المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 10 رجب 1428 - مقامات علوية (15) -ولي كل مؤمن ومؤمنة-
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

مقامات علوية
الحلقة الخامسة عشرة
ولي كل مؤمن ومؤمنة

حلّت السنة العاشرة من الهجرة المباركة بطيئة كئيبة،تحمل بين ثناياها علامات ودلائل،تؤشران على قرب رحيل النبي صلى الله عليه وآله،ومغادرته للدار الدنيا،والتحاقه بالرفيق الأعلى.
وعلى غير العادة،راجع جبرائيل النبي صلى الله عليه وآله القرآن مرتين،وكان ذلك إشعارا له فهم منه قرب دنو أجله،وكان لا بد من الاستعداد لذلك اليوم،بأداء ما بقي من الشعائر إلى الأمة،فأعلن عزمه على الحج إلى بيت الله الحرام،فتجهز الناس معه للحج،وخرج قاصدا أداء تلك الشعيرة.

لم يكن علي عليه السلام موجودا وقتئذ  في المدينة،فقد كان أرسله صلى الله عليه وآله إلى بعث اليمن،في شهر رمضان من نفس السنة،وبعد أن أتم علي عليه السلام مهمته التي أوكلت إليه،وعاد من اليمن غانما مظفرا،ووافى رسول الله صلى الله عليه وآله في حجته تلك،وأهلّ بما أهلّ به النبي صلى الله عليه وآله.
فقد أخرج أصحاب السير والتاريخ،أنه لما جاء علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله،وأعلمه بأنه استهلّ في إحرامه باستهلاله،فما كان منه صلى الله عليه وآله إلا أن أمره فمكث على إحرامه،وحج هو ورسول الله صلى الله عليه وآله حج قران،وحج بقية الناس حج تمتع.

وقد خالف مؤسس حزب التحرير و صاحب الشخصية الإسلامية،في كتابة الشخصية الإسلامية،وتحديدا في باب الشرع لم يعين خليفة،السياق التاريخي الذي لم يحجب حق علي عليه السلام في إدراكه لتلك الحجة،ولست أدري من أي مستنقع آسن أخذ فريته على الواقع والتاريخ الصحيحين،وقد كانت إحدى أهم براهينه في اعتبار عدم صحة حادثة الغدير وحديثه،غياب علي عليه السلام عن تلك الحجة،وقد استدل بها بعض كوادر حزبه في مدينة قابس/تونس،في جلسة مناقشة وحوار،معتبرين ما تفتقت به معارف شيخهم ومؤسس حزبهم،هو بمثابة الضربة القاضية لحديث الغدير وحادثته،واللذين يعتبران من أقوى ما تمسك به الإمام علي عليه السلام وشيعته،على أحقيته في قيادة الأمة الإسلامية مباشرة بعد النبي صلى الله عليه وآله.

إن ما توصل إليه تقي الدين النبهاني،لم يكن بدعا من القول،لأنه قد جاء نتيجة لتراكم فهم تأويلي خاطئ،واثر سلبي لعقلية سلطوية- أظهرت من العداء لعلي وأهل بيته عليهم السلام ومن شايعهم ، وحربهم بكل وسيلة،بدأ من الدعاية الكاذبة،وخلوصا إلى القتل- بنيت بها عقيدة الغالبية العظمى من الأمة،زادهما انغراسا في وجدانها التزكية لمسلكها المنحرف من طرف علماء البلاط ووعاظ سلاطين الظلم والجور.  

أتم النبي صلى الله عليه وآله حجته،وانصرف عائدا إلى المدينة،وعند مفترق طرق القوافل بماء يدعى خما نزل عليه جبرائيل بقوله تعالى:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس." سورة المائدة الآية 67
عندها أمر النبي صلى الله عليه وآله الجموع بالتوقف،وكان الوقت ظهيرة شديد الحرارة،وفي موضع لا يحتمل المسافر فيه التوقف،لذلك لا يمكننا أن نصرف النظر عن الزمن والمكان الذين حصلت فيهما الحادثة،دون أن نجعلهما طرفا في فهم بقية التفاصيل التي حفت بها.

لا شك أن أمر التبليغ الذي نزل به جبرائيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله،يكتسي أهمية كبرى،بدليل أنه لم يكن في وسعه تأجيل ذلك إلى حين،فصدع بالأمر وهو في مجموع قوافل تقترب من الافتراق،مثلما اقترب عمره الشريف من الاختتام،ولو لم يكن أمر التبليغ بذلك المقدار من الأهمية،وبتلك القيمة من التشريع،لكان تأجيله أولى من إذاعته،لما فيه من المشقة والجهد والحرج على الناس،فحبسهم في ذلك المكان الوعر،وفي وقت بلغت فيه الحرارة ذروتها،بحيث لا يتحمل المسافر فيه التوقف إلا بمعاناة ومشقة كبيرين،والله تعالى يريد بمخلوقاته اليسر،ولا يريد بهم العسر.

وما دمنا في سياق نزول الآية،فمن الواجب الالتفات إلى أنها نزلت في آخر عمر التبليغ،من حياة النبي صلى الله عليه وآله،وذلك باتفاق جميع الحفاظ ،بمعنى أن مفادها لا ينصرف حتما إلى تبليغ ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله قد بلغه من قبل،لأنه قد تم تبليغه للناس،لأن تكرار التبليغ يعتبر تذكيرا وليس تبليغا،لأن عملية البلاغ قد تمّت،وتحول الأمر إلى شأن مختلف من حيث الأولوية،كما في قوله تعالى:"وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين."لذلك يمتنع أن يكون مقصد الوحي من أمره في الآية هو تبليغ ما سبق أن وقع تبليغه،لأن الإعجاز القرآني لا يمكنه أن ينزل إلى ما دون مستوى كلام المخلوقين،من ذوي البلاغة والفصاحة،ممن كان يفهم بالتلميح والإشارة،ولا يحتاج في فهمه إلى البيان والتوضيح.
ولا إلى الاعتقاد بأن النبي صلى الله عليه وآله مخير بين تبليغ بعض الوحي،وإرجاء البعض الآخر إلى وقت لاحق،لأن مسألة الوحي متعلقة بإنفاذ كل أمر في حينه،فلا مجال لأي تأخير في أي شأن من شؤونه،ولا إلى ما ذهب إليه مخالفوا خط الإمامة،من أن النبي صلى الله عليه وآله،أوقف الناس في ذلك المكان،ليقول لهم أحبوا عليا،وبمعنى أدق،لم يبق من أمر التبليغ بعد أن عرف الناس مناسك حجهم،غير مسألة واحدة تحتاج التوضيح بعد الإشارة والتلميح،وهي مسألة القيادة وطريقة الحكم.
والمقصود من البلاغ في هذه الآية- لمن يعقل وما أقلّهم - هو إعلام المسلمين بأمر جديد،لم يكن قد صدر من قبل،وهو من الأهمية بحيث جاء في الآية،أن عدم تبليغه يساوي

عدم تبليغ الرسالة كلها،" وان لم تفعل فما بلغت رسالته"وهو من الخطورة ما استوجب أن يكون النبي صلى الله عليه وآله في محفوظا من الله تعالى،ومصانا من ردّة فعل قد يحتمل وقوعها من أولئك الرافضين،والمعارضين للأمر الجديد"والله يعصمك من الناس".    
نزلت الآية كما هو متفق عليه ومعروف،في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة،من السنة العاشرة للهجرة المباركة،والروايات التي استفاضت في نقل حادثة الغدير،قد ذكرت نزولها في ذلك المكان،  وكانت مقدمة لحبس الناس،وخطاب النبي صلى الله عليه وآله بالمناسبة،وتنصيبه لعلي عليه السلام إماما وقائدا للأمة من بعده،وأمره الذي صدر بعد ذلك بمبايعة،وتهنئة علي عليه السلام مولى للمؤمنين.       

الحادثة نقلها المؤرخون والمحدثون وأصحاب السيرة،فلم يشذ عن نقلها أحد تقريبا،منهم من استفاض في سردها،ومنهم من اختصر تفاصيلها،ومنهم من أوقف الحادثة على خاتمة الخطبة،وهي وقول النبي صلى الله عليه وآله:"من كنت مولاه فهذا علي مولاه."كل حسب منطلقه الفكري والمذهبي،الدافعان اللذان يلجآن عادة إلى التعامل مع الروايات بناء على المسلمات والقناعات الحاصلة،وان خالفت النصوص الواضحة والمقاصد الجلية.
وما إن نزل الأمر الإلهي بالتوقف،حتى أرسل النبي صلى الله عليه وآله إلى المتقدمين عن موكبه، وأمرهم بالرجوع،وفي انتظار أن يلتحق به المتأخرون،هيئ له مكان مرتفع تحت شجرات، وظلل له عليهن بثوب.

ولما استكمل الجمع عددهم،ورجع المتقدمون،والتحق المتأخرون،صلى النبي صلى الله عليه وآله بالناس صلاتي الظهيرة قصرا،ثم قام إلى مكان هيئ له من أقتاب وأحلاس الإبل،فصعد عليه وخطب الناس قائلا:
الحمد لله،نحمده ونستعينه ونؤمن به،ونتوكل عليه،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا،ومن سيئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضل،ولا مضل لمن هدى،وأشهد أن لا إله إلا الله،وأن محمدا عبد ورسوله.
أما بعد أيها الناس،قد نبأني اللطيف الخبير،أني أوشك أن أدعى فأجيب وإني مسئول وأنتم مسئولون، فماذا أنتم قائلون؟
قالوا:نشهد أنك قد بلغت ونصحت وجهدت،فجازاك الله خيرا.
قال:ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله،وأن محمدا عبده ورسوله،وأن جنته حق،وناره حق،وأن الموت حق،وأن الساعة آتية لا ريب فيها،وأن الله يبعث من في القبور؟
قالوا:بلى نشهد بذلك.قال:اللهم إشهد. ثم قال:أيها الناس ألا تسمعون؟ قالوا:نعم.
قال:فإني فرط على الحوض،وأنتم واردون علي الحوض،وان عرضه ما بين صنعاء وبصرى،فيه أقداح عدد النجوم من فضة،فانظروا تخلفوني في الثقلين.
فنادى مناد:وما الثقلان يا رسول الله؟
قال:الثقل الأكبر كتاب الله،طرف بيد الله عز وجل،وطرف بأيديكم، فتمسكوا به لا تضلوا،والآخر الأصغر عترتي،وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا،حتى يردا علي الحوض،فسألت ذلك  لهما ربي،فلا تقدموهما فتهلكوا،ولا تقصروا عنهما فتهلكوا.
ثم أخذ بيد علي فرفعها،حتى رؤي بياض آباطهما،وعرفه القوم أجمعون، فقال:أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا:الله ورسوله أعلم.
قال:إن الله مولاي،وأنا مولى المؤمنين،وأنا أولى بهم من أنفسهم،فمن كنت مولاه،فعلي مولاه(يقولها ثلاثا) ثم قال:اللهم وال من والاه،وعاد من عاداه،وأحب من أحبه،وأبغض من أبغضه،وأنصر من نصره،وأخذل من خذله،وأدر الحق معه حيث دار،ألا فليبلغ الشاهد الغائب. الغدير للاميني ج2ص34/36      
قلت:إن الخطبة بطولها،لم ينقلها غير نزر يسير ممن عرف حقيقة ذلك اليوم،أما البقية فنقلوها مختصرة موقوفة على ما رأوه جائزا،ولا يمس في نظرهم مؤسساتهم في الحكم، ولا نظريتهم التي أسندوها إلى الشورى، والشورى منها براء.

عن البراء بن عازب قال:كنا مع رسول الله صلى الله عليه(وآله) وسلم في سفر فنزلنا بغدير خم، فنودي فينا الصلاة جامعة،وكسح لرسول الله صلى الله عليه(وآله) وسلم تحت شجرتين،فصلى الظهر وأخذ بيد علي رضي الله تعالى عنه فقال:ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟قالوا:بلى.قال فأخذ بيد علي فقال:من كنت مولاه فعلي مولاه،اللهم وال من والاه،وعاد من عاداه .قال فلقيه عمر بعد ذلك فقال:هنيئا يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.أحمد مسند الكوفيين ح17749

عن زيد بن أرقم قال:نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه(وآله)وسلم بواد يقال له وادي خم،فأمر بالصلاة فصلاها بهجير،قال فخطبنا،وظلل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب على شجرة سمرة من الشمس،فقال:ألستم تعلمون أو لستم تشهدون أني أولى بكل مؤمن من نفسه.قالوا:بلى.قال:فمن كنت مولاه فإن عليا مولاه،اللهم عاد من عاداه،ووال من والاه.أحمد مسند الكوفيين ح18519

لم يأبه البخاري لحديث الغدير،فلم يخرجه في كتابه مطولا ولا مختصرا،وعدم إخراجه له ليس نابعا من تكذيبه للحديث،لأنه قد نقل عنه أنه كان يحفظ مائة ألف حديث صحيح،إنما مرده في ذلك،إلى كونه لم يعتمد إلا على الروايات التي جانبت خصائص علي وأهل بيته عليهم السلام،حتى على مستوى الرواة،فقد أضرب عن نقل رواية واحدة متصلة بأحد أئمة أهل البيت عليهم السلام،على الرغم من أنه اعتمد على رواة شيعة في كتابه،وعوض أن ينقل من الصحيح الأصح والأجدى للأمة،خبط خبط عشواء،واستقر به النوى على تلة من الخرافات الإسرائيلية،وجاء المتعصبون له من بعده،ليضفوا قداسة غير مستحقة،على كتاب أقل ما يقال فيه أنه مشبوه،فلم يعد عنوان الصحة الذي جلببوه به مجديا بعد أن أحصيت عوراته،وانفرط عقد خرافاته،فهوى من علياء صرح الوهم،إلى حضيض التفاهة والكذب.
أما مسلم،فلم يذكر من حادثة غدير خم،سوى اسم المكان،والإشارة إلى خطبة النبي صلى الله عليه وأله،والاختصار منها على  حديث الثقلين،أورده في باب فضائل أهل البيت عليهم السلام.

ولا يمكننا فهم حديث الغدير،دون أن نقرأ للحادثة حسابا،وما اشتملت عليه من ظروف وأسباب،وما تخلل ذلك كله من مؤيدات،صبت كلها في خانة الرأي القائل بتنصيب علي عليه السلام،إماما وعلما وهاديا للأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله.
ترى ما الذي فهمه الحاضرون من حادثة الغدير؟وما الذي فهمته أنا منها؟ وما الذي يجب أن يفهمه القارئ؟ وكيف يعقل أن يعتقد أحد بانتهاء مرحلة النبوة،وبعد أن تم تأسيس مجتمع ودولة يعملان بمقتضى التشريع الإلهي،دون تحديد لنظام الحكم بعد النبي صلى الله عليه وآله،ومؤهلات الحاكم وخصائصه؟
ترى هل فهم الحاضرون آنذاك مقصد النبي صلى الله عليه وآله من قوله:"من كنت مولاه فعلي مولاه؟ أليست اللغة التي استعملها النبي صلى الله عليه وآله واضحة ومفهومة من الجميع؟ وهي نفس اللغة التي اعتاد عليها سكان تلك المنطقة من عرب الجزيرة،أليس في ما جاء من مقدمات كقوله صلى الله عليه وآله:إني أوشك أن أدعى فأجيب.وقوله صلى الله عليه وآله:إن الله مولاي،وأنا مولى المؤمنين،وأنا أولى بهم من أنفسهم.وما استتبعه من أمر بالتهنئة التي تعتبر في مضمونها،فهما لمقصد النبي صلى الله عليه وآله،واعترافا من الحاضرين بولاية على عليه السلام،وبيعته الملزمة في أعناقهم.

وما جاء من دعاء للنبي صلى الله عليه وآله،مبينا المقصد من تنصيب علي عليه السلام علما وقائدا وإماما للأمة،كما في لفظ إمام الحنابلة:اللهم وال من والاه،وعاد من عاداه،وأحب من أحبه،وأبغض من أبغضه،وأنصر من نصره،وأخذل من خذله،وأدر معه الحق حيث دار،. وما جاء من أمر للنبي صلى الله عليه وآله إلى الحاضرين،بتبليغ ما سمعوه منه بقوله: ألا فليبلغ الشاهد الغائب. واختتام ذلك كله بنزول آية عظيمة،دلت على عظم ذلك اليوم،وقيمته الهامة في الإسلام،بحيث لم يتفرق الحاضرون،حتى نزل أمين وحي الله بقوله:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا." سورة المائدة الاية3
وبعد نزول الآية قال رسول الله:الله أكبر على إكمال الدين،وإتمام النعمة،ورضا الرب برسالتي،والولاية لعلي من بعدي. أبو نعيم الاصبهاني ما نزل من القرآن في علي ص56 /السيوطي في الدر المنثور ج3ص19 /الاربلي في كشف الغمة ج1ص330

ثم إن النبي صلى الله عليه وآله،قام فعمم عليا عليه السلام بعمامته السوداء المسماة (السّحاب)،وفي ذلك يقول علي عليه السلام:عممني رسول الله يوم غدير خم بعمامة،فسدلها خلفي. كنز العمال للمتقي الهندي ج15ص482ح41909/ أبو داود الطيالسي في مسنده ص23ح154/ نور الأبصار للشبلنجي ص58
وما تلا ذلك من تهنئة علي عليه السلام بالولاية،وممن هنأه في مقدم الأصحاب،الشيخان أبو بكر وعمر كل يقول: بخ بخ يا ابن أبي طالب،أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. فقال ابن عباس: وجبت والله في أعناق القوم. مصنف ابن أبي شيبة ج12ص78ح12167 /مسند أحمد بن حنبل ج5ص355ح18011/ابن حجر في الصواعق ص44 /الثعلبي في تفسير الكشف والبيان ص180 /أبو حامد الغزالي في سر العالمين ص21/الفخر الرازي في تفسيره ج12ص49 ابن الأثير في أسد الغابة ج4ص108ح3783
وما استتبع ذلك من قول حسان بن ثابت:ائذن لي يا رسول الله أن أقول في علي أبيات تسمعهن.فقال:قل على بركة الله،فقال حسان:

يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم ***** واســــمع بالــرسول مـــناديــا
فقال: فـــمن مولاكم ونـبيكم؟ ***** فــقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلـــهك مــولانا وأنـت نــبينا ***** ولـم تلق منا في الولاية عاصيا
فــقال: له قــم يا عـلي فإنني ***** رضيتم من بعدي إماما وهـاديا
فــمن كنت مــولاه فهذا وليّه ***** فكونوا له أنصار صدق مواليا
هــناك دعـا اللهم وال ولــيّه ***** وكــن للـذي عادى عليا معاديا 

إذا كان يوم الغدير بحق عملية تنصيب واضحة المعالم،من طرف النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام،ليكون الحاكم والمرجع والقائد والقدوة،للمسلمين من بعد رحيله عن دار الدنيا،وكل منصف عاقل متتبع لأحداث ذلك اليوم،وما اشتملت عليه سيرة النبي العطرة،من تنويه وإشادة بشخص علي عليه السلام،تؤيد حقيقة التنصيب،وتستبعد ترك الأمة الإسلامية وشريعتها هملا بلا راع.

ولا نستطيع أن ننتقل عن عملية التهنئة والبيعة،دون أن نلفت انتباه القارئ الكريم إلى حقيقة تلك العملية،زيادة في توضيح الصورة،ونقلها بأكثر أمانة ووعي،لقد أشرت في البداية،إلى أن الجموع المتواجدة مع النبي صلى الله عليه وآله،تربو على 120 ألف،وهو ما يرجح مقالة بقاء الناس إلى حين انتهاء مراسم التهنئة والبيعة يوما كاملا إذا ما اقتصر على زعماء القبائل ووجوه القوم،وإذا ما أطلقت التهنئة للجميع فإنها ستأخذ من الوقت أكثر من ذلك.

شعراء حادثة الغدير كثيرون،لا يكاد يخلو منهم جيل من الأجيال،بدأ بحسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وآله،ومرورا بفطاحل شعراء القرون الأولى،كالشاعر العبدي الكوفي وأبي تمام الطائي،ودعبل الخزاعي،وابن الرومي،وأبي فراس الحمداني،وأبي الفتح كشاجم،والصاحب بن عباد،والشريف الرضي،ومهيار الديلمي،والشريف المرتضى،وأبي العلاء المعري،وغيرهم لارتباط ذلك اليوم بوجدان وعقيدة الشعراء،المخلدين لذكراه العطرة،وإذ لا يحتمل المجال لنقل حتى المميز والمنتخب من ذلك الشعر،فإنني أكتفي بالشاعر الكميت الأسدي،تلميحا إلى عامل آخر من التوثيق،الذي درج عليه العرب القدامى،في إثبات واقعة حصلت على مرأى ومسمع منهم،فانبرى لها كل شاعر سلمت عنقه من موالاة الظالمين،إشادة واعترافا بوقوعها وتسليما لمضامينها.
قال أبو المستهل الكميت الأسدي(60/126 هجرية) :

نفى عن عينك الأرق الهجوعا ***** وهــّم يــمتري منها الــدّموعا
دخـيل في الـفؤاد يهيج ســـقما ***** وحـزنا كان من جـذل مـنوعا
وتـوكاف الدموع على اكتئاب ***** أحــل الدهر موجعه الضلوعا
ترقرق أســـحما دررا وسـكبا ***** يـشبه سـحّها غــربا هــموعا
لـــفقدان الخضارم من قريش ***** وخــير الــشافعين معا شـفيعا
لدى الرحمان يصدع بالمثاني ***** وكــان له أبـــو حـسن قــريعا
حـطوطا في مــسرته ومـولى ***** إلـى مرضاة خـــالقه ســـريعا
وأصــــــفاه النبي على اختيار ***** بما أعيا الـّرفوض له الـمذيعا
ويــوم الـدوح دوح غدير خـم ***** أبــان لـه الـولاية لــو أطــيعا
ولـــكن الــرجال تـــبايعوهــا ***** فـلم أر مــثلها خــطرا مــبيعا
ولــم أر مـثل ذاك اليوم يوما ***** ولــــم أر مـــثله حــقا أضـيعا
فـــلم أبــلغ بــها لــعنا ولـكن ***** أســـاء بــذاك أولـهم صـــنيعا
فصار بــذاك أقـــربهم لـعدل ***** إلى جــور وأحـفظهم مضيعا
أضاعوا أمــر قائدهم فضلوا ***** وأقــومهم لــدى الحدثان ريعا
تـــناسوا حــقه وبـغوا عــليه ***** بــلا تــرة وكـان لــهم قــريعا
فــقل لـــبني أمية حيث حلوا ***** وان خــفت الـمهند والــقطيعا
أجــاع الله مـــن أشــــبعتموه ***** وأشــبع من بـــجوركم أجيعا
ويــلعن فـــذ أمـــته جـــهارا ***** إذا ســاس الــبرية والــخليعا
بمرضي الـــسياسة هـاشمي ***** يــكون حــيا لأمــته ربـــيعا
وليثا في المشاهد غير نكس ***** لـــتقويـم الــبرية مـــستطيعا
يــقيم أمورها ويــذب عـنها ***** ويــترك جــدبها أبــدا مريعا

إلا أنني وفي المقابل،لا بد لي من أن أندد وأشهر بعملية تغييب تلك القصائد،لما تضمنته من إفادات دلت على فهم واستيعاب من رواد اللغة لمقصد الحديث والحادثة،من طرف الذين انبروا لنقل نماذج من جميل الشعر،وضمنوه كتبا نشرت بالأسواق،تناولت نخب الشعر والشعراء في العهدين الأموي والعباسي،فنقلوا الغزل الفاضح والمديح المفرط في البعد عن حقيقة الممدوح،والخمريات الماجنة،  وعزفوا وانصرفوا عن نقل الأشعار المتعلقة بحادثة الغدير خصوصا،والذاكرة لمآثر أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله عموما،السبب في ذلك كما هو معلوم راجع إلى التعصب المذهبي،الذي يحجب عادة أصحابه عن رؤية الحقائق،ولا يراها إلا من خلال زاويته الضيقة المحدودة.
لم يكن حديث الغدير المجمع على تواتره،وصحة صدوره عن النبي صلى الله عليه وآله،بيانا أوّلا لخاصية انفرد بها علي عليه السلام،دون غيره ممن عاصر النبي صلى الله عليه وآله،فقد سبق أن أعلن عنها سابقا في مناسبات عدة،تناغمت في معانيها مع حديث الغدير،فشكلت في مجموعها تضافرا معنويا يقطع شك كل مرتاب،من بين تلك الأحاديث: 
عن عمران بن حصين قال:بعث رسول الله سرية وأمر عليها علي بن أبي طالب، فأحدث شيئا في سفره ،فتعاقد أربعة من أصحاب محمد أن يذكروا لأمره إلى رسول الله،  قال عمران: وكنا إذا قدمنا من سفر بدأنا برسول الله فسلمنا عليه، قال:فدخلوا عليه فقام رجل منهم فقال:يا رسول الله إن عليا فعل كذا وكذا،فأعرض عنه ، ثم قام الثاني فقال:يا رسول الله إن عليا فعل كذا وكذا.فأعرض عنه، ثم قام الثالث، فقال:يا رسول الله إن عليا فعل كذا وكذا، ثم قام الرابع فقال:يا رسول الله إن عليا فعل كذا وكذا.قال :فاقبل رسول الله على الرابع وقد تغير وجهه وقال:"دعوا عليا ،دعوا عليا، إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي."

أخرجه كل من أبو يعلى الموصلي في مسنده ج1ص293ح355/ابن أبي شيبةج12ص80 ح12170 البغوي في مصابيح السنة ج4ص172ح4766 
وأخرجه الترمذي بلفظ:"ما تريدون من علي ، ما تريدون من علي ، ما تريدون من علي إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي." سنن الترمذي ج5 ص590ح3712 خصائص النسائي ص109ح89 سنن البيهقي ج5ص132ح8474 مستدرك الحاكم ج3ص119ح4579 كنز العمال للمتقي الهندي ج11ص599ح32883  
عن ابن عباس :إن رسول الله قال لعلي عليه السلام:" أنت ولي كل مؤمن بعدي."
أبو داود في مسنده ص360 ح2752 البداية والنهاية لابن كثير ج7ص381 الترمذي في جامعه ج5ص590ح3712 خصائص النسائي ص109 المستدرك للحاكم ج3ص119 ح4579 كنز العمال لمتقي الهندي ج11ص599ح32883 /32940  أبو نعيم الاصبهاني في حلية الأولياء عن ابن أبي شيبة وابن جرير ج12 ص80 ح12170  المحب الطبري في الرياض النضرة ج3ص116 البغوي في مصابيح السنة ج4ص172ح4766 السيوطي في جامع الأحاديث ج4ص352 ح12101
عن النبي صلى الله عليه وآله قال:من سره أن يحي حياتي ويموت مماتي،ويسكن جنة عدن غرسها ربي،فليوال عليا من بعدي،وليوال وليه وليقتد بالأئمة من بعدي،فإنهم عترتي،خلقوا من طينتي، رزقوا فهما وعلما، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي. حلية الأولياء لأبي نعيم ج1ص80 الغدير لأميني ج2ص19

نزول آية الولاية في علي عليه السلام ليس هذا فقط،إنما أخرج أيضا جمع من الحفاظ نزول ّآية الولاية في علي عليه السلام،عندما تصدق بخاتمه في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وهو راكع:
عن أبي ذر قال:صليت مع رسول الله يوما صلاة الظهر،فسأل سائل في المسجد،فلم يعطه احد شيئا فرفع السائب يده إلى السماء وقال:اللهم اشهد إني سألت في مسجد رسول الله،فلم يعطني أحد شيئا، وكان علي راكعا،فأومأ بخنصره اليمنى إليه،وكان يتختم فيها،فاقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره،وذلك بعين رسول الله،فلما فرغ النبي من صلاته،رفع رأسه إلى السماء فقال:اللهم إن أخي موسى سألك فقال:"رب اشرح لي صدري..إلى قوله واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به ازري.."فأنزلت عليه قرآنا ناطقا:"سنشد عضدك بأخيك.."،اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك،اللهم فاشرح لي صدري،ويسر لي أمري،واجعل لي وزيرا من أهلي،عليا اشدد به ظهري،قال أبو ذر فوالله ما استتم رسول الله الكلمة،حتى نزل عليه جبرائيل فقال:يا محمد اقرأ:"إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون."  أخرج أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره وأبو بكر الرازي في أحكام القرآن الطبرسي في مجمع البيان الآية/ المحب الطبري نقلا عن الواقدي في ذخائر العقبى ص102 /ابن كثير في تفسيره نقلا عن الحافظ الصنعاني ج2ص71/الاسكافي في رسالته نقض العثمانية ص319/النسائي في سننه/ الطبري في تفسيره بعدة طرق ج6ص186/ السيوطي في أسباب النزول ص81/الطبراني في المعجم الأوسط ج7ص130 ح6228/الجصاص في أحكام القرآن ج2ص446/الثعلبي في تفسيره/الواحدي في أسباب النزول ص133/الزمخشري في تفسيره الكشاف ج1ص649/ السيوطي في تفسيره الدر المنثورج3ص105
وعليه يمكن القول،إن حديث الغدير قد جاء في سياق أحاديث أخرى،تؤكد على مولوية علي عليه السلام للأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله،وما توقفه في ذلك الموضع، و بيانه ذلك الذي أعلنه في خاتمة مسيرة النبوة إلا تنصيبا له لما بعد مولوية النبوة على صاحبها وعلى آله أفضل صلاة وأزكى تسليم. 

ذكر علماء اللغة من معاني المولى:
1-الرب2-العم3-ابن العم4-الابن5-ابن الاخت6-المعتق7-المعتق8-العبد9-المالك10-التابع11-المنعم عليه12-الشريك13-الحليف14-الصاحب15-الجار16-النزيل17-الصهر18-القريب19-المنعم 20-العقيد21-الولي22-الأولى بالشيئ23-السيد غير المالك والمعتق24-المحب25-الناصر26-المتصرف في الامر27-المتولي في الأمر
ولئن لاذ من لاذ بهذه المعاني جميعا،وادعى اختلاط الأمر عليه،هربا من الإقرار بحقيقة ولاية علي عليه السلام على الأمة،فانه كالمستجير من الرمضاء بالنار،قد هرب من الاعتراف بالمعنى الحقيقي للولي والمولى،إلى تعداد معان لا يمكن لأغلبها أن تكون المقصد الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه وآله،في ذلك المكان الصعب من الصحراء الشديدة الحرارة،وفي وقت ظهيرة لا يكاد المرء من تلك الجموع الحاشدة،يقف فيها على قدميه دون أن يبردهما ببعض ثيابه،وعلى ذلك،وبالنظر إلى جملة المفردات التي تعلل بها معارضوا المعنى الحقيقي للفظ مولى،فإننا ومعنا كل من ألقى رواسب التبعية العمياء من عقله،وفر من الأوهام التي تذرع بها أصحاب المذاهب،لنصرة مقالاتهم المبنية على أساس من الحيف،لا بد أن نقر بحقيقة ولاية أمر علي عليه السلام على الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله، لأن التوقيت الذي حدده المولى سبحانه وتعالى،ليقيم عليا عليه السلام علما وهاديا للأمة من بعده،لا يحتمل ترجيح شيء آخر غير ما كان يريده الوحي،وما خطبته صلى الله عليه وآله وكلامه الذي نطق به بعد بيانه، وأمره للجموع بمبايعة علي عليه السلام وتهنئته بالولاية،ونزول ما نزل من القرآن، دليلا على أن الدين قد كمل بتنصيب إمام الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله إلا تضافرا وإفادة إلى ذلك المعنى.

إن المتتبع لخطبة النبي صلى الله عليه وآله يوم الغدير والتي نقلها حفاظ العامة من غير التفات إلى الحقائق التي تضمنتها،يستطيع أن يتعرف بيسر على أن ذلك اليوم قد كان مخصوصا بتنصيب علي عليه السلام إماما للأمة الإسلامية،فقد افتتح صلى الله عليه وآله كلامه بأنه يوشك أن يدعى فيجيب،ثم
ثناه صلى الله عليه وآله بقوله ألست أولى بكم من أنفسكم؟
ثم اختتمه بقوله:فمن كنت مولاه فعلي مولاه،ليس على سبيل إطلاق معنى الولي والمولى،بل كان الغرض منه حصر المعنى في الحكومة وولاية الأمر،فقط دون غيرها من المعاني لأن غير ذلك لا يتفق مع الأجواء الحافة بالحادثة، ولا اغلب المعاني التي استمسك بترادفها من هرب من الاعتراف بالمقصد الحقيق الذي أراده النبي صلى الله عليه وآله .
إن تخطئة القائلين بالنص على إمامة علي عليه السلام،ووصفهم بالمبتدعة والروافض،جلبة غير عاقلة لا يمكنها أن تحجب عنا حقيقة أن الكيان الإسلامي الناشئ بكافة هياكله السياسية والاجتماعية والاقتصادية،لا بد له من قائد منصوص عليه من طرف الوحي ....
أكمل الله  تعالى دينه باستمرار الولاية العامة التي كانت للنبي صلى الله عليه وآله على المسلمين من بعده،وتمت نعمته عليهم بتعيين علي بن أبي طالب عليه السلام مولى للمؤمنين،وفي مشهد عظيم من قوافل الحجاج نفذ النبي صلى الله عليه وآله الأمر الإلهي بتنصيب علي عليه السلام إماما وعلما للمسلمين،وأمرهم بمبايعته على ذلك،وكانت التهنئة التي صدرت عن المبايعين علامة تأكيد  على فهمهم لمقصد الوحي من التنصيب،وتفرقت قوافل الحجاج كل إلى وجهته،وعاد المسلمون إلى ديارهم بعد أداء شعائر الحج مع النبي صلى الله عليه وآله،ومراسم البيعة لعلي مولى للمسلمين.

أخرج الثعلبي في تفسيره أن سفيان بن عيينة سئل عن قوله عز وجل:"سأل سائل بعذاب واقع" في من نزلت؟
فقال للسائل: سألتني عن مسألة ما سألني أحد قبلك، حدثني أبي عن جعفر بن محمد عن آبائه صلوات الله عليهم قال: لما كان رسول الله بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا فاخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه"، فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ الحارث بن النعمان الفهري،فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله على ناقة له حتى أتى الأبطح فنزل عن ناقته فأناخها فقال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه،وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه منك،وأمرتنا بالزكاة فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصوم شهرا فقبلنا،وأمرتنا بالحج فقبلنا،ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا،وقلت "من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء من عندك أم من الله؟فقال: والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله" فولى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقوله محمد حقا،فأمطر علينا حجارة من السماء أو إئتنا بعذاب اليم،فما وصل إليها حتى رماه الله تعالى بحجر،فسقط على هامته،وخرج من دبره وقتله،فأنزل الله عز وجل:" سأل سائل بعذاب واقع* للكافرين ليس له دافع *من الله ذي المعارج" سورة المعارج الآيات 1/3  الكشف والبيان ص234 سورة المعارج/القرطبي في جامعه ج18ص278 /الحلبي في سيرته ج3ص274        
لم يظهر يوم الغدير كقيمة عقائدية متضمنة لأكبر أعياد المسلمين الشيعة متأخرا عن تاريخ حدوثه، فهذا رسول الله قد أعلن على الملإ قيمته عندما صرح في رواية نقلها عنه أبو هريرة تقول:"من صام يوم الثامن عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا،وهو يوم غدير خم،لما أخذ النبي صلى الله عليه وآله بيد علي بن أبي طالب.الحديث.أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه ج8ص290 /سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص/ وابن كثير في تاريخه البداية والنهاية...

وتعهد الموالون لعلي عليه السلام والمتمسكون بولايته وولاية الأئمة الأطهار من ذريته بيوم الغدير غير خاف في التاريخ الإسلامي،ومن حاول الادعاء بان ذلك العيد العظيم هو من اختلاق الدولة الفاطمية،غير منصف بالمرة،وإنما هو سائق أرتال الدعاية التي أسسها من جاء قبله،وما إقامة التهنئة من طرف النبي صلى الله عليه وآله،وما استتبع ذلك من نزول آية:" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي...وما جاء من تعظيم صيام ذلك اليوم ،إلا دليل على مقدار ذلك اليوم،الذي لم يتركه علي والأئمة من ولده عليهم السلام وشيعته الكرام البررة،فكانوا يحيونه في كل عام،واستمروا على ذلك جيلا خلفا عن جيل،إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
 
عد حديث( من كنت مولاه فعلي مولاه)،من بين الأحاديث المتواترة،فقد أورده السيوطي في الأزهار المتناثرة،عن ثمانية عشر طريقا،وأخرجه الكتاني في نظم المتناثر،كتاب المناقب،واعترف الحافظ  ابن حجر بتواتره قائلا: حديث من كنت مولاه فعلي مولاه،أخرجه الترمذي والنسائي،وهو كثير الطرق جدا،وقد استوعبها ابن عقدة في مؤلف منفرد،وأكثر أسانيدها صحيح أو حسن،كما أخرجه الزبيدي في كتابه لقط اللآلي المتناثرة. الزبيدي لقط اللآلي المتناثرة في الأحاديث المتواترة ص205/206
وقد نقل عن الشيح سليمان الحنفي في كتابه،قال:حكي عن الشيح أبي المعالي الجويني الملقب بإمام الحرمين،أستاذ أبي حامد الغزالي يتعجب ويقول:رأيت مجلدا في بغداد في يد صحاف،فيه روايات خبر غدير خم،مكتوب عليه،المجلدة الثامنة والعشرون،من طرق قوله صلى الله على وآله:"من كنت مولاه فعلي مولاه"،يتلوه المجلد التاسعة والعشرون. ينابيع المودة ج1ص34 الباب الرابع.

وقد أجاد العلامة الفاضل الشيخ الأميني طيب الله ثراه،وجعل الجنة مأواه،في تأليفه النفيس الذي سماه الغدير في الكتاب والسنة والأدب،الذي استوعبه في أحد عشر مجلدا،لم يترك فيه شاردة ولا واردة تعلقت بالحادثة والحديث،إلا أوضحها وبينها وجلاها،وردّ دعاوى الباطل ونعيق الأفاكين،إلى حيث يجب أن تكون في خانة الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله.
تتبع الشيخ الأميني طرق حديث الغدير،فأرباه على المائة وعشرة من الصحابة،وأربع وثمانون تابعيا،وثلاث مائة وستون عالما ومفسرا،وذكر من أفرد بالتأليف عن الحادثة،ست وعشرون عالما، موشحا كتابه بروائع القصائد،لجهابذة الشعراء،وفطاحل الأدباء،على مدى أربعة عشرة قرنا،فعدّ بحق موسوعة اختصت بالحديث،وتفرعت منه إلى بقية فضائل وخصائص علي وأهل بيته عليهم السلام.   
ولو قدر للروايات التي تعلقت به،أن تمر من بين أيدي المانعين لتداول السنة النبوية،في عهد الخليفتين الأولين،ومن مهدا له ليكون ملكا على تراثهما،الطليق بن الطلقاء معاوية بن هند، لكان بحق أول الأحاديث ضخامة من حيث طرقه،لأن الحديث والحادثة وقعت على مرأى ومسمع من أكثر من 120 ألف حاج،لكن ماذا يقول لسان حالي عندما تعترضني رزية الخميس،التي أعلن فيها الخليفة الثاني عن موقفه من النبي صلى الله عليه وآله وسنته،وقد دون الحفاظ مقالته:"إن النبي ليهجر،وعندنا القرآن..حسبنا كتاب الله"

لم تكن كلمة ابن الخطاب،في بيت النبي صلى الله عليه وآله،وفي محضر منه،عفوية ولا مرتجلة بالمرة،فقد أثبت التاريخ بعدها أن الرجل كان يضمر أمورا عدة،لعل أهمها وأخطرها على الأمة الإسلامية،منع النبي صلى الله عليه وآله من كتابة وصيته الهامة،ثم تحالف مع ابن أبي قحافة،من أجل منع السنة النبوية من التداول بين الناس،بالإكراه والتهديد والضرب بالدرة والنفي،وباستعمال الحيلة،بمناشدة الناس أن يأتوا بالأحاديث المكتوبة إلى الخليفة ليجمعها،فأحرق هؤلاء الزاعمون بأنهم أتباع سنة النبي صلى الله عليه وآله،عددا هاما من الأحاديث المكتوبة،وأوعز أنصارهم  ذلك الإجراء إلى الخشية من اختلاطها بالقرآن،ورب عذر أقبح من ذنب،لأن القرآن إعجازي في ألفاظه ومعانيه،فلا يمكن أن يختلط بالقرآن،ولو فصلت آياته وخلطت بالسنة النبوية.
ولو كانت نية القوم حيال السنة سليمة،ولم يكن القصد منها التخلص من احتجاج علي عليه السلام ومناصروه بها،لانصرفوا إلى جمعها،بعد أن أنهوا جمعهم المزعوم للقرآن،وقد ارتفعت خشية اختلاطها به.

كما لا يفوتنا في هذا المجال،أن نكشف عن حقيقة ظلت مغيبة عن الأمة والإسلامية،بسبب الحجر والمنع وتزوير الحقائق،وطمس الجرائم التي ارتكبت في حق الأمة وشريعتها،وهي رد الدعوى القائلة،إن جميع الحروب التي خاضها الخليفة الأول بعد توليه للحكم،كانت حروب ردة عن الدين،وإقامة دعوى مضادة تقول،إن جانبا من تلك الحروب،كان إخضاعا للقبائل بالقوة لحكومة أصحاب السقيفة،ولم يكن مانعوا الزكاة الذين حاربهم الخليفة الأول،في معظمهم غير أولئك الذين شهدوا بيعة الغدير،فرفضوا تسليم الحقوق الشرعية لمن اغتصب السلطة من علي عليه السلام،فحورب هؤلاء تحت غطاء الردة عن الدين،وفي ذلك ما فيه من الادعاء الكاذب،كذب رواة تلك الأحداث،كسيف بن عمر،والسري وغيرهما ممن قال علماء الجرح والتعديل من خط السقيفة،بجهالة بعضهم وعدم عدالة البعض الآخر،وأكبر دليل على أن تلك الحروب كانت في معظمها سياسية وغير عقائدية،ما جاء فيها من قتل لمالك بن نويرة،الذي خلفه رسول الله على قومه،والدخول بزوجته في نفس اليوم من طرف بن الوليد بن المغيرة،وعدم إقامة الحد على قاتله، بعذر أنه قد تأول وأخطأ،ورب عذر أقبح من ذنب.

أما من تفطن إلى حقيقة مجريات تلك الأحداث الدامية والمحزنة من خط الوراثة الأعمى كالدكتور علي عبد الرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم الإسلام وأصول الحكم،فانه عوض أن يعود إلى حقيقة تنصيب علي السلام إماما وقائدا للأمة الإسلامية،فيعترف بأن الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله هو منظومة متكاملة السلطات، أوغل في الادعاء الباطل،وبنى على ما أسسه الأولون،قائلا بفصل الدين عن الحياة.
إن الافتراء على النبي صلى الله عليه وآله،والادعاء عليه بأنه قد ترك الأمة وشريعته(كتابه وسنته) غير مجموعين،هو من نفس قبيل الادعاء بأنه ترك الأمة بلا إمام وقائد،يسلك بها سبيل الهداية،ويمنع عنها سبل الانحراف . 

ولا أعتقد أن عاقلا يقول بإهمال الأمة وترك الشريعة الخاتمة بين الناس يفعلون بها ما يرونه، والدين قد كمل والنعمة قد تمت،وأي كمال للدين يدعى في نظر القائلين بخلاف النص ونظام الحكم مغيب؟ وأي تمام للنعمة عند هؤلاء،ولم يقع تعيين من سيقوم مقام النبي صلى الله عليه وآله،في حفظ الدين، وقيادة المسلمين،والحكم بينهم بالعدل والسوية؟
ولاية أمور المسلمين،واستلامها من النبي صلى الله عليه وآله لمرحلة ما بعد النبوة،أمر لازم لا يستطيع إنكاره عاقل،وادعاء إهمال هذا المنصب الحساس والخطير من طرف الوحي،باطل لا سند له عقلا ولا نقلا،لأن ولاية الأمر أساس من أساسات الشريعة الخاتمة،لا يمكن بأي حال من الأحوال غض الطرف  عنها،والذي ادعى إهمال ذلك الأمر الهام،راد على الله سبحانه وتعالى،وراد  على رسوله صلى الله عليه وآله،ومن القائلين بفصل الدين عن الحياة.

وعلى الرغم من احتجاج علي عليه السلام،ومطالبته بحقه منذ أن تناهت إليه أخبار السقيفة وأصحابها،فان الذين تمسكوا بالرأي القائل بإهمال الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وآله،وترك أمرها للناس،لم يجدوا بدا من الادعاء بسكوت علي عليه السلام عن حقه،دفعا لحجة دامغة قد تقوض ما بنوه من زيف،وتغييبا لصوت صاحب قضية ظلت تتراوح بين أفراد الأمة الإسلامية قرونا طويلة، وهي بين مؤيد موال،ومفند قال، كل حسب الشرب الذي ارتوى منه،أو قل كل حسب الموروث الذي وجد نفسه فيه.
لكن هل من مصلحة الأمة اليوم أن تواصل السير في طريق هجران أساس من أساسات الدين،وركن من أركانه الهامة؟بعد ما تبين سقم نظرية الشورى،وسوء تطبيقها من طرف الداعين لها،وآثارها السلبية المدمرة لمعلم مهم في الأمة،احتاجته في أولى مراحل نشأته،وحرمت منه بسبب الهوى والطمع والحرص على الدنيا،وهو ولاية أمرها.
لا أعتقد أن هناك مسلما عاقلا يرى  الاستمرار في السير على طريق لم يجلب للإسلام غير سوء الفهم،وجهالة التطبيق، لأن فاقد الشيء لا يعطيه،لذلك فانه من الضروري مراجعة ما بني على أساس حادثة السقيفة،لأن ذلك البناء مشتمل على نظريات فيها تشكيك بسلامة الدين وتمامه،ويفتقد إلى عديد الإجابات على مسائل هامة متعلقة بالدين،فيه دعوة صريحة إلى فصل الدين عن الحياة،وموالاة الظالمين وطاعتهم، والسقيفة في حد ذاتها هي فصل لدور المسجد،وتأسيس لأسلوب مغاير لما ربى عليه النبي صلى الله عليه وآله أمته.

إن النص على إمامة علي عليه السلام للأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله،هو الضمان الوحيد  لسير عملية التربية والإصلاح والتعليم والاعتقاد الصحيح للدين والحياة،واعتماد مرحلة النص على من سيلي أمر الأمة بعد النبوة هي الضمان الوحيد لمواصلة تلك المرحلة والأداء بنفس الاتجاه ونفس الوتيرة. 
لم يسكت علي عليه السلام طوال حياته عن حقه المشروع في قيادة الأمة،والذي اغتصبه منه أصحاب السقيفة في غفلة وهو يؤدي واجبا كبيرا تمثل في تجهيز النبي صلى الله عليه وآله ودفنه،فقد أعلن أحقيته في أكثر من مناسبة،فلم يترك مجالا ولا مكانا إلا أقام فيه الحجة على الناس،وعدم إخراج من تعود على السكوت عن الحق لتلك الحقيقة،لا يعني عدم وجودها أو بطلانها،بل بالعكس،فان اللذين أداروا ظهورهم لاحتجاجات علي عليه السلام،لم يتفطنوا إلى أنهم أوقعوا أنفسهم موقع التهمة والشك والريبة،في ما نقلوه من موافقة وسكوت مريبين،لا يعبران عادة إلا عن شخص مغاير تماما لشخص علي عليه السلام، وهو الذي كان إذا خير بين أمرين اختار أشدهما عليه.

احتجاجات ومناشدات علي عليه السلام على حقه المسلوب كثيرة،لكن التاريخ المشوه والمؤرخون المنحازون لأنظمة بنت أساساتها على أنقاض السقيفة،حال دون وصول أكثر تلك الناشدات،لذلك نكتفي بالقدر الذي مر إلينا من بين هؤلاء.
عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله،عمدت عصابة تعاهدت من قبل على صرف القيادة عن علي عليه السلام،بدعوى أن قريش كرهت أن تكون النبوة والخلافة في بيت النبي صلى الله عليه وآله.
وتحرك علي عليه السلام،فلم يترك مكانا يدلي فيه بحجته إلا اتجه إليه،فأقام الحجة على أهل المدينة، وكانت معه فاطمة بنت محمد صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها،تشد إزره وتشحذ همته، وتحرك عواطف المسلمين إليه بحضورها ومساندتها،إلا أن الناس كانوا قد أعطوا بيعتهم لابن أبي قحافة طوعا وكرها.

لقد احتجت فاطمة عليها السلام على أهل المدينة في مناسبتين،الأولى تمت عندما بلغها نبأ مؤامرة السقيفة،وقد خرجت إلى أحياء الأوس والخزرج ليلا برفقة زوجها مذكرة ناصحة.والثانية عندما أرادت أن تقيم الحجة على ابن أبي قحافة في مسجد أبيها،بعدما منعها نحلتها وميراثها وسهم ذي القربى،برواية مفتراة متعارضة مع كتاب الله،وينفر منها العاقل، لأنها لو كانت صحيحة لكانت سيدة نساء العالمين أولى بمعرفتها من غيرها،وأهل البيت أولى بالذي فيه،وكانت خطبتها في غاية من البلاغة والحجة.
وما شهادة الصديقة الطاهرة عليها السلام،وسرعة لحاقها بأبيها صلى الله عليه وآله،وخروجها من دار الدنيا هي سيدة نساء العالمين،غاضبة ساخطة متبرمة وقالية لغدر الغادرين،وعنقها خالية من بيعة الغاصبين،إلا دليل على أحقية بعلها أمير المؤمنين،وسيد المتقين عليه السلام،لأن من يموت وليس في عنقه بيعة تكون ميتته جاهلية كما صرح بذلك النبي الأكرم صلى الله عليه وآله،وفاطمة عليها السلام لم تبايع سوى زوجها بيعة الطاعة والرضا بما اختاره الله ورسوله للأمة الإسلامية.
واستمر احتجاج علي عليه السلام كلما سنحت له فرصة،ففي شورى الستة الذين اختارهم الخليفة الثاني،وقف محذرا ومذكرا أولئك الذين اشرأبت نفوسهم وتاقت إلى السلطة بأنه أولى منهم بتقلدها، لكن كلامه لم يستقر في أذن واحدة منهم،وهي خصائص  لو كانت لواحد من هؤلاء لتسلم السلطة بكل يسر.

مناشدة الإمام علي عليه السلام يوم الرحبة:
نقل الحفاظ احتجاج علي عليه السلام،واستدلاله على أحقيته وأولويته في قيادة الأمة الإسلامية، في فترة إمامته عندما كان في الكوفة فناشد الناس،من سمع النبي يوم الغدير يقول من كنت مولاه فعلي مولاه.     
عن رياح بن الحارث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا السلام عليك يا مولانا قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب قالوا سمعنا رسول الله صلى الله عليه(وآله)  وسلم يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري حدثنا أبو أحمد حدثنا حنش عن رياح بن الحارث قال رأيت قوما من الأنصار قدموا على علي في الرحبة فقال:من القوم؟ قالوا:مواليك يا أمير المؤمنين.أحمد باقي مسند الأنصار ح22461
عن زيد بن أرقم قال استشهد علي الناس فقال أنشد الله رجلا سمع النبي صلى الله عليه(وآله)  وسلم يقول اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال فقام ستة عشر رجلا فشهدوا.أحمد باقي مسند الأنصار ح22062 /مسند الكوفيين ح18522
عن أبي الطفيل قال جمع علي رضي الله تعالى عنه الناس في الرحبة ثم قال لهم أنشد الله كل امرئ مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه(وآله)  وسلم يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام فقام ثلاثون من الناس وقال أبو نعيم فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذه بيده فقال للناس أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا نعم يا رسول الله قال من كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال فخرجت وكأن في نفسي شيئا فلقيت زيد بن أرقم فقلت له إني سمعت عليا رضي الله تعالى عنه يقول كذا وكذا قال فما تنكر قد سمعت رسول الله صلى الله عليه(وآله)  وسلم يقول ذلك له.أحمد مسند الكوفيين ح18497

دعاء أمير المؤمنين على الذين كتموا شهادتهم يوم الرحبة:
لما أنشد علي عليه السلام من حضر يوم الغدير،أن يقوم للشهادة وقد اجتمع الناس على اختلاف أهوائهم ومشاربهم، بادر من بادر إلى الإقرار بذلك والشهادة بما سمع من النبي صلى الله عليه وآله، وتلكأ وأحجم من أحجم، هنالك دعا :" اللهم من كتم هذه الشهادة وهو يعرفها،فلا تخرجه من الدنيا حتى تجعل به آية يعرف بها."أنساب الأشراف للبلاذري ج2ص156 ح169 / وفايات الأعيان ج5ص351ح754
وكان من بين الحضور:أنس بن مالك،والبراء بن عازب،وزيد بن أرقم،وجرير بن عبد الله البجلي،فبرص أنس بن مالك وعمي زيد بن أرقم والبراء بن عازب وارتد جرير بن عبد الله البجلي أعرابيا.

أما انس فقد سأله علي عليه السلام قائلا:لقد حضرتها فمالك؟ فقال:يا أمير المؤمنين لقد كبرت سني وصار ما أنساه أكثر مما اذكره.فقال له:إن كنت كاذبا فضربك الله بها بيضاء لا تواريها العمامة."فما مات حتى أصابه البرص. وقد عد انس بن مالك من المنحرفين عن علي عليه السلام.شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج19ص217 الغدير ج2ص387
أقول:وحديث الطير المشوي يزيد خبر انحراف أنس عن علي عليه السلام  تأكيدا

سؤال الناس عن حديث الولاية المعروف بحديث الغدير:
عن عطية العوفي،قال:سألت زيد بن أرقم فقلت له إن ختنا لي حدثني عنك بحديث في شأن علي رضي الله تعالى عنه يوم غدير خم فأنا أحب أن أسمعه منك فقال إنكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم فقلت له ليس عليك مني بأس فقال نعم كنا بالجحفة فخرج رسول الله صلى الله عليه(وآله) وسلم إلينا ظهرا وهو آخذ بعضد علي رضي الله تعالى عنه فقال يا أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا بلى قال فمن كنت مولاه فعلي مولاه قال فقلت له هل قال اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال إنما أخبرك كما سمعت .أحمد مسند الكوفيين ح18476/ ابن ماجة المقدمة ح113/ الترمذي المناقب ح3646

معاوية الطليق ينال من علي عليه السلام:
عن سعد بن أبي وقاص قال قدم معاوية في بعض حجاته فدخل عليه سعد فذكروا عليا فنال منه فغضب سعد وقال تقول هذا لرجل سمعت رسول الله صلى الله عليه(وآله)  وسلم يقول من كنت مولاه فعلي مولاه وسمعته يقول أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وسمعته يقول لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله .ابن ماجة المقدمة ح 118

وأخيرا،إذا نحن نظرنا إلى تضافر الأحاديث النبوية،التي أخبرت بولاية علي عليه السلام على الأمة الإسلامية،وقايسناها بشخصية ذلك الرجل الفريد،وسيرته الملأى بالعمل والعلم والبذل والفداء،وما كان النبي صلى الله عليه وآله يوليه من التعهد والعناية لشخصه،وما خصه منذ صغره إلى أن خرج من دار الدنيا،مضافا إلى المهام التي أوكلها إليه،من قيادة للجيش،وإمارة للمدينة،وقضاء بين الناس،سواء كان ذلك بحضوره أو في غيابه،تأكد لدينا أن مسالة تولي السلطة من بعده،حتى وان كانت غير محسومة بالتعيين،ومتروكة للناس اختيارا،لترك النبي صلى الله عليه وآله آلية تحقق الاختيار الأمثل،ولكان أرشد الناس إلى كيفية القيام بتلك المهمة الجسيمة،ولكن بماذا يمكننا أن نعرّف عملية استلام للسلطة في أجواء مشحونة،وفي غياب علي عليه السلام ومن كان معه في مصيبته من بني هاشم وخلص الصحابة،الذين أبقاهم واجب أداء حق النبي صلى الله عليه وآله في تجهيزه والصلاة عليه ودفنه،إلا يعتبر تعديا على شخص النبي صلى الله عليه وآله وعدم احترام له،وانقلابا على سلطانه في غفلة من المؤهلين لتسلم السلطة من بعده.

ولم يرد علي عليه السلام تمزيق صف الأمة،وجرها إلى التناحر والحرب،فقد امتنع عن تصعيد الأمر إلى مستوى المواجهة،امتثالا لنصيحة النبي صلى الله عليه وآله،عندما أمره بالصبر عند غياب الناصر،بذلك ضرب لنا مثلا آخر ينم عن شخصية قل مثيلها في الإنسانية، دلت على أن عليا كان يعيش ويحيا من أجل غيره من بني البشر، لذلك فانه لم يدخر جهدا من أجل غيره،وخرج من الدنيا وهو يحاول تثبيت أساسات الدولة الإسلامية،التي حدد معالمها النبي صلى الله عليه وآله،وحرف معالمها أصحاب السقيفة، إلى حد أصبح الإسلام مفرغا من السياسة والحكم، ولا علاقة بين هذا وذاك في الحياة. 

ورغم هذا وذاك،فان من لاذ بولاية غير علي عليه السلام لم يصب خيرا،وما ضر علي عليه السلام من هروب الناس عن ولايته شيئا،إنما أضروا بذلك دينهم،ولم يصيبوا من دنياهم شيئا يأملونه لآخرتهم،وبقي علي  عليه السلام هو نفسه علي الهداية والعلم والشجاعة والخير والعزة،ولي كل مؤمن ومؤمنة،زاده النبي صلى الله عليه وآله تشريفا بقوله:لا يحب عليا غير مؤمن طاهر الولادة، ولا يبغض عليا - وعلامة البغض تقديم من دونه عليه- إلا منافق خبيث الولادة،وحسبنا من هذه الدنيا أن نتزود بحب وولاية علي عليه السلام وأولاده الهداة،ونقتبس من آثارهم ما يهيئ لنا مكانا لشفاعتهم،وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة