإسلامي ومرجعه إليه لا إلى الناس :" إن الحكم إلا لله ."(29) وكما لم يسمح سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في أن يكون له الأمر بقوله:" ليس لك من الأمر شيء ."(30)فكيف يكون للأمة أمر من اختصاص الباري في تصريف شريعته وأحكامه. وبذلك نقف على حقيقة الجرم الذي اقترف ليس بحق الأئمة الهداة فقط، بل بحق مكونات الدين الإسلامي كله، لأن تعطيل دور حاكمية الإمامة هو تعطيل لمجمل الشريعة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تم  ذلك من خلال جريمة نظمت فصولها، وأحكمت حلقاتها بدهاء ومكر كبيرين، لا نزال نعاني من تبعاتها إلى اليوم، ولو مضت وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثلما أراد لها أن تكون، وتسلم علي وبنوه عليهم السلام زمام أمور الأمة الإسلامية، لما صرنا إلى ما أصبحنا عليه اليوم من تخلف ومهانة وجهل، ترمقنا الأمم بازدراء واحتقار، ممتهنة قدراتنا وخيراتنا .

1 - سورة البقرة الآية 180
2 - سورة البقرة الاية132
3 - البخاري كتاب الوصايا ح2533 - مسلم كتاب الوصية ح3074 - الترمذي كتاب الوصايا ح 2044-  النسائي كتاب الوصايا ح3557 و ح 3558- أبو داود كتب الوصايا ح  2478 - ابن ماجة كتاب الوصايا ح2690وح2693.
4 - سورة البقرة الآيتان 246/247
5 - نهج البلاغة ص599 خ77
6 - سورة طه الآية 114
7 - سورة الأحزاب الآية 33
8 - سورة النساء الآية 59
9 - سورة النساء الآية 83
10 - البخاري كتاب المغازي ح4100 - سنن النسائي كتاب الطهارة ح 33
11- مسلم كتاب الوصية ح3087
12 - البخاري  كتاب فضائل القرآن ح 4634 وكتاب الوصايا ح2535
13- سنن أبي داود كتاب الخراج والإمارة ح2634
14 -  البخاري كتاب الجهاد والسير ح 2825 - مسلم كتاب الوصية ح3098 - مسند أحمد كتاب مسند بني هاشم ح 1834- أبو داود كتاب الخرج والإمارة والفيء ح 2634 -  مسلم كتاب الوصية ح3089 و ح 3090-
15 - مسند احمد  كتاب باقي مسند المكثرين ح10707 و ح10681و ح 10779 و ح 11135 –الترمذي كتاب المناقب ح 3718 و ح 3720 -
16 - سنن الدارمي كتاب فضائل القرآن ح 3182
17 - الجامع  الموطأ ح 1395
18 - فضائل أمير المؤمنين لابن عقدة ص25/26
19 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج6 ص35/36
20 - الغدير ج1ص243
21 - الغدير ج1 ص253
22- الغدير ج1 ص 256
23 - مسند أحمد  مسند البصريين ح19081 - الترمذي كتاب المناقب ح3645
24  - مسلم كتاب الإيمان ح113 - الترمذي كتاب المناقب ح3651 و ح 3669 - النسائي كتاب الإيمان وشرائطه ح 4932 و ح 4936 - ابن ماجة المقدمة ح111
25 - ابن ماجة كتاب المقدمة ح113
26 - البخاري كتاب العلم  ح111- مسلم كتاب الوصية ح 3090
27 - سورة الحشر الآية 7
28 - مسلم كتاب الإمارة ح3400 البخاري كتاب الأحكام ح6678
29 - سورة الأنعام الآية 57
30 - سورة آل عمران الآية 128

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة