المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 5 جمادى الاولى 1428 - مقامات علوية (11) -أول الناس إسلاما-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

مقامات علوية
الحلقة الحادية عشر
أول الناس إسلاما

ما فتئ علي عليه السلام يتعرض للدس والتشويه،وقلب الحقائق فيما تعلق بخصائصه وسيرته، فلم يسلم من الطعن والتشكيك والتكذيب شيء،سوى نزر يسير تركه المبطلون،لأنه لا يترتب عليه حسب رأيهم،خطر ظهور حقيقة علي عليه السلام للأمة.
والنزر الذي سلم من الأيدي الآثمة،وقع تأويله تأويلا لا يتفق ومعانيه المقصودة من النبي صلى الله عليه وآله.

ورد خصائص سيد العرب عليه السلام، عمل دأبت عليه عصابات النفاق منذ تأسست حتى يوم الناس هذا،الغرابة هنا ليست في تكذيب الأحاديث التي بين فيها النبي صلى الله عليه وآله ما امتاز به علي عليه السلام عن غيره،بل تكمن في إنكار حتى المسلمات التاريخية التي لا تقبل الطعن.  
في هذه المقامة،نستعرض الخاصية التي حازها علي عليه السلام دون بقية الأمة،وتتعلق بسبقه إلى دين الله تعالى،والإيمان بنبيه الخاتم صلى الله عليه وآله،هذه الخاصية لم تسلم هي الأخرى من إرجاف الجهلة والمنافقين.

عن أبي أيوب قال:قال رسول الله صلى الله عليه وآله:لقد صلّت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين لأنا كنا نصلي وليس معنا أحد يصلي غيرنا.أسد الغابة لابن الأثير ج4ص94 ح3783 فرائد السمطين ج1ص242ح187
علي عليه السلام الذي استجاب لله ورسوله صلى الله عليه وآله،وهو في سن يناهز العشر سنوات، لم يعجب المناوئين له أن يسبق أصحابهم،فحاولوا تقديمهم عليه بدعوى أنه أول من أسلم من الصبيان.
وهل كانت دعوة النبي صلى الله عليه وآله موجهة إلى الصبيان،حتى يدّعي مدّع  هذه الفرية؟
وهل كان هناك صبيان آخرون غير علي عليه السلام قد أسلموا،حتى يمكن للمصنفين أن يدرجوا عليا ضمنهم وعلى رأسهم؟
ولكي ينطلي تصنيف هؤلاء على المسلمين،زادوا فألحقوا زيد بن حارثة في الموالي،وقالوا بأنه أول من أسلم منهم،وأول من أسلم من النساء خديجة عليها السلام،ليفسحوا المجال لمنقبة وهمية لصاحبهم.

نقل الحلبي عن ابن صلاح قوله:والأورع أن يقال أول من أسلم من الرجال الأحرار غير الموالي أبو بكر،ومن الصبيان علي،ومن النساء خديجة،ومن الموالي زيد بن حارثة.وهو المشهور عند أهل السنة. السيرة الحلبية ج1 ص275

أما بقية من أسلموا قبل الشيخين- ولم يقرءوا لهم حسابا- فهم من المؤمنين الصادقين، أمثال أبي ذر الغفاري،وجعفر بن أبي طالب،وفاطمة بنت أسد ....
قبل أن يبادر أصحاب هؤلاء، إلى إعلان إسلامهم، والذي يؤكد صحة دعوانا، ما نقله الحفاظ عن ترتيب،مر من بين أيد أبت غير البهتان والتلفيق،ولم تتفطن لذلك.
هذا من حيث الترتيب الشخصي، أما من حيث البعد الزمني الفاصل بين إسلام السابقين الأوائل وبين أبي بكر فيعد بالشهور والسنوات.
وما جاء من تصنيف لمراحل الدعوة في الكتاب العزيز يؤكد ذلك البعد،حيث أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن مأمورا بغير دعوة عشيرته،لقوله تعالى:"وأنذر عشيرتك الأقربين."
حيث استمر النبي صلى الله عليه وآله،في دعوة بني عبد المطلب، وبني هاشم فترة كافية،لتترك مسافة زمنية يصعب التغافل عنها.

وما قيل من علاقة صحبة بين النبي صلى الله عليه وآله وأبي بكر، كانت عامل سبقه لدين الله،لم تثبت لفارق السن بينهما، مضافا إلى فارق القبيلة والمقام، ومن حاول إلصاق صحبة الرجل للنبي صلى الله عليه وآله،لم ينتبه إلى أن العلاقات في ذلك المجتمع محكومة بالقرابة والمرتبة القبلية والحرفة التي يتعاطاها، وكل تلك العناصر غير متوفر ما يوجب بها تقارب وصحبة.

حتى الصحبة التي حصلت في هجرة النبي صلى الله عليه وآله، لم تكن مبنية على أساس من الصحبة القديمة الموهومة،لأن النبي صلى الله عليه وآله،لما بلغه موعد الهجرة كان في بيته ولم يتصل بأحد من المسلمين،ولا يمكنه فعل ذلك لأنه تحت رقابة المشركين،والوحيد الذي له علم بتوقيت خروج النبي صلى الله عليه وآله من بيته هو علي عليه السلام، وما قيل من ذهاب النبي صلى الله عليه وآله إلى بيت أبي بكر لا يصح لأن بيت أبي بكر أغلب أفراده مشركين،ولم يترتب لقاء لأجل الهجرة،والصدفة وحدها هي التي وضعت أبا بكر في طريق النبي صلى الله عليه وآله، فطلب الأخير مرافقته فقبل.    

إن المتأمل لسيرة علي عليه السلام خلال الفترة المكية،يقف على حقيقة هذا الفتى الذي آمن بربه وزاده هدى،فما قدمه لله تعالى لا يمكن حجبه بأي حال من الأحوال،لقد كان علي عليه السلام بحق الساعد الذي لا يكلّ، والروحية التي لا تملّ عمل في كل الظروف،واجتهد في حالات العسر،كما في حالات اليسر،وكان بحق الدرع الذي هابه طوال تلك الفترة،صغار المشركين وكبارهم،ولولا علي عليه السلام وأبوه سيد مكة،لما تحقق للنبي صلى الله عليه وآله الركن الشديد،الذي كان يأوي إليه.

كان علي عليه السلام السابق إلى دين الله،وبقي منفردا في سبقه مدة من الزمن لا يستهان بها، فقد
أخرج الحاكم بسنده الذي استدركه على الشيخين البخاري ومسلم،ولم يخرجاه (لأسباب مذهبية وعصبية) عن النبي صلى الله عليه وآله:أول هذه الأمة ورودا على الحوض أولهم إسلاما علي بن أبي طالب عليه السلام.المستدرك ج3ص136 /السيرة الحلبي ج1ص275/الاستيعاب لابن عبد البر ج2ص457

 وعن عفيف الكندي قال:كنت أمر تاجرا فقدمت للحج واتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة، وكان العباس صديقا، وكان يختلف إلى اليمن يشتري العطر، ويبيعه أيام الموسم،  فبينما أنا عند العباس بمكة في المسجد إذا رجل مجتمع خرج من خباء قريب منه فنظر إلى الشمس فلما رآها مالت ، توضأ فأسبغ الوضوء، ثم قام يصلى إلى الكعبة ،  ثم خرج غلام قارب البلوغ فتوضأ، ثم قام إلى جنبه يصلي، ثم جاءت امرأة من ذلك  الخباء فقامت خلفهما، ثم ركع الرجل وركع الغلام وركعت المرأة، ثم خر الرجل ساجدا وخر الغلام وخرت المرأة،فقلت ويحك يا عباس ما هذا الدين؟فقال :هذا دين محمد بن عبد الله أخي يزعم أن الله بعثه رسولا، وهذا ابن أخي علي بن أبي طالب ، وهذه امرأته خديجة. السيرة الحلبية ج1ص270/271

سبق علي عليه السلام إلى كل المكارم، بدا من دين الله تعالى، ومرورا بأخلاق وعلوم النبي صلى الله عليه وآله،لا يختف فيها عاقلان،ولا يرد خصائص بطل الإسلام والعالم يكل تفاصيله،وسيف الله تعالى المسلول،الذي صنع النصر في مواطن،غير معاند لم يصب من الدين غير قشور لا تسمن ولا تغني من جوع.
وشتان بين أن يدخل الإنسان إلى دين الله تعالى، نقي السريرة على الفطرة،وبعد رعاية وعناية من أفضل خلق الله خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله، وبين من أبلى جسده وعقله وروحه في جاهلية لم تعرف النور،"قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور."

ويبقى علي عليه السلام الأول بعد النبي صلى الله عليه وآله في كل شيء،لا يمكن لأحد أن يسبقه إلى فضيلة،ولا أن يجاريه في خاصية،ولا يدافعه عن رفعة، ولا يدانيه في طهر، علما هاديا ومثالا باديا،لا يستقر حبه إلا في قلوب المؤمنين،فاستفت قلبك أيها القارئ إن كنت مؤمنا،فحب علي سيداعب فؤادك ويستقر في أعماقه.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة