المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 3 جمادى الثانية 1430 - مقامات علوية (20) - خير البرية-
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

مقامات علوية
الحلقة العشرون
خير البرية

كنت بصدد إتمام أحد المواضيع، وأثناء تصفحي كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، استوقفتني هذه الرواية العجيبة، ليس العجب مما جاء فيها، فكل ما تضمنته من فضائل تخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام صحيحة، ولا يتطرق إليها شك، بل هي في نظري، قليل من إمكانات الإمام علي عليه السلام، وما ورد في شأنه من كتاب وسنة، إنما جاء العجب، من أن ينطق بها من كان معدودا، ضمن المنحرفين عن علي عليه السلام نفسه، وقد عده ابن أبي الحديد المعتزلي من بينهم في شرح النهج.

روى أبان بن عياش، قال سألت الحسن البصري عن علي عليه السلام،فقال:ما أقول فيه؟ كانت له السابقة، والفضل، والعلم، والحكمة، والفقه، والرأي، والصحبة، والنجدة، والبلاء، والزهد، والقضاء، والقرابة، إن عليا كان في أمره عليا، رحم الله عليا وصلى عليه. فقلت: يا أبا سعيد، أتقول:صلى عليه؟ لغير النبي؟ فقال: ترحم على المسلمين إذا ذكروا، وصلّ على النبي وآله وعلي خير آله.فقلت:أهو خير من حمزة وجعفر؟ قال:نعم. قلت: و خير من فاطمة وابنيها؟ قال: نعم، والله إنه خير آل محمد كلهم، ومن يشك أنه خير منهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله:"وأبوهما خير منهما."ولم يجر عليه إسم شرك، ولا شرب خمر،وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام:"زوجك خير أمتي"،فلو كان في أمته خير منه لاستثناه، ولقد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين أصحابه، فآخى بين علي ونفسه، فرسول الله صلى الله
عليه وآله خير الناس نفسا، وخيرهم أخا. فقلت:يا أبا سعيد فما هذا الذي يقال عنك أنك قلته في علي؟ فقال: يابن أخي، أحقن دمي من هؤلاء الجبابرة، ولولا ذلك لشالت بي الخشب. شرح النهج لابن أبي الحديد ج4ص96

هذه الرواية، هي شاهد إثبات لما حصل من إجحاف في حق علي عليه السلام، وحجة إثبات لما تعرض له شخصه وتاريخه من ظلم وحيف، من طرف جحافل النفاق، التي أجمعت على بغض علي عليه السلام، ومحاربته بكل الوسائل.

أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في علي عليه السلام أكثر من أن نحصيها أو نحيط بها أو ندرك مداها, لكن يبقى هناك مجال لفهم بعض مقامات علي عليه السلام، وهو أن نأتي البيت النبوي من بابه، الذي أمرنا بالتوجه إليه والدخول منه، قال تعالى:"...وليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى واتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون ." سورة البقرة الآية 189

أخرج السيوطي في تفسيره قال:أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال:كنا عند  النبي صلى الله عليه واله فاقبل علي عليه السلام فقال النبي (ص)والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة.ونزلت:"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك  هم خير البرية".
وأخرجها عن ابن عدي عن ابن عباس، وابن مردويه عن علي عليه السلام، ورواها ابن حجر في صواعقه نقلا عن الدارقطني.
فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، إذا أقبل علي عليه السلام قالوا:جاء خير البرية.الصواعق لابن حجر/ الدر المنثور للسيوطي الآية.

أما من استأنس إلى القول: أن الأحاديث التي أوردتها ضعيفة عنده، فإنه سيكون مسرفا على دينه وعلى نفسه، لو استمسك طويلا بعلة تسبب فيها المعطلون للسنة النبوية، والمحرّقون لأحاديث النبي صلى الله عليه وآله، الغاصبون للحكومة الإلهية من أصحابها، ولو ترك هؤلاء سنة النبي صلى الله عليه وآله، تتداول بين الناس رواية وتدوينا، لما وصل إلينا الآن حديث واحد مشكوك في نسبته، ومما زاد الطين بلة، ما أقدم عليه الطلقاء من بني أمية، وعلى رأسهم مؤسس حركة التحريف والوضع في الروايات التي وصلتنا، وصاحب إجراء منع تداول الأحاديث التي وردت في شأن الإمام علي عليه السلام وأهل بيته الأطهار، ومعاقبة الراوي والتنكيل به، بسجنه أو قتله وهدم داره، ولولا امامة علي عليه السلام, لذهبت ريحه مع من ذهب، من زعماء الفرق والمذاهب المندثرة، والتي لم تجد مددا إلهيا يسندها,أو سلطة تعضدها.

وبعد ذهاب حكم بني أمية، وفي عهد بني العباس، وجد الحفاظ أنفسهم أمام كم هائل من الروايات الموضوعة، فاقت في أعدادها ما هو صحيح أضعافا مضاعفة، فاتجهوا إلى التحقيق في حال الرواة، ونشأ من ذلك علم الرجال، أو ما  سمي بالجرح والتعديل، قد كشف عددا كبيرا من الوضاعين وموضوعاتهم، وهذا العلم الذي تأسس على علاته في الحيف والتمييز بين الرواة تعصبا لمذهب دون آخر، فضعف رواة بسبب انتمائهم,وردت بذلك أحاديث كثيرة في فضل علي وأهل بيته عليهم السلام، لو نظر إليها بعين الحياد والتجرد، لكانت من أوثق الأحاديث وأصح الروايات، لتضافرها مع غيرها من الأحاديث الصحيحة والمتواترة، من منظور الخطوط المخالفة لنهج علي وأهل بيته عليهم السلام.

ان الامام علي عليه السلام  خير البرية وخير البشر بعد سيد البرية, لا يشك في ذلك إلا من لحقته الشياطين، فنجست عقله ولوثت فؤاده، وانخرط  في صف النفاق، نعوذ بالله  تعالى من كآبة المنظر وسوء المنقلب.

ان الامام علي عليه السلام, بنى الإسلام بسيفه، وخط علومه بسعة عقله، هو من أودع فيه خاتم النبيين صلى الله عليه وآله ما يحتاجه الناس من بعده، فكان بحق مصداق قوله: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فيأتي الباب.

والامام علي عليه السلام هو الذي سماه الله تعالى في كتابه بخير البرية، لا يمكن أن تتخلف عنه فضيلة من الفضائل، ولا أن تتأخر عنه ملكة من الملكات، ولا أن تتراجع عن مقامه صفة من الصفات، ولا أن يشاركه في ذلك كله أحد باستثناء النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.
مضى خير البرية إلى بارئه، تاركا لنا من حياته العظيمة والمليئة بالحركة والعمل، والمضيئة بأنوار الحكمة والتقوى، مواقف وأمثلة، لتكون لنا منها دروسا وعبرا، نسد بها ثلمات أنفسنا الأمارة بالسوء، ونتقوى بها على ما بقي لنا من عمر.

وجدت في أحد الكتب إشارة لطيفة من إشارات الوحي تنفع القلوب التي لم تهتد إلى معرفة حق علي ومقام علي وشخص علي عليه السلام، رأيت أن أبثها في هذه العجالة لعلها تكون مفتاح أقفال بعض القلوب التي لم يصبها العمى:
يقول ناقل الإشارة: إذا جمعنا الحروف المتقطعة من القرآن الكريم، ثم أسقطنا المكرر منها، بقي من الحروف ما تألف منه الجملة الآتية:

(علي صراط حق نمسكه)

ذلك هو الصراط المستقيم الذي أراد الباري تعالى أن نمسكه ونتولاه من بعد نبوة النبي صلى الله عليه وآله، فمن عرف حق علي عليه السلام فقد عرف الله ورسوله ومن لم يعرف عليا عليه السلام فعليه أن يراجع نفسه قبل فوات الأوان.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة