المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمود جابر - مصر - 27 صفر 1428 - من سرق الحجاز؟
البريد الالكتروني

الاسم الكامل: محمود جابر
الدولة : مصر
المساهمة :

من سرق الحجاز؟

من نافلة القول التأكيد على أن (الحجاز) فيما قبل القرنيين الاخيريين سبق له أن كان دولة تتمتع بكل أجهزة الدولة الحديثة وهذا الذي مثل إخافة كبيرة للنجديين الوهابيين الذين سيطروا على البلاد فيما بعد ذلك بمعونة الإنجليز من أن يفلت من بين أيديهم الحكم والإشراف على الحرمين الشريفين، فيخسروا مكانتهم الجديدة، وتبقى دعوتهم المتطرفة في حدود صحرائها، لا تتمتع بغطاء الحرمين الشريفين وإدارتهما، واللذان من خلالهما يتم فرض المذهب الوهابي وتضليل العالم الإسلامي، بل ومن تحت ذلك الغطاء تتم ممارسة أبشع وسائل التدمير لتراث الحجاز ومقدسات المسلمين ، ومجابهتا لهذا السلوك الإجرامي الوحشي جاء وهنا ظهرت حركة أهل الحجاز وكل المخلصيين والمعارضيين لـ((ضرورة تولى أهل الحجاز شئون المقدسات)) وعنواناً ثان: ((الحجاز بين حقوق شعبه وتعسف آل سعود))،إن كلا العنوانين ، يحملان ضرورتان مطلبيتان ،شعبيأ ً- العربية السعودية - واسلاميأً ،وهما :
الأول: ضرورة (حتمية )أن يتولى الحجازيين شئون المقدسات .
الثاني :حقوق الشعب الحجازي ،ومدى العسف السعودي بهم .
وعودة على بدء..وهو موضوع البحث وهو ضرورة أن يتولى الحجازيين شئون المقدسات وفى هذا الخصوص احب أن أوضح من هم الحجازيين ، ولماذا الحجازيون دون غيرهم .

الحجاز والحجازيون:
الحجاز تعني في العربية (الحاجز) أو (الحد) ويشير إلي الجرف العالي الذي يرتفع كالحائط خلف مكة ويسير موازياً للساحل حتى حدود اليمن، وبالنسبة للبدو تعني الحجاز عندهم المنطقة الجنوبية وأخذ الاسم فيما يتسع ليشمل المنطقة الواقعة إلي أقصى الشمال والمحاذية إلي حدود الأردن الحالية. ومن الصعب تحديد بدايتها السياسية بدقة، فالاسم قد أطلق على هذه المنطقة منذ أزمنة بعيدة ، ثم أطلق عليها مملكة الحجاز.

وعند حدودها العديمة المعالم تتلاشى،  الحجاز داخل صحراء النفوذ الكبرى وهضبة نجد المترامية الملتهبة وجبال الجنوب الوعرة. وعلى أية حال، فإن وسط الحجاز هو الذي أعطاه أهميته التاريخية والعالمية. حيث تقع فيه أقدس مدينتين إسلاميتين هما مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويعتبر مأثرة عظيمة ظهور تجمعات سكانية في هذه المنطقة المقفرة ذات الطبيعة القاسية. مع ذلك انتعش هذان المركزان مدة ألفي عام. كانت هذه التجمعات في بداية الأمر عبارة عن واحات تنبع من صخورها البازلت السوداء عيون ماء حيث تستريح عندها القوافل وهي في طريقها من أرض التوابل في جنوب الجزيرة العربية إلي مصر وبلاد الشام .

لقد أضفى ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي الأهمية للحجاز على مدى الدهر،و عزز فرض الحج كركن من أركان الإسلام هذه الأهمية، إضافة للأهمية السياسية والاقتصادية لهذا الجزء من ساحل البحر الأحمر.أصبح المتحدرون من نسل سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أي (الأشراف) بالعرف هم حماة الحرمين الشريفين بالوراثة. وهم يرجعون إلي ابنته فاطمة عليها السلام عنها وزوجها علي عليه السلام. والاسم العائلي المستخدم للمتحدرين من نسل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو (الهاشمي) الذي جاء من اسم جد الرسول. ولهذا عرفوا بالهاشميين.
وقد كان للأشراف دائماً السيطرة على الحجاز وعادة ما يمارسون الحكم تحت حماية قوة خارجية (الخليفة).

في البداية وعقب وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ظلت السلطة في الحجاز خلال الفترة القصيرة التي حكم خلالها الخلفاء الراشدين في المدينة المنورة. وبعد ذلك انتقل مركز السلطة إلي دمشق أولاً مع الأمويين (661 ـ 749م)، ثم إلي الدولة العباسية في بغداد (749 ـ 1258م). ومنذ انتهاء الحكم العباسي حتى الآن تعرضت سلطة الخليفة إلي تحديات كبيرة للسيطرة على المدن المقدسة بما تضفيه من هيبة كبيرة على حاميها. وفي 1037م أعلنت الأسرة الشريفة بشخص محمد العلوي أكبر أفرادها، استقلال الحرمين وإنشاء إمارة مكة. وقد تعززت سيطرة الهاشميين على المنطقة بفعل الشخصية القوية للأمير قتادة الذي جاء إلي الحكم في 1174م وقام بتوسيع الإمارة شمالاً وجنوباً .

سيطر أبناء الأشراف مدة أربعة قرون بعد قتادة على إمارة مكة حتى واجهوا تحدي الأسرة العثمانية في تركيا. وفي 1517م بايع شريف مكة الشريف بركات السلطان التركي كخليفة للمسلمين وأهدى إليه مجموعة من الآثار المقدسة كإجلال لسلطته. مع ذلك كانت السيطرة التركية غير مباشرة ولم تحد من حرية الأشراف. والواقع أن الإعانات المالية الجديدة الواردة من تركيا قد مكّنت الأشراف من شراء ولاء البدو وإدارة شؤون الحج. وقد انتهى هذا النظام الذي أعطى الأمير قوة حقيقية مقابل منح السلطان مجد لقب (حامي الديار المقدسة)، نهاية مفاجئة على يد طرف ثالث في عام 1803م. ففي ذلك العام خرجت من قلب الجزيرة العربية جماعة أصولية عرفت بالوهابيين تحت ذريعة تطهير الحرمين من التدنيس والانتهاك، وأطيح بأمير مكة الشريف غالب. ومن المفيد استذكار أن أحفاد هؤلاء الجماعة قد أطاحوا بحكم الأشراف في الحجاز بعد مائة واثنين وعشرين عاماً.

لم يقبل العثمانيون أن يمر هذا التحدي لسلطتهم بسلام خاصة في منطقة حساسة كالحجاز حيث يتأكد ضعفهم عاماً بعد آخر طالما تدير قوة أخرى شؤون الحج. استدعى السلطان العثماني حاكم مصر، وهو محمد علي، لتجهيز حملة وإخضاع الحجاز مجدداً إلي الحكم العثماني. يرتبط محمد علي نفسه أسوة بأمراء مكة بنوع من الاتحاد المنفلت مع السلطان في اسطنبول، ولكنه كان يضمر طموحات بإنشاء إمبراطورية عربية. لذلك قرر في عام 1813م، وبعد طرد الوهابيين من الحجاز، تعيين مرشحه أميراً على مكة والسيطرة على هذه المنطقة من الجزيرة العربية. فاستغل لتحقيق ذلك الانشقاق الحاصل في صفوف الهاشميين حيث يوجد فرعان متنافسان هما الزيدي وهو الأكبر والعوني وهو الأصغر. تم التخلص بهدوء من غالب وهو من الفرع الزيدي وذلك بسقيه السم في سالونيكا وحل محله أحد أفراد الفرع العوني. ونتيجة انشغال الأشراف بالانشقاقات العائلية الطويلة، أصبح التلاعب بأمراء وفقاً لأهداف القوى الخارجية ممارسة اعتيادية. وبعد ابتداء محمد علي لهذه الممارسة، واجه الأمراء المعينون تحدي الفرع الآخر من الأسرة الهاشمية.

في عام 1840، أخفق محمد علي في تحقيق غايته وعاد في الأخير إلي الحظيرة التركية. وأعاد السلطان الإمارة إلى الفرع الأكبر ـ الزيدي ـ حيث كانت لهم الإمارة منذ 1037 وبشكل متواصل. وفي ذلك العام أقرّ العثمانيون الحجاز كولاية في الإمبراطورية وعينوا والياً عليها تدعمه قوة ما تتمركز في المدن الكبيرة. إلا أن الحجاز تختلف عن غيرها من الولايات من حيث أنها لا تدفع الضرائب ولا تخضع للتجنيد الإلزامي وتستلم إعانات سنوية من السلطان.

وليس من الغريب أن تكون السيطرة التركية على الحجاز غير مباشرة بحكم مصاعب الاتصال بين مكة واسطنبول. لذلك تأتي القوة الفعلية في الحجاز من صراع الإرادات ومكر الوالي أو الأمير مع تدخل السلطان بين مرة وأخرى لتعيين أمير جديد من فرع هاشمي آخر. كانت تكتنف حياة الوالي في الحجاز صعوبة كبيرة بحكم الحرارة اللاذعة لمكة المكرمة والرطوبة الشديدة لجدة (والواقع من الضروري تقديم حوافز فورية للموظفين الأتراك من أجل تشجيعهم على الذهاب هناك). هذا دون الحديث عن الصراعات المتواصلة المشحونة بالمكائد مع الأمير. ومن أجل إغراء الوالي للذهاب إلي هناك، كان يتم تعيين أمير مطيع. من المفترض أن تكون مسؤوليات الطرفين محددة بشكل جيد، حيث يمتلك الأمير السلطة على البدو وشؤون الحج فقط، أما الواقع فإن الأمور كانت غالبا مختلفة عما قدر لها.
كان هذا هو ميدان الصراع المعقد الذي دار فيه الصراع النهائي على السلطة وكسب فيه أمير مكة الحسين بن علي الاستقلال التام للحجاز قبل أن ينتهي الاستقلال الحجازي والحكم الشريفي نهاية مفاجئة على ايدى بدو نجد المتربصين بالحجاز شراً.

و لمعرفة جانبا من هذا التربص والتآمر السعودي الوهابي (النجدي)على الحجاز سوف نستعرض جزء من رسالة الماجستير للباحث الحجازي (سعودي الجنسية) فوزي نقيطى،و التي تحمل عنوان (( العلاقات السعودية - البريطانية 1901- 1946 )) والتي ناقشها في قسم التاريخ كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1982 في الفصل المعنون بـ المؤتمر الإسلامي (1926 ) أو الاختبار الأول لوحدة المصالح السعودية - البريطانية يذكر. فوزي إنه في الحملة الدعائية التي سبقت احتلال الحجاز, كان حافظ وهبه يركز في منشوراته التي كانت تحمل أسم الأمير ( الملك ) فيصل , على هذا المعنى وهو إن أبن سعود لم يهدف من وراء الهجوم على الحجاز ألا رفع الظلم الهاشمي عن الحجازيين وإنه إذا ما تم له ذلك , فإنه سيترك أمر الحجاز لمؤتمر إسلامي يقرر مستقبله.

وبعد احتلال مكة المكرمة ,ردد يوسف ياسين ومعه رشدي نلحس نفس المعزوفة في المقالات التي كانت تظهر على صفحات جريدة أم القرى , أو في المنشورات التي كان يتم توزيعها في مكة المكرمة ومدينة جدة.
بل أن حافظ وهبه قد أبلغ وفد مصر الذي زار أبن سعود في شهر سبتمبر 1925 (قبيل احتلال جدة بثلاثة شهور ) برئاسة الشيخ مصطفى المراعي , أبلغه بالآتي وذلك حسب رواية حافظ وهبه نفسه:
1- أن الحجاز للحجازيين من جهة الحكم ,وللعالم الإسلامي من جهة الحقوق التي لهم في البقاع المقدسة .
2- أجراء استفتاء عام لاختيار حاكم الحجاز تحت إشراف مندوبي العالم الإسلامي .
3- تجديد الحدود الحجازية ,أما وضع النظم المالية والاقتصادية والإدارية فهي موكولة لمندوبي المماليك والشعوب الإسلامية .
يؤكد حافظ وهبة أن أبن سعود وافق على هذا الأساس , فسر الوفد كثيراً , وسافر إلي القاهرة حاملاً معه كتاب سلطان نجد المتضمن هذا الأساس وجاء بعد الوفد المصري
أما عن أبن سعود نفسه فقد كرر المعنى ذاته في مناسبات عديدة أنه:
ما جاء إلا مفوضاً من قبل العالم الإسلامي لتطهير الحجاز من الظلم والعدوان وان العالم الإسلامي هو صاحب الحق في أمر تقرير مصير الحجاز أكد أبن سعود هذا المعنى ,أولاً في رسالته التي بعث بها إلي الملك رداً على رسالته هذا الأخير باقتراحه بحث سبيل السلام بين نجد والحجاز وفي 16 نوفمبر 1924 وثانياً  لأمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس خلال نفس الفترة وثالثاً  قبل مغادرته الرياض وهو في طريقه إلى مكة المكرمة أوائل نوفمبر 1924،  ورابعاً في رسالته التي بعث بها إلى قناصل الدول الأجنبية في مدينة جدة في 23 نوفمبر 1924 ، وخامساً  بعد وصوله مكة المكرمة وأثناء اجتماعه بعلمائها في ديسمبر 1924،  وسادساً في رسائله التي بعث بها إلى بعثه فيليب- الريحاني - النقيب أثناء تواجدهم في جدة بحجة الوساطة ,وذلك في ديسمبر 1924 ، وسابعاً خلال رده على الوساطة البريطانية المزعومة لتسوية النزاع بينه وبين الملك على في اليوم الأول من أغسطس 1925 ، وثامناً في الرسالة التي كان قد أرسلها للملك يحيى ملك اليمن حينما أقترح الأخير إرسال وفد للسعي إلى الصلح في شهر أكتوبر 1925، وتاسعاً في تأكيداته للسيد إدريس السنوسي ، وإمام مسقط ، وإمام عمان ، وعاشراً وأخيرا بمناسبة دخلوه إلى مدينة جدة , بعد استسلام الملك على يوم 24 ديسمبر 1925،  حيث أصدر منشوراً عاماً وجهه لأهل الحجاز ختمه بالجملة التالية ((وإما مستقبل البلاد فلابد لتقريره من مؤتمر يشترك المسلمون جميعاً فيه لينظروا في مستقبل الحجاز ومصالحه)) ولكنه رغم تلك التأكيدات السابقة, التي أضعنا إلفي ترتيبها وسردها ,فإن أبن سعود اخرج لسانه وسخر من العالم العربي والإسلامي كله ,إذا أصدر بعد أسبوعين من صدور منشوره الأخير ,بلاغاً عاماً بتاريخ 22 جمادي/7 يناير 1926 يعلن فيه عدوله عن فكرة المؤتمر الإسلامي .
وفي اليوم التالي من هذا البلاغ جمادي الأخر/ 8 يناير أصبح يلقب بملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها.

ويفسر عبد الحميد الخطيب هذا التطوير المفاجئ , وبقوله :ما كاد أهل الحجاز يتذوقون طعم الحرية بانتهاء العهد الهاشمي ,ويجدون في السلطان أبن سعود من الأخلاق السامية العالية والخلال الحميدة حتى تنفسوا الصعداء وأحبوه حباً جماً وتعلقوا بأذياله لا يريدون عنه بديلاً.

أما العطار فأنه يؤكد المعنى السابق فيقول: إن الحجازيين فتنوا بديمقراطية الملك وسجاياه وكانوا يخشون ضياع حرية الحجاز واستقلاله فأتصل أهل مكة بجدة وطالبوا أن يسرع إليهم وفد منهم يمثلهم فانتدبوا محمد نصيف, ومحمد علي زينا, وقاسم زميل, وسليمان قابل, وعبدا لله رضا, وبعد أن تحدثوا طويلاً فيمن يحكمهم اتفقوا - بدون أن يخالف أحداً- على اختيار أبن سعود نفسه ملكاً عليهم فتقدموا بطلبهم في 19 جمادي الأخر 1344/4 يناير 1921 راجين ومسترخين الأنعام عليهم بتعيين وقت عقد البيعة عند البيت العظيم فأجابهم الملك إلى طلبهم في 19 جمادي الثانية 1344 وفي اليوم التالي 23 جمادي الثانية (8 يناير) وبعد صلاة الجمعة تمت المبايعة وطبقاً لهذا العرض, فبوسعنا القول إن المبايعة كانت عملاً صورياً لأن الفترة ما بين يوم 8 جمادي الثانية وهو تاريخ دخول الملك عبد العزيز جدة, وبين يوم 19 جمادي الثانية وقت استرحام الحجازيين والأنعام عليهم بتعيين وقت عقد البيعة هي فترة لا تتجاوز العشرة أيام, وهي بذلك لا تكفي لإدراك الجماهير بديمقراطية الملك وسجاياه وأخلاقه الحميدة.

صوراً من المعاناة:
أن الحجازيين كما غيرهم من غير النجديين, أو حتى من غير الدائرة الضيقة من آل سعود, يعانون من حرمان من المناصب السياسية وتمييز مجحف بحقهم حتى وإن امتازوا بقدرات عالية وكان من بينهم كفاءات رفيعة المستوى.
لا يمكن أن تكون الوهابية ممثلاً ـ فضلاً عن (الممثل) ـ صادقاً للإسلام ولتراث المسلمين في الحجاز.. دعك من حقيقة أن من يكفّر المسلم الآخر لا يمكن أن يكون ممثلاً له، بل هو قاصٍ مجحف بحقّه، فما بالك إذا ما أعلن عليه الحرب قولاً وفعلاً، واستباح دمه وماله وعرضه؟ ما فعله الوهابيون بتراث المسلمين وآثار الإسلام في الديار المقدّسة من تدمير وإزالة يصعب حصره، وكأن هناك مخططاً من أعداء هذه الأمة لإزالة كل مواقع العزّة والرفعة التي تجعل من تاريخ المسلمين حيّاً في قلوب وعقول الأجيال المعاصرة.

أول ما فعله هؤلاء هو تدمير آلاف من قبور الصحابة من المهاجرين والأنصار (تصل إلي عشرة آلاف) وغيرهم من آل البيت والتابعين والشهداء في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة، وإزالة القباب، حتى أنه لا يمكن التعرّف اليوم إلا على بضعة قبور منها، وجاء ذلك بناء على فتوى الشيخ عبد الله بن بلهيد وبإدّعاء عبادة المسلمين لهذه القبور من دون الله. وفعلوا نفس الشيء في مقبرة المعلّى بمكة المكرمة، فدمّر قبر أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ، وقبر آمنة بنت وهب أم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرها.

إن مصيبة المسلمين لم تكن فقط بهدم القباب والقبور، بل كل الآثار الإسلامية الأخرى، كمنازل الصحابة وبني هاشم، فإذا كان عذر الوهابيين أن القبور تُعبد من دون الله، فهل هدم بيت رسول الله في المدينة ومنزل الزهراء، وخديجة، ومنزل الحمزة، وسقيفة بني ساعدة، ودار الأرقم بن أبي الأرقم، ومكان العريش التاريخي في بدر.. هل هدم مثل هذه الأماكن يمكن تبريرها بمثل ما برر الوهابيون؟ قال فيلبي مستشار ابن سعود وصديقه والذي ادّعى الإسلام وحجّ سنة 1931 بأن ما قام به الوهابيون من تدمير للأماكن الأثرية  سيجعل الأجيال القادمة تنسى الوقائع التاريخية المرتبطة بها.

إن ممارسات الوهابيين بدعم من آل سعود بالغة الإيذاء وشملت كل شيء تقريباً. فإضافة إلي فرض تدريس مذهبهم في الحرمين الشريفين، ومن ثمّ منع الآخرين من أتباع المذاهب الإسلامية من إلغاء حلقات دروسهم.. استمرت الضغوط على الحجاج وسكان الحرم لترويضهم ولقبول المذهب الرسمي، عبر الإيذاء والتحرّش والاستخفاف بالمشاعر والمعتقدات والاعتداء بالجلد والضرب والشتم لكل من يخالفهم من رواد الديار المقدسة من داخل البلاد وخارجها، الأمر الذي اضطرّ طلبة العلم الشرعي وعلماء الحجاز إلي الفرار خارج الحجاز أو الانزواء في بيوتهم، بعد أن مُنعوا قسراً من التدريس في الحرم، وقليل منهم ـ وعلى وجل ـ فتح باب منزله لإلقاء دروسه فيه ، وكان الوهابيون قد صادروا المدارس المالكية والشافعية والحنفية وغيروا مناهجها، واستولوا على أموال الأوقاف المخصصة لها، بأوامر الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، الذي ضيّق بوجه خاص على المدارس الحنفية في المدينة المنورة (المدرسة النظامية(التي رفضت تدريس كتاب التوحيد المعتمد الأصل للفكر الوهابي فكان سبباً في إغلاقها في أغسطس 1931.

كما فرض على المؤذنين الحجازيين أسلوباً معيّناً في الأذان هو أسلوب الوهابية النجدية ، وزمناً معيّناً محدوداً، ويطلبون عدم ترخيم الصوت وتحليته بنداء المسلمين لهذه الشعيرة العظيمة (الصلاة). كما منعوا التدريس والوعظ في الحرمين الشريفين لعلماء الحجاز والأحساء ما لم يكن على مذهبهم، وبإذن صريح مكتوب ومختوم وبذلك أقفل في الحرمين الشريفين باب تدريس علوم المذاهب الأربعة، والذي كان مستمراً ومتواصلاً منذ العصور الزاهية للإسلام أيام التابعين وتابعيهم من خير القرون الممدوحة، وحتى في أيام أسلافكم لما دخلوا الحجاز، كما تم الاستبداد بالإمامة الحرمين الشريفين وقصرها على الوهابيين النجديين وحظرها على من سواهم من علماء الحجاز وغيرهم من علماء المسلمين.

وهذا بعض مما تعرض له أهل الحجاز،  والذي يضيق المقام بحصره ،وقد شمل كل أنواع التضييق والتهميش والتشويه،  للإنسان وللمكان ولذاكرة التاريخ الحية المتجددة ، حتى تنسى الأجيال التالية ، وما الذي يخطط له أن ينسى أليس هو الدين والمقدسات ؟؟.

لاهم إن العبد يمنع ***** رحله فامنع حلالك
لا يغلبن كيدهم و ***** ومحالهم غدوًا محالك
إن كنت تاركهم ***** وقبلتنا فأمر ما بدا لك

*************************
وانا لله وانا إليه راجعون

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة