المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 5 جمادى الاولى 1428 - مقامات علوية (9) -فدائي النبي(ص)-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

مقامات علوية
الحلقة التاسعة
فدائي النبي صلى الله عليه وآله

الفداء عمل يقدم عليه الإنسان،تعبيرا منه على ما يختلج في صدره من محبة تجاه المفدى،وهي تضحية قلما يقدم على القيام  بها كل الناس،والفدائيون مقارنة بعدد البشر قليلون،وأقلهم عددا أولئك الذين يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله تعالى،ويتاجرون معه تجارة لن تبور.

وفدائيّنا الذي سنتحدث عنه،يمتاز عن بقية الفدائيين،بكونه اُعد تربية وتعليما،من خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله،منذ أن فتح عينيه في دار الدنيا،وبدأ يدرك من حوله،مال فؤاده للنبي صلى الله عليه وآله،فصار لا يطيق فراقه،ولقد تحدث علي عليه السلام عن تلك الفترة من حياته الشريفة،وما يهمنا من مقالته في هذا المقام قوله:"...ولقد كنت اتبعه إتباع الفصيل أثر أمه،يرفع لي في كل يوم علما من أخلاقه..."

اقترن شخصه واسمه وأصله ونسله ومطمحه بالنبي صلى الله عليه وآله،حتى لم يعد هناك ما يفرق بينهما، محمد صلى الله عليه وآله من علي عليه السلام،وعلي عليه السلام من محمد صلى الله عليه وآله،وفي غياب أحدهما،يستشعر الثاني بالغربة والفقد،فلا يهدأ له بال حتى يلاقي نصفه الثاني،وما إطلاق الوحي عليهما بالنفس الواحدة إلا تدقيق لتلك العلاقة.

سار علي عليه السلام على منهاج الفداء،منذ أن استجابت فطرته لنداء النبي صلى الله عليه وآله،فكان هو وأباه شيبة الحمد أبا طالب عليهما السلام،الدرع الذي تكسرت عليه محاولات قريش،إلحاق الأذى بالنبي صلى الله عليه وآله.
ومنذ أن حاصر المشركون النبي صلى الله عليه وآله في شعب مكة ، كان من شدة حرص أبي طالب عليه السلام،أن يقيم النبي صلى الله عليه وآله في كل ليلة، ليضجعه مكان علي عليه السلام،ويضع عليا عليه السلام في فراش النبي صلى الله عليه وآله،تحسبا من أن تلحقه أيدي الغدر.أعيان الشيعة ج1ص373 نقلا عن مستدرك الحاكم.

عظمة عمل أبي طالب عليه السلام،تكمن في أنه لم ير رؤيا كالتي رآها جده إبراهيم الخليل عليه السلام، تأمره بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام،وإنما قام بفداء النبي صلى الله عليه وآله من تلقاء نفسه،تعبيرا عن إحساس فياض بالحب للنبي صلى الله عليه وآله،فاق حبه لابنه عليا عليه السلام،فآثر موت ابنه على موت ابن أخيه،يقينا منه أن ابن أخيه أهم من ابنه وأحب إليه منه،فهل بعد هذا الفداء شك في إيمان أبي طالب عليه السلام؟ولو لم يكن  أبو طالب عليه السلام مؤمنا بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله،لما أقدم على قام به.
وما إن التحق عم النبي أبو طالب عليه السلام بالرفيق الأعلى راضيا مرضيا،وفقد النبي صلى الله عليه وآله به السند والمحامي والذابّ والمدافع،حتى بدأت أيدي المشركين من قريش،تنال من النبي صلى الله عليه وآله.

اجتمع زعماء مشركي قريش بدار الندوة،ليروا رأيهم في النبي صلى الله عليه وآله،فقد زاحت عنهم العقبة الكئود التي كانت تحول دونهم ومأربهم،في التخلص من النبي صلى الله عليه وآله، فقال العاص بن وائل(والد عمرو) وأمية بن خلف: نبني له بنيانا نستودعه فيه فلا يخلص إليه أحد، ولا يزال في رفق من العيش حتى يذوق طعم المنون.فقال قائل: بئس ما رأيتم لئن صنعتم ذلك ليسمعن الحميم والمولى الحليف ثم ليأتين المواسم والأشهر الحرم بالأمن فلينزعن من أيديكم.
فقال عتبة وأبو سفيان: نرحل بعيرا صعبا،ونوثق محمدا عليه،ثم نقمع البعير بأطراف الرماح،فيقطعه إربا إربا.فقال صاحب رأيهم: أرأيتم إن خلص به البعير سالما إلى بعض الأفاريق،فيأخذ بقلوبهم بسحره وبيانه،فصبا القوم إليه،واستجابت القبائل له،فيسيرون إليكم بالكتائب والمقانب،فلتهلكن كما هلكت أياد.فقال أبو جهل :لكني أرى لكم رأيا سديدا،وهو أن تعمدوا إلى قبائلكم العشر،فتنتدبوا من كل قبيلة رجلا نجدا،ثم تسلحوه حساما عضبا،حتى إذا غسق الليل،أتوا ابن أبي كبشة فقتلوه،فيذهب دمه في قبائل قريش،فلا يستطيع بنو هاشم وبنو عبد المطلب مناهضة قريش،فيرضون بالدية، فقال صاحب رأيهم:أصبت يا أبا الحكم،هذا هو الرأي،فلا تعدلوا به رأيا،وكمّوا في ذلك أفواهكم. فسبقهم الوحي بمكان من كيدهم،وهو قوله تعالى:" وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" أعيان الشيعة ج1ص236/237
واستقر قرارهم على أن ينتخبوا له من كل قبيلة أشد فتيانها،فيهجموا عليه في داره فيقتلونه جميعا،فيتفرق بذلك دمه في القبائل،فلا يستطيع بنوا هاشم فعل شيء بعد ذلك،سوى القبول بدية القتل.
أخبر النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام بما نزل عليه من وحي وأمر بالهجرة،وأعلمه باقتراب موعد الهجرة إلى يثرب،ثم أمره بالمبيت على فراشه،إيهاما للناظر المتجسس أنه النبي صلى الله عليه وآله، فقال له علي عليه السلام: أو تسلم يا رسول الله؟ قال: نعم، فتبسم علي عليه السلام ضاحكا،وأهوى على الأرض ساجدا،شاكرا لما بشره صلى الله عليه وآله به .

ولما جاء موعد الرحيل،أقبل النبي صلى الله عليه وآله على علي عليه السلام،فضمه إليه وبكى، فبكى علي
عليه السلام لفراق أخيه وابن عمه رسول الله صلى الله عليه وآله.نقلا عن أعيان الشيعة بتصرف ج1ص237
روى الثعلبي في تفسيره فأوحى الله تعالى إلى جبرائيل وميكائيل:إني آخيت  بينكما،وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر،فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟فاختار كلاهما الحياة،فأوحى الله تعالى إليهما:أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب؟ آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، إهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فنزلا فكان جبرائيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، وجبرائيل ينادي بخ بخ من مثلك يا علي يباهي الله تبارك وتعالى بك الملائكة. الثعلبي في تفسيره سورة البقرة الآية 207/ إحياء علوم الدين للغزالي ج3ص238 /الشبلنجي في نور الأبصار ص86 ابن صباغ المالكي في الفصول المهمة ص 33

وما إن أرخى الليل سدوله،حتى أحاط ببيت النبي صلى الله عليه وآله عشرة من الفتية الأشداء،ينتظرون فرصة مواتية للهجوم على البيت،وتنفيذ الجريمة النكراء بقتل النبي صلى الله عليه وآله،وجاء خبر ما عزم المشركون على اقترافه بحق النبي صلى الله عليه وآله،فأخبر عليا عليه السلام،وأعلمه بأنه قد عزم على الخروج تلك الليلة إلى غار ثور،وأوصاه بعدد من الوصايا،ثم أمره بالمبيت على فراشه،والتلحّف ببردته الخضراء، للتمويه على المحاصرين للبيت،ثم خرج صلى الله عليه وآله وهو يتلو في وجوههم:" وجعلنا من بين أيبديهم سدا ومن خلفهم سدا فأشيناهم فهم لا يبصرون"،فلم يبصروه إلى أن توارى بعيدا عنهم.

كان اتفاق الفتية ومن حرضهم على اقتراف جريمتهم،أن يهجموا جميعا على البيت في الهزيع الأخير من الليل،في غفلة من سكانه وجيرانهم المحيطين به،ولما حل الموعد المتفق عليه،هجم المشركون على بيت النبي صلى الله عليه وآله،هجمة رجل واحد مؤملين تحقيق غايتهم، فانبرى لهم علي عليه السلام،من فراش النبي بعد أن أزاح بردته جانبا،شاهرا سيفه فارتدوا على أعقابهم خوفا من بطشه،فهم أترابه ويعرفون من يقف أمامهم،فصاحوا به إليك عنا يا علي، إننا لم نأتك أنت.طارت عقولهم من هول المفاجئة،فلم يملكوا أنفسهم أن سألوه:أين ابن عمك،فأجابهم لا أعلم أين هو.
ارتد الفتية إلى خارج البيت،بعد ما تأكدوا أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن هناك،وسقطت حسابات أبي جهل وأصحابه في الماء،فكادوا كيدا وكاد الله تعالى كيدا،وكانت الغلبة لله تعالى وأوليائه.         

وبنظرة بسيطة،يتبين لنا أن الدور الذي أوكله الله ورسوله صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام ليلة الهجرة هو من الأهمية بما كان،فلو لم يكن هناك علي عليه السلام،لصعب على النبي صلى الله عليه وآله استكمال عناصر هجرته،ولقد أشاد المولى سبحانه وتعالى بموقف علي عليه السلام،وانضباطه وامتثاله لأمر النبي صلى الله عليه وآله،وتضحيته بنفسه من أجله،وإنجاح خطته فانزل الله تعالى على نبيه الآية :"ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد." وقد أجمع المفسرون على نزولها في علي ليلة مبيته فدائيا على فراش النبي صلى الله عليه وآله.تفسير الثعلبي /

علي عليه السلام وإن لم يرافق النبي صلى الله عليه وآله في هجرته،فقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليه ثناء لم يتهيأ لغيره،وبات ليلته محاطا بنخبة من الفتية الأشداء،متحفزا متنمرا في ذات الله،محفوفا بحفظه تعالى ورعايته وكنفه،بينما لم يصب مرافق النبي صلى الله عليه وآله من صحبته له في الغار غير اللوم والتقريع،وأثبتت الآية خروجه من السكينة،التي أنزلها المولى على النبي صلى الله عليه وآله تثبيتا له، ولو أن الرجل شرى نفسه إبتغاء مرضاة الله كما فعل علي عليه السلام،لشملته السكينة في الغار،مثلما شملت النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين الذين صمدوا معه واستماتوا في حنين:"...ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ثم وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها..." سورة التوبة الآية25/26
قال تعالى:"إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين  ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ  يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها..." سورة التوبة الآية40

والعجيب أن عميان القلوب بحب صاحب الغار،لم يلتفتوا إلى ما تضمنته الآية من دليل واضح كالشمس،في أنها ليس فيها ما يستشف فضيلة للرجل،بل فيها نهي له من الحزن (الخوف) على نفسه،ثم استثناء له من السكينة التي نزلت على النبي صلى الله عليه وآله،فلم يصب من مكثه في الغار شيئا،مضافا إلى أنه لم يستطع أن يقنع النبي صلى الله عليه وآله بالدخول إلى المدينة،لما وصلا إلى مشارفها،وبقي صلى الله عليه وآله ينتظر موافاة أخيه وابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام،وابنته فاطمة الزهراء عليها السلام،أصحاب الفضل والمكانة الحقيقيين.

تضارب روايات هجرة النبي صلى الله عليه وآله، تدفعنا إلى القول ببطلانها،لظهور الأكاذيب فيها،فلا تكاد رواية تتفق مع أخرى في التفاصيل،مما دل على اختلاق مضامين ليست حقيقية في إطار الهجرة المباركة.
النبي صلى الله عليه وآله لا يمكنه أن يأتي إلى بيت ابن أبي قحافة،وأغلب سكانه من المشركين وفيهم من هو حرب لله ورسوله صلى الله عليه وآله، لسببين:
- إن النبي نفسه لم يكن عالما بالتوقيت النهائي لخروجه.
- سرية الأمر تفرض على النبي صلى الله عليه وآله الخروج مباشرة إلى حيث يقصد،دون الذهاب هنا أو هناك،وضمانا لعدم الانكشاف.

أما ما نقل من أن أسماء كانت تأتي لهما بالطعام،فمحض إفتراء عار من الحقيقة التي تقول، إن أسماء لم تكن موجودة في مكة في ذلك الوقت،وإنما كانت من المهاجرات إلى الحبشة في الهجرة الأولى رفقة زوجها الزبير بن العوام.

وإذا سلمنا فرضا بوجودها فيبيت أبيها في مكة عند هجرة النبي صلى الله عليه وآله ،فإننا سوف لا نقنع ولا أي عاقل معنا،بسلامة عملية نقل الطعام في ظلمة الليل،بواسطة امرأة عادة ما تكون هدفا سهلا لوحوش البرية، وقطاع الطرق المتربصين بالمارة، مضافا إلى بعد المسافة بين مكة وغار ثور،وسط حالة من الإستنفار التي كان عليها مشركوا قريش،ولو صح لابن أبي قحافة فضيلة،أو تقديم من النبي صلى الله عليه وآله،لكان بيته هو أيضا محل رقابة،فتكون المرأة إن صح خروجها،دليلا للأعداء على مكان اختفاء النبي صلى الله عليه وآله.
إن الذي حدا بنا إلى الخوض في مسألة هجرة مرافق النبي صلى الله عليه وآله،هو عامل التهويل والكذب الذين كانا السمة المميزة لتفاصيل تلك الرفقة، والتي أريد منها إيجاد مقام يرفع الرجل إلى حيث قذفه بنو أمية،والعملية كلها تغطية وتقليل من شأن مبيت علي عليه السلام فدائيا على فراش النبي صلى الله عليه وآله، لذلك ارتأيت التعريج على المسألة باختصار لبيان بعض النقاط الهامة التي أسقطت من حسابات الكذابين والوضاعين، ففضحهم الله من حيث لا يتوقعون.

فداء علي عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله،استمر طوال حياته الشريفة،فأحد وحنين ستظلان شاهدين آخرين،على أن علي عليه السلام ألقى بنفسه في غمراتهما،واستمات في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله،بعد فرار الصحابة عنه،ولو لم يكن علي عليه السلام هناك لحصل له مكروه.
مقابل تساقط رموز الكذب والبهتان، بقي علي عليه السلام عاليا لم تفلح النيل منه حملات الأعداء في كل عصر ومصر، وقدر علي عليه السلام أن يكون محبوه وشيعته قلة من المستضعفين،وقدره أيضا أن تبقى خصائصه خافية عن بصائر البقية،بحسب اصطباغ القلوب بصبغ الإيمان والنفاق.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة