المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 18 ربيع الثاني 1428 - مقامات علوية (5) -هجرة الفواطم-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

مقامات علوية
الحلقة الخامسة
هجرة الفواطم

من ضمن الأحداث التاريخية الهامة ، والتي تعتبر أهم سمة ميزت طور البدء في بناء المجتمع والدولة الإسلامية، هجرة علي عليه السلام بالمستضعفين والتي اصطلح عليها بهجرة الفواطم.
هذه الهجرة مرت وراء الكواليس، دون أن تعطى حقها الذي تستحقه من الاهتمام ، والنقل لوقائعها التي كان الوحي يتتبعها موقفا تلو الآخر.

أهمية هجرة علي عليه السلام، تكمن في بقاء النبي صلى الله عليه وآله في بني عمرو بن عوف، في قبا بعيدا عن المدينة،وكان قد وصلها بعد جهد، كما ذكر الحلبي في سيرته بضعة عشرة ليلة ناقلا ذلك عن البخاري، وعن ابن عقبة اثنتين وعشرين ليلة ، وأربعة عشرة ليلة نقلا عن مسلم. السيرة الحلبية ج2ص55  ينتظر قدوم أخيه بالمؤاخاة في مكة، وابن عمه وربيب وحيه،ومستودع علمه،والذي كان له شأن كبير خلال تلك الفترة،فقد كان العين والساعد والعقل،والروح المبذولة في سبيل الله تعالى،وكان وراء كل صغيرة وكبيرة تهم النبي  صلى الله عليه وآله،ودعوته لله تعالى.

بقي إذا رسول الله صلى الله عليه وآله ينتظر عليا وفاطمة عليهما السلام ،ومن معهما من الأهل والمستضعفين،رغم إلحاح البعض عليه بالدخول إلى المدينة، مما يعطي انطباعا واضحا دل على قيمة علي عليه السلام ومكانته عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وآله،وان عليا وحده كان يمثل ثقلا، بينما لا يمثل غيره شيئا إلا إذا قورن بالنبي صلى الله عليه وآله ، أو بعلي عليه السلام.
ذكر الحلبي في سيرته:
وقام علي عليه السلام ينادي بالأبطح :من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وآله وديعة فليأت تؤدى إليه أمانته.فأدى ما كان عند رسول الله صلى الله عليه وآله من ودائع،ولما ورد عليه كتاب رسول الله بالشخوص إليه ابتاع ركائب وقدم ومعه الفواطم ومعه أم أيمن وولدها أيمن وجماعة من ضعفاء المؤمنين. السيرة الحلبية ج2ص53

ولما قدم علي من مكة، كان يسير الليل ويكمن في النهار، حتى تفطرت قدماه، فاعتنقه النبي صلى الله عليه وآله وبكى رحمة لما بقدميه من الورم، وتفل في يديه ، وأمرّهما على قدميه  فلم يشكوهما بعد  ذلك. أعيان الشيعة ج1ص238 السيرة الحلبية ج2 ص53.

وبتفصيل أكثر ذكر السيد محسن الأمين في موسوعته أعيان الشيعة نقلا عن عدد من المصادر قال:
أوصى النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام بحفظ ذمته وأداء أمانته ، وكانت قريش تدعو محمدا في الجاهلية الأمين وتودعه أموالها ، وكذلك من يقدم مكة من العرب في الموسم،  وجاءته النبوة والأمر كذلك، فأمر عليا أن يقيم مناديا بالأبطح غدوة وعشية إلا من كانت له قبل محمد أمانة فليأت لتؤدى إليه أمانته، وقال :إنهم لن يصلوا إليك بما تكرهه حتى تقدم علي، فأد أمانتي على أعين الناس ظاهرا، واني مستخلفك على فاطمة ابنتي ، ومستخلف ربي عليكما ،وأمره أن يبتاع رواحل له وللفواطم ، ومن أراد الهجرة معه من بني هاشم وغيرهم، وقال له:إذا قضيت ما أمرتك فكن على أهبة الهجرة إلى الله ورسوله، وانتظر قدوم كتابي إليك، ولا تلبث بعده . أعيان الشيعة ج1ص257

وأضاف قائلا:
"ثم كتب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي مع أبي واقد الليثي يأمره بالمسير إليه، وكان قد أدى أماناته وفعل ما أوصاه به، فلما أتاه الكتاب ابتاع ركائب وتهيأ للخروج، وأمر من كان معه من ضعفاء المؤمنين أن يتسللوا ليلا إلى ذي طوى، وخرج علي عليه السلام بالفواطم: فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله،وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم ، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب وزاد بعض المؤرخين فاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب، وتبعهم أيمن ابن أم أيمن مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعل أبو واقد يسوق الرواحل سوقا حثيثا ،فقال علي عليه السلام لأبي واقد:أرفق بالنسوة يا أبا واقد، إنهن من الضعائف، ثم جعل علي عليه السلام يسوق سوقا رفيقا.

فلما قارب ضجنان أدركه الطلب، وهم ثمانية فرسان ملثمون معهم مولى لحرب بن أمية اسمه جناح،  فقال علي عليه السلام لأيمن وأبي واقد: أنيخا الإبل واعقلاها، وتقدم فأنزل النسوة ، ودنا من القوم فاستقبلهم علي عليه السلام منتضيا سيفه، فقالوا :ظننت أنك يا غدار ناج بالنسوة ، ارجع لا أبا لك. قال: وان لم أفعل؟ قالوا:لترجعن راغما أو لترجعن بأكثرك شعرا، وأهون بك من هالك. ودنوا من المطايا ليثيروها ، فحال علي عليه السلام بينهم وبينها ، فأهوى له جناح  بسيفه فراغ عن ضربته ، وضرب جناحا على عاتقه فقده نصفين، حتى وصل السيف إلى كتف فرسه، والظاهر أن جناحا لما أهوى له بالسيف انحنى لأن الفارس لا يمكنه أن يضرب الراجل إلا وهو منحن فضربه علي عليه السلام وهو منحن على عاتقه، ولو لم يكن منحنيا لم تصله ضربته على عاتقه، وشد  على أصحابه  وهو على قدميه شدة ضيغم ففرق القوم عنه ، وقالوا :احبس نفسك عنا يا ابن أبي طالب ، قال: فاني منطلق إلى أخي وابن عمي رسول الله صلى الله عليه وآله فمن سره أن أفري لحمه وأريق دمه فليدن مني .ثم  أقبل على أيمن وأبي واقد وقال لهما: أطلقا مطاياكما ثم سار ظافرا قاهرا، حتى نزل ضجنان فلبث بها يومه وليلته ولحق به نفر من المستضعفين من المؤمنين فيهم أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وآله وبات ليلته تلك هو والفواطم طورا يصلون وطورا يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم حتى طلع الفجر فصلى بهم صلاة الفجر، ثم  سار لا يفتر عن ذكر الله هو ومن معه حتى قدموا المدينة، وقد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم بقوله تعالى:"إن في خلق السماوات الأرض لآيات لأولي الألباب* الذين يذكرون الله قياما  وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار* ربنا انك من تدخل النار فقد أخزينه وما للظالمين من أنصار* ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع  الأبرار* ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد* فاستجاب لهم ربهم إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب. الآيات أعيان الشيعة ج1 ص238

وصل علي عليه السلام إلى قبا حيث مكث النبي صلى الله عليه وآله ينتظر قدومه، ولما جاء البشير بنبإ وصول علي عليه السلام ، خرج النبي صلى الله عليه وآله لاستقباله، وفرح بذلك فرحا كبيرا، ودخل المدينة بعد أن استكمل عناصر هجرته ووفادته المباركة.

تميز خروج الإمام علي عليه السلام مهاجرا إلى الله ورسوله صلى الله عليه وآله عن غيره بالجرأة،فقد تحدى قريشا بأسرها وحده،وتحرك لأداء الودائع التي كان يؤمنها  النبي صلى الله عليه وآله،وأعد العدة للخروج، ثم خرج في واضحة النهار،وسجل له التاريخ بذلك موقفا لم يتسنى لغيره، وكان سببا في سلامة ابنة النبي صلى الله عليه وآله، ومن كان معها من النساء، مضافا إلى ذلك البقية الباقية من المؤمنين المستضعفين،الذين كانوا لا يجرؤون على الخروج،خوفا من بطش قريش، وكان فضل علي في أنه أتاح لهم سبيل الهجرة،تحت حمى سيفه البتار، فأنسوا بصحبته وامنوا،واقتدوا به في عبادته،فأثنى الله تعالى عليهم في محكم تنزيله،ولم يهنأ لعي عليه السلام بال ، ولم يهدأ له خاطر إلى أن أوصلهم إلى حيث النبي صلى الله عليه وآله سالمين.

لم يأبه علي عليه السلام لما لقيه من جهد وتعب وألم ، فلا تورم قدميه أثنياه على التوقف، ولا الدماء التي كانت تسيل منها أوقفت مسيرته الكبرى، ومع ذلك كان رفيقا بمن كان معه من المستضعفين،  يحيطهم بالرعاية والعناية، ويقف على شؤونهم، مثلما كان يفعل دائما في مكة  قبل الهجرة.

ظهور علي عليه السلام ، وجلاء شخصه، وسطوع نجمه ،أكبر من أن يأتي عليها كيد شياطين الإنس، وحب علي عليه السلام لا يستقر إلا  في القلوب التي وعت عليا وخبرت مقامه.
لذلك أقول بلا تحفظ من توازي هجرته من حيث الفضل والقيمة هجرة علي عليه السلام؟ الجواب طبعا:لا أحد
 
وعلي عليه السلام يقوم وحده، ولا يحتاج إلى من يقيمه، بينما غيره لا يقومون بأنفسهم ، وهم محتاجون إلى من يقيمهم ويكون معهم، ولله در الخليل بن أحمد عندما سئل ما الدليل على إمامة علي عليه السلام فقال: استغناؤه عن الكل واحتياج الكل إليه دليل على إمامته.

ومن ذلك نفهم أن عليا عليه السلام لا يقاس به أحد باستثناء النبي صلى الله عليه وآله وسلم،  وكل من قايس عليا عليه السلام بغيره فقد جهل عليا ولم يعرف له فضلا ولا مكانة، ومن جهل عليا فقد جهل النبي  صلى الله عليه وآله، ومن جهل النبي صلى الله عليه وآله،  فقد جهل الله تعالى، ومن كان على هذه الشاكلة فهو لا يعرف من الإسلام ما يصلح به دنياه وآخرته.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة