المستبصرون » مساهمات المستبصرين

حسين محمد الكاف - اندونيسيا - 15 ذي الحجة 1424 - طبيعية التشيع في اندونسيا
البريد الالكتروني

الاسم الكامل: حسين محمد الكاف
الدولة : اندونيسيا
المساهمة :

طبيعية التشيع في اندونسيا

صدر أخيراً كتاب أسماه ناشره " SYIAH DAN POLITIK DI INDONESIA " او " الشيعة والسياسة في اندونسيا " . الكتاب يعبر عن تحقيقات اجراها مجمع العلوم الاندونسي (LIPI ) ويهدف كلها الى البحث عن جالية التشيع كظاهرة دينية وحركة اسلامية وعن عواقب اعقبتها هذه الجالية في مجال الفكر والثقافة والسياسة في الشعب الاندونسي. في واقع الامر ليس الكتاب اول كتاب - ولعلّه ليس آخر كتاب أيضاً - يمس هذا البحث ، وقد سبقته قبله بسنوات مضت مجلة فصلية " علوم القرآن" في عددها الرابع لسنة 1995 في البحث عن هذا الموضوع بالذات. فالكتب المؤلفة باللغة الاندونسية او المترجمة اليها في هذا المضمار لا تبلغ عدد انامل انسان. ومن اشمل الكتب - حسب مراقبة الكاتب - هو كتاب " تاريخ دخول الاسلام في اندونسيا" المطبوع في عام 1962 حيث انه احتوى على مقالات متضاربة من الكتّاب البارزين في تلك الآونة أمثال الحاج عبد الكريم أمر الله والسيد ضياء شهاب والحاج عبد الله بن نوح وابو بكر أتشيه. والكاتب الاخير كتب عدة كتب عن معالم الشيعة والمعتزلة.
وانفرد الكتاب من الكتب الاخرى في هذا المضمار بإبرازه عن موضوعات لم تنلها الكتب الاخرى وهي تطورات الشيعة الاخيرة وآثارها الفكرية والثقافية في اندونسيا. ولكن مع كل هذه التحقيقات المنصبّة التي الى حدّ تستحقّ التقدير، أبتلي الكتاب بما ابتلي به أشقاؤه من الكتب التي تذكر عقائد الشيعة بالخبط وعدم الاتزان عندما تتحدث بعض مقالاته عن الشيعة كعقيدة او مذهب.

واليكم بعض النماذج من تلك الكلمات العشوائية:
في الباب الثاني صفحة 40 ما نصه بعد التعريب: " الا ان أقرباء النبي (ص) اختلفوا الى قائلين بأن زمام الإمامة لابد وان تكون في يد العباس عمّ النبي ، وذلك اذا كانت القرابة القريبة سببا رئيسيا في إمامة هذه الأمة فالعباس ككونه عمّا للنبي لابد وان يقدّم على علي فيها".
وفي الباب نفسه صفحة 41-42 شكّك الكاتب ما كتبه العلامة الطبأطبائي في كتابه " الشيعة في الاسلام" عن عقائد الشيعة الاثني عشرية حيث اعتبر انه ليس من المستحيل ان يخفي العلامة حقيقة عقائد الشيعة ، وذلك لأن التقيّة من مبادئ الشيعة.
فالإتهام وسوء النظر بل العداء على الشيعة ليس امراً مستجدّا بل إمتدّ من بكرة نشوء الإسلام، ولا هو امر استوحشه الشيعة في تاريخهم المديد ، فكأنّهم خلقوا لأجل ان يتحمّلوا ذلك

قاله العلامة محمد جواد مغنية:
"ولا أرى شيئا من النفع في التورط في هذا الأمر لأن اناسا ذوي باعات عقلية وعلمية اكبر مني قد ابكموا افواه المبتغين بالاسلام سوءا وافحموا اذهان الجهلة اللابسين لباس العلماء بأدلة باهرة تزيدهم غيظا وبغضا للشيعة، كما لا اريد الغور المتعمّق في الحديث عن تاريخ بداية التشيع في اندونسيا لأن الحديث عنه لا يعطي ثمرة جديدة مهما كثرت الكتب عنه. فالى يومنا هذا ، لا زالت بداية نشأة التشيّع في اندونسيا موضوع بحث يعلوه الغموض والإبهام، وفي نفس الوقت تورّث آفاق الإختلاف بين قائل ان التشيع بدأ مع بداية دخول الاسلام في اندونسيا وبين قائل انه بادرة لازمة وكأثر غير متوقع من الثورة الإسلامية في إيران.
فعلى النظرة الاولى ان دعاة الدين الإسلامي الاولين كانوا ينتمون الى الشيعة خاصة من الذين جاءوا الى أتشيه ، وبعض الدعاة الذين نشروا الاسلام في جاوا تعتمد هذه النظرة على الآثار التاريخية وبعض التقاليد والعوائد الإسلامية المتواجدة في بعض المناطق الاندونسية مثل مراسيم عاشوراء في سومطرة الغربية وجاوا. قال ابو بكر أتشيه:
" إن المسلمين الذين جاءوا الى اندونسيا لأول مرة هم الشيعة او بعبارة اخرى هؤلاء الذين يسمّون بالسيد او الشريف الذين اصبحت الأكثرية منهم ملوكا في الجزر الاندونسية"(1).

ثم على النظرة الثانية أن ظاهرة التشيع جديدة النشوء ومرتبطة ارتباطا غير مباشر بالثورة الإسلامية تحت زعامة آية الله السيد الخميني ، فالتشيع في اندونسيا على هذه النظرة وليدة الثورة الإسلامية في إيران.
إلى حدّ يمكن الجمع بين هاتين النظرتين وهو انه ليس من المستحيل بل ليس بالمبالغة ان العديد من الدعاة الاسلاميين الاولين كانوا من الشيعة ثم يأتي دهر ويفعل ما يفعل بأبنائه من مضايقات وملاحقات لاتباع اهل البيت فتندرس تعاليمهم ولا تبقى منها الا آثارها او رسومها التي يتوارثها بعض الشعب الاندونسي أبا عن جد من دون ان يفهموا مغزاها ولبّها ، وذلك كنتيجة من عدم وجود العلاقات بين المسلمين في اندونسيا وبين عشّ الإسلام الذي انحدر منه الدعاة الاسلاميون في اندونسيا ، هذا اولا ، وثانيا من عدم وجود الكتب الشيعية عن الاعتقادات والفقهيات ، وثالثا من اندلاع الحرب القائمة بين قوات الشيعة وقوات السنة التي شكّلتها قوات السنة العالمية المتمثلة من الخلافة العباسية المعروفة بعدائها الصريح وبغضها الدفين لأئمة اهل البيت واتباعهم. من اجل ذلك كله بقي المسلمون الشيعة في اندونسيا في معزل من علمائهم وعشّهم.
فاستمرّوا على هذه الحالة سنوات بل قرونا والتشيع اصبح ذكرى يتجاذبون بها اطراف الكلام في ثنايا مجالسهم الى ان اندلعت الثورة الاسلامية مشعّة انوارها العالم الإسلامي اجمع ومبهرة بأشعّتها عقول واذهان المسلمين.
ان الثورة الاسلامية تحت قيادة السيد الامام الخميني وان لم تعرّف نفسها بالشيعة بل شعارها " لا سنة ولا شيعة" ـ وحقا كانت ولازالت على هذا الشعار ـ قد شوّقت العطاش الى المزيد من اطّلاعات عن خلفيات نجاحها وصلابتها سيّما الشباب منهم ، فانكبّوا على مطالعات كتب العلماء والمفكرين الإيرانيين بالتلهّف امثال الشهيد المطهري وعلي شريعتي وغيرهما. ومن خلال كتبهم تعرّفوا على الشيعة بشكل غير مباشر ، ثم ازداد يوما بعد اخر انتشار الكتب عن كل ما يتعلق بالشيعة سلبا وايجابا في الثمانينات والى يومنا هذا . وبطبيعة الحال ، اعتنقت الجلة منهم مذهب اهل البيت طوعا وعفوا دون تكلف واجبار من احد.

طبيعية التشيّع
ولسائل ان يسأل لماذا هذا الانتقال والميل الشديد الى التشيع ألمّ الكثير من المفكّرين والشباب الاندونسيين؟ والجواب على هذا السؤال سهل للغاية، ذلك لأنّ التشيّع لا يعني الا الاحتذاء بما شرّع الله والرسول الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واوصياؤه حذو النعل بالنعل تصديقاً لقوله تعالى:
( يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم )(2) والاحاديث التي روتها كتب الفريقين طافحة بذكر منزلة اهل البيت في الاسلام والتأكيد على ان السير على دربهم هو السير على درب الله ورسوله، ومن تلك الأحاديث:
حديث الثقلين ـ كتاب الله والعترة الطاهرة ـ الذي بيّن فيه الرسول الاكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ ببيانه البليغ الذي لا يدع آدنى شكّ فيه بأنهم عدل القرآن او وجه اخر منه.
حديث سفينة نوح الذي شُبّه فيه اهل البيت بسفينة نوح بحيث من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى.

ولا اريد الإطناب في نقل هذه الاحاديث إلا بقدر ما يؤكّد ان التشيّع الذي اشتهر بإنتمائه الى اهل البيت وتمسكّه بهم في كل مجالات الدين هو الاسلام نفسه ، فكل ما ينسب الى الاسلام من امتيازات وكمالات ينسب الى التشيع على حدة. والاسلام هو الدين الذي يتّسم بالمرونة والسهالة في تشريعاته ، ويساير العقل والفطرة في مبادئه، وليس من الاسلام بشيئ من الركاكة والمغالطة ، فكل ما لا يقبله العقل السليم وتشمئزّ منه الفطرة النيّرة ليس في الاسلام بمكان اصلا. فهذه السمات بالذات يتسم بها التشيع بكل ما لها من معنى، ويعثر عليها سهلا في كلمات وأفعال أئمة اهل البيت (ع) كل من له قلب او القى السمع وهو شهيد(3).

لقد شاء الله تعالى ان يودع في خلق الانسان الفطرة التي تنمّ عن حبّ الكمال والتعبّد له، ثم اوضح تعالى أن الكمال الذي ينشده الانسان إقتضاء فطرته يكمن في رسالة أنبيائه ورسله عليهم السلام، قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام موضحا علّة بعث الأنبياء والرسل:
(فبعث فيهم رسله وواتر اليهم انبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسيّ نعمته ، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ ، ويثيروا لهم دفائن العقول)(4).
فدين الله الذي جاء به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حسب بيان الإمام ليس إلا إراءة الحقائق لعقل الإنسان وإيفاء متطلّبات فطرته.

وفي نفس السياق قال الله تعالى:
( فأقم وجهك للدّين حنيفا ، فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله)(5).
ثمّ ان هذا الدين الفطريّ أوكل الرسولُ تدبيره وصيانته الى اهل بيته عليهم السلام فأقوالهم وأفعالهم بمثابة أقوال الرسول وأفعاله. ومن ثمّ قال الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام:
(رحم الله امرءا يحيي امرنا. قيل: يا ابن رسول الله، كيف يحيي امركم؟ قال: أن تتعلّموا محاسن كلامنا ثمّ تعلّمونها للناس فإنّ الناس إذا سمعوا محاسن كلامنا لاتّبعونا).
وهذا الحديث ان دلّ على شيء فإنّما يدلّ على وجود ارتباط وطيد بشكل لزومي بين كلمات اهل البيت وبين الإنصياع إلى كلماته، وأن كلماتهم تساير العقل والفطرة.
وما ذكرناه هنا مجرّد إطلالة خاطفة ومرور سريع عن أن التشيّع ليس شيئا ينفصل عن الإسلام ـ كما قد يتّهمه بعض من لا حظّ له من معرفة الحق والحقيقة ـ بل هو نفس الاسلام المساير للعقل والفطرة. وأما الحديث عن كلمات أهل البيت مما دلّ على مسايرتها للعقل والفطرة فحدّث عنها ولا حرج.

ولنرجع الى حديثنا أن إنتقال وميل بعض الشباب والمفكّرين الى التشيّع امر طبيعيّ يقتضيه العقل والفطرة، وما دام الانسان المسلم فتح عقله واصغي سمعه لكلمات المعصومين ـ النبيّ واهل يحجزه وعائق يعيقه والحقّ احقّ ان يُتّبع. وفي هذا لا يختلف السلف عن الخلف، ولا الشعب عن الشعب لأنّ عُشاق الحق والحقيقة دوما على وتيرة واحدة وهي البحث والإلتزام بما يراه حقا عقله ويدعو اليه صدقا قلبُه. فمسألة التشيّع ـ إذن ـ مسألة طبيعية وتمتدّ أمد الدهر والعصر.
وليس الحديث عن أن ظاهرة التشيّع قديمة او جديدة يستسيغه المتتبّع للحقّ والحقيقة، والحديث عنها لا يفيد الا إكبار آكام الاختلاف التي لا طائل وراءها في غير الساحة العلمية التي تعني بالتاريخ فقط.


1- راجع كتاب ابي بكر أتشيه في هذا الموضوع الذي عوّل في نظرته على كتاب المستشرق الهولندي الشهير Snouck Hurgronje وكتاب " حول العلاقة الثقافية بين إيران واندونسيا" للسيد ضياء شهاب والسيد مصطفى الطباطبائي المطبوع في سنة 1339 هجرية. وللمؤلف نفسه كتابان آخران عن الشيعة مثل " الشيعة والعقلانية في الاسلام" و " الجعفرية هي مذهب اهل البيت".
2- سورة النساء 59.
3- كلمة قرآنية من سورة ق 37.
4- الخطبة الأولى من نهج البلاغة لمحمد عبده ص 77.
5- سورة الروم 30.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة