المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 6 رجب 1428 - رد على جريدة الوطن
البريد الالكتروني

بسم الله الرحمان الرحيم

رد على جريدة الوطن

لا تزال بعض فئات شرائح هذه الأمة،ممن حسبوا على الثقافة والعلم،يتراوحون في أماكن أقل ما يقال عنها أنها مشبوهة،ولم تخرج حركاتهم ولا صيحاتهم ولا كتاباتهم عن دائرة اللاوعي،غير ذات جدوى،لم تستقر يوما في محصلة العقول المستنيرة الواعية،معتبرين إياها جعجعة بلا طحن.

تصفحت أسبوعية(الوطن)لسان حال (الاتحاد الديمقراطي الوحدوي)فاستغربت من وجود صورتي في أعلى الصفحة الأولى،وفي الصفحة الرابعة،وزاد استغرابي من الصورة البشعة،التي توسطت العنوانين البارزين،لملف كشف صاحبه منذ الانطلاق،أن غايته من وراء الحديث عن الشيعة والتشيع غير بريئة بالمرة،جعله منطلقا لاستدراج واستفزاز الشيعة ومخالفيهم على حد سواء،وبدون إذن يليق بكل من يعرف أدب الاستئذان،انطلق في نشر ملفه عن الشيعة بأسلوب بعيد عن العلم والبحث النزيه الخالي من مقدمات الإيعاز،ومضمون التحريض،وخاتمة الاركاس في الفتنة الطائفية،التي نحن في غنى عنها.

نور الدين المباركي في محصل ما تفتقت به قريحته،كأولئك الذين يمموا وجوههم شطر العراق يريدون جهاد المحتل الأمريكي،فإذا هم يساقون لقتل الأبرياء العراقيين بالأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة، المقصد في ظاهره مشروع وجميل، لكن النتيجة جرائم يندى لها جبين البشرية.
لم يقرأ للشيعة الامامية الاثني عشرية كتابا،ولا نراه من خلال ما ضمنه ملفه،مميز بين عصمة الأئمة الاثني عشر،وعدالة ولي الفقيه الجامع لشرائط الفقه،فقرن العصمة بولي الفقيه ولست أدري من أين جاء بهذا الخلط الدال على عدم معرفة بأبسط  المفاهيم الشيعية..

أجهد كاتب المقال نفسه،في العثور على دليل يورط الأشخاص الذين تحدث عنهم ونشر صورهم،كأنما  يريد أن ينبه المجتمع التونسي إلى شيء ما تعلق بهؤلاء(إذا كانت صحيفته تمتلك المصداقية والعمق الشعبي)وحاول أن يمسك بخيط يوصله إلى إثبات وجود علاقات سياسية تنظيمية بين الجمهورية الإسلامية في إيران،وبين هؤلاء الأشخاص،فلم يجد شيئا يذكر سوى ما حاول الإيهام به من أن التشيع في تونس خارجي النشأة.
وما أتاه صاحب المقال ليس مستغربا،بل هو منتظر ومتوقع من صحافة منجرة وراء عاطفة الانتماء الفكري المتعصب،مستعملة أسلوب الإقصاء والاتهام والتهميش والتواطؤ.

اختلطت أوراق الصحفي،فلم يعد يدري ما ينشره عن الشيعة في تونس،والتشيع عموما،لكنه في ذات الوقت وعى وجهة واحدة ساق قلمه إليها،وهي محاولة إظهار التشيع في أسوء صورة.. والشيعة في أبشع مظهر،كأنما هو يتحدث عن طائفة من الأمة الإسلامية انقرضت واندرست آثارها،ولم يعد هناك من يدافع عنها.
بداية،استرعي انتباهي الحيز الضئيل الذي خصصه للتعريف بالتشيع،فثمانية أسطر من أعمدة الصحافة،لا يمكن أن تعطي صورة واضحة عن معتقدات طائفة منتشرة في كافة أصقاع العالم،أسست بنيانها على إتباع النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الهداة من أهل بيته.
مما زاد تأكيدا على أن كاتب المقال سعى جاهدا لتشويه صورة التشيع،بعدما تناهى إليه خبر المد الشيعي،الذي دقت من أجله جامعة الدول العربية ناقوس الخطر،وصدرت من خلالها توصيات وقرارات،لن تستطيع أن تطفئ نور الله .

الباحث النزيه الذي ينشد الوصول إلى غايته وهي موضوعية البحث،لابد له من أن ينظر أولا في محتوى أمهات مصادر الطائفة التي يريد مناقشة أفكارها ومعتقداتها،ثم يمكنه بعد ذلك الالتفات إلى من سبقه في مجرى النقد والطعن،وأرى أن كاتب المقال لم يسلك الوجهة الصحيحة،ولا أخاله قرأ كتابا شيعيا واحدا كاملا.
لذلك أقول مختصرا:

الشيعة لغة من شايع مشايعة بمعنى اتبع،أما اصطلاحا فتطلق على المسلمين الذين اتبعوا عليا وأهل بيته عليهم السلام،وتشيع هؤلاء هو في حقيقته موالاة لعلي والأئمة من ذريته عليهم السلام،امتثالا للنصوص الصحيحة والمستفيضة،التي صدرت عن الوحي،كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:"سيكون عليكم اثنا عشر خليفة من بعدي."وخلفاء النبي كما يعتقد به الشيعة،هم الأئمة الاثني عشر الذين أوكلت إليهم مهمة حفظ الدين وجمع الأمة على أحكام الله تعالى بعد مرحلة النبوة،وهم تباعا الإمام علي ثم الإمام الحسن ثم الإمام الحسين ثم الإمام علي بن الحسين ثم الإمام محمد بن علي ثم الإمام جعفر بن محمد ثم الإمام الإمام موسى بن جعفر ثم الإمام الإمام علي بن موسى ثم الإمام محمد بن علي ثم الإمام علي بن محمد ثم الإمام الحسن بن علي ثم الإمام الإمام محمد بن الحسن المهدي عليهم السلام.

يبقى أن نشير هنا إلى أن الشيعة الامامية الاثني عشرية،هي الفرقة الوحيدة التي تمسك بأسماء قادتها كاملة،بينما لم تهتد البقية إلى  خلفائها طبق العدد،وزيادة في إثبات الحجة بأن الوحي نص على من سيلي قيادة الأمة بعد النبي(ص)لا بأس من ذكر أهم النصوص المشيرة إلى ذلك،كحديث الغدير،وحديث الثقلين،وحديث المنزلة،وبقية الأحاديث والآيات التي جاءت في حق علي وذريته الهداة عليهم السلام،والتي لم تجد بقية الفرق المخالفة للشيعة بدا من إخراجها في أمهات كتبها،كالمجاميع الروائية الستة المعروفة بالصحاح،اعترافا منهم بصحة صدورها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ولعل الاستدلال الشيعة على ما اصطلح عليه بالسنة- لأننا نؤمن بأن السنة الصحيحة التي لم تنفذ إليها الإسرائيليات والموضوعات،والتي لم تحترق بأيدي الخليفتين الأولين،كما نص على ذلك ابن سعد في طبقاته الكبرى،هي عند أئمة أهل البيت عليهم السلام- واحتجاجهم عليهم من كتبهم،هما العاملان الرئيسيان اللذان جعلا المسلمين يقتنعون بوجاهة الحجة وقوتها،وكيف لا تكون كذلك وهي مخرجة من كتب المخالفين للشيعة.

انزلق كاتب المقال في مستنقع الاستخفاف بعقيدة المهدي المنتظر،والحال أن الفريقين اختلفا في عدة مسائل في الفروع والأصول،واتفقا في عدد آخر،منها صحة الاعتقاد بخروج مصلح في آخر الزمان،بشر به النبي (ص) بقوله: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أهل بيتي بواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
سنن أبو داود كتاب المهدي ح3733 و3736/سنن ابن ماجة كتاب الفتن ح4072 مسند أحمد
أحاديث8758/10780/10791/10887/10898/11061/11238/ 13866 كتاب باقي
مسند المكثرين.

وقد اتفق السنة والشيعة،على الإقرار بوجود المهدي المنتظر عجل الله فرجه،والإيمان به كمنقذ للدين في آخر الزمان،وقد استفاض في إخراج أحاديث الإمام المهدي حفاظ السنة قبل حفاظ الشيعة،كل ما في الأمر أن المهدي المنتظر الذي يؤمن به الشيعة مولود،والذي يعتقده السنة سيخرج في آخر الزمان،كما في النصوص عند كليهما،الاختلاف بسيط، والاتفاق على أن المنقذ واحد.
وقد ألف السنة والشيعة على حد سواء،كتبا مستقلة عن الإمام المهدي المنتظر عليه السلام،وهي منتشرة بالعشرات في المكتبات.ولا أرى عاقلا ينتمي إلى الإسلام لا يؤمن بهذا الرجل المصلح،الذي سيأتي منقذا للأمة ودينها من إفساد المفسدين،وعرقلة الظالمين،وجور الطواغيت والمستكبرين،لأن عقيدة المهدي المنتظر هي قرآنية قبل أن تكون تفسيرا نبويا، لقوله تعالى:"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون." سورة التوبة الآية 33 وهذه الآية إخبار غيبي لم يتحقق في عهد النبي (ص)

الشيعة يعتقدون أن الدين ينقسم إلى قسمين عقيدة وشريعة، أما العقيدة فهي خمسة أركان وهي العبادات القلبية التي يتأسس عليها الاعتقاد الصحيح،أولها الإيمان بوحدانية الله بديع السماوات والأرض وخالق الكون الحياة،والإقرار به واحد أحد فردا صمدا ليس كمثله شيء، واعتبار الصفات التي وصف ذاته المقدسة بها هي يعن ذاته ونفي كل صفة سلبية عنه، وانه لا يرى في الدنيا كما لا يرى في الآخرة، لقوله جل من قائل:" لن تراني." ولن هنا تفيد التأبيد.
الركن الثاني من عقيدة الشيعة هو العدل وهو الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى عادل في حكمه وتصرفه،بمعنى أنه لا يمكن أن يدخل المستحق للعذاب إلى الجنة،والمستحق للجنة إلى النار، وعدالته جل شانه اختزلها قوله تعالى :" ومن يعمل مثقال درة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره."وغير الشيعة يقولون خلافهم وينسبون القبح والشر لله تعالى.

أما الركن الثالث فهو الاعتقاد بأن الله تعالى جعل بينه وبين خلقه أنبياء ومرسلين،ليكونوا واسطة وسببا،حملهم كلامه ورسالاته،وسددهم بالعصمة فهم لا يخطئون،لا في التبليغ ولا في غيره من أوجه الحياة،لأن الدين أساسا جاء ليصلح أمر الدنيا،والعلاقات الإنسانية قبل الآخرة،ومن يعتقد بعدم عصمة الأنبياء عندهم فهو ناقص في عقيدته،ولو عاد ما يسمى بأهل السنة إلى ما اصطلحوا عليه بالصحاح،لوجدوا افتراءات كثيرة على النبي(ص)،هيئت أسباب تطاول أعداء الإسلام على النبي(ص)،وبلغ الأمر بالمسلمين المحسوبين على السنة،أن يقبلوا تطاول عمر على النبي(ص)واتهامه بالهذيان في مرضه الذي مات فيه،ولا يقبلوا أن يستنكر أحد على عمر فعلته الشنيعة تلك.

أما الركن الرابع وهو الإمامة فقد أشرت إليه قبلا.
بقي الركن الأخير وهو مما لا حاجة إلى الحديث عنه،لأنه مجمع عليه من كافة الفرق الإسلامية،وهو المعاد.
أما في ما يخص أصول الفقه عند الامامية الاثني عشرية،فهي أربعة:القرآن الكريم،والسنة النبوية المطهرة المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام،والإجماع،والعقل.
أما الفقه والاجتهاد،فان الامامية الاثني عشرية قد أولوا الفقه عناية كبرى،فأنشئوا له الحوزات العلمية المستقلة،التي تدار من طرف علماء معروفين،ومشهود لهم بالكفاءة والمقدرة،فتخرج من تلك المجاميع العلمية،آلاف العلماء والمجتهدين والمراجع،وبقي الفقه الامامي الاثني عشري حيا،وبقي باب الاجتهاد مفتوحا إلى اليوم،بينما الناظر إلى حال بقية الفرق،يتأسف على المآل الذي أفضت إليه،تعصب وجهل وتطرف وإرهاب وتفاهة،أقلها الدكتور أحمد جمعة يفتي بجواز التبرك ببول النبي،فهل ترون تفاهة أحط من هذا الكلام، وفي هذا العصر بالذات. 

أما دعوى سب الصحابة،التي عادة ما يرفعها المحاربون للشيعة،فهي محض افتراء،ولو كانت عقيدتهم فعلا هي الغيرة على السلف الذي اختلط الطالح فيه بالصالح،فلماذا لم يحركوا ساكنا من الذين أسسوا أساس سب علي وأهل بيته عليهم السلام،من على منابر المساجد،لعل أشده وطأة منبر النبي(ص) ومسجده،طيلة فترة الحكم الأموي،فتربت على ذلك السب ثلاثة أجيال من الأمة،والسنة عند هؤلاء لم تجمع،في عصر امتلأ بالسب والسبابين تقربا وتزلفا للسلطان ، وما حفزهم عليه من أعطيات وجوائز،لماذا غضوا الطرف عن السبابين للنبي (ص)وتمادوا في موالاتهم وطلب الرضا من الله لهم كمعاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وغيرهم؟ ونحن نعلم إن الساب لعلي عليه السلام هو ساب للنبي (ص) بلا فصل لقوله صلى الله عليه وآله:من سب عليا فقد سبني.ومقابل ذلك أصروا على التمسك بفرية سب الصحابة،لمجرد ذكر ما سجله التاريخ والسيرة عنهم،ومن نفس المصادر التي أنشأت معضلة تقديس الصحابة،وإحلالهم محل أهل البيت عليهم السلام،وهو كما ترون إجراء سياسي أسسه بنوا أمية،من أجل تثبيت حكمهم باعتبارهم طبقة من أصحاب النبي (ص) 

أما ادعاءه بأن الدافع لتشيع كثير من الناس هو زواج المتعة،فهي دعوى غير مؤسسة على منطق وبينة،لأن الذي تحركه شهوته،ويبحث عن اللذة من أقرب أبوابها،سوف لن يشيعه الزواج المذكور،لأنه محكوم بعقد ومهر ومدة،تليها عدة تعتدها المرأة بشهرين كاملين،وهذا الزواج شرع في عهد النبي ونزلت في خصوصه آية وهي قوله تعالى:"فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم في ما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما." سورة النساء الاية24

لقد  جاء الإسلام فيما جاء،لينظم العلاقات الجنسية لدى المسلمين،تعظيما لتلك العلاقات ونأيا بها عما كان عرب الجاهلية يقومون به تحت مسمى زواج،والزواج المؤقت حلال لم تنزل آية تحرمه،ومات النبي وهو على تلك الحال كما في النصوص التي أخرجها أرباب الصحاح كالبخاري ومسلم،ومن قال بتحريمه استدل بنصوص اختلفت في توقيت النسخ اختلافا شديدا دل على أنها موضوعة،وان واضعيها كانوا متباعدين في الزمان والمكان،في مقابل نصوص أخرى بقيت على حلية الزواج المذكور،في هذه الحال لا يمكن أن تنسخ السنة القرآن،كما لا يمكن الاستدلال بأن النسخ جاء من آية:"والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم .." فهو استدلال باطل،لأن السورة بكاملها مكية،ولا يمكنها أن تنسخ المدني،والسابق كما هو معروف لا ينسخ اللاحق،ولأن الزواج المؤقت هو زواج في حد ذاته ولا يمكن تصنيفه خارج الإطار المخصص له في الفقه،وهو حل مؤقت لمن لا يستطيع الزواج الدائم،وفي الزواجين المذكورين شبه بالطهارة والوضوء،فمن لم يجد ماء للطهارة،فانه يتيمم حتى يجد الماء،ورب زواج مؤقت تحول دائما ورب زواج دائم صار مؤقتا.
هذا وأحيل الباحث عن حقيقة حلية زوج المتعة،إلى تفسير التحرير والتنوير للشيخ الكبير الطاهر بن عاشور عالم بلادنا الفذ،فهو مع الرأي القائل ببقاء حلية هذا الزواج،ومن أراد التحقق فليعد إلى تفسير الآية من موسوعته التفسيرية.       

وأتعجب من منطق الرجل،وما تختزل شخصيته من كره وبغض وعداء لرمز كبير من رموز الشيعة،فلم ينقل عن الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه مؤلفاته الذائعة الصيت في شتى العلوم والمعارف الإسلامية كالعرفان،لم يتحدث عنه كرجل مفجر لثورة إسلامية،دكت عرش أسوا إمبراطورية في التاريخ،وأقضت مضجع الاستكبار العالمي(أمريكا والكيان الصهيوني)،ولم يتحدث عنه كمصلح جاء ليجمع شتات الأمة على التوحيد والقرآن،داعيا كبيرا من دعاة الوحدة الإسلامية،ومؤسسا لجيش تحرير القدس،لتطهير فلسطين من الصهاينة،ولا أشار إليه كعابد منشغل عن الدنيا ولذاتها ببديع السماوات والأرض،ولا أشاد به منقذا للشعب الإيراني من فساد الأسرة البهلوية العميلة لأمريكا وإسرائيل،ولا رجعت به الذكرى عندما تناقلت وكالات الأنباء،صورا حية عنه وهو يصلي في المشفى،بعد خضوعه لعملية جراحية،إحدى الصلوات،وبعض الأجهزة الطبية لا تزال عالقة بجسده،ولا فهم المباركي من خلال جنازة الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه،أن الرجل الذي هب اثنا عشر مليون شخص لوداعه،لا يمكن أن يكون كما حاول الإيهام  به.

كلما قدر عليه المباركي هو نقل فرية ألصقت بالإمام الخميني طيب الله ثراه،صاغتها أياد وهابية،أخرجت كتاب(لله ثم للتاريخ) مدعية أنه من تأليف حسين الموسوي والذي أخرج باسمه كتابا في بداية الثمانينات بعنوان (الثورة البائسة) يقصد بها ثورة الإمام الخميني،وما هو في الحقيقة غير شخصية وهمية،لا وجود لها،ولا أثر على أرض الواقع .

المتصفح للكتاب المذكور-لو كان له عقل يزن الأشياء بموازينها- يستطيع أن يخلص إلى الدافع الحقيقي من وراء تأليفه،والعجيب أن المباركي ترحم على الشخصية الوهمية حسين الموسوي،وادعى بأنه قتل،ولم يترحم على الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه،وفي ذلك ما فيه من الجهل والتحامل وإستبطان الشر.
والذي نقله عن كاتب لله ثم للتاريخ، لا يمكن أن يأتيه محترف الإجرام في كل عصر،فضلا عن فقيه كرس حياته في خدمة الإسلام والمسلمين،فعمر الإمام الخميني في فترة إقامته في العراق،كان بين 61 و75 سنة.ولو صحت فرية المدعي لدونها في كتابه السابق الثورة البائسة،أما تفاصيل الفرية فإنني استحي من ذكرها حتى كتهمة زائفة عن الإمام رضوان الله تعالى عليه،وأترك القارئ النزيه ليدحضها بعقله.

أما الروايات التي نقلت حلية الزواج بالصبية المميزة،فان النبي (ص) تزوج من عائشة بنت أبي بكر،وهي لم تتجاوز التاسعة من عمرها،وقد كان ذلك جائزا،بل كان من يرى أن الخير للبنت أن تتبعل بعد حيضتها الأولى،وذلك طلبا للولد في ذلك العصر،وحفظا لها من مراهقة غير مأمونة،وقد تكون البنية الجسمية أيضا غير التي نرى عليها بناتنا اليوم،هذا ما جاء شرعا،وما كان السلف يقوم به،فماذا نشهر به الآن وهو لا يطبق في أي بلد شيعي؟   
أما ادعاء كاتب (لله ثم للتاريخ)،بأنه من أقرب تلاميذ الإمام طيب الله ثراه،فانه قد أوقع نفسه بنفسه،وفضح الكذبة التي أطلقها،لأن تلامذة الإمام المقربين معروفين جميعا،وبقوا على حالهم في القرب والتقديم،لأن الإمام لا يقرب إليه عادة،سوى المتفوقين من طلبة المرحلة الثالثة من العلوم الحوزوية وهم من العلماء،وهؤلاء لم يجد التاريخ الشيعي،برجل منهم ارتد عن مبادئه التي ارتبط بها،من جهتين العلم والانتماء العقائدي.
التشهير بالشيعة،وإلصاق الأكاذيب بهم ليس جديدا،فهو قديم قدم الخط الذي قطع على نفسه عهد محاربة الشيعة بكل الوسائل،بدأ من مؤسس الحكم الأموي،ومرورا بأنظمة الظلم والجور،وانتهاء بأمريكا والصهاينة وأزلامهما من أعداء الإسلام المحمدي الأصيل.

أما شيعة لبنان،وخاصة جنوبه المقاوم،فهو ليس معدا للسياحة والمتعة،كما ادعي (فريد المسعودي) بل لعل متعة الطلائع المؤمنة فيه،مقارعة العدو الصهيوني بالقذائف والصواريخ،وبعزيمة الشباب المؤمن الفولاذية،التي تكسرت عليها غطرسة الجيش الذي لا يقهر،فانسحبت فلوله مهزومة مخزية،وتحطمت أسطورة الدبابة (ميركافا )،وسقطت نجمة داود من علياء الجبروت،تحت أقدام شيعة جنوب لبنان،في عيتا الشعب،ومارون الراس،وغيرها من الأماكن التي انطبعت أسماءها في ذاكرة كل رجل،وما أقل الرجال في هذا العصر.
وتحقق الحلم العربي وأصبح واقعا ملموسا،وأنجز حزب الله الشيعي ما عجزت عنه الحكومات العربية  مجتمعة،ولولا الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه،وثورته المباركة لما حصل من ذلك النصر شيء.

أما شيعة الجزائر الذين أرجع كاتب المقال تشيعهم إلى الرغبة في زواج المتعة،فانه لم يصب شيئا من الحقيقة، لأن الجزائريين حسب معرفتي رجال ، ورجال بأتم معنى الكلمة، دوي مواقف وبطولات ، فهم أحفاد المليون ونصف شهيد، لم يتشيعوا إلا مثلما تشيعنا إتباعا لأوامر النبي (ص)التي أهملها غير الشيعة في حق أهل البيت عليهم  السلام.

أما في فلسطين،فقد وقفت الجمهورية الإسلامية في إيران منذ أن انتصرت  مع الشعب الفلسطيني،وأحلت ممثليه في عقر السفارة الصهيونية بطهران،بعد أن أطردت دبلوماسييها شر طردة.
والآن،وفي أجواء المحنة والحصار،والتآمر على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة،لإجباره على المضي في اتفاقات مذلة مع العدو،أبت إيران إلا أن تقوم بواجب الأخوة الإسلامية،للممثلين الشرعيين والحقيقيين للشعب الفلسطيني،الذين أفرزتهم صناديق الانتخاب بكل شفافية وديمقراطية،بعد أن افتضحت ممارسات المتاجرين بالقضية الفلسطينية.
هذا على مستوى واقع معاش في العصر الحديث،أما على الصعيد التاريخي،فان التشيع هو الامتداد الطبيعي للإسلام المحمدي الأصيل،نبوي التكوين،عربي النشأة، انتقل به العرب الفارون من الظلم والإرهاب الأموي،إلى خراسان وغيرها من البلاد الفارسية.

أما الشيعة الأوائل،فقد كانوا السباقين إلى اكتساب العلوم والآداب،وعلى سبيل الذكر لا الحصر،نورد عددا من أسماء فطاحل العلوم والآداب الشيعة،كدليل نسوقه موضحا أن ما قدمه الشيعة للأمة الإسلامية يفوق بكثير ما قدمه البقية:أول عظماء الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وآله بلا شك الإمام علي عليه السلام،الذي قال فيه النبي(ص):أنا مدينة العلم وعلي بابها."والذي ارجع ابن أبي الحديد المعتزلي وغيره،كافة العلوم الشرعية إليه،باعتباره أصلها الثابت وفرعها النامي،والبقية آخذون عنه مباشرة أو بالواسطة، وبعده يأتي الأئمة الهداة من ولده عليهم السلام،الذين أوصلوا لنا الدين بأمانة وصدق،ومن بعدهم يأتي جهابذة الشيعة من أمثال سلمان،وعمار،وأبو ذر،والمقداد، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبي الأسود الدؤلي، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وجابر بن حيان، وابن سينا، وابن السكيت، وصدر المتأهلين الشيرازي، وغيرهم.
أما فيما يخص الشعر والأدب،فان أغلب كبار شعراء العرب هم شيعة،كمهيار الديلمي، وأبي فراس الحمداني، والكميت الاسدي، والصاحب بن عباد، ودعبل الخزاعي، والعبدي الكوفي، وأبي تمام الطائي، وابن الرومي، وأبي الفتح كشاجم، والشريف الرضي، والفرزدق، وكثير عزة، وكعب بن زهير، وأبي العلاء المعري، والبحتري، والبديع الهمداني، وديك الجن وغيرهم.

لم يكن التشيع التونسي،ولا جاء المتشيعون الأوائل بالتشيع من إيران ولا العراق،فالقناعة الفكرية قد تحصل لأي شخص من خلال مناقشة جادة ونزيهة، في أي مكان،يعرف من خلالها الحقيقة فيتبناها ويدافع عنها،ومحاولة إلصاق التشيع بجهات خارجية،محاولة قذرة قذارة عقول المطبلين لها. 
كلمة حق يجب أن تقال:
1- محنة الشيعة تحدث عنها المؤرخون فابن الأثير الجرزي وابن خلدون التونسي،وابن عذارى المراكشي،ممن أستحضرهم تحدثوا عن إبادة الشيعة في مختلف مناطق تونس،في بداية القرن الخامس هجري،والتنكيل بالشيعة أسسه كما أسلفنا الذكر بنو أمية،فقد تتبع هؤلاء الشيعة بعد مقتل الإمام الحسن بن علي عليه السلام،وثم ازداد الأمر تفاقما بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام،والصفوة من ذريته وأصحابه في كربلاء،فجاءت وقعة الحرة بالمدينة، حيث استبيحت مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيام،فعل فيها الجيش الأموي ببقية أهل البيت عليهم السلام ،بقية الصحابة وأبناءهم وبناتهم الأفاعيل،ولو أكمل المباركي مقال التشيع في تونس،لوجد في ذيله مصادر البحث.    
2- إن الشيعة لم ساهموا في إسقاط النظام البورقيبي،لأنه لم تقع ثورة شعبية حتى يكونوا طرفا فيها،حتى الذين قاموا بإزاحة بورقيبة في 7/11 /87 لا يوجد فيهم شخص واحد شيعي،مع العلم أن الشيعة في تلك الفترة،كانوا لا يتجاوزون العشرات،والأخ عماد كان في بداية تشيعه.
3- لا علاقة بين الدارسين في الحوزات العلمية في إيران وسوريا،والمتشيعين في تونس،وإن حصل ذلك، فهي لا تتعدى العلاقات الفردية،المحكومة بالقرابة،والصحبة،والجيرة.
4- لا نعتقد أن ما نقل عن التيجاني السماوي،بخصوص عدد أفراد الشيعة في تونس صحيحا،فمئات الألوف التي وردت في التصريح المنسوب إليه،قد تكون زلة لسان،أو تحريف متعمد ممن يريد أن يسيء إلى الشيعة في تونس.
5- عدد الشيعة تقريبا تعرفه السلطات التونسية،فلا حاجة لأحد كي يركب على هذه المعلومة،ولا نرى العدد يتعدى البضع مئات من المحبين لأهل البيت عليهم السلام،أما الشيعة حقيقة من أمثال أبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي،وعمار بن ياسر،والمقداد بن الأسود،ومالك الأشتر، ومحمد بن أبي بكر، وقيس بن سعد بن عبادة،وعبد الله بن عباس...فنحن نبحث عنهم،وقد لا يكون لهم وجود في الواقع التونسي المليء بالمزايدات.
6- تعمد كاتب المقال نشر العنوان الالكتروني خاطئا للحيلولة دون رجوع القراء إليه، والعنوان الصحيح هو aqaed.com

وفي الختام أتساءل:لماذا كل هذا التشويه؟ أليس القصد واضح وجلي من وراء المقال وهو ضرب الشيعة والتشهير بهم، باستعمال أحط أساليب الكذب والبهتان؟
ولماذا يساءل كاتب المقال عن تشيع من تشيع تحت أي عنوان وبأي دافع، ولا يتساءل عن عدم تسنن الشيعة؟ ولا يستغرب لو كان باحثا منصفا عن سبب عدم تشيع من عرف التشيع حقيقة، ولم  يتشيع؟
وأقول أخيرا،إن التشيع عقيدة وقفت على نصوصها من البخاري،ومسلم،والترمذي،والنسائي،وابن ماجة، وأبو داود،ومسند أحمد بن حنبل،ولو لم أجد تلك النصوص في ما ذكرت من كتب،لما أمكنني أن اجتاز الخط الأحمر  لمعتقدي الموروث،لأن المسالة غير موقوفة بهذه الدنيا، فهي أعمق وتتعلق بالجزاء والعقاب، بالجنة والنار، والمسألة كما ترون مصيرية وليست بالأمر الهين حتى يزايد عليه أي كان،ومن أراد أن يناقشني فأنا مستعد لذلك. 
محمد الرصافي المقداد- قابس - تونس

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة