المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 30 رجب 1429 - مقامات علوية (17) -علي (ع) والعدل-
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

مقامات علوية
الحلقة السابعة عشر
علي عليه السلام والعدل

خصائص أمير المؤمنين عليه السلام،أكثر من أن يعدها العاد، وأوسع مدى من أن يجمع عناصرها الباحث،ومهما بلغت دراستنا لشخصية الإمام الذي أحصى الله تعالى فيه كل شيء،كما قال في سورة يس المباركة:"وكل شيء أحصيناه في إمام مبين".فإننا سنقف عاجزين عن تحصيل اليسير منها، فضلا عن تتبعها كلها، ليبقى سيد العرب ذلك الكتاب الذي لم يستطع أحد فك أكثر رموزه، والبحر الزاخر الذي يتهيب شق عبابه أمهر السباحين لأنه لا نهاية لساحله ولا نفاد لمكنوناته.

في هذا الباب سنتناول من علي عليه السلام جانبا مهما، كان السبب المباشر في تفرق كثير من الناس عنه،ليس لأنه مخل أو مقصر فيه، بل لأنه عليه السلام كان ينظر بعين الله تعالى، ويمضي أحكامه كما يريدها الباري،بلا مراعاة لغضب أحد من الناس أو لمرضاته. بينما رأى من تفرق عنه أن ذلك فوق تحملهم، لأن نظراتهم وأفكارهم وأهدافهم،مختلفة تماما عن نظرة علي عليه السلام وفكرته وهدفه.

ولئن لم يمكنه الجيل الأول للأمة الإسلامية من حقه في الحكومة،ليس لأنه غير مؤهل لها،بل لأنه أقدر عليها من غيره،,إنما صرفته عنها أضغان وأحقاد أولياء من قتل بسيفه الذي سله الله تعالى على كفار ومشركي العرب، ولقد عبر عن استحقاقه ذلك،رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما كلفه بأن يقضي بين الناس مزكيا حكمه الصادر يقوله:"أقضاكم علي."(1) وعندما صرح الإمام عليه السلام نفسه قائلا: "والله لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم...
كانت ثقافة المجتمع الذي انحدرتُ منه محصورة في الثناء على الخلفاء الثلاثة الأوائل الذين حكموا الأمة الإسلامية بعد النبي صلى الله عليه وآله و سلم،ولم يكن حظ علي عليه السلام من بينهم إلا الأدنى،ب ناء على ترتيب تسلم السلطة،واعتمادا على روايات في ترتيب الأفضل اعتمدها حفاظ خط الخلافة بلا أدنى تأمل في معارضتها للحقيقة والواقع الذين عاشهما علي عليه السلام،وما روي في شأنه من أحاديث لو أخذ واحد منها بعين العقل لما وجدت روايات ترتيب المفاضلة المزعوم مكانا بين بقية المرويات.
فالأمر كما يتراءى، سياق لتأسيس ظالم بخس حق علي عليه السلام، وحجب مكانته الحقيقية عن أعين المسلمين،ولكن أنى للشمس أن تحجبها الغيوم،وللحقيقة أن تزايلها سرابات الكذب والبهتان.

ذات يوم قال لي أحدهم وهو يتذمر من أوضاع الظلم التي يعيشها العالم:"إيه لقد ذهب العدل مع عمر." فقلت له:"إذا أنت ترى أن العادل لم يعد له عدل،وأذهبت اسما من أسمائه،وصفة من صفاته مع عمر؟" فتبرأ الرجل من قوله واستغفر،وتعلل بأنه كان يقصد العدل في الحكم بين المسلمين. فقلت له:"ألم تقرأ كلمات عمر نفسه التي كان يطلقها بين الفينة والأخرى،كلما أشكلت عليه مسألة،أو غاب عنه وبطانته حكم لم يهتد إليه،أو عجز عن حل مشكلة رفعت إليه،فلم يجد لها طريقا غير طريق علي عليه السلام، فكان يردد في كل مرة:" لولا علي لهلك عمر." و"لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبا الحسن."و "لولاك لافتضحنا". وغيرها من كلمات الإقرار بأن العدل الذي نسب إلى عمر،ما كان ليتحقق لولا وجود الإمام علي عليه السلام، وإذا سألنا عن العدل بعد النبي صلى الله عليه وآله فإننا حتما سوف لن نجده إلا عند علي عليه السلام، ولا ينيخ رحله إلا عند بابه عليه السلام،لأنه باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله، ولا يستقيم القضاء إلا بالعلم والتفقه في الدين، وعلي عليه السلام قد حاز كل ذلك وتفوق بلا منازع، وأذعن له من عرفه وأقر له بفضله وتميزه.

وعدل علي عليه السلام نابع من علم النبي صلى الله عليه وآله الذي ألقاه إليه،وتوعية له بتفاصيل دقيقة لم تكن ممكنة لغيره لإدراك عقل علي عليه السلام لها، وقصور عقول غيره عنها، لذلك فانه حري بنا أن نصحح المقالة لولا علي لما تحقق العدل مع عمر،عوض التمادي في الإجحاف والتجاهل.  

علي في ميزان الإسلام
- علي مع الحق والحق مع علي
- علي مع القرآن والقرآن مع علي
- يا عمار إذا رأيت عليا سلك واديا والناس سلكوا واديا فأسلك الوادي الذي سلكه علي
- ولئن غصب حقه في قيادة الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن مقامه كقائد ومرشد ومعلم للمسلمين بقي واضح الدلالات، وبين المعالم لا تشوبه شائبة. كان المتصدي لكل نائبة ومعضلة، وسفينة النجاة التي كان الباحثون عن النجاة من النار يتعلقون بأطرافها.. كان علي عليه السلام في زمانه كهف المتحيرين ، وملجأ السائلين، وحلال المسائل التي استعصت على الجميع.. في كل مرة كان هناك عقل أبو الحسن عليه السلام ينتشلهم..وفي كل مرة كان هناك علم علي عليه السلام يحل لهم ما استعصى على جمعهم ، وما بذلوا فيه وسعهم ، لكنهم عادوا في كل مرة خائبين..ومن كل خيبة لم ينتشلهم غير ذلك الرجل الذي صدق ما عاهد الله عليه،  ويسعهم قلبه .
العدل لا يكون إلا بالعلم ، والحكم بين الناس وفق الأحكام الإلهية من قران وسنة نبوية، ليس متاحا إلا لمن كان له طريقان إلى الني صلى الله عليه وآله طريق بالنهار وآخر بالليل عندما يهجع الناس وينامون.
وكان الخليفة الثاني يقول:أقضانا علي. (2)
ذكر بعض أقضية علي عليه السلام الدالة على انفراده وتميزه:

1- البخاري فيما سمي بصحيحه، كتاب التفسير باب قوله تعالى:" ما ننسخ من آية أو ننسها.." ج3ص23
2- مسند  أحمد مسند الأنصار حديث أبي بن كعب حديث رقم: 20173/20174

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة