المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 20 محرم 1430 - مقامات علوية (18) -ذهب العدل مع علي (ع)-
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

مقامات علوية
الحلقة الثامنة عشر
ذهب العدل مع علي (ع)

 خصائص أمير المؤمنين عليه السلام،أكثر من أن يعدها العاد،وأوسع مدى من أن يجمع عناصرها الباحث،ومهما أطلنا المقام أمام شخصية الإمام الذي أحصى الله تعالى فيه كل شيء، مما يحتاجه الناس لدينهم ودنياهم،كما قال جل ثناءه في سورة يس المباركة:" وكل شيء أحصيناه في إمام مبين"، فإننا سنقف عاجزين عن تحصيل اليسير منها،فضلا عن تتبعها كلها،ليبقى سيد العرب عليه السلام،ذلك الكتاب الذي لم يستطع أحد فك أكثر رموزه،والبحر الزاخر الذي عجز الغواصون عن تحصيل درره، وفشل السباحون في بلوغ ساحله.

في هذا الباب، سنتناول من علي عليه السلام جانبا مهما،كان السبب المباشر في تفرق كثير من الناس عنه،ليس لأنه مخل أو مقصر فيه، بل لأنه عليه السلام كان ينظر بعين الله تعالى، ويمضي أحكامه كما يريدها الباري،بلا مراعاة لغضب أحد من الناس أو مرضاته، بينما رأى من تفرق عنه، أن ذلك فوق تحملهم،لأن نظراتهم وأفكارهم وأهدافهم،مختلفة تماما، ومتباينة عن نظرة علي عليه السلام وفكرته وهدفه.

ولئن لم يمكنه الجيل الأول للأمة الإسلامية من حقه في الحكومة وأخره عنها الى ما بعد فوتها،ليس لأنه غير جدير بها، بل لأنه أقدر إمكانية ومكانة من الذين سبقوه مجتمعين،فإن استحقاقه للامامة قد عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أكثر من حديث،وأكثر من تكليف،فقد أمره بأن يقضي بين الناس في حياته، مزكيا حكمه الصادر يقوله:"أقضاكم علي." وعندما صرح الإمام عليه السلام نفسه قائلا:"والله لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم... كان يعي ما يقول،ولم يكن كلامه إلا إشارة لطيفة،لما يشتمل عليه شخصه من مخزون علم لا يضاهى.

كانت ثقافة المجتمع الذي انحدرت منه،محصورة في الثناء على الخلفاء الثلاثة الأوائل، الذين حكموا الأمة الإسلامية بعد النبي صلى الله عليه وآله و سلم،ثناء خال من مؤيداته،وتقديما لم يجد يوما ما يبرره في تأخير الأولى،وتفضيلا على الفاضل بغير وجه حق، سوى التأسيس لعقلية تبرير الأمر الواقع، حتى لو كان على حساب الإسلام، ومخالفا لأحكامه القدسية.

ولم يكن حظ علي عليه السلام من المقدمين عليه إلا الأدنى، رغم النصوص التي تظافرت في حقه، والتي تناولتها العقول المريضة بالتأويل والتضعيف،دفعا لحقه وحقيقته في الأمة الإسلامية، فالأمر كما يتراءى،سياق لتأسيس ظالم بخس حق علي عليه السلام،وحجب مكانته الفعلية عن أعين المسلمين،ولكن أنى للشمس أن تحجبها الغيوم،وللحقيقة أن تزايلها سرابات الكذب والبهتان.
ذات يوم، قال لي أحدهم وهو يتذمر من أوضاع الظلم التي يعيشها العالم:"إيه.. لقد ذهب العدل مع عمر." فقلت له :"إذا أنت ترى أن العادل لم يعد له عدل،وأذهبت إسما من أسمائه،وصفة من صفاته مع عمر؟" فتبرأ الرجل من قوله واستغفر،وتعلل بأنه كان يقصد العدل في الحكم بين المسلمين. فقلت له:"ألم تقرأ كلمات عمر نفسه التي كان يطلقها بين الفينة والأخرى،كلما أشكلت عليه مسألة،أو غاب عنه وبطانته حكم لم يهتد إليه،فلم يجد لها طريقا غير طريق علي عليه السلام:" لولا علي لهلك عمر." و"لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبا الحسن."و "لولاك لافتضحنا". وغيرها من كلمات الإقرار، بأن العدل الذي نسب إلى عمر،ما كان ليتحقق لولا وجود الإمام علي عليه السلام،وإذا سألنا عن العدل بعد النبي صلى الله عليه وآله فإننا حتما سوف نجده منيخا عند رحله، ملتصقا بشخصه، التصاق الفطيم بأثر أمه.

 وعدل علي عليه السلام، نابع من علم النبي صلى الله عليه وآله الذي ألقاه إليه،وتوعية له بتفاصيل دقيقة لم تكن ممكنة لغيره، لقصور العقول عنها، لذلك فإنه حري بنا أن نصحح المقالة التي طالما تداولها الناس، بذهب العدل مع علي عليه السلام،عوض التمادي في الإجحاف والتجاهل.

لم يكن الخليفة الثاني معدودا من الفقهاء، حتى نعده فقيها، ونأنس به قاضيا،ثم نعتمده عادلا تبعا لذلك،وهذا ليس تهجما على الرجل، بقدر ما هو إقرار من حفاظ نهجه بذلك،فقد سجل عليه أصحاب (الصحاح)أنه لم يكن ليقنع بالتيمم بدلا عن  الوضوء، إلى درجة أنه لم  يصل شهرا كاملا(راجع مسلم النيسابوري وغيره) ولا من الحفاظ كي نعتبره من جملتهم(فقد أتم حفظ  سورة  البقرة في أواخر خلافته)،ولا عين  في  يوم من  الأيام على عهد  النبي صلى الله عليه وآله قاضيا، حتى نلحقه بالقضاة،ولا قائدا عسكريا تشهد له سوح  الوغى بالاقتدار والنصر والغلبة،فقد عد من الفارين في  أحد  وحنين وخيبر، والأنكى من ذلك  أنه في كل مرة، كان يجبن  أصحابه وهم يجبّنونه(راجع تاريخ  الكامل لأبن  الأثير/غزوة خيبر)

علي في ميزان الإسلام
يكفي عليا عليه السلام، أن ما قاله رسول الله في حقه من خصائص،ونجت من براثن الإعفاء والإبادة، أنها لم  تجتمع في أحد غيره،وقد جاء اجتماعها في شخصه دلالة تضاف إلى ما أظهره من أعمال،وتجلت في سيرته من خصال جعل ما قيل فيه وما عمله، توافق وتناغم وتطابق بين ما نسب إليه، وما إختزله كشخص متفرد عن البقية.
فقول النبي صلى الله  عليه وآله وسلم:"علي مع الحق والحق، مع علي لا يفترقان"
وقوله صلى الله  عليه وآله وسلم:"علي مع القرآن، والقرآن مع علي"
ووصيته صلى الله  عليه وآله وسلم  لعمار بن ياسر:"يا عمار إذا رأيت عليا سلك واديا، والناس سلكوا واديا، فأسلك الوادي الذي سلكه علي.

أدلة أضعها بين يدي القارئ الكريم، ليقف على عظمة هذا الرجل الفذ،لأن الذي يقرنه الوحي مع الحق، لا يمكن أن يخالفه، والذي يضعه في مقام واحد مع القرآن لا بد أن يكون قرآنا متحركا، عاملا وناطقا به صدقا وعدلا.
وإن الذي انفرد بعنصر الهداية وحده بعد النبي صلى الله  عليه وآله وسلم دون غيره، هو أمير المؤمنين علي عليهه السلام، ولو اجتمع الصحابة كلهم في جهة، وانفرد هو في الأخرى، لكان هو الذي على الصواب والحكمة، والبقية على الضلال والإنحراف. 
ولئن غصب حقه في قيادة الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن مقامه كقائد ومرشد ومعلم للمسلمين بقي واضح الدلالات، وبين المعالم لا تشوبه شائبة.

كان علي عليه السلام المتصدي لكل نائبة ومعضلة، وسفينة النجاة التي كان الباحثون عن النجاة من النار يتعلقون بأطرافها.. كان علي عليه السلام في زمانه كهف المتحيرين ، وملجأ السائلين، وحلال المسائل التي استعصت على الجميع.. في كل مرة كان هناك عقل أبي الحسن عليه السلام ينتشلهم..وفي كل مرة كان هناك علم علي عليه السلام، يحل لهم ما استعصى على جمعهم ، وما بذلوا فيه وسعهم ، لكنهم عادوا في كل مرة خائبين..ومن كل خيبة لم ينتشلهم غير ذلك الرجل الذي صدق ما عاهد الله عليه، ويسعهم قلبه .
العدل لا يكون إلا بالعلم ، والحكم بين الناس وفق الأحكام الإلهية من قران وسنة نبوية، ليس متاحا إلا لمن كان له طريقان إلى النبي صلى الله عليه وآله طريق بالنهار وآخر بالليل عندما يهجع الناس وينامون.

كلمات علي عليه السلام - وهو يواجه أصعب التحديات في عصره لعل أهمها التكالب على السلطة، والانقضاض على حكومة الإسلام، التي ما كان لها أن تنصرف عنه- كبيرة ككبر شخصه وعقله وقلبه وإيمانه، قد  جسدها سلوكه، ونحتتها على صفحات الدهر سيرته وأعماله.
يقول علي عليه السلام: والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جُلب شعيرة ما فعلت.

في جميع الأزمنة،كان المتسلطون على رقاب الناس،يجدون في تقديم قرابتهم وذوي معارفهم علي بقية الخلق، في العطاء والوظائف،حتى وإن كان هؤلاء غير جديرين بتلك المنح،وقد سبق عهد علي حاكم وحكومة، لم تترك  شيئا من الإمتياز إلا أعطته إلى قرباتها وذوي أرحامها،مما أثار حفيظة الناس وهيج نفوسهم، ودفعهم إلى الانقضاض على ذلك الحاكم، فحوصر مرتين وقتل في الأخير، وترك بلا دفن ثلاثة أيام، نكاية من الغاضبين عليه، وعلى سياساته الجائرة.

أما علي عليه السلام، وان كان مختلفا مع من سبقوه على الحكم، فإنه لم يأل لهم نصيحة، تنفع الأمة وتقيها العثرة،وفي ذلك ما فيه من الدليل على عظمة الرجل، وترفعه عن مجاراة مخالفيه، حتى أن الذين حاربوه، حقن دماءهم، وعفا عنهم بمجرد وقوعهم  بين يديه،ولو قدر له العيش بعد غدر ابن ملجم المرادي لعفا عنه،وتلك سجية في علي عليه السلام، لا يستطيع أحد أن ينافسه فيها، ولا أن يردها عنه.

حكم علي وحكومته، أظهرهما جلية من خلال سلوكه كأمير للمؤمنين حقا ،لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، فهو العامل بعلمه، والمدلل بسلوكه، قبل كلامه وقوله،لذلك فإن عليا عليه السلام قد اتخذ مع المنهج الإستحقاقي الذي امتلكه، منهجا آخر عمليا، يزيد في بيان أحقيته في قيادة الامة بعد شريكه الأول صلى الله عليه وآله وسلم.

من بديع مخزون علم علي عليه السلام، وصفاء روحه،ووضوح مواقفه في العدل قوله:
والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهدا،أو أجر في الأغلال مصفدا،أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم  القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشيء من الحطام، وكيف أظلم أحدا لنفس يسرع إلى البلى قفولها ويطول في الثرى حلولها.
والله لقد رأيت عقيلا وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعا،ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الألوان من فقرهم، كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا، وكرر علي القول مرددا، فأصغيت له سمعي، فظن أني أبيعه ديني،وأتبع قياده مفارقا طريقي، فأحميت له حديدة،ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دلف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له:ثكلتك الثواكل يا عقيل،أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه،أتئن من الأذى ولا أئن من لظى.
نهج البلاغة الخطبة233

مواقف علي عليه السلام وسيرته، هي التي وقفت حائلا دون إمساكه بزمام الحكم بعد النبي  صلى الله  عليه وآله وسلم،وبسببها تفرق  طلاب الدنيا والراغبون عن الله تعالى عن علي عليه السلام،فلم  يكن لهم أن يتراجعوا في ما التمسوه، ولا لعلي عليه السلام  أن يغير من طبعه ونهجه الذي خطه لنفسه وفق ما تلقاه من أخيه رسول الله صلى الله عليه وآله، واستمر كل  يعمل على شاكلته.

انفض طلاب الدنيا عن علي عليه السلام، واختاروا لأنفسهم بكل طواعية سبيل التحصيل العاجل، فانسحبوا من جبهة الحق التي مثلها علي عليه السلام، إلى جبهة الباطل التي مثلها معاوية، بعد أن يئسوا من تغير علي عليه السلام واسقطوا من أيديهم أن يستجيب لرغباتهم، فلم يبق معه غير من محص بالبلاء تمحيصا، وغربل في مقامات الثبات غربلة، أمثال أبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، ومالك الأشتر، وأبي الهيثم التيهان، و أويس القرني،  ومحمد بن أبي بكر، ومن كان على شاكلة هؤلاء...

قضايا علي عليه السلام وأحكامه التي نقلها الحفاظ، فيها ما دل على أن مخزون علم علي من آثار الوحي وامتداداته،لأنه التلميذ الأنجب والرفيق الأقرب،والصاحب الألقب،والصهر الأنسب، واللسان  الأعذب،والعقل الأصوب، إلى قرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتلقي منه.
وفي هذه العجالة ليس لي الا أن أشير الى بعض من أقضية الامام عليه السلام: فلولاه لرجمت امرأة وهي حامل، وردها علي عليه السلام بعد أن بت في أمرها الخليف الثاني،قائلا له له ان كان لها ذنب ،فما ذنب جنينها؟
والمرأة التي ولدت لستة أشهر ورفع أمرها زوجها وكانت على وشك أن تطلق وينفذ فيها القصاص،فتدخل علي عليه السلام ، مجوزا ولادة الحامل لستة اشهر،مستدلا في ذلك بالايتين: وحمله وفصاله ثلاثون  شهرا." " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين"(30- 24 = 6 )
والذين عجزوا عن قسمة ابلهم وتحير معهم ابن الخطاب، فلم يجدوا مخرجا سليما لمعضلتهم سوى باستنجادهم بعلي عليه السلام،فقد كانت الابل 17 وكان نصيب الاول النصف والثاني الثلث والثالث التسع، فاضاف لهم علي عليه السلام جملا (نضرية الاحتمالية في الحساب propabilité) وفي الاخير بقي الجمل المضاف. الى غير ذلك من الاحكام التي بت فيها علي عليه السلام، وكانت معقدة على عقول الحكام والناس في ذلك العصر.
وفي رأيي، لم يكن عجبا ما نقله الحفاظ، من عجائب،وطرائف قضايا أمير المؤمنين عليه  السلام،لأن العجب يأتي من طرف غير متوقع منه ذلك، وعلي عليه السلام ليس كذلك، والشيئ من مأتاه لا يستغرب..

في النهاية لا يسعني إلا أن أتساءل، عن مدى الضرر الذي لحق بالأمة الإسلامية، من جراء منع علي عليه السلام عن أداء دوره في قيادة الامة؟
فعلا لو نظرنا إلى ما لحق بالأجيال السابقة، منذ وفاة النبي صلى الله  عليه وآله، إلى جيلنا الذي نعيشه، لتبين لنا الغبن الذي عاشته أمتنا طوال قرون عديدة، فاقدة لحقيقة الحكومة الإسلامية، وللحاكم الإسلامي الذي ينبغي أن يعطي من نفسه القدوة والمثال.
تنكبت الامة عن نهج علي وصراطه المستقيم ،فلحقها الذل وديلت بالظلم، ووسمت بالاستضعاف، ومسخت في ذاتها ودينها، وانصرمت أيامها هدايتها الى ليالي غواية حالكة السواد، كل ذلك بتفريطها في الامامة الالهية التي كان علي عليه السلام أول أصحابها، ولا حول ولا قوة الا بالله.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة