المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 6 جمادى الثانية 1428 - مقامات علوية (14) -لا يؤدي عنك إلا أنت أو أحد منك-
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

مقامات علوية
الحلقة الرابعة عشر
لا يؤدي عنك إلا أنت أو أحد منك

في السنة التاسعة من الهجرة المباركة،صدر أمر من النبي صلى الله عليه وآله للناس بالتجهّز للحج،وقد كان دأب رسول الله  صلى الله عليه وآله،تأمير رجل على كل بعث يرسله،سلما كانت غايته أم حربا.
ولما قرب حلول شهر ذي الحجة،وأتم الناس استعدادتهم للخروج إلى بيت الله الحرام،أمّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابن أبي قحافة على الجموع،وحمّله سورة البراءة ليقرأها على الناس في الموسم.
ولم يكن ذلك التعيين تفضيلا للرجل على بقية الصحابة،فضلا عن علي عليه السلام،لسبب واحد وبسيط أعقب ذلك التعيين،وهو عزله عن أدائه،ولقد كان عيّنه من قبل على بعث ذات السلاسل، وخيبر فلم يفلح في تحقيق شيء،وكانت الهزيمة والاندحار في حال من الجبن والتشتت مصير إمارتي ابن أبي قحافة.  

لم يبتعد ركب الحجاج كثيرا عن المدينة،حتى نزل جبرائيل عليه السلام بأمر الله تعالى،قائلا للنبي صلى الله عليه وآله:"إن الله يقرئك  السلام ويقول لك،لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك".فاستدعى عليا وقال له:اركب ناقتي العضباء،والحق أبا بكر فخذ البراءة من يده، وامض بها إلى مكة،وانبذ بها عهد المشركين إليهم،وخير أبا بكر بين أن يسير مع ركابك،أو يرجع إلي. فركب أمير المؤمنين ناقة رسول الله العضباء،وسار حتى لحق بأبي بكر،فلما رآه فزع من لحوقه به،واستقبله فقال:فيم جئت يا أبا الحسن؟أسائر أنت أم لغير ذلك؟فقال:من رسول الله أمرني أن ألحقك،فأقبض منك الآيات من براءة،وانبذ بها عهد المشركين إليهم،وأمرني أن أخيرك بين أن تسير معي،أو ترجع إليه،فقال بل أرجع إليه.وعاد إلى النبي،فلما دخل عليه قال:يا رسول الله إنك أهلتني لأمر طالت الأعناق إلي فيه،فلما توجهت له رددتني عنه،مالي أنزل في قرآن؟فقال:لا،ولكن الأمين جبرائيل هبط إلي عن الله عز وجل،بأنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك،وعلي مني ولا يؤدي عني إلا علي.أعيان الشيعة ج1ص416
ذكرت الرواية أن الرجل قد رجع إلى النبي صلى الله عليه وآله،بعد أن خيره علي عليه السلام بين البقاء تحت إمرته وبين الرجوع،وهي لعمري دليل على تذبذب في شخصيته،وتردد في إيمانه،لأنه لو لم يكن همه طلب الإمارة والرئاسة،لخير البقاء في وفد الحج،لما في ذلك من الأجر العميم والخير الوفير.

ومثلما اعتاد فريق التحريف على نسج خيوط عناكبه في استبدال الحقائق بأوهام من وحي شياطينهم،فقد التفت إلى خطورة الإقالة والعزل على صاحبهم،وإنها لو بقيت بلا رديف معارض،أو تحريف مناقض،فإنها ستكشف بالدليل على عدم أهلية قيادة ابن أبي قحافة في السلم،كما ثبت عدم أهليته في الحرب،ومثلما عزله رسول الله صلى الله عليه وآله عن الصلاة،عندما سمع صوته وهو يؤم المصلين بمسجده دون إذن منه،وهو الذي أوعبه النبي صلى الله عليه وآله في جيش أسامة،ومن المفروض أن يكون تواجده في معسكر الجيش خارج المدينة،إحباطا لمؤامرة الصلاة بالناس للتمويه على المسلمين،وعزله النبي صلى الله عليه وآله هذه المرة،بعدما قلده إمارة الحج،لينبّه الناس أن الرجل لا يصلح لأمر،وعلي عليه السلام موجود بين ظهراني هؤلاء المتربصين بالزعامة والقيادة.

تحريف الحادثة جاء ليبقي ابن أبي قحافة أميرا على الحج،ويوقف دور علي عليه السلام على تلاوة الآيات من سورة براءة:
عن جابر،أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة،بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه حتى إذا كان بالعرج،ثوب بالصبح ثم استوى ليكبر،فسمع الرغوة خلف ظهره،فوقف على التكبير،فقال:هذه رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء،لقد بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج،فلعله أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصلي معه،فإذا علي عليها،فقال له أبو بكر:أمير أم رسول؟قال:لا بل رسول أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة،أقرؤها على الناس في مواقف الحج.فقدمنا مكة،فلما كان قبل التروية بيوم،قام أبو بكر رضي الله عنه فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم،حتى إذا فرغ،قام علي رضي الله عنه فقرأ على الناس براءة حتى ختمها،ثم خرجنا معه،حتى إذا كان يوم عرفة،قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم،حتى إذا فرغ قام علي،فقرأ على الناس براءة حتى ختمها،ثم كان يوم النحر فأفضنا،فلما رجع أبو بكر،خطب الناس فحدثهم عن إفاضتهم،وعن نحرهم،وعن مناسكهم،فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها،فلما كان يوم النفر الأول،قام أبو بكر فخطب الناس،فحدثهم كيف ينفرون وكيف يرمون،فعلمهم مناسكهم،فلما فرغ قام علي فقرأ براءة على الناس حتى ختمها. النسائي كتاب مناسك الحج ح2943
الرواية بما حوته من تداعيات ينطبق عليها المثل الذي يقول:كاد المريب أن يقول خذوني.

من المسلم به أن عليا عليه السلام لم يتأمر عليه أحد مطلقا باستثناء رسول الله صلى الله عليه وآله،لذلك فانه من البهتان المفضوح الادعاء بخلاف تلك الحقيقة الواضحة وضوح الشمس،فمن قال غير ذلك فهو مفتر كذاب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله،هذا من ناحية القيادة،أما من ناحية البلاغة والفقه والقضاء والعلم والمعرفة فان عليا لا يقاس به أحد أبدا، ولئن كان النبي قد أجاز له أن يقضي بين الخصوم في حضوره وأرسله عدة مرات لفصل النزاع والصلح وأداء الحقوق لمستحقيها،والسيرة شاهدة على ما تميز به علي عليه السلام،فان غير علي عليه السلام لم ير له أثر يذكر في قيادة موفقة أو كلام وبلاغ مرضي لله ورسوله وما حصل من إعراض النبي صلى الله عليه وآله عن ابن أبي قحافة عندما تكلم يوم بدر بكلام لم يعجبه فاعرض عنه وقد أشرت إلى ذلك في الحلقة الخاصة ببدر والتي حملت عنوان:"سيف الله المسلول."

أما ما جاء من دعوى إقامة شعائر الحج في تلك السنة على الوجه المعروف،فان ذلك يحتاج إلى إثبات،بل لعل الصواب هو القول بأن بيان مناسك الحج جاء في السنة العاشرة من الهجرة عندما حج النبي صلى الله عليه وآله حجته الوحيدة المعروفة بحجة الوداع،ليعلم الناس آخر شعائرهم ويتمم لهم دينهم،ثم من أين لابن أبي قحافة القدرة على تعليم الناس مناسك حجهم، وهي شعيرة لم يطبقها النبي حتى يأخذها بقية الصحابة عنه،أتراه وحي نزل عليه فلا نعلمه؟أم إن فرائض الحج وسننه وأركانه ومحرماته ومكروهاته،كيفية بدءه وانتهائه،هي من خواص ابن أبي قحافة؟عشت أراك الدهر عجبا.   

ولا عجب في ما اقترفته الأيدي الآثمة في حق علي عليه السلام،لكن العجب يأخذك أي مأخذ عندما ترى أولئك الذين غابت عقولهم عن وعي إدراك الحقيقة،والتمييز بين الصدق والكذب، تنطلي عليهم مثل هذه الروايات،العارية تماما من قرينة الإقناع،بما حوته من دس لا يمت إلى واقع الأمر بصلة،فعلي عليه السلام لم يتأمر عليه أحد في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم،سواء أرسله للغزو والحرب أم أرسله للمصالحة والمفاوضة والسلم،حتى عندما تركه في المدينة عند ذهابه إلى غزو الروم جعله واليا عليها وأميرا مقدما فيها،أوكل إليه المهام التي كان مباشرا لها بنفسه،لعلمه بأنه أكفا ما هو موجود حوله،ليكون وحده صمام الأمان للمدينة،من منافقين أعدوا العدة للاستيلاء عليها،وفي تلك الحادثة صرح النبي صلى الله عليه وآله قائلا لعلي عليه السلام:"أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي." أخرجه جميع الحفاظ باتفاق.

وحديث المنزلة لمن تتبع منزلة هارون من موسى في كتاب الله،يجد لعلي عليه السلام فيه مقام التبليغ من بين بقية المقامات كالأخوة والوزارة وشد الأزر والإشراك في الأمر.قال تعالى:" ..وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني.." القصص الاية34
وفصاحة علي عليه السلام ليست من الدعاوى الخالية من قرينة الإثبات، فهذه خطبه العجيبة المجموعة في كتاب نهج البلاغة،متداولة بين الناس ينهلون منها روي البيان،وفنون البلاغة والبديع،ولم يأنس بها أحد ورجع من حياضها ظامئا،وما توجه تلقاءها متعلم ورجع خالي الوفاض،حتى قال القائل في كلام علي عليه السلام:هو دون كلام الله تعالى،وفوق كلام البشر.
وابن أبي قحافة لم يعرف في الخطباء،ولم يصنف من العلماء،ومنتهى القول فيه أنه كان نسابة، ولا أراه يفوق صاحبه في السقيفة عندما عجز عن معرفة الأبّ،فقال مقالته الشهيرة على منبر النبي صلى الله عليه وآله:"وفاكهة وأبّا"وما يدريكم ما الأبّ؟ ما عرفتموه من كتاب الله فخذوا به وما لم تعرفوا فكلوه إلى ربه. 
 
لقد كان رسول الله متيقنا من علي عليه السلام،ووزنه الكبير في الجيش الإسلامي،لكنه مع ذلك تركه لمهمة لا تقل قيمة عن مشاركته الغزو،فقد قال له وقتها:" يجب أن تبقى أو أن أبقى."لذلك فانه من بذيء الكلام أن نلوك ما اجتره أعداء علي عليه السلام من سقيم القول في شأنه.

من الآيات التي نزلت في حق علي عليه السلام،وكانت من خصوصياته التي لم يشاركه فيها أحد، هذه الآية المتعلقة بالحج الأكبر،لتي نسبت له صفة هامة وعظيمة متصلة بالتبليغ،فقد أضافت الآية لعلي عليه السلام لقبا آخر،لا يقل قيمة عن بقية الألقاب التي حازها وانفرد بها دون بقية الصحابة،وهي كونه آذانا من الله ورسوله صلى الله عليه وآله،ولم  يصف  المولى تعالى الحج بالأكبر،إلا لمحل علي عليه السلام فيه من قيادة وإدارة وبلاغا،ومن قال خلاف ذلك،فانه إلى التحريف وتزييف الحقائق والمسلمات أقرب منه إلى أي شيء آخر.
قال تعالى:"وآذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله..." التوبة الآية 2  

عن الحارث بن مالك قال أتيت مكة فلقيت سعد بن أبي وقاص فقلت:هل سمعت لعلي منقبة؟قال:لقد شهدت له أربعا،لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من الدنيا أعمر فيها مثل عمر نوح،إن رسول الله بعث أبا بكر ببراءة إلى مشركي قريش،فسار بها يوما وليلة،ثم قال لعلي :اتبع أبا بكر فخذها وبلغها."فرد علي أبا بكر،فرجع يبكي،فقال:يا رسول الله أنزل في شيء؟قال:لا إلا خيرا،انه ليس يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني. مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر ج17ص333 ترجمة الإمام علي بن أبي طالب/الدر المنثور للسوطي ج4ص/124 فتح الباري لابن حجر ج8ص318 
عن أنس بن مالك قال:بعث النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر،ثم دعاه فقال:لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي.فدعا عليا فأعطاه إياها.الترمذي كتاب تفسير القرآن ح3015
وقد عثرت في أثناء بحثي على روايتين لأبي هريرة،واحدة ذهبت في طريق تحريف حقيقة أن عليا عليه السلام كان أميرا على الحج الأكبر،والرواية الثانية جاءت بخلاف الأولى،وقد تضمنت اعترافا بأن الرجل قد جاء مع علي عليه السلام حين بعثه ببراءة، وأنا إذ  استبعد وجود أبي هريرة من أساسه في ذلك البعث لكون الرجل في البحرين مع العلاء الحضرمي،وإذا اختلفت الروايتان سقطت التي لم تجد أخرى تؤيدها.

عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه قال جئت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة قال:ما كنتم تنادون؟ قال:كنا ننادي إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة،ولا يطوف بالبيت عريان،ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد،فأجله أو أمده إلى أربعة أشهر،فإذا مضت الأربعة أشهر فإن ( الله بريء من المشركين ورسوله )،ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي.النسائي كتاب مناسك الحج ح 2909
وأبو هريرة هذا،من الذين كانوا لا يتورعون عن الكذب،من أجل نوال نصيب من الدنيا، فقد كان من الذين خيروا الانزواء بعيدا عن الجهاد في سبيل الله،ونصرة الإمام المفترض الطاعة علي بن أبي طالب عليه السلام،في مواجهة فتنة معاوية الطليق،عمرو بن العاص،والمغيرة بن شعبة، ومروان بن الحكم،وبني أمية ومن ناصرهم على جرائمهم،حتى إذا ما استطال الباطل على الحق، كان الرجل مع من التحق بالشام طلبا للدنيا،ومن جملة المهنئين،وفي عداد المؤيدين بلسانه أما قلبه فنوكله إلى الله تعالى، لأنه العالم بما في الصدور،فقربه المناوئون لعلي عليه السلام،ووجدوا فيه مادة دسمة للكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله،فكان يوافقهم على سياساتهم،وينشر لهم من مزود كذبه ما يقيمون به ظلمهم.
لقائل أن يقول لماذا أرسل النبي صلى الله عليه وآله أبا بكر أميرا على بعث الحج،ولم يرسل عليا عليه السلام منذ البداية؟
وفي جوابه نقول:إن النبي صلى الله عليه وآله كان يرغب في إبقاء علي عليه السلام إلى جانبه، ويفضل إرسال غيره في المهمات السهلة،التي لا تتطلب من متقلدها جهدا ورأيا كالذي عند علي عليه السلام،والملتفت إلى إنفاذ النبي صلى الله عليه وآله لابن أبي قحافة،أميرا على الحج الأكبر في المرة الأولى،يقف على سماحته صلى الله عليه وآله وبعد نظره ومداراته للقرشيين،الذين كانوا لا يطيقون عليا عليه السلام،لأنه وترهم صناديدهم،وقتل ذوي أرحامهم،فكانت نيته صلى الله عليه وآله من ذلك التعيين منصرفة إلى تهدئة خواطر الذين لا تزال قلوبهم تختزن من البغض والضغينة له ولعلي عليه السلام.

ولكن يبدو تغيّر الظروف بعد ذلك ممى استدعى الأمر،وهو عزل ابن أبي قحافة للتدليل على كونه لا يصلح للأمارة، وعلي عليه السلام موجود،كما إن البلاغ المزمع إذاعته على المشركين لا يؤديه إلا واحد من اثنين: إما النبي صلى الله عليه وآله أو علي عليه السلام.

دلالات أحقية علي عليه السلام وفضله ومكانته أكبر من أن تستوعبها ورقات أو تأتي على آخرها حلقات هذا البيان،وانه لمن الظلم مقاسية علي عليه السلام بمن لا يساويه في شيء أبدا،فقد تستقيم مقايسة الذهب بالتبر الخالص،  لمعرفة أيهما أغلى وأفضل، ولكن لا تستقيم مقايسة التبر بالتبن، لأنه لا علاقة بين الثريا والثرى.
ومهما رفع الظالمون من مقامات أوليائهم ليجاروا مقام علي عليه السلام، فان تلك المحاولات مفضوحة لا تستند إلى أدلة صحيحة وهي في اغلبها مبنية على الوهم والكذب والافتراء على الله ورسوله."يريدون أن ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون."سورة التوبة الآية 32

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة