المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 19 ربيع الثاني 1428 - مقامات علوية (6) -سيف الله المسلول-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

مقامات علوية
الحلقة السادسة
سيف الله المسلول

   بين سيف سلّه صاحبه منذ البداية، ناذرا بينه وبين نفسه ،على أن يكون حمله والذب به في الله ولله تعالى، فسطر به أروع الملاحم، وخط بذبابته النصر في كل معركة خاضها،وكان صاحبه السبب الأكبر في إرساء دعائم دين الله، وتثبيت أركانه ..وبين سيف سلّه صاحبه ليكون في البداية نزعة جاهلية، تستباح به الأعراض والدماء،  ثم حربا على الله تعالى وآثار الدماء الطاهرة التي أزهقت به لا تزال آثارها عليه،يقف المسلم متحيرا أما عقلية أبت إلا أن تفرض على الأمة واقعا متنافرا مع الحقيقة، فهذا سيف علي وقد سكتوا عنه، وهو الذي سل أولا وأخيرا في سبيل الله..وذاك سيف خالد بما علقه من جرائم في الجاهلية، وفي حياة النبي صلى الله عليه وآله  عندما قضى سنين وهو يحارب مع المشركين،وعندما اسلم وما فعله في بني جذيمة ثارا لخاله الفاكه، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله في الغدر بقبيلة مالك بن نويرة رضوان الله تعالى عليه وما فعله بزوجته من ليلته تلك، سيفان مختلفان، هذا لله تعالى، وذاك لصاحبه، هذا استحق أن ينال لقب سيف الله المسلول، لكن المحرفين الكلم عن مواضعه، لم يعجبهم أن يكون لعلي عليه السلام، ما لم يقو عليه أصحابهم، فصرفوا اللقب إلى السيف الجاهلي،إمعانا منهم في الكيد لعلي عليه السلام،ومثل السيفين  الأول: كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء
والثاني:كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار

   لم يدم مقام النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة طويلا،فقد جاءت السنة الثانية من الهجرة الباركة تحمل تغيرا في مجرى التعامل مع مشركي قريش،لقد عزم الوحي على فتح باب المواجهة معهم،وها هي الفرصة قد لاحت في الأفق، فقد جاءت أنباء مؤكدة خروج قافلة قريش التجارية إلى الشام،وعلى رأسها رأس الشرك أبو سفيان.

فاستنفر النبي صلى الله عليه وآله أصحابه،لاعتراض القافلة،هي في طريقها للشام وغنمها،واعدا إياهم ما وعده به المولى سبحانه وتعالى وهو القافلة أو النصر في أول مواجهة مع المشركين،غير أن الغزاة لم يدركوا القافلة، ففاتهم طلبها، وعزم النبي صلى الله عليه وآله صلى الله عليه وآله على ترصدها عند عودتها من الشام.

وبعد أن أتم أبو سفيان تجارته ، انكفأ عائدا إلى مكة،وفي طريقه تحسس الأخبار، وعلم بما ينتظره،فأرسل إلى قريش يستنفرها،فجزعت من الخبر وتجهز رجالها سراعا لنجدة قافلتهم،وخرجت قريش مسرعة في أكثر من 900 مقاتل،ومعهم مابين 200و400 فارس،ومن الإبل 700 بعير.

خرج النبي صلى الله عليه وآله مبادرا في 313 رجلا،وفرسان،و70 بعيرا.أعيان الشيعة ج1ص246
ولما قارب رسول الله صلى الله عليه وآله بدر،بلغه نبأ خروج قريش لحماية قافلتها، فاستشار أصحابه،مستجليا رأيهم، ومستطلعا موقفهم، فلقي من بعض المهاجرين نهيا وتحذيرا وتخويفا،فقد أخرج الحلبي  الشافعي في سيرته قال: استشار النبي أصحابه، بعدما أخبرهم أن القوم قد خرجوا من مكة ليمنعوا أموالهم،فقالت طائفة منهم العير أحب إلينا من لقاء العدو. فكان ذلك سببا في نزول الآية:"كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين لهم كأنما يساقون إلى الموت."

وفي رواية: هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له إنا خرجنا للعير. عند ذلك تغير وجه النبي صلى الله عليه وآله، عند ذلك قام أبو بكر فقال وأحسن،ثم قام عمر فقال وأحسن، ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنوا إسرائيل لنبيها:اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معك مقاتلون، ما دامت منا عين تطرف، فوالله الذي بعثك بالحق نبيا، لو سرت بنا إلى برك الغماد، لجالدنا بالسيوف معك من دونه حتى نبلغه. فأشرق وجه النبي صلى الله عليه وآله، وسر بذلك.السيرة الحلبية ج2ص149/150- البخاري كتاب تفسير القرآن ح 4243

وموقف المقداد رضوان الله تعالى عليه،لم يأت من فراغ،وهو الصحابي الذي كان يعمل في الخفاء بعيدا عن دائرة الضوء التي رمى فيها عدد من الصحابة أنفسهم، تظاهرا بالقرب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والوقوف على خدمته ،وهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عنه جسدا وروحا، ناهيك أن الوحي كان يفضحهم مرة بعد أخرى، في تطاولهم عليه، وجرأتهم على مقامه الرفيع.
كلمات المقداد قوضت إرجاف بعض المهاجرين،كشف بها عن ندرة عنصره، وسجل التاريخ في ذلك اليوم مقالة مغايرة تماما لمنطق جاهلي، يريد أن يكون له موضع في الإسلام ، وبذلك ارتفعت وتيرة المواجهة ، وأثلجت صدر النبي صلى الله عليه وآله.
فأثنى النبي صلى الله عليه وآله على المقداد وشكر له موقفه.
استحثّ المقداد بكلماته من كان على نهجه، ناهلا من المعين الروي، مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله ،وبابها علي عليه السلام، لأن المقداد كان من تلك المدرسة التي قدمت خيار أهل البيت عليهم السلام ،وأفضل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

رواية الحلبي هذه تدعونا إلى إعادة قراءتها من جديد، والبحث عن قرائن مؤيدة ،لما تداخلها من تمويه وتغطية،فما الذي حدا بأغلب الحفاظ إلى الإعفاء عن مقالتي أبي بكر وعمر، طالما أنهما أحسنا القول؟ ألا يعد ذلك استنقاصا في حقهما؟
رواية الحلبي وصفت كلام الشيخين بالحسن، ولم تتناول فحواه، في حين جاءت إحدى روايات إمام  الحنابلة، متضمنة لفظ سكوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كلام عمر.
 
عن أنس قال لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، خرج فاستشار الناس فأشار عليه أبو بكر، ثم استشارهم فأشار عليه عمر فسكت ...مسند أحمد باقي مسند المكثرين ح11584
غير أن الحلبي عاد بعد ذلك ليكشف المستور،عندما نقل في الصفحة الموالية مفاد كلام عمر، حيث دوّن: فقال عمر: يا رسول الله إنها قريش وعزّها، والله ما ذلّت منذ عزّت،ولا آمنت منذ كفرت،والله لتقاتلنك فتأهب لذلك أهبته،واعدد لذلك عدته.السيرة الحلبية ج2ص150

وبمزيد من التقصي والبحث،للوقوف على عين الحقيقة، وجدت أن مسلم النيسابوري، في ما سمي بصحيحه،قد أخرج رواية دلت على مضمون كلام الشيخين، وأن ذلك الكلام لم يرق للنبي صلى الله عليه آله وسلم ،كما أخرج أحمد بن حنبل رواية أخرى،تضمنت الموقف الصحيح للنبي صلى الله عليه وآله،وهو الإعراض عن كلام كل من الشيخين أبي بكر وعمر،لمعارضته لمقصد الوحي، وتوجه النبي صلى الله عليه وآله، فدل ذلك على أنه كلام سيئ ضار،لم يرضه الله ولا رسوله صلى الله عليه وآله،لا يمكن أن يصدر عن قلب مؤمن. 
 
عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه ... مسلم كتاب الجهاد والسير ح3330 مسند أحمد بن حنبل باقي مسند المكثرين ح12819

وعلى ذلك تتكشف لنا حقيقة أن الشيخين كانا من بين الذين كانوا يريدون العير، ولا يريدون القتال، وقد جاء مضمون كلامهما نابعا من هيبة قريش في نفسيهما، فلا يبقى مجال للقول أنهما قد أحسنا القول، بل العكس صحيح.
أضف إلى الحقيقة الناصعة التي أثبتها المؤرخون وأصحاب السير أن الرجلان ينتهي ذكرهما عند القتال، وتنتهي المعارك كلها ولا يسجل لهم أصحابهم قتيلا واحدا، ولا حتى جريحا أصابه هذا أو ذاك.

لم يتوقف النبي صلى الله عليه وآله من الاستشارة، لأنه كان يريد أن يستجلي موقف الأنصار من القتال، لاعتقاده أنهم لا ينصرونه إلا في المدينة،فقد عاهدوه أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم، ولم يدم انتظاره طويلا،فجاء جواب سعد بن معاذ بالسمع والطاعة، فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم إنه أمر الناس بالمسير لملاقاة العدو.

لقد كان النبي صلى الله عليه وآله يستطلع آراء كل من كان حوله، ما عدا واحدا لم تكن له حاجة في التعرف على رأيه وموقفه، وهو علي عليه السلام لسبب واحد ، هو أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعتبره كنفسه، وظله الذي يلازمه دائما،وربيبه الذي أخذ عنه كل شيء، وكان علي عليه السلام كالفصيل الذي في أثر أمه ، سامعا مطيعا متبعا، ولئن تكلم المقداد رضوان الله تعالى عليه بذلك الكلام البليغ الذي إن دل على شيء فإنما يدل على مخزون إيمان كبير، فان عليا لو تكلم لكان كلامه أبلغ وأعظم، وفي كل الحالات فان المقداد يعتبر أحد أركان التشيع الأربعة الذين ثبتهم النبي صلى الله عليه وآله ،ليكونوا لأخيه عليا خير بطانة من بعده.
يومها أعطى النبي صلى الله عليه وآله الراية (العقاب)لعلي عليه السلام، وهي الراية التي لم تفارقه في كل الغزوات والسرايا،وقاد كل الصحابة، ولم يقده أحد سوى رسول الله صلى الله عليه وآله،ثم عقد النبي صلى الله عليه وآله لواء للمهاجرين وأعطاه لمصعب بن عمير، ولواءين للأنصار،أعطى واحدا للخزرج حمله الحباب بن المنذر، والثاني للأوس أعطاه لسعد بن معاذ. السيرة الحلبية ج2ص147
وعلى ذلك نقول إن الراية هي العلم الأكبر،الذي يمثل العنوان البارز للحملة، بينما تأتي الألوية، لتمثل الطوائف التي تشارك تحت الراية، وهذا ما يمكن أن يستنتجه القارئ بسهولة ويسر.

إن ما لحق بسنة النبي صلى الله عليه وآله، وسيرته العطرة من أذى الوضاعين، يدفعنا إلى تحسس مواضع الدس والتشويه، الذين أريد بهما الحط من مقام النبوة، وأول مستلزماتها العصمة،فقد صور النبي صلى الله عليه وآله على أساس أنه مجتهد   فيما لا نص فيه ،أو فيما يبطئ به الوحي.
وفي نقل بعض وقائع بدر ذكر الحلبي الشافعي وغيره ممن نسبوا أنفسهم للسنة المطهرة رواية مفادها:
ثم خرج رسول الله(ص) يسابق قريشا إلى الماء فسبقهم عليه، حتى جاء أدنى ماء من بدر فنزل به(ص)، فقال له الحباب بن المنذر: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله تعالى، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ؟أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال(ص):بل هو الرأي والحرب والمكيدة.قال: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فإني أعرف غزارة مائه وكثرته، بحيث لا ينزح فتنزله، ثم تغور ما عداه من القلب،  ثم تبني عليه حوضا فتملأه ماء، فتشرب ولا يشربون، فقال رسول الله(ص) لقد أشرت بالرأي. ونزل جبريل عليه السلام على النبي(ص)، فقال الرأي ما أشار إليه الحباب. السيرة الحلبية ج2ص155

والقول باجتهاد النبي صلى الله عليه وآله تبنته الدكتورة نادية شريف العمري في كتابها اجتهاد الرسول فقالت:
وقد صح أن النبي(ص)كان يشاور الصحابة في أمر الحرب وغيره ، كما شاورهم فيما يكون جامعا لهم في أوقات الصلاة ليؤدوها جماعة، ثم لما جاء عبد الله بن زيد(رض) وذكر ما رأى في المنام من أمر الأذان، فأخذ به وقال: القها على بلال.، ومعلوم أنه أخذ ذلك بطريق الرأي ،دون طريق الوحي، ويدل ذلك على أن عمر بن الخطاب رأى مثل ذلك وأخبر الرسول(ص)به فقال: الله أكبر  هذا اثبت. ولا شك أن حكم الآذان مما هو حق الله ، وهذا برهان على أن الرسول (ص)قد جوز العمل بالرأي ، وأنه كان يستشير أصحابه فيما يستجد من أحداث ووقائع، لم ينزل فيها وحي متلو وغير متلو، وكل ذلك كان تعليما وتدريبا ومرانا لهم، لكي يستقلوا بالاجتهاد فيما بعد، ولم تكن استشارته (ص) للصحابة تطييبا لأنفسهم، لأنه لم يشاورهم فيما نزل به الوحي، وإنما شاورهم في الوقائع والأمور التي لم ينزل فيها وحي، وقد عمل بآرائهم وأقوالهم في أكثر من موطن، منها أنه عمل برأي أبي بكر في فداء الأسرى ، وعمل برأي الحباب بن المنذر في ماء بدر.. وغير ذلك كثير. اجتهاد الرسول ص360/361

ولم تكن الدكتورة العمري مبتدعة للقول باجتهاد النبي صلى الله عليه وآله ، فقد أخذت ذلك عن مدرسة ما يسمى بأهل السنة والجماعة،التي قال أغلب علمائها،أن النبي صلى الله عليه وآله مجتهد فيما لم يرد فيه نص، فابن الحاجب، والآمدي ،وسائر الحنفية، والبيضاوي، والفخر الرازي من الشافعية، وما نسبه الأسنوي للشافعي ، وبه قال جميع الحنابلة، وإلى ذلك ذهب بعض المعتزلة،كالقاضي عبد الجبار والبصري، وجاء في مسودة ابن تيمية: يجوز لنبينا أن يحكم باجتهاده فيما لم  يوح إليه فيه. ذكره القاضي أبو يعلى ،وابن عقيل،وأبو الخطاب،وأومأ إليه أحمد. المسودة ص 507

وأقاموا قولهم على ما ورد إليهم من روايات اعتمدوها لتكون الدليل الذي يثبتون به عقيدتهم ، منها رواية ماء بدر، ورواية أسرى بدر،ورواية آذان الصلاة، وتأبير النخل، وسوف نرى أن النبي صلى الله عليه وآله لم ينزل إلا عند أدنى ماء ببدر كما صرحت به الآية،ولا أخال عاقلا يتخذ منزلا بعيدا عن الماء،فضلا عن كون المبادر إلى اتخاذ أنسب المواقع لمواجهة العدو، نبيا متصلا أمره بالوحي، وفي حال من الاستنفار والحرص، أما بقية بنائهم فهو لا يستقيم من حيث الدليلين الآخرين – وان كنا في غير مقاميهما – كحلم الآذان العاري من الحقيقة لأنه لو سلمنا بهذه الخرافة لما سلمت بقية أركان ديننا من الخرافة، لأن الذي أنزل حكم الصلاة لا يمكنه أن يغفل عن النداء لها، وحلم كالذي رآه ذلك الصحابي وادعى آخر بأنه رآه، حري به أن يكون خاصا بالنبي صلى الله عليه وآله، ليكون ضمن رؤى الوحي، أما حديث تأبير النخل، فيكفيه وهنا- وقد كنت أشرت إليه في بحث سابق خاص بالمفتريات على النبي صلى الله عليه وآله- أن التأبير عند أصحاب النخل منذ أن وجد شجره، يستمر قرابة الشهرين، فلا يعقل أن يخطئ النبي صلى الله عليه وآله في تقديره ذلك كل تلك المدة،  ويقرّه الوحي على خطئه، إلى فوت وقت التأبير، والتمر بالنسبة لأهل المدينة غذاء أساسي، وفوق ذلك فإن النبي صلى الله عليه وآله،لم يأت من بيئة أجنبية عن النخل،فالطائف مجاورة لمكة وبها بساتين النخل، والتأبير فيها عرف جار بين أهل مكة، لا يعرفون شيئا يصلح النخل غير التابير، ومن قال غير ذلك عرفوا جهله ، وردوا مقالته.

ثم - على افتراض صحة الحديث - لماذا لم يتصد أحدهم للنبي صلى الله عليه وآله ليطلعه على خطا مقاله، كما زعم من تصدي الحباب بن المنذر في قضية ماء بدر، فدأب كثير من هؤلاء الذين حول النبي صلى الله عليه وآله ظاهرا لكنهم بعيدون عنه باطنا، معارضته، والرد عليه ورفع أصواتهم في حضرته، حتى إنه لم يسلم من نسائه في معارضته ومراجعته صلى الله عليه وآله، وكثيرة شواهد الطاعنين في النبي صلى الله عليه وآله ومتعددة تعدياتهم وتجاوزاتهم، حتى لا يكاد يخلو كتب روائي منها.

أما ما روجوا له من أن النبي صلى الله عليه وآله قبل الفداء في أسرى بدر،وارتكب بذلك معصية كادت تنزل عليه العذاب هو ومن قبل الفداء،باستثناء عمر الذي نسبوا إلى النبي القول في شأنه : لو أن الله معذبنا وما نجوت إلا أنت.
فأقول:إن الذين خرجوا من المدينة وفي خلدهم غنم الإبل هم من طلب الفداء وأصر عليه، مضافا إلى كل من كان يتهيب قريشا ويحسب لها حسابا، أما أن يحشر النبي صلى الله عليه وآله،  في مستنقع الفداء وهو بريء منه براءة الذئب من دم يوسف،فان ذلك من التجنيات التي ألصقت بالنبي صلى الله عليه وآله، ولا تجوز عليه مطلقا.

ثم كيف يتصور عاقل أن يعذب الله تعالى نبيه على جرم لم يقترفه،وهو الذي قال:"ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم.." ولا ينجو من العذاب إلا رجل واحد،فما هذه البلادة. 
ليس هناك من شك، في أن المراد من كل تلك المرويات المختلقة على النبي صلى الله عليه وآله، لم يكن يراد بها غير فصل الدين عن بقية أوجه الحياة، وعزله عن دوره الشمولي في قيادة المجتمعات، إقتصاديا وسياسيا وعسكريا،وفق ما أراده الله سبحانه وتعالى للبشرية،إلا أن أعداء التشريع الإلهي كان لهم رأي آخر، عارضوا به أحكام الله تعالى، وعوض محجة النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام المستقيمة،البيضاء ،سلكوا مسالك ملتوية بعيدة عن الحق، وانقلبوا على شرعي الحكومة الإلهية بما حاكوه من افتراءات لتبرير أفعالهم.
         
نزل النبي صلى الله عليه وآله بالعدوة الدنيا من الوادي،ونزل المشركون بالعدوة القصوى، فلما اطلع المشركون على عدد وعدة المسلمين،استخفوا منهم وأظهروا الاستهزاء، حتى أن أبا جهل قال:ما هم إلا أكلة رأس لو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم أخذا باليد."أعيان الشيعة ج1ص247
كان يوما عصيبا لعدم تكافئ في العدد والعدة،فيه استغاث النبي صلى الله عليه وآله ، ودعا ربه قائلا:" اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض."
فاستجاب له ربه بقوله:" إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين."
وبدأ القتال بعد أن رفض عرض السلم الذي اقترحه النبي صلى الله عليه وآله،بعدما نزلت عليه الآية:"وان جنحوا للسلم فاجنح لها."بدأ المشركون هجومهم، فرد المسلمون،ثم بدأت المبارزة،وكان كبار قادة المسلمين علي عليه السلام وحمزة وأبو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، في مواجهة كبار قادة المشركين عتبة وشيبة والوليد،وانتهت المبارزة بقتل قادة المشركين،وقطعت ساق عبيدة،ومات من جرائها شهيدا محتسبا.

بعد ذلك التقى الجمعان في معركة لا هوادة فيها، وكان بلاء علي عليه السلام أكبر من أن يقاس،ودار في أرجاء الميدان كما تدور الرحى، وكلما ثار نقع هنا أو هناك كان فيه علي عليه السلام يذب بسيفه، ويدفع بساعده لا يكل ولا يمل،وقبض النبي صلى الله عليه وآله فبضة من حصى ثم رماها في اتجاه المشركين وقال:"شاهت الوجوه اللهم أرعب قلوبهم وزلزل أقدامهم." أعيان الشيعة ج1ص248 فلم يمض منتصف النهار حتى انهزم المشركون وولوا الأدبار،تاركين وراءهم القتلى والأسرى، وما لم يستطيعوا حمله من متاع ودواب.

انتصر المسلمون وكسروا شوكة قريش فقتلوا سبعين رجلا من المشركين كان نصيب علي عليه السلام النصف، ولبقية المسلمين النصف الآخر، وقد يستغرب القارئ من كثرة قتلى علي عليه السلام، وقد يرى في ذلك العدد مبالغة،لكنه عندما يقف على مجريات بقية الغزوات يقتنع بأن عليا عليه السلام إنسان لا يقاس به بقية الناس لا من حيث الشخصية ، ولا من حيث الخصائص التي يمتلكها ، وقوته التي ظهرت عليه في ميادين القتال لا يمكن أن تكون قوة عادية وسنأتي صلى الله عليه وآله على ذكر قوة علي عليه السلام في غزوة خيبر لأن فيها الدليل الأكبر وضوحا وإقناعا.
انتهت غزوة بدر الكبرى بالنصر، وبدأت بذلك مرحلة جديدة في حياة الأمة يكتنفها العز،بما قدمه وأبلاه علي عليه السلام. 

ومع ذلك مرت بطولات علي من الباب الصغير، منها ما أهمله الرواة والحفاظ ، ومنها ما كتم، في أزمنة كان يعد فيها إظهار فضيلة لأهل البيت عليهم السلام ،جريمة يعاقب عليها أشد العقاب، فهدم الدار والتشريد والسجن والتنكيل والقتل،ينتظر كل من تسول له نفسه إظهار شيء من ذلك القبيل،واستمر الأمر على تلك الحال قرابة قرن، أي زمن حكم طغاة بني أمية.

وجاءت أزمنة كان لا بد من أن يأخذ علي حقه، وبعد الثلة المؤمنة التي كانت ملازمة إياه، ومن سلك نهجها في ملازمة الأطهار من ذريته وورثة إمامته وعلمه وجهاده وتقواه وطهره، فظهر مما عفا عنه التاريخ والمؤرخون، ليعيد بعض حق علي وأهل بيته عليهم السلام ،الذي انتهبه الظالمون،وحالوا دون وصوله إلى الناس كافة.
وإظهار مقام علي عليه السلام وإعلاء حقه،هو إظهار وإعلاء للدين ككل،لأن البناء الذي استقام بسيف علي عليه السلام وجهده، وسقاه بعرقه غزيرا،يستوجب على من تفيء ظلاله،وتنعم ببركاته،واحتمى بهديه،أن يشكر النعمة بإظهار الباني والفاعل الحقيقي، فلا يلتبس الأمر على المسلمين الذين اعتقدوا خطأ، فشكروا أيادي اعتقادا منهم أنها هي البانية،ولم تكن في واقع الأمر كذلك.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة