المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 26 رجب 1429 - مقامات علوية (16) -الفاتح العظيم-
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

مقامات علوية
الحلقة السادسة عشر
الفاتح العظيم

"لولا مال خديجة وسيف علي لما قام للإسلام قائمة."

كذلك صدع بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيضاء من غير سوء،إلى الآذان الواعية،إلى كل  طالب للهداية والنجاة،فلم تترك كلماته تلك،على اختصار مفرداتها،ووضوح معانيها مجالا للتأويل،ولا بابا لبلوغ الحقيقة،غير باب الإقرار بأن للإسلام الذي جاء به النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، له على الناس أفضال وأيادي،ما عدا خديجة وعلي عليهما السلام،فإن لكل منهما فضلا ويدا،أما فضل خديجة عليها السلام فهي التي أنفقت من مالها فأعتقت رقابا من المستضعفين،كانت قاب قوسين أو أدنى من الهلاك على أيدي مشركي مكة،وهم تحت وطأة التعذيب، وأنس بها النبي صلى الله عليه وآله ووسعه قبلها الكبير حبا وحنانا.

وأما فضل علي عليه السلام،فهو الذي التزم صغيرا،وأعان شابا في مرحلة الدعوة السرية والعلنية، وكان له دور لا يقل أهمية وقيمة عن بقية أدواره،ولئن بخل التاريخ عن ذكر تفاصيل تلك المرحلة فان ما تضمنه من مواقف تشير إلى البلاء الذي أبلاه علي عليه السلام قبل الهجرة،وهو الذي أدار رحى الحرب على الشرك،وبرى أسنتها وحد شفرتها،وأعد عدتها،وأبلى فيها بلاء لو اجتمع له الجم الغفير من الناس،ما استطاعوا أو يبلغوا معشار ما قدمه علي عليه السلام.

وبقدر ما اجتهد علي عليه السلام،وبذل من أجل إعلاء كلمة الله تعالى،بقدر ما أجهد أعداءه أنفسهم وطاقاتهم من أجل إعفاء مقامه الحميد،ومحو أثره التليد،ما أمكنهم من فضائله وخصائصه،التي انفرد بها ولم يشاركه فيها أحد.

أيادي علي عليه السلام،وصولاته وجولاته لم تكن العنوان البارز،والعامل المؤثر،والسمة التي لا تنمحي في كبرى المعارك التي عنونت المواجهة بين قوى الشرك والإيمان،طوال مسيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم،بل امتدت إلى أن طالت كل الغزوات والسرايا التي شارك فيها،  إذا استثنينا غزوة تبوك،حيث استثناه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها،واستبقاه أميرا على المدينة،ليحميها من غدر المنافقين،الذين خططوا وأعدوا العدة للاستيلاء عليها في غياب حماتها،ولم يغادرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أوضح للمسلمين مكانة علي عليها السلام ومنزلته بالنسبة إليه قائلا له:"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي." فكان تصريح النبي صلى الله عليه وآله،وإفادته بمنزلة علي عليه السلام بحق خير وسام وضع على صدره، وعلي عليه السلام يعتبر الوحيد الذي لم يستشرف لإمارة،ولم يتطاول لقيادة، وكان دائما خلاف غيره لا يهمه شيء من أمر الأمارة، ومع انه كان يرى أن الجهد في سبيل الله،والبذل والتضحية من اجله أولى له من البقاء وتنسم مقاليد الإمارة،أما إذا كانت رغبة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم في بقائه،فليس له إلا السمع والطاعة والتنفيذ،بلا تردد  وكان ذلك ديدنه دائما.

تحدثت سابقا عن كبريات المعارك التي خاضها النبي صلى الله عليه وآله وسلم،وذكرت فيها ما أمكن للتاريخ أن ينقله على تحيز وتحرف،ما خلاصته:
إن بلاء علي عليه السلام في تلك الغزوات أوضح من الشمس في رابعة النهار،ولولا علي عليه السلام لما قام للإسلام  قائمة وصدق النبي فيما صرح به،ولا نتعجب من كثرة أعداء علي عليه  السلام،وهو بما قدمه من أجل إعلاء كلمة الله تعالى ونصرة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم،قد استوي على منزلة المحبة الإلهية،أحب الله ورسوله ووالاهما، وقدم من أجلهما ما يعبر عن تلك المحبة وذلك  الولاء،فأحبه الله ورسوله وبادلاه حبا بحب أكبر وأعظم.
لم تمر مواجهة بين الإيمان والشرك إلا وترك علي بصماته جلية عليها، بحيث كان ثقلا وحده وانتصارا وحده.

أما في بقية المواجهات الثانوية والتي عرفت بالسرايا فهي أيضا موسومة بعلي سمة المملوك للمالك،وحق له بذلك أن تنقاد لإرادته  طائعة مستكينة.
وحتى نعطي صورة أوضح لما جاد به التاريخ منها،لا بد  لنا من التعريج عليها بشيء من الإيجاز.
     
كانت غزوة بني النضير في السنة الرابعة من الهجرة المباركة،عندما بدأ اليهود  ينقضون عهودهم،وكان علي عليه السلام فيها حاسما كعادته،فقد كمن في الليل لصنديد من صناديد اليهود اسمه عزول،وكان راميا لا تخطئ رميته،وقد  فقد المسلمون عليا فأخبروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم،فقال لهم:دعوه فانه في بعض شأنكم.فلم يلبث أن جاء برأس غزول،وأخبر النبي بأن اليهودي خرج من حصنه،وجاء يطلب غرة من المسلمين،فكمن له وشد عليه فقتله،وفر من كان معه،فأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع علي عليه السلام أبا دجانة،وسهل بن حنيف في عشرة،فأدركوا بقية اليهود فقتلوهم.أعيان الشيعة ج1ص392 السيرة الحلبية ج2ص562 

وفي غزوة بني المصطلق السنة الخامسة للهجرة المباركة،قتل علي  عليه السلام مالكا وابنه وكان السبب في غنم ما غنم المسلمون من الأنعام ،وسبى جويرية بنت الحارث،فأسلمت وأعتقها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتزوجها،وقد ذكر ابن هشام في سيرته أن عليا عليه السلام حارب في هذه الغزوة كفار الجن بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي سرية  إلى بني سعد بن بكر في نواحي فدك،وفي شعبان سنة ست من الهجرة المباركة،قبل  فتح خيبر، بعث النبي عليا في مائة رجل ، فجعل يسير الليل ويكمن بالنهار، فلما وصل بهم إلى ماء بين خيبر وفدكا،وجد عليه رجلا اعترف بأنه عين لبني سعد وانه مرسل إلى يهود بني خيبر يعرض عليهم نصرهم على أن يجعلوا لهم من تمرها ما جعلوا لغيرهم. ودلهم على مكان القوم، وكانوا قد جمعوا نحو مائتا رجل،ولما وصلوا لم يجدوا أحدا سوى الرعاء الذين فروا تاركين النعم وهي خمسمائة بعير وألفي شاة،اختار منها علي عليه السلام لرسول الله ناقة لقوحا، وقسم الباقي على أصحابه، بعد أن أخرج خمس الغنائم.أعيان الشيعة ج1ص 386 نقلا عن السيرة الحلبية.

ويوم الحديبية، عندما نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على غير ماء،أرسل من يستسقي للمسلمين لكن الذين أرسلهم رجعوا،خائفين متهيبين مذعورين من طلائع المشركين،وكان علي عليه السلام حاضرا في المهمات الصعبة التي يعجز غيره عن القيام بها،فأرسله النبي صلى الله عليه وآله وسلم،فلم يرجع إلا ومعه الماء،فسر النبي صلى الله عليه وآله بذلك سرورا عظيما.أعيان الشيعة ج1ص401

وفي فتح مكة، حين طاف باحثا عن أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،ممن كان قد أهدر دماءهم،فقتل منهم من قتل،ونجا الباقون بعد استجارتهم بأخته أم هانئ،وعثمان بن عفان.

وفي غزوة ذات السلاسل ويقال لها سرية وادي الرمل،وقد وقعت بعد سنة ثمان،لما قدم عليه احد الأعراب ناصحا ومحذرا من قوم قد اجتمعوا لقتاله في..... فنادى مناديه بالصلاة جامعة،فخطب فيهم وأذن...
 بقيادة السرية فلم يفلح ورجع منهزما وقد قتل من أصحابه من قتل، فأرسل من بعده عمرو بن العاص لكنه لم يكن أحسن حظا من سابقه، فلم يجد النبي صلى الله عليه وآله بد من إرسال علي عليه السلام فخرج بالمقاتلين خروجا لم يعهدوه في البعثات السابقة، كان يكمن بالنهار ويسير ليلا،ونقل السيد محسن الامين في موسوعته اعيان الشيعة قوله:
فلما قرب من الوادي امر اصحابه ان يعكوا الخيل، ووقفهم مكانا وقال:لاتبرحوا. وانتبذ امامهم فاقام ناحية منهم فلما راى عمرو بن العاص ما صنع لم يشك  ان الفتح يكون له، فقال لابي بكر اني اعلم بهذه البلاد من على ، وفيها من هو اشد  علينا من بني سليم، وهي الضباع والذئاب، فان خرجت علينا خفت ان تقطعنا فكلمه يخل عنا نعلو الوادي،  فانطلق فكلمه فاطال فلم يجبه علي حرفا واحدا، فرجع اليهم فقال: لا والله ما اجابني حرفا واحدا،  ففقال عمرو بن العاص لعمر انت اقوى عليه، فانطلق عمر فخاطبه، فصنع به ما صنع بابي بكر فرجع فاخبرهم، فقال عمرو: انه لا ينبغي ان نضيع انفسنا، انطلقوا بنا نعل الوادي، فقال له المسلمون:لا والله ما نفعل، امرنا رسول الله ان نسمع لعلي ونطيع،  فنترك امره ونطيع لك ونسمع.فما زالوا كذلك حتى احس علي بالفجر فكبس القوم وهم غارون فامكنه الله تعالى  منهم ، ونزلت على النبي والعاديات ضبحا الى اخرها، فبشر اصحابه بالفتح وامرهم ان يستقبلوا أمير المؤمنين،فاستقبلوه والنبي يقدمهم، فقاموا له صفين، فلما بصر بالنبي ترجل عن فرسه فقال له النبي اركب فان الله ورسوله عنك راضيان،  فبكى امير المؤمنين فرحا، فقال له النبي :يا علي لولا انني اشفق ان تقول فيك طوائف من امتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بملا من الناس الا اخذوا التراب من تحت قدميك. اعيان الشيعة ج1ص412/413

وفي بعثه الأول إلى اليمن سنة ثمان أسلمت همدان جميعها في يوم واحد،فخر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ساجدا لما بلغه نبأ إسلام قبيلة همدان.السيرة النبوية لأحمد زيني دحلان بهامس السيرة الحلبية ج2ص356

وفي أوطاس بعد حنين قتل شهابا ونافعا وكسر الأصنام وانهزم بسبب ذلك الإعراب والمشركون.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة