المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 18 محرم 1428 - مقامات علوية (2) -النفس التوأم .. محمد وعلي-
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

مقامات علوية
الحلقة الثانية
النفس التوأم .. محمد وعلي
صلى الله عليهما

عندما وقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معلنا بكلمات ذات معان وأبعاد عميقة ، مختزلة مقامات علي عليه السلام، ومبينة حقيقة شخصيته العظيمة،قائلا له:" أنت مني وأنا منك." كان يريد أن يؤكد على أن صاحبه تميز بخصوصيات لم تكن موجودة في غيره،وانفرد عن بقية الناس بخصال لا يمكنها أن تجتمع في شخص عادي، وتفوق بإمكانات أهلته لأن يأخذ مكانه إماما وقائدا وهاديا، بعد رحيله بكل يسر،ففهم من فهم من المسلمين شخصية علي عليه السلام ومنزلتها من الدين،ورأى من رأى اعتبارها عند الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ،واستجاب من استجاب لها وأقامها مقامها في الأمة،وجحد من جحد وأنكر من أنكر حسدا بغيا .

منزلة علي عليه السلام من النبي صلى الله عليه وآله وسلم
عجيب أن يختلف المسلمون وينقسموا في أمير المؤمنين علي عليه السلام،وأعجب منه من يدعي حب هذا الرجل الفذ النادر وأهل بيته عليهم السلام ثم ينثني على شيعتهم تكفيرا وتقتيلا بدعوى انهم مبتدعون ومشركون.
فهل خفي علي عليه السلام حتى يلتمس القبس لمعرفة مكانه؟
وهل غابت حقيقته عن موطن، حتى ينتقل إلى موطن آخر بحثا عنها؟
ومتى لم يكن هناك علي عليه السلام في الإسلام ثم كان؟
ومتى كان إسلام لم يكن فيه علي عليه السلام مؤسسا وبانيا بعرقه ودمائه وجهاده وصبره وعلمه؟
علي عليه السلام لم تخف حقيقته،ولا التبس أمره منذ ولادته،إلى أن التحق بالرفيق الأعلى.
وعلي عليه السلام بقي عليا رغم الحظر والحجر الذي مورس ضده حيا وميتا، بل ازداد علوا ورفعة، ولو لم يكن علي عليه السلام رباني النشأة، إلهي الفكرة، روحاني الجسد لاندرست معالم شخصيته مع إجراءات القمع الأولى التي مورست ضده.
متى غاب علي عليه السلام حتى يفتقد؟ إن شبهته بالشمس أو القمر فما أنصفته،لأنهما يغيبان ويعودان،وعلي عليه السلام حاضر منذ أن وجد،لم يغب حتى عن الأجيال التي لم تلحقه جسدا،فلحقها روحا وعقيدة وفكرا.
لذلك فكلنا مدينون لعلي عليه السلام بعد نفسه التوأم خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم،دينا ليس من السهل الوفاء به ولا التنصل منه،فهو الإيمان وحبه الإيمان،لا يحبه إلا مؤمن.
والحب ليس كما يرى البعيدون عن حب علي عليه السلام إحساس بالاحترام والإكبار، فقد جلبت مواقف علي عليه السلام تلك الأحاسيس لأعدائه، حب علي عليه السلام لا يكون إلا إتباعا واقتداء وتأسيا، تماما كما قال تعالى مثبتا ذلك:"إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله."
فمن لم يتبع عليا عليه السلام،ولم يعطه حقه،ويحله محله في قيادة الأمة،بعد رحيل نبيها صلى الله عليه وآله وسلم،فهو جاهل أو مستخف أو جاحد لعلي عليه السلام .

آية المباهلة ودلالتها على توافق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام
قال تعالى:"...فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين." سورة آل عمران الآية 61
أخرجها كل من الرازي في تفسيره ج2ص699 -تفسير البيضاوي ص76 - الزمخشري في تفسير الكشاف ج1ص149 - السيوطي في الدر المنثور ج2ص39 - تفسير روح البيان ج1ص457 تفسير الجلالين ج1ص35 مصابيح السنة للبغوي ج2 ص201 ...
أخرج أصحاب السير والتاريخ والتفسير قصة وفد نصار نجران الذين نزلت بسببهم هذه الآية

إن الذين عينهم الله تعالى من خلال وحيه في الآية المذكورة،للخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمباهلة وفد نصارى نجران، هم خيرة الأمة وصفوة عناصرها،ولو كان هناك من يوازيهم منزلة ومكانة لذكره الوحي ، ولأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بإخراجه للمباهلة.
كما نجزم القول بأن الآية الكريمة في معانيها سياق لمسألة الاصطفاء الإلهي الذي سنه الباري تعالى في الأمم السابقة وهو من الإفاضات الرحمانية التي لا تتبدل .قال تعالى:"إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم."
واللافت في الآية الكريمة جمع المولى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام في نفس واحدة، حيث قال:"وأنفسنا"،والمتتبع لحادثة المباهلة ،يدرك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج من أبنائه غير الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة عليهما السلام،ومن نسائه غير الصديقة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام.
فكان علي عليه السلام نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما دلت عليه الآية، وأعظم بها من منزلة خصه الله تعالى بها، وهي لعمري في منتهى الدلالة على مقام علي عليه السلام من الله تعالى ومن النبي صلى الله عليه وآله وسلم،ولكن أنى لمن أقفل قلبه عن حب الصفوة الطاهرة أن يبصر.
قال تعالى:"أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها."
لا أدل على ما تميز به علي عليه السلام عن غيره ممن عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من كلام علي عليه السلام ، ولا أجلى من الخطبة التي تحدث فيها عن موضعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال:
"وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره ويكنفني في فراشه،ويمسني جسده،ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمينه ، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل ، ولقد قرن الله تعالى به من لدن أن كان فطيما ، أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت اتبعه إتباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كل يوم علما من أخلاقه ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة ، واشم ريح النبوة ، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه ،فقلت : يا رسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته ، إنك تسمع ما اسمع وترى مالا أرى ، إلا انك لست بنبي، ولكنك وزير ، وإنك لعلى خير."
نهج البلاغة ص376 آخر الخطبة 192 المسماة بالقاصعة

لا يختلف مسلمان في الله تعالى علم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وأدبه فأحسن أدبه فكان الأكمل بين الخلائق ، وعظم ذلك فقال جل من قائل: وإنك لعلى خلق عظيم." ، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم علم عليا وأدبه فأحسن تعليمه وتأديبه فقال:" أنا مدينة العلم وعلي بابها."
 لقد تحدث أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته هذه،عن تنشئة النبي صلى الله عليه وآله وسلم له وتربيته له. وتنشئة كهذه من نعومة أظافر الوليد،إلى تسلسل مراحل نموه،حقيق بها أن تثمر شخصا قريبا من إفاضات الباري،مستجيبا لها،وهي تربية مقدمة على من شب وشاب على تربية غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم،فعسر عليه الالتحاق بتلك المكارم العظيمة، وقد قيل من شب على شيء شاب عليه.
وأخرج ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة فقال: واعلم أن أمير المؤمنين عليه السلام كان مخصوصا من دون الصحابة (رض) بخلوات كان يخلوا بها مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، لا يطلع احد من الناس على ما يدور بينهما، وكان كثير السؤال للنبي صلى الله عليه وآله عن معاني القرآن،وعن معاني كلامه صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا لم يسال ابتدأه النبي صلى الله عليه وآله بالتعليم والتثقيف. ج 11ص48

وبذلك لم تقف عناية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعلي عليه السلام عند حد التنشئة والتربية، بل تواصلت رعايته له إلى التعليم والتثقيف، وقد تميز بمجال لم يكن لغيره فقد كان لعلي عليه السلام طريق خاص به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يشاركه فيه احد بينما يشترك هو مع البقية في الطريق العام، بل لعله المستأثر حتى في ذلك الطريق.

أخرج البخاري بسنده عن البراء بن عازب،قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: أنت مني وأنا منك. البخاري كتب الصلح ح2501 ، كتاب المناقب ، كتاب المغازي ح3920 - الترمذي ، كتاب المناقب ح 3649 - مسند احمد بن حنبل ، كتاب مسند العشرة ح 815 و ح 887
علاقة علي عليه السلام ومنزلته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جسدها هذا الحديث الذي أخرجه البخاري بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على تناغم النفسين التوأمين ، وترابطهما الوثيق في الله تعالى،علي عليه السلام من محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم من علي عليه السلام، ذلك هو معنى الحديث ، شخصيتان بنفس وروحية واحدة،ائتلفتا منذ الأزل،واتحدتا منذ أن كان الله ولم يكن معه شيء ،غير ذلك النور الذي خلقه ليعرفه ذاته المقدسة، فكان المتشكل من محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام،يسبح لله في ملكوت القدرة،ويقدسه ويمجده ويهلله ويوحده.
عن سلمان رضي الله عنه قال: كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عز وجل، مطيعا يسبح الله ذلك النور ويقدسه ،قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلما خلق الله تعالى آدم، ركب ذلك النور في صلبه، فلم نزل في شيء واحد، حتى افترقنا في صلب عبد المطلب، فجزء أنا، وجزء علي .
حق اليقين ج1ص210

لما قتل علي عليه السلام أصحاب الألوية من المشركين يوم أحد نزل جبريل على النبي وقال: إن هذه لهي المواساة .فقال النبي : إن عليا مني وأنا منه .فقال جبريل : وأنا منكما يا رسول الله. مستدرك الحاكم ج3ص110 -سنن الترمذي كتاب مناقب الإمام علي مسند أحمد ج4ص 437 و ج5ص356 كنز العمال للمتقي الهندي ج6 ص152/154 و400 الصواعق المحرقة لابن حجر ص 75 تاريخ الخلفاء للسيوطي ص66 تاريخ الطبري ج3ص7 الكامل لابن الأثير ج2ص63
في حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض، وكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى التوحيد ومعرفة ربنا عز وجل،وتسبيحه وتقديسه وتهليله، لأن أول ما خلق الله تعالى أرواحنا،فأنطقنا بتوحيده وتمجيده،ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا أرواحنا نورا واحدا ، استعظموا أمرنا فسبحنا لتعلم الملائكة أنا خلق مخلوقون،وأنه منزه عن صفاتنا، فسبحت الملائكة لتسبيحنا، ونزهته عن صفاتنا، فلما شاهدوا عظم شأننا،هللنا لتعلم الملائكة أن لا اله إلا الله ، وأنا عبيد ولسنا باله نحب أن نعبد معه أو دونه،فلما شاهدوا كبر محلنا، كبرنا لتعلم الملائكة أن الله أكبر من أن ينال، وأنه عظيم المحل، فلما شاهدوا ما جعله الله عز وجل لنا من العزة والقوة، قلنا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ،لتعلم الملائكة أن لا حول ولا قوة إلا بالله ، فقالت الملائكة:لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما شاهدوا ما انعم الله به علينا ، وأوجبه لنا من فرض الطاعة، قلنا:الحمد لله، لتعلم الملائكة ما يحق لله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمه، فقالت الملائكة: الحمد لله، فبنا اهتدوا إلى معرفة توحيد الله وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده،ثم إن الله تعالى خلق آدم وأودعنا صلبه، وأمر الملائكة بالسجود له تعظيما لنا وإكراما، وكان سجودهم لله عز وجل عبودية،ولآدم إكراما وطاعة، لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة، وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون..." حق اليقين ج1ص210/211
وبتقصي الأحاديث التي بينها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فضله نقف على جزء من قيمة ومقام علي عليه السلام.
من من هؤلاء الذين صنع لهم الناس مقامات مزيفة، يستطيع أن يقايس نفسه، أو يسويها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ لا أحد يجرئ على ذلك، لأنه لو تجرأ وأحد من الأدعياء على وضع نفسه ذلك الموضع، لكان للكفر يومئذ أقرب منه إلى الإيمان.
وهذا الخليفة الثاني يعترف بأنه يرى في قرارة نفسه أنه خير من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، واعترافه جاء عفويا ، مقرا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحب إليه من كل شيء إلا نفسه، فتأمل الرواية:
عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم،وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء، إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن، والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر؟ البخاري كتاب الإيمان والنذور ح6142
 واستنكار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولومه للخليفة الثاني ،جاء بعد ما حاول استدراك فداحة غلطته، بأن حاول تصحيح مشاعره تجاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن أنى للمشاعر أن تصحح في لحظة وفجأة ، هيهات..هيهات...
بينما كان علي عليه السلام مواسيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم باذلا مهجته دونه فاديا له بنفسه ، وافقا على أداء حقه وقضاء شؤونه ، ممتثلا له في كل الحالات والمواقف، كان غيره واقفا دون ذلك مجتهدا في التطاول والنيل من مقام النبي وشخصه،والحوادث الواقعة في هذا المجال أكثر من أن تعد ولا يتسع لها المجال.

ويمكن القول بأن النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم قد أدى ما عليه من تكاليف تجاه ربه ودينه وأمته ، فلم يترك شاردة ولا واردة إلا بينها، وأوضح فيها الأبيض من الأسود من الحقيقة، ونصح لها وأرشدها وهداها إلى ما تحتاجه . غير أن الأمة أبت إلا أن تنساق وراء تيار الانحراف ، وتنغمس في بؤرة الانقلاب على القيم، والنصائح والإرشادات والأحكام ،التي تركها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وعندما كان المرجفون من المنافقين يدبرون انقلابهم للاستيلاء على المدينة، بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى غزوة تبوك ، كان علي عليه السلام ذلك الإسفين الذي دقه الوحي في نعش الانقلابيين، مبرزا في نفس الوقت المنزلة الكبرى ،والمكانة العلية لعلي عليه السلام :" أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي."
علي عليه السلام،بمنزلة هارون عليه السلام، باستثناء منزلة واحدة،وهي النبوة بعد النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد جاء في القرآن الكريم تفصيل منازل هارون من موسى والتي تنطبق على منزلة علي عليه السلام من النبي صلى الله عليه وآله وسلم تطبيقا لما صح من حديثه المبارك بشان علي عليه السلام.
قال تعالى:"...واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا."
وقال أيضا:"...إذ قال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين."
فعلي عليه السلام على ذلك:وزير النبي صلى الله عليه وآله وسلم،وأخ النبي صلى الله عليه وآله وسلم،ومؤازر النبي صلى الله عليه وآله وسلم،وشريك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وخليفته في أمته من بعده.هذا مضاف إلى أن الله تعالى بصير بهما معا لأنهما من المسبحين والذاكرين والعابدين كثيرا وهو مقام لا يمكن لأحد مجاراتهما فيه، وفي ذلك ما فيه من عظم الدلالة على تطابق الوصي عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم
.
أخوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام لم تنته عند منزلة هارون من موسى، بل تعدتها عمليا إلى المؤاخاتين اللتين أجراهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه في مكة ثم في المدينة وقد نقل الترمذي مؤاخاة المدينة فقال آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فجاء علي تدمع عيناه فقال يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت أخي في الدنيا والآخرة .الترمذي كتاب المناقب حديث3654
ورغم تضافر الأدلة على تقديم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي فوق ما كان يتمتع به من قرابة قريبة ومنزلة خصيصة،ظهرت تداعيات الكذب ونوبات الخلط والإلباس، في محاولة يائسة لزعزعة مقام أبي الحسن عليه السلام، فجاء من جاء بمفتريات بنيت على الظن، وتأسست على الهوى، كالدعوى العارية التي أطلقها أتباع الصحابة، من أن أبا بكر كاد أن يكون خليلا.
أخرج مسلم بسنده عن جندب قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا .مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة ح827

إلا أن المتأمل الفطن لا يمكن أن تنطلي عليه مثل هذه الدعاوى الخاوية على عروشها لأنه لو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم متخذا خليلا لاتخذ عليا لأنه الأقرب لبلوغ تلك المنزلة بذليل المؤاخاة التي وقعت بين المسلمين وأمضاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقتها كان ابن أبي قحافة موجودا ولم يكن غائبا وآخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين غيره ولم يؤاخه ، وإنما آخى عليا عليه السلام ، وبذلك بطلت دعوى من ادعى غير ما هو مطابق للحقيقة والواقع.
في الوقت الذي كان موكب ابن أبي قحافة يشق طريقه إلى الحج الأكبر،نزل جبريل عليه السلام ليلغي إمارة ذلك الرجل بقوله : يا محمد لا يبلغ عنك إلا أنت أو أحد منك. وكان أمير المؤمنين في الأثر ليبين للأمة عمليا أن الرجل لا يصلح للقيادة أو الإمارة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أوعلي بن أبي طالب عليهما السلام موجود.
بطلان مقايسة علي عليه السلام بأي أحد دون النبي صلى الله عليه وآله وسلم واضحة لعدم وجود مقاربة بينهما، فعلي عليه السلام لم يعمل تحت راية أحد من هؤلاء بينما عمل الجميع تحت رايته، وسلك بهم سبيل الرشاد والنصر، وسلكوا بغيره سبل الهزيمة والفرار،وليس أدل على ما نقول من حادثة الحج الأكبر.

عن علي رضي الله عنه قال لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وسلم دعا النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة،ثم دعاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي أدرك أبا بكر،فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ،فقال يا رسول الله نزل في شيء قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك .أحمد مسند العشرة ح1230- أحمد باقي مسند المكثرين ح13508 و ح 12737

عن أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ببراءة لأهل مكة لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة فأجله إلى مدته والله بريء من المشركين ورسوله قال فسار بها ثلاثا ثم قال لعلي رضي الله تعالى عنه إلحقه فرد علي أبا بكر وبلغها أنت، قال ففعل قال فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر بكى قال يا رسول الله حدث في شيء قال ما حدث فيك إلا خير ولكن أمرت أن لا يبلغه إلا أنا أو رجل مني . أحمد مسند العشرة ح4

وقد امتدت أيدي التحريف لتفعل فعلها في قلب الحقائق،كلما اصطدم أعداء علي عليه السلام ومبغضوه بفضيلة أو منقبة أو خصوصية تشيد به أو ترفع من مكانته، وكانت عملية عزل ابن أبي قحافة عن إمارة الحج،وتوليته مكانه عرضة لذلك التحريف،الذي لا يمكنه أن ينطلي إلا على من اتصلت جذوره بسلالة الحاقدين على علي عليه السلام،لأن أمير المؤمنين لم يتأمر عليه احد سوى النبي صلى الله عليه آله وسلم،وتاريخ الغزوات والسرايا تشهد على تلك الحقيقة،والنصين الذين أخرجهما أحمد بن حنبل،واضحي الدلالة على أن حزن ابن أبي قحافة لم يأت من توجد الإمام علي عليه السلام معه في بعثة الحج لتبليغ آيات سورة براءة فقط،وإنما جاء نتيجة عزل أفزعه إلى درجة البكاء، خوفا من أن يكون نزل فيه شيء،وإنك عزيزي القارئ تلاحظ أن التحريف طال حتى تبليغ آيات سورة براءة ، فأدخل أبو هريرة نفسه أو أدخلوه فيها،إمعانا في هضم حق علي عليه السلام ، محو شخصيته وآثاره.
حدث أبو هريرة قال بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ويوم الحج الأكبر يوم النحر والحج الأكبر الحج.البخاري كتاب الجزية والموادعة ح 2941 وكتاب تفسير القرآن ح4290 - مسلم كتاب الحج ح 2401 - أبو داود كتب المناسك ح1662

إن عملية عزل ابن أبي قحافة عن إمارة الحج لم تأت سدى، فقد جاءت دليلا يؤكد على عدم أهليته في وجود علي عليه السلام، وتنبيها للمسلمين من أن تقديم علي عليه السلام على ابن أبي قحافة كان أمرا إلهيا، فيه من الإشارة التنبيه للمسلمين بعدم تقديم أحد على علي عليه السلام.
وحتى تتقبل الأمة إسقاط مقام علي عليه السلام وهضم حقه ومقايسته حيث لا مجال للمقايسة لأن التبر لا يقاس بالتراب، كان لا بد من أن يتجرأ عليه الأدعياء والجاهلون،فشنت عليه حرب أريد لها أن تضعه على صعيد واحد مع محاربيه،ثم جاء دور بث الدعايات والأراجيف وتزييف الحقائق وقلب المناقب،لتفعل فعلها في الأمة فلم ينج من فتنة ابن آكلة الأكباد وعصابته غير قلة من المؤمنين الذين رجعوا إلى علي عليه السلام بعد ما أبصروا أحقيته ومقامه، أما البقية فهم في ظلمات بعضها فوق بعض.
 
عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال ما منعك أن تسب أبا التراب فقال أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له خلفه في بعض مغازيه فقال له علي يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي وسمعته يقول يوم خيبر لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال فتطاولنا لها فقال ادعوا لي عليا فأتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه ولما نزلت هذه الآية ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلي . مسلم كتاب فضائل الصحابة ح 4420 -الترمذي كتاب المناقب ح 3658
حديث : من سب عليا فقد سبني.
عن أبي عبد الله الجدلي قال دخلت على أم سلمة فقالت لي أيسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم قلت معاذ الله أو سبحان الله أو كلمة نحوها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سب عليا فقد سبني.مسند أحمد بن حنبل باقي مسند الأنصار ح 24523

لم يستح من سعى إلى إلصاق تهمة سب الصحابة بشيعة أمير المؤمنين علي عليه السلام،وانبرى بكل صلافة يردد بهتانا،يريد به صرف الناس عن الرؤية الصحيحة للإسلام،الذي ينتسب إليه أهل بيت النبوة عليهم السلام وشيعتهم رضوان الله تعالى عليهم.
ولو التفت أولئك المغفلون،إلى التلة التي وقفوا عليها، ليرموا منها سهام اتهاماتهم على الشيعة، لوجدوا أنهم مقيمون في مخيم سب النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من الأساس،لأن معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأبي هريرة وسمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة ومن انضوى إلى حزبهم من الصحابة الذين على شاكلتهم ، كانوا يسبون عليا عليه السلام،والساب لعلي هو ساب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بلا فرق ،كما حدثت بذلك أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم،و هؤلاء عند خط السقيفة،صحابة أجلاء يطلبون من الله الرضا عنهم،من غير التفات إلى أنهم جميعا قد تورطوا في سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو آذاه فانه مستوجب للعنه والبراءة منه .

عن عمران بن حصين قال بعث رسول الله صلى الله عليه(وآله) وسلم جيشا واستعمل عليهم علي بن أبي طالب، فمضى في السرية فأصاب جارية، فأنكروا عليه وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه(وآله) وسلم فقالوا إذا لقينا رسول الله صلى الله عليه(وآله) وسلم أخبرناه بما صنع علي وكان المسلمون إذا رجعوا من السفر بدءوا برسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فسلموا عليه ثم انصرفوا إلى رحالهم فلما قدمت السرية سلموا على النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقام أحد الأربعة فقال يا رسول الله ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام الثاني فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا فأقبل رسول الله صلى الله عليه(وآله) وسلم والغضب يعرف في وجهه فقال ما تريدون من علي ما تريدون من علي ما تريدون من علي إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان. الترمذي كتاب المناقب ح3645

أخرج ابن عقدة بسنده عن أبي هارون العبدي قال: لقيت أبا سعيد الخدري، فقلت له : هل شهدت بدرا؟ فقال:نعم.فقلت : ألا تحدثني بشيء سمعته من رسول الله في حق علي وفضله؟ قال بلى أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرض مرضة، ثم نقه منها، فدخلت عليه فاطمة تعوده، وأنا جالس عن يمين رسول الله فلما رأت رسول الله وما به من الضعف سبقتها العبرة، فقال لها رسول الله : ما يبكيك يا فاطمة؟ أما علمت أن الله تعالى إطلع إلى الأرض إطلاعة، فاختار منها أباك فبعثه نبيا، ثم اطلع ثانية فاختار منها بعلك ، فأوحى إلي فأنكحته إياك واتخذته وصيا، أما علمت أنك بكرامة أباك زوجك أعلمهم علما ، وأكثرهم حلما، وأقدمهم سلما. فضحكت فاطمة واستبشرت، فأراد رسول الله أن يزيدها من مزيد الخير كله ،الذي قسمه الله لمحمد وآل محمد، وما أعد لهم من الكرامة ، فقال: يا فاطمة ،إن لعلي ثمانية أضراس - يعني مناقب -، إيمان بالله ورسوله، وحكمته، وزوجته فاطمة ، وولداه الحسن والحسين ، وأمره بالمعروف ، ونهيه عن المنكر، يا فاطمة إنا أهل بيت أعطينا ست خصال، لم يعطها أحد من الأولين، ولا يدركها أحد من الآخرين: منا نبيا خير الأنبياء، وهو أبوك، ووصيا خير الأوصياء، وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء،وهو حمزة عم أبيك، ومنا سبطا هذه الأمة، وهما ابناك ، ومنا مهدي هذه الأمة، الذي عيسى بن مريم يصلي خلفه.فضائل أمير المؤمنين لابن عقدة ص25/26

أما عبادة علي عليه السلام وتقواه فهما من تأسيس النبي صلى الله عاليه وآله وسلم،وقد بلغ مقاما تحول إجهاده في ذات الله لذة لا يساويها شيء،وقد استرعى انتباهي ملاحظة جاءت في آخر رواية أخرجها مسلم تقول:
عن عائشة أنها قالت كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصير وكان يحجره من الليل فيصلي فيه فجعل الناس يصلون بصلاته ويبسطه بالنهار فثابوا ذات ليلة فقال يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل وكان آل محمد صلى الله عليه وسلم إذا عملوا عملا أثبتوه.مسلم كتاب صلاة المسافرين ح1302
ذلك مقام آل محمد في إثبات العبادات وبقية الأعمال الصالحة،وعلي عليه السلام سيد آل محمد بعد النبي صلى الله عاليه وآله وسلم، ولو أطلقنا العنان في سرد عبادة علي وزهده وتقواه لما أمكننا أن نجاري الاختصار الذي تعلق بهذه الورقات ، لذلك اكتفي بهذه الإشارة،وأقتصر على هذا التلميح، لكونهما موجهين إلى ذوي الألباب.
وعلى ذلك نقول:إن من جهل مقام علي عليه السلام ،لا يمكنه أن يهتدي إلى مقام النبي صلى الله عاليه وآله وسلم، ومن أنكر حق علي عليه السلام في إمامة الأمة وقيادتها بعد النبي صلى الله عاليه وآله وسلم ، فقد أنكر ضرورة من ضرورات الإيمان،واستوجبت بطلان بقاء أحكام الله تعالى بدون قائم بالحق عليها.
والإجحاف في حق علي عليه السلام،رد على الله تعالى ورسوله صلى الله عاليه وآله وسلم بلا فصل، لذلك وجب أن ننبه إلى خطورة موقف الرادين بإنكار أحقية علي عليه السلام في قيادة الأمة بعد نبيها صلى الله عاليه وآله وسلم،رغم النصوص المتضافرة التي لا يتجرأ على ردها أو التشكيك فيها إلا منحرف عن منهاج علي عليه السلام ، والذي هو بالأساس منهاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحتى لو سلمنا جدلا بعدم وجود أي نص يدل على إمامة الإمام علي عليه السلام وقيادته للأمة بعد النبي صلى الله عاليه وآله وسلم، فان مواقف علي وما قدمه من اجل إعلاء كلمة الله يكفي وحده ليكون حجة على هؤلاء الجهلة والعميان.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة