المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 5 ربيع الثاني 1428 - مقامات علوية (3) -برز الإيمان كله للشرك كله-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

مقامات علوية
الحلقة الثالثة
برز الإيمان كله للشرك كله

لم تتمكن قريش النيل من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،والذين اتبعوه رضوان الله تعالى عليهم بعد وقعتي بدر وأحد،لذلك كان غضبها كبيرا،إلى حد جعل زعماءها المحاربين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ،يجندون كل طاقاتهم،ويستنفرون ما طاله نفوذهم،ووصلت إليه أيديهم،ولم ير في مكة وما جاورها من التجمعات السكنية،والقبائل المعروفة بحلفها وولائها التقليدي لأهل مكة،إلا متهيئا للحرب أو داعيا لمزيد تجنيد القوى المناهضة للدين الجديد،ولم يمض على ذلك الأستنفار وقت يسير،حتى إمتلأت سكك ودور مكة بالوافدين على العدو الأول لله ورسوله أبو سفيان زعيم حزب الشرك.

كان المشركون على غير عادتهم،من الانكسار واليأس كلما واجهوا المسلمين،فقد اختلطت صيحات الثأر بطبول الحرب وترانيم الفرح،كأنما أيقن القرشيون وحلفاءهم من الانتصار هذه المرة.
كل المظاهر تشير إلى أن شيئا ما طرأ على المحاربين لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم،دعاهم إلى التفاؤل بما تخفيه الأيام القادمة فقد كانوا يوم أحد قاب قوسين من الانتصار على المسلمين.
جموع من الناس ملتفة حول رجل فارع الطول، ضخم الرأس،عظيم المنكبين،وطويل اليدين.. يرمقونه بعيون تكاد تطير من الفرح،فمن هو يا ترى هذا الذي غير حزب الشرك،وقلب حاله من مهزوم يائس،إلى حالم مؤمل بالنصر الغلبة؟

إنه فارس الجزيرة العربية الذي لا يشق له غبار،ذو بأس وجأش شديدين ،ومراس قل وجوده في فارس غيره،شارك  في وقعة بدر وأبلى فيها إلى جانب قريش بلاء لم يتوقف حتى أثخنته الجراحة فسحبه أصحابه ، وتخلف عن أحد لأنه لم يتعافى،وشق عليه عدم مشاركته .... الفارس الذي ذاع صيته في بلاد الحجاز حتى لم يعد خاف على أحد ، والبطل  الذي جندل الشجعان ، وصياد الأسود الذي لا يشق له غبار، جاء إلى دار الندوة ، ليجدد حلفه مع المشركين.
 كلما مر عمرو بن عبد ود متقدما في مكة نحو دار الندوة ،إلتفت حوله الجموع المرحبة والمهنئة بالقدوم ، وظهرت الفرحة على وجوه طالما تملكها الهم والغم، من الهزائم التي مني بها جانبهم،لذلك فهم بعد رجوع عمرو أكثر إصرارا وتشبثا بالحرب، بل ومهاجمة المسلمين إذا لزم الأمر في عقر دورهم.

وصل عمرو بن ود إلى دار الندوة،محمولا على جناح أمل في نصر يعيد الاعتبار لقريش وأحلافها، وكانت الجموع المحيطة به قد أحدثت جلبة وتزاحما،وأثارت غبارا، وكان المجتمعون في الدار ينتظرون قدومه،ولما تناهت إلى أسماع المجتمعين أصوات الجلبة والصياح،علموا بوصول عمرو،فخرج أبو سفيان لاستقباله ، وأمام دار الندوة وقف عمرو بن ود ليقسم باللات والعزى وهبل أن لا يدخل رأسه دهن حتى ينتقم لآلهته، ويقضي على أعدائه،وبانتهائه من كلماته النارية تعالت بشائر قريش وطارت بها الفرحة والإحساس بالقوة والغلبة بعيدا،فلم تعد تعي شيئا من منطق أو عقل، طالما أن في جانبهم عمرو بن ود،وأسفر اجتماع المشركين على استنهاض كافة القبائل،والاستعانة باليهود في مواجهتهم المصيرية.
ولما إستكمل المشركون عدتهم وعددهم ، خرجوا متوجهين إلى يثرب مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يريدون المباغتة وحسم المعركة حسما نهائيا لصالحهم.

تناهت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبار ما عزم عليه المشركون،وعلى رأسهم أبو سفيان،فأمر بالاستعداد لملاقاة العدو،وكانت العيون التي تأتيه بالأخبار جادة في تقصي كل التفاصيل التي تحصل عليها،وكان العباس رضي الله عنه أول تلك العيون،وعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن المشركين مستنصرون بعمرو بن ود،مستشعرون منه المنعة والنصرة وقوة الجانب،لأنه الفارس الذي يهابه الجميع،ولا يهاب هو أحدا .
زاد عدد جنود الشرك إلى أضعاف عدد المسلمين،بحيث أصبحت المواجهة المباشرة معهم تعتبر من قبيل الانتحار،فقد أكدت المعلومات التي وصلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم،أن المشركين تحركوا في عشرة آلاف مقاتل،وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يحفر خندق حول المدينة  تحسبا لأي طارئ ، وكان سلمان  آل محمد عليه السلام ،الملقب بسلمان الفارسي هو الذي أشار على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحفره.
وكان أشد الناس في الحفر علي عليه السلام،وسلمان،وعمار،ولئن لم تذكر الروايات مقدار جهد علي وعمار،إلا أنها ذكرت جهد سلمان،والذي قدرته بعمل عشرة من باقي الصحابة،وهنا لا يفوتنا أن نساءل كتبة التاريخ السلطوي المموه في محتواه: لماذا ذهلوا عن شخصيات فذة مثل سلمان آل محمد؟ تاركين مقامه وما قدمه للإسلام وراء ظهورهم.

وبمقارنة بسيطة،تركتها آثار علي عليه السلام في حياته الاجتماعية اليومية،نستطيع أن نجزم أن ما بذله علي عليه السلام لا يمكن أن يقاس به جهد،ولو اجتمع له الناس،لأن من فتح الحصون التي عجز عنها غيره،ومن قلع باب حصن خيبر ورمى به عشرون ذراعا،هو الذي كان يكر وقد سجل التاريخ عورات غيره في الفرار، هو نفسه الذي كان في زمن السلم ، وحتى عندما كان متنازعا بين تكليف الحكم ورعية لا تعرف أين تكمن مصلحتها ولا تدري حقيقة ما يحاك ضدها،كان يحفر الآبار ويهبها للمستضعفين يغرسون ويزرعون وستسقون منها،وهو في الخندق لا بد أنه قد حفر مقدارا لم يستطع العشرات من الصحابة أن يوازنوه، فأهمله المؤرخون والمحدثون، خوفا وحسدا. 
وعملية الحفر تلك لم تكن بالسهلة أو الميسرة، لأنها محكومة بعامل مدة إنجاز الخندق حول المدينة ، وباستعداد وحزم وعزم المسلمين، الذين تجندوا لإتمام عملية الحفر.
واشتد على الصحابة في حفر الخندق محل صلب ، فشكوا إلى رسول الله فأخذ المعول وضرب به المكان فصار رملا سائلا. السيرة الحلبية ج2ص313

ذكر أصحاب السير والتواريخ والرجال أن المسلمين أتموا حفر الخندق في وقت قياسي مدفوعين بعاملين أساسيين هما:
1- حماية المدينة ومن فيها في صورة حصول مكروه.
2- التحصن بالخندق من أعداد المشركين التي فاقت عدد المسلمين إلى أكثر من ثلاثة أضعاف.
وصلت جموع المشركين إلى مشارف المدينة،وجاءت طلائعها لتكتشف خندقا عظيما قد حفر حول المدينة للحيلولة دونها،فاغتاظوا من ذلك غيضا كبيرا،وجاء عمرو بن ود في عدد من الفرسان الشجعان ذكر منهم الحلبي نقلا عن الواقدي:عكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة، وحسل عمرو بن ود، وضرار بن الخطاب، فجعلوا يطوفون بالخندق يطلبون مضيقا منه يعبرونه،حتى انتهوا إلى مكان رأوا فيه ضيقا،فٍأكرهوا خيولهم فيه فعبرت...فلما رأى علي عليه السلام ذلك،بادر ومعه جماعة فأخذ عليهم الثغرة التي عبروا منها ورابط عندها،فإن أرادوا قتاله قاتلهم،وإن أرادوا الرجوع منعهم،وإن حاول غيرهم العبور منعه.
 ثم تقدم عمرو وأصحابه إلى جهة عسكر المسلمين وطلب المبارزة، فلم يجبه أحد،فلما سمع علي ورأى أن أحدا لا يخرج إليه،ترك مكانه من الثغرة وأبقى فيه أصحابه الذين خرجوا معه إلى الخندق، فقام بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:أنا له، لأن عليا لم يكن ليبارز بغير إذنه. أعيان الشيعة ج1ص396
وأخرج الحلبي عند ذكره لغزوة الخندق،التي وقعت في السنة الخامسة للهجرة(والمعروفة أيضا بغزوة الأحزاب) في سيرته:فقال عمرو بن ود : من يبارز؟ فقام علي كرم الله وجهه وقال: أنا له يا نبي الله ، فقال صلى الله عليه (وآله) وسلم اجلس انه عمرو بن ود ، ثم كرر عمرو النداء وجعل يوبخ المسلمين ويقول:أين جنتكم التي تزعمون انه من قتل منكم دخلها ؟ أفلا تبرزون لي رجلا؟
وأنشد أبيات منها:

ولــقد بححت الــــــندا ***** بجمعكم هل من مـــبارز
إن الشجاعة في الفتى ***** والجود من خير الغرائز

فقام علي كرم الله وجهه فقال:أنا له يا رسول الله، فقال:اجلس انه عمرو بن ود، ثم نادى الثالثة ، فقام علي كرم الله وجهه،فقال:أنا له يا رسول الله،فقال:انه عمرو بن ود،فقال:وان كان عمرا.فأذن له رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم،وأنشد سيدنا علي أبياتا منها:

لا تــــعجلن فـــقد أتا ***** ك مجيب قولك غير عاجز
ذو نـــية وبــــصيرة ***** والــصدق منجي كل فــائز

وفي رواية انه صلى الله عليه (وآله) وسلم أعطاه سيفه ذو الفقار،وألبسه درعه الحديد وعممه بعمامته،وقال:اللهم أعنه عليه. وفي رواية:الهي أخذت عبيدة مني يوم بدر،وحمزة يوم أحد،وهذا أخي وابن عمي فلا تذرني فردا وأنت خير الوارثين. السيرة الحلبية ج2ص319 كنز العمال للمتقي الهندي ج10ص456ح30105ج 11ص623 ح33034/المناقب للخوارزمي ص143/166
وعند خروج علي عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:برز الإيمان كله للشرك كله.شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج4ص344
فمشى إليه علي كرم الله وجهه فقال له:يا عمرو انك كنت قد عاهدت في قومك،انه لا يدعوك رجل من قريش إلى واحدة من ثلاث إلا أخذتها منه، قال له:أجل، فقال له علي كرم الله وجهه: فاني أدعوك أن تشهد  أن لا اله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وتسلم لرب العالمين، فقال:أخر عني هذه، فقال له:أما إنها خير لك لو أخذتها.ثم قال:وأخرى أن ترجع إلى بلادك فان يك محمد صادقا كنت أسعد الناس به وان يك كاذبا كان الذي تريد، قال: هذا ما لا تتحدث به نساء قريش أبدا، ثم قال : فالثالثة ما هي ؟ قال: البراز، فضحك عمرو وقال: إن هذه لخصلة ما كنت أظن أن أحدا من العرب يروعني بها، والله يابن أخي ما أحب أن أقتلك. فقال علي كرم الله وجهه :ولكنني والله أحب أن أقتلك. فحمي عمرو وأراد البراز فقال له علي : كيف أقاتلك وأنت على فرسك؟ فنزل عمرو بن ود من على فرسه وسل سيفه كأنه شعلة نار وعقر فرسه  وأقبل على علي كرم الله وجهه،فاستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو فيها فقدها وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه،فضربه علي  على حبل عاتقه فسقط عمرو،وكبر المسلمون،فلما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم التكبير،عرف أن عليا قتل عمرو لعنه الله،وذكر بعضهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قتل علي لعمرو بن ود أفضل من عبادة الثقلين. السيرة الحلبية ج2ص320 

غير أن أنفسا مريضة،قد ملئت قيحا ببغض علي عليه السلام،كابن تيمية الحراني،مبتدع البدع،وناعق بوق التطرف،ومؤسس حركته،لم يعجبه أن تكون ضربة علي عليه السلام أفضل من عبادة الثقلين(الإنس والجن)،وذلك شأنه دائما كلما اعترضته فضيلة أو منقبة لعلي عليه السلام، فطفق يوهن الحديث بقول أخرجه الحلبي عنه في سيرته قال فيه:وهذا من الأحاديث الموضوعة التي لم ترد في شيء من الكتب التي يعتمد عليها ولا بسند ضعيف، وكيف يكون قتل كافر أفضل من عبادة الثقلين الإنس والجن ، ومنهم الأنبياء بل إن عمرو بن ود هذا لم يعرف له ذكر إلا في هذه الغزوة. السيرة الحلبية ج2ص320
ومع أن الحلبي قد رد على ابن تيمية بعد التعرض لكلامه،فإننا نود أن نذكر من اتبع ابن تيمية ونهجه، لعل الذكرى تنفعه،أن عليا عليه السلام عندما وقف ثلاث مرات عازما على الخروج لعمرو بن ود،لم يكن بمعزل عن المسلمين،فكلهم كانوا محيطين بالخندق من الداخل،وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم،وفي كل صيحة يطلقها عمرو بن ود كانوا يتوارون وراء بعضهم،ويخفي المنكشفون وجوههم،خشية أن يناديهم عمرو بأسمائهم،ويضعهم موضع الحرج والورطة،وقد أفصح الوحي عن تلك الحالة النفسية السيئة التي بلغها أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال جل من قائل:"إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا* هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا* وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. سورة الأحزاب الآيات 10/11/12
واستيقاف النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام مرتين،تشديد منه على قيمة عمرو كفارس شجاع،ومقاتل شديد المراس من ناحية،وإقامة للحجة على من كان يسمع نداء عمرو من الصحابة، وتلكأ في الخروج تهيبا وخوفا ورعبا،كل على قدر وقع صوت الرجل في قلبه،ولما لم يكن هناك من ملب لدعوة عمرو بن ود هذا،لم يجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدا من السماح لعلي عليه السلام بالخروج لمبارزة الرجل.
لذلك يمكن القول إن خروج علي عليه السلام كان في حقيقته خروجا للإيمان كله،كما هو شأن عمرو بن ود الذي مثل الشرك كله بخروجه،واقتحامه الخندق متحديا المسلمين داخل تحصنهم.

وما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند خروج علي عليه السلام:"لقد برز الإيمان كله للشرك كله."إلا تقريرا لواقع لا يمكن لعاقل حجبه عن شمس الحقيقة،فالنداء الذي أطلقه عمرو بن ود في مواجهة جموع الصحابة الرابضين قبالته،كاف في معانيه بأن يدفع من به إيمان،إلى الخروج له لنيل إحدى الحسنيين،إما النصر وإما الشهادة.
والإحجام عن الخروج في تلك الحال،ليس إلا خوفا وجزعا وتهيبا من عمرو بن ود وبطشه في القتال،ودليل أيضا على أن الإيمان لم يكن معانقا تلك القلوب التي سمعت النداء، وصمتت عن تلبيته
 ومن تلك الحالة الإيمانية التي اكتنفت عليا عليه السلام،قرر الوحي أن تكون ضربة علي عليه السلام أفضل من عبادة الثقلين،لأنه لو قتل علي عليه السلام في تلك المناجزة،لأصبح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته في خطر،وقد جاء في دعاءه صلى الله عليه وآله وسلم لعلي وهو يخرج إلى عمرو بن ود : ربي لا تذرني فردا. ما دل على بقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدون سند وعضد لو قتل في تلك المبارزة، وان دل ذلك على شيء،فإنما يدل على أهمية ومكانة علي عليه السلام عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وما معركة أحد عن ذلك المعنى ببعيدة،فمجرد دعاية تناهت إلى أسماع المسلمين مفادها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل،ملأت قلوبهم رعبا،وأحل محل اليقين الذي بدأ ينمو في قلوبهم،إلى شك قاتل مميت للإيمان،ففروا تاركين النبي يصارع المشركين مع علي عليه السلام،وعدد قليل ممن ثاب إلى رشده.
فلو قتل علي عليه السلام في مبارزته لعمرو بن ود،لارتفعت معنويات المشركين،ولأمكنهم عبور الخندق من تلك الثغرة التي عبر منها صاحبهم،ولانقلبت الموازين كلها لصالحهم وحصل مكروه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ودينه.

انتهت معركة الخندق بعد مقتل عمرو بن ود ومسارعة علي عليه السلام إلى مطاردة من تجاوز الخندق مع عمرو فقتل ابن عمرو ود وألحقه بأبيه، ثم قتل نوفل بن عبد الله المخزومي بعدما سقط في الخندق وانهال عليه من بقي بالثغرة رميا بالحجارة،فرفع صوته منادياً:يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه. فنزل إليه علي عليه السلام فضربه ضربة قدته نصفين.أما هبيرة فلم يتمكن علي عليه السلام من اللحاق به ، ولولا درعه التي احتقبها لقتله، فقد أصابت الضربة الدرع فأسقطتها، وأصاب منبه بن عثمان العبدري إصابة بليغة فمات منها في مكة. أعيان الشيعة ج1ص396 نقلا عن مصادر عدة 
وبعلي كفى الله المؤمنين القتال في تلك الوقعة.قال تعالى:"ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا." سورة الأحزاب الآية 25
بعلي بدأ القتال وبه انتهى وبصولاته الحاسمة كفي المؤمنون، فقد أخرج الشيخ جلال الدين السيوطي في تفسيره الدر المنثور نقلا عما استدركه الحاكم النيسابوري عن (الصحيحين) والخطيب البغدادي من تاريخ بغداد،ما لفظه ان الله كفى المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب .
ذكر الحلبي أن عمر عمرو بن عبد ود كان له من العمر تسعين سنة آنذاك. السيرة الحلبية ج2ص328 باب غزوة الخندق
ولئن مر الحلبي على ذلك الزعم مرور الكرام ولم يعقب، فان البصير لا يمكنه أن يتجاهل ما فيه من نية مبيتة لتوهين الشخص المبارز للإمام علي عليه السلام،وتقديمه للقارئ على أنه شيخ طاعن في السن ، قاب قوسين أو أدنى من القبر، ومبارزته أو قتله ليس فيه ما يوجب الإكبار والتقدير، بل لعل العيب في أن يخرج له فتى يتقد قوة مثل الإمام علي عليه السلام،ولو كان عمرو بن عبد ود في تلك السن لما استطاع أن يجتاز الخندق، ولما هابته جموع الصحابة وارتاعت من ندائه،ولانبرى أضعفهم قتالا إليه ليجهز عليه بضربة واحدة.
وهذه عينة أخرى من عينات التحريف والتزوير التي طالت مقام الإمام علي عليه السلام بتصغير أعماله العظيمة والتقليل من الشأن الذي بذله يوم الخندق.

لم يكتف هؤلاء الأدعياء بتحاملهم على الإمام علي عليه السلام،فانثنوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكيلون له التهم ويلصقون به النقائص التي لا تجوز حتى على بسيط القوم،فأهانوه بادعاء تافه رخيص، أخرجه الحلبي في سيرته متبعا أثر من سبقوه فقال:
وكان رسول الله (ص) يختلف إلى ثلمة في الخندق و الثلمة الخلل في الحائط، فعن عائشة(رض) قالت كان صلى الله عليه وسلم يذهب إلى تلك الثلمة  فإذا أخذه البرد جاء فأدفأته في حضني، فإذا دفئ خرج إلى تلك الثلمة، ويقول ما أخشى أن يؤتى المسلمون إلا منها ، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حضني صار يقول ليت رجلا صالحا يحرس هذه الثلمة الليلة ، فسمع صوت السلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا؟فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله أتيتك أحرسك، فقال:عليك هذه الثلمة فاحرسها،ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غط. السيرة الحلبية ج2ص324

لا شك أن العاقل يدرك تماما أن السفيه الذي وضع ذلك التصور الروائي التافه،لم يكن يملك من دين ولا رجاحة العقل شيئا، ومن نقل عنه لم يكن أقل سوء منه، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يفزع في مدلهمات الأمور إلا إلى الله تعالى،فلا برد يثنيه،ولا حر يقعده، وهو في كل الأحوال ليس بمنأى عن المحيطين به،يستطيع بكل يسر أن يأمر من يحرس ذلك المكان الضعيف،ولو اكتشف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضعفا في موضع ما من الخندق لعالجه بكل الطرق دون الطريقة التي ذكرتها الرواية،ودفئ الحضن الذي افتعله الراوي ليجعله منقبة لزوجة من زوجاته صلى الله عليه وآله وسلم،لا ينسجم مع شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم،ولا يتطابق مع أجواء الاستنفار التي بلغت ذروتها،استعدادا لمواجهة عظيمة غير متكافئة العدة والعدد، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قليل النوم في الأيام العادية، فما بالك بأيام عصيبة مثل مرت به في وقعة الخندق،وان كان نومه قليلا فكيف يكون غطيطه وهو الذي تنام عيناه ولا ينام قلبه، وهو سلوك لا ننزه عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل ننزه عنه كل قائد واع يمتلك من الدراية والحكمة والنضج، وما ذكر هنا ينطبق على المراهقين والمتصابين لا على الأنبياء العظام والقادة الكبار.

وألاحظ هنا أنه كلما مررت بنقيصة ألصقت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا ووجدت وراءها من يحاول أن يجد لنفسه يدا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، غير ملتفت إلى أن تلك الحالة لا تتفق مع خاصيات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته السمحة، وبحثنا المنشور على هذه الصفحة دفاعا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يؤكد ذلك التمشي الخاطئ الذي سلكه أدعياء السنة النبوية.
أما الثلمة فهي الفجوة التي تظهر في البناء  ولا تنطبق على المكان الضيق أو المخفض من الخندق، وحري به أن يسمي ذلك المكان الضيق بالمضيق.
وعلى ذلك نقول ما هذه السيرة والسنة التي نسبتموها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم،ثم نسبتم أنفسكم  لها؟
هل تستطيعون أن تميزوا الخبيث من الطيب منها،وقد بانت عوراتها لمن يبصر؟
وفي خليط مثل الذي تسبحون فيه كيف يمكنكم أن تعرفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه حتى يمكنكم أن تعرفوا عليا عليه السلام؟
وفي ظل ما خلص من براثن الظلم والظالمين، كيف أمكنكم أن تتفيئوا ظلال التحريف والتأويل الخاطئ؟  
لماذا تنكبتم عن علي عليه السلام على الرغم من الحقائق التي تناقلتها رواتكم وكتبكم عنه؟
أليس علي عليه السلام ولي كل مؤمن ومؤمنة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
أليس هو فوق ما جاء فيه من نصوص،الأقرب والأحب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم،والأتقى لله تعالى،والأكثر جهادا في سبيله،باب مدينة علمه وربيب وحيه؟
أليس فيكم من ثائب إلى رشده يخاف الله تعالى من أن يحيف عليه من أجل علي عليه السلام وإنتصارا لحقه المغصوب؟
صفحة علي عليه السلام في الجهاد لا تقف عند غزوة الأحزاب بل تتعداها إلى كل المعارك التي خاضها النبي وصنوه من أجل إعلاء كلمة الله تعالى لذلك نقول إن لنا عودة لذكر علي عليه السلام ، في بدر واحد وحنين وخيبر لسبب واحد مفاده:أن اليد الطولى في كل هذه المواجهات المصيرية هي يد علي عليه السلام.
لقد أسأتم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،قبل إساءتكم لعلي عليه السلام في أكثر من موضع، من أجل إعطاء مكانة موهومة لغيره،ولو عدتم إلى كتبكم الروائية الموصوفة بالصحاح لوجدتم فيها ضلالات ليست من الدين في شيء . 

نحن لا نريد سوى إحقاق الحق، وليس لدينا غاية غير إرضاء المولى تعالى بنصرة كلمته وإعلائها، لذلك فإننا نسأله تعالى أن يمن على بقية المسلمين ببصيرة تدفع التحريف عن مضارب الدين الخاتم، ونفاذ رأي يدفع غائلة الجهل عن المسلمين،ونورا في القلوب ليميز من يريد تمييز الخبيث من الطيب انه سميع مجيب.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة