المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 28 ربيع الاول 1430 - مقامات علوية (19) -علي (ع) والجهاد-
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

مقامات علوية
الحلقة التاسعة عشر
علي عليه السلام والجهاد

الجهاد في سبيل الله تعالى هو قدر علي عليه السلام،والشهادة من أجل تحقيق مسك الختام قضاء أراده له المولى سبحانه،ليكون تتويجا لمسيرة مضنية كلها جهد وبذل وعطاء وتضحية،عرق في النهار من خدمة الله وأوليائه،ودموعا بالليل تهجدا وطلبا للقرب من الخالق،ودماء في سوح النزال لإعلاء كلمته ونصرة دينه،وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك كله، المعلم والمربي والمراقب لعلي عليه السلام منذ أن وجد،في حركاته وسكناته،فوعى علي عليه السلام تلك الإحاطة،وتلقى تلك الإفاضة،ولما اشتد عوده، صار يلاحقه بنظرات الرضا، ويتبعه بدعوات الحفظ والنصر على الأعداء.
أخبره ذات يوم قائلا:"يا علي أتدري من أشقى الأولين؟قال:الله ورسوله أعلم.فقال:عاقر ناقة صالح.ثم قال:أتدري من أشقى الآخرين؟قال:الله ورسوله أعلم.قال:قاتلك،وإنه ليخضب هذه من هذه(مشيرا إلى هامته ولحيته).

سجد الجهاد عند باب علي عليه السلام سجود شكر لما قدمه لله تعالى، وحطت الشجاعة والقوة في رحاله فلم تغادره، وعانقه النصر والظفر معانقة حبيب لحبيبه، مما أدار إليه أعناق الحاسدين، ومع ذلك مضى علي سالكا طريقه الصعب الذي اختاره لنفسه،وعهد علي عليه السلام دائما أن يختار من الأمور أصعبها،إلى الموعد الذي خصه الله تعالى به، ومضى راضيا عن نفسه، مرضيا عليه من رسوله صلى الله عليه وآله، وربه تبارك وتعالى، وكما نسج الحب العلاقة بينهم" يحبهم ويحبونه" كان له من الخاتمة مسكها.

تحدثت فيما مضى من حلقات عن تفاصيل جهاد علي عليه السلام، فلا فائدة في تكرار ما أشرت إليه، لكنه بقي أن اختتم باب جهاد علي عليه السلام بطرف من بليغ كلامه، وشيئا من بديع معانيه.

كلام على عليه السلام وخطبه ومواعظه ووصاياه عن الجهاد في سبيل الله كثيرة، وما عفا عنه التدوين أكثر، وقد ارتأيت أن أنقل في هذه الحلقة بعضا من فضول كلمه، ومواعظ حكمه، ومنتهى القول في هذا الموضوع لديه:
قال عليه السلام متحدثا عن الجهاد:
أما بعد فان الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه، ألبسه الله ثوب الذل،وشمله البلاء، وديث بالصغار والقماءة، وضرب على قلبه بالإسهاب، وأديل الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف، ومنع النصف. الخطبة رقم 37

حكم الإمام علي عليه السلام في مقاله هذا تظهر لنا حال الأمة الإسلامية اليوم وهي تاركة لباب الجهاد موصدا، وحال طائفة قد فتحته وألبسته من مسوح الجهل ما أبلى وجهه ، وطائفة لا تزال مقيمة على الحق قد وضعت الجهاد موضعه، وأعطته من بيان حقيقته، فشرفته وزادته رونقا بقوافل شهدائها البررة لتحقيق العزة للأمة الإسلامية.

فالجهاد بطريقيه جهاد النفس وجهاد حفظ بيضة الدين من أعدائه منتهى بلوغ الغاية من طاعة المولى تعالى، وتاركه متخل عن رباطه الأخروي راكن إلى الدنيا راض بزائلها، عليه تقع تبعات اختياره.  
كان عليه السلام يتأوه ويتحسر على فراق وفقد إخوانه في الجهاد،ويستشعر الغربة والوحشة لفقدهم مع أنه كان محاطا بالناس، لكنهم مع كثرتهم قد ملئوا قلبه قيحا، وحولوا حياته سآمة وضجرا.
يقول عليه السلام مشيرا إلى فقد أصفيائه :
أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه؟ وقرأوا القرآن فأحكموه؟وهيجوا إلى الجهاد فولهوا اللقاح أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا،وصفا صفا؟ بعض هلك وبعض نجا. لا يبشرون بالأحياء ولا يعزون عن الموتى،مره العيون من البكاء خمص البطون من الصيام،ذبل الشفاه من الدعاء،صفر الألوان من السهر،على وجوههم غبرة الخاشعين،أولئك إخواني الذاهبون،فحق لنا أن نظمأ إليهم،ونعض الأيدي على فراقهم.
قال تعالى:"قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها."
"ميدانكم الأول أنفسكم،إن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر،وان خذلتم فيها كنتم عن غيرها أعجز."

ذهب أكثر الناس في عصر علي عليه السلام أن الجهاد في سبيل الله هو إعداد لامّة الحرب من درع وسيف ورمح ونبل وخيل وزاد،ولم  ينتبه منهم  إلا القليل إلى أن الجهاد الحقيقي وحجر الأساس لبقية أصناف الجهاد هو جهاد النفس، وتهذيبها ومقاومة انحرافها وكبح شهواتها،ولقد تمكن علي عليه السلام من نفسه فقادها بعد أن طوعها لخالقها،ثم  أمضاها نحو كل فضيلة فسبقت جميع الأنفس بعد النبي صلى الله  عليه وآله وسلم.
وإخضاع النفس إلى إرادة خالقها ليس بالأمر الهين والسهل، فدونه معاناة ومكابدة،لأن معلم النفس ومؤدبها أحق بالتقدير من معلم الناس ومؤدبهم، كما كان يقول علي عليه السلام.

عندما نلتفت إلى جهاد  علي  عليه السلام على عهد رسول الله صلى الله  عليه وآله،وهو صاحب رايته، وحامل لواءه، نجد أنه قد صدق وواسى وقدم أروع الأمثلة على مر التاريخ، في الوفاء والتضحية والصبر والثبات،ولو لم يكن هناك علي، لما كان هناك نصر، كما دلت عليه الوقائع من بلاء علي عليه السلام،ومادة حسمه وتفريجه عن المؤمنين وكفايتهم به.

لقد جاهد علي عليه السلام الجهادين، أخضع نفسه ومنعها هواها ، وركبها إلى خياراته الصعبة،فلم تر منه من المباح سوى ما سد به رمقها، وكان ضنينا عليها في وقت اليسر، واشد عليها في العسر، فبلغ بها مقام العبودية الحق ،فأحبه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وأثنيا عليه وأحباه.

علي عليه السلام لم يصب من الدنيا إلا ما أراده منها لتحصيل الآجل، فكان طعامه الجشب، ولباسه الخشن، ينتعل ليف النخل، ويحتطب ويستقي ويحفر الآبار ليهبها للمستضعفيين، ويعين أهله في البيت باعتباره واجبا، لأن الزوجة لم تؤخذ للخدمة، وإنما تزوج بها لغرض البناء والتأسيس للأجيال الإسلامية أكثر وعيا وتحملا لمسؤولية إقرار العبودية لله في المجتمعات كلها.

لكن المتتبع لتاريخ وسيرة علي عليه السلام، يلاحظ توقفا في عطاءه العسكري على عهد الغاصبين لحكومته،دل على أن امتناعه عن مواصلة نمط حياته، على النحو الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم،كان بدافع أحقيته في الحكم،من جهة النصوص التي وردت فيه قرآنا وسنة نبوية،ومن جهة استحقاقه العملي، حيث كان الفاعل الأول بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الصعيدين السياسي والقضائي،فقد كان ممثلا للنبي صلى الله  عليه وآله وسلم ونائبا له في المدينة، عندما استخلفه عليها أميرا وواليا في غزوة تبوك، كان قوله فيه إمضاء لذلك الإستخلاف،تأكيدا على إستمرار تلك المنزلة بعده:" أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي." ومؤديا وإماما وقائدا عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الحج الأكبر،عندما نزل جبريل عليه السلام قائلا: لا يؤدي  عنك  إلا أنت أو رجل منك.

لذلك  فإن إحجام علي عليه السلام عن الإسترسال في الدور العسكري، جاء من جهة الإستحقاق الذي أعد له وهيئ من أجله، من طرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم والوحي، وهو  الذي لم  يعهد له تقصير في نجدة الدين وأهله، إلى أن لقي ربه مظلوما مهضوم الجانب، من امة أبت إلا السير في طريق الإنحراف مباشرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد عرف  علي عليه السلام بالمبادرة إلى كل الفضائل والمكارم،ولم يثنه شيء من حطام أو متاع، عن السبق إلى الله تعالى، والكدح في سبيله بصورة ندر أن وجدت في غيره، ومن أجل ذلك جاءت منه هذه الإشارة، ليلفت نظر المؤمنين استحقاقه السياسي بعد النبي صلى الله عليه وآله،ففهم من فهم وبقي على الجهالة من بقي.      
 
لم يتحرك علي عليه السلام لنصرة الإسلام، إلا عندما رآه قد حفت به المخاطر،فضمد جراح قلبه الحزين، وقام في الأمة يطلب عزتها، وينشد  إعادتها إلى المسار الذي أراده الله تعالى لها، صراطا مستقيما ونهجا قويما،فكانت معاركه الثلاث التي قادها بنفسه، بعد رجوع المسلمين إليه،مصيرية وحاسمة انتصر في معركتين منهما بالحسم العسكري،بعد استنفاده  للحل السلمي،وكاد أن ينتصر في الأخيرة- ويريحنا بذلك من أسرة متعفنة حاربت الإسلام طيلة ثلاث وعشرين سنة،ولم تهدأ فيها ولم تتوقف ثائرتها على النبي صلى الله عليه وآلفه ودينه إلا بعد أن فتح معقلها، ولم يعد لها شيء تقدمه في مواجهة المد الإسلامي، وقابل النبي صلى الله عليه وآله بسماحته ورحمته انكسار شوكتهم فلم يعاقبهم، مع أنهم مستحقون لأقسى العقوبات، وأطلقهم إلى أنفسهم ولم يلزمهم بشيء لمعرفته بما يضمرون، فلم يسلموا ولم يحسن إسلامهم كما روج لهم- لولا المكر والخديعة التي لجأ إليهما الطلقاء بهما تفكك جيش علي عليه السلام،وحدثت فيه فتنة نسفت النصر من أساسه، ولو كان الدهاء من مكارم الأخلاق لكنت أدهى العرب، كلمة قالها علي عليه السلام، بقيت مضربا للأمثال يكبرها أصحاب النفوس المترفعة عن الخبث والسوء، ليس صعبا أن يلتجئ علي عليه السلام إلى التعامل مع الخارجين عن ولايته الشرعية إلى نفس الأسلوب الذي تعامل به ضده أعداءه، الحاجز الذي منعه من ذلك انه تربية سيد الخلق صلى الله عليه وآله، ومكارم الأخلاق التي تشبع بها منه تصطدم بحالة النفاق، والتعامل بوجهين وأسلوبين، والظهور بمظهرين، وهذا كله يمقته الله تعالى ولا يرضاه النبي صلى الله عليه وآله، ولقد طرقتا بابه، وكان الطارق أبو سفيان نفسه، عندما عرض عليه نصرته على الغاصبين لحكومته من أصحاب السقيفة، فلم  يلتفت إلى دعوته، مع أنه كان في أمس الحاجة إلى من ينصره في الأمة قد ذهلت عن مكانته وتناست حقوقه عليها، لكنه رضي أن يظلم ولم يرض مقارعة النفاق بأسلحة الخسة والوضاعة.

إذا ترك علي عليه السلام معركة صفين مكرها ومرغما،تحت إصرار أصحابه على توقيف القتال،لما رأوا المصاحف على أسنة رماح جيش بني أمية،فاعتقدوا أن الدعوة إلى كتاب الله صادقة من هؤلاء،ولكن نداءات علي عليه السلام ومناشدته للقوم،لم  تجد غير الصد وإدارة الأعناق،فتوقفت الحرب، ولم  يعد بين نصر قوى الحق على قوى الباطل غير فواق ناقة،كما صرح بذلك قائد جيش علي عليه السلام مالك الأشتر رضوان الله تعالى عليه.

لم يغادر علي عليه السلام الدنيا إلا وقد أرسى دعائم الجهاد النظري والعملي، فترك لنا سيرة عطرة من مجاهدة نفسه ومقارعة أعداء دينه الأشد فتكا والأكثر خطرا، الناكثين لعهده وبيعته، والقاسطين لحكومته ، والمارقين عن ولايته التي هي من ولاية الله تعالى.

فأمكننا بذلك أن نجزم، بأن عليا عليه السلام قد تفرد عن غيره بشخصية لم يجد بها التاريخ مثيلا، إذا استثنينا نفسه التوأم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك عشيت أعين الأمة عن إبصار نوره، فلم تتحسس مقاماته بسبب الدعاية المغرضة التي مارسها طغاة بني أمية عليه طيلة ثلاثة أجيال، ساموا فيه الأمة من صنوف الخداع والمكر والدهاء ما غيب الصورة الحقيقية للإسلام المحمدي الأصيل وهداته الأبرار، ولولا ربانية شخصه،لطوته الدعاية وأغرقت شخصه أبواق الغواية، فالله تعالى قد عاهد أن يدافع عن أولياءه، فذهب الأفاكون على علي عليه السلام بجرائمهم، وغادروا الدنيا بأوزار مع أوزارهم، وبقي علي عليه السلام عليا متعاليا كالطود الشامخ ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير، عنوان هدى ورحمة، وكهفا للمتحيرين في ما ادلهمت به الخطوب،ومعلما للجهاد بقسميه جهاد النفس ومقارعة المعتدين، ملخصا فلسفة الحياة تجاه الظلم والظالمين بقوله: الموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين.
إذ لا معنى للحياة في ظل حكومة الظلم وهي موت لكل نفس بشرية تواقة للعدل والحرية، وان الموت في مواجهة قوى الظلم والاستكبار حياة لمن سيأتي بعد ذلك ليقلع عروش الظالمين ناسجا على منوال الأباة، وحياة أيضا من المنظور الغيبي لأن المقتول في سبيل الله حي عند ربه.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة