المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 6 شوال 1430 - مقامات علوية (21) -الصديق الأكبر-
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

مقامات علوية
الحلقة الواحدة والعشرون
الصديق الأكبر

مظلومية أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام، لم تقف عند جهة، ولا التزم مقترفوها بحد يردعهم عن شنيع ما اقترفوه، بحق من أقام الإسلام بسيفه، وكفله بعلمه، وزكاه بعمله، فلا الأمة الإسلامية بسوادها الأعظم عرفته حق معرفته، ولا علماؤها أقروا بعظيم منزلته وتفرده بها عن سواه.
ظاهرة سلب خصائص علي عليه السلام، بدأ التمهيد لها بحرق الغاصب الأول لحكومة علي عليه السلام، جملة من الأحاديث التي تشتمل عليها، بدعوى إمكانية أن يوجد بينها ما لم يقله النبي صلى الله عليه وآله. 

الرواية عن عائشة تقول: (كما أخرجها ابن سعد في طبقاته الكبرى) جمع أبي الحديث عن رسول الله وكانت خمس مائة حديث،  فبات ليلته يتقلب كثيرا. قالت: فغمني . فقلت: أتتقلب لشكوى أو لشيء بلغك ؟ فلما أصبح ، قال: أي بنية ، هلمي الأحاديث التي عندك ، فجئته بها ، فدعا بنار فحرقها . فقلت: لم أحرقتها ؟ قال : خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به  ولم يكن كما حدثني فأكون قد نقلت ذلك ( تذكرة الحفاظ للذهبي/ طبقات ابن سعد)
ولما كثرت الأحاديث على عهد المغتصب الثاني لحكومة علي عليه السلام، ناشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بها فأحرقت. (سير أعلام النبلاء للذهبي)
وذهب الرجل بعد ذلك إلى حد منع رواية الأحاديث، والتشدد في ذلك بمعاقبة من خالف أمره، فخشي الناس بطشه وتهديده، فامتنع أغلبهم من تعهد الأحاديث وروايتها وتدوينها، فكان ذلك خسارة كبرى، بقيت عالقة بأذيال الأمة،ما يزيد عن قرن من الزمن.
وتعليل تلك الجرائم بأن القصد منها الخشية من اختلاطها بالقرآن، أو انصراف الناس إليها وهجران القرآن، محاولة يائسة لتبرئة مقترفي الحرق والمنع، بتعلات واهية وتبريرات بعيدة كل البعد عن الصواب والمنطق.
ولم يكن عهد الخليفة الثالث عثمان أقل تعسفا وسوءا من سابقيه، فقد وصل به الأمر إلى ارتقاء المنبر لإصدار أمره في هذا الشأن فقال:
لا يحل لأحد أن يروي حديثا عن رسول الله، لم أسمع به في عهد أبي بكر وعمر. مسند أحمد ج1ص363
ولم يتوقف عند ذلك الحد، بل تعداه إلى الاعتداء بالضرب على ثلاثة من خيار الصحابة، وهم عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وزاد نصيب أبي ذر النفي مرتين، كان في الأخير موته بالربذة، وهي صحراء قاحلة جرداء لا وقاء فيها وطاء، مع ما قال فيه النبي صلى الله عليه وآله:" ما أقلت الخضراء ولا حملت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر...
ولولا تلك الإجراءات التعسفية بحق السنة المطهرة، لأمكن لنا أن نحصل على مستصفى القول منها، ولما اختلف اثنان من المسلمين في مسألة من المسائل أو حكم من الأحكام، ولانضوى المسلمون جميعا تحت راية واحدة، شعارها القرآن وأهله أئمة الهدى عليهم السلام .

ومع سرعة انحدار الحكومة الإسلامية، وتقلد الطلقاء لها، خرج علينا ابن زعيمهم معاوية بأسلوب جديد في محاربة السنة وتحريفها، وتتبع خصائص الإمام علي وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، ونسبتها إلى غيرهم، تغييرا لسمة الحق، وقلبا للواقع الذي كان النبي صلى الله عليه وآله يريد نشره بين المسلمين، فحث على الكذب على النبي صلى الله عليه وآله، وقدم مقابل ذلك العطاءات والحوافز والجوائز، وقرب من قرب من الكذابة، تشجيعا لهم على ما قدموه لسلطانه من دعم، وكان محاطا بأدهى دهاة العرب ابن العاص وابن شعبة.
أخرج المدائني في كتابه الأحداث: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر يلعنون عليا، ويبرئون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته. وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة علي، فاستعمل عليهم زياد بن سميّة وضم إليه البصرة، فكان يتتبّع الشيعة، وهو بهم عارف، لأنه كان منهم أيام علي. فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم، وشرّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم. وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.. وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان، ومحبيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم، وقربوهم، وأكرموهم، واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته.
ففعلوا ذلك حتى أكثروا من فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالى، فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ أحد من الناس عاملا من عمال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه، فلبثوا بذلك حينا. كتب معاوية إلى عماله: إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر، وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا، فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوليين، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب، إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلى وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله، فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة، مفتعلة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتى أشاروا بذكر ذلك على المنابر، وألقي إلى معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموا بناتهم، ونساءهم، وخدمهم، وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله. راجع المجلد 3 صفحة 595 - 596 من شرح النهج لعلامة المعتزلة.

وقد اعترف الكاتب المصري أحمد أمين بحالة والوضع هذه، لكنه أوقفها على فضائل عثمان وبني أمية فقط، دون التعرض إلى بقية الفضائل التي ألصقت بالشيخين،ومناصريهم من أصحاب السقيفة.
ولم يلتفت هو ولا غيره، من الذين حدوا مديات طعونهم، على شيعة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، لغرزها في خاصرة التشيع، بعد أن نسبوه إلى السبئية واليهودية والمجوسية، أن ما تضمنه الخبر يغني عن أي تعليق، ويكشف عن مدى عمق الجريمة التي اقترفت بحق دين الله.
ذلك أن الذي وقع سبه على المنابر، هو نفس النبي صلى الله عليه وآله، وأخوه بالمؤاخاتين في مكة والمدينة، وزوج ابنته سيدة نساء العالمين عليها السلام، وأبو سبطيه الحسن والحسين عليهم السلام، وهو الذي حذر من سبه وأذيته، فقال: من سب عليا فقد سبني. والساب لعلي كالساب للنبي صلى الله عليه وآله بلا فصل، ومع ذلك رموا التشيع بسب الصحابة، وهم لا يزالون يحتضنون الطلقاء، وعلى رأسهم معاوية مؤسس سب علي عليه السلام، ولا يرون غضاضة في ذلك، ويترضون عليه، مع ما قد كان بينه في شان سبه، من الخطر العظيم والجرم الجسيم. 

مناقب وألقاب عدة حازها علي بن أبي طالب عليه السلام، لم ترق نسبتها إليه، كل من حمل في صدره بغض أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وقائد الغر المحجلين، فطفقوا يعملون على إزالتها ومحوها، بكل الوسائل الإجرامية، التي استبطنتها أنفسهم المريضة، لكنهم تناسوا أنهم على هذه الحال من الشذوذ، في مواجهة دين الله وأوليائه، والمحارب في هذا المجال محارب لله تعالى.

في هذا الباب نتناول لقب الصديق، الذي حازه أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام، عن جدارة واستحقاق، وبالدليل الذي لا يرد، من خلال الأحاديث التي اعترف بها المخالف قبل الموالف، في مقابل أوهام لا يزال المتعصبون ينشرونها بين أيديهم، نشر من به لوثة جنون أو هفتة جهل، قد صفوا بيارق عداوتهم في مقابل الحق، الذي علا كالشمس ساطعا، تراه عين البصير، ولا تنكره إلا من عميت بصيرته.

عن أبي ليلى الغفاري قال: سمعت رسول الله(ص)يقول: ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فألزموا علي بن أبي طالب فإنه أول من يراني ، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصديق الأكبر ، وهو فاروق هذه الأمة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب المنافقين .
ورواه ابن حجر في الإصابة: 4/170 ، وضعفه بدون حجة ، وكذا فعل ابن كثير في البداية: 7/348 .
وفي سنن ابن ماجه ج1ص44
عن عباد بن عبد الله قال: قال علي(رض): أنا عبد الله وأخو رسوله ، وأنا الصديق الأكبر ، لا يقولها بعدي إلا كذاب ! صليت قبل الناس سبع سنين. هذا حديث صحيح.
رواه أيضا جلال الدين السيوطي الشافعي في كتاب الوجيز.
ورواه العزيزي في السراج المنير: 2/402 ، وقال البوصيري في الزوائد: صحيحٌ على شرط الشيخين ، وتكلم فيه بعضهم لأجل عباد ، لكن تابعته عليه معاذة العدوية .
وفي كنز العمال: 11/616
قال النبي صلى الله عليه وآله: إن هذا أول من آمن بي، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهذا الصديق الأكبر ، وهذا فاروق هذه الأمة، يفرق بين الحق والباطل ، وهذا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظالمين - قاله لعلي. ( الطبراني عن سلمان وأبي ذر معاً ، والبيهقي، وابن سعد ، عن حذيفة.
الاستيعاب لابن عبد البر ج 2 ص 657/ الإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر آخر ج 11 عن ابن عدي/ كنز العمال للمتقي ج 11 ص 612 نقله عن الحافظ أبي نعيم/ مسند البزار ج 1 ص 38/ مجمع الزوائد للهيثمي ج 9 ص 29، نقله عن المعجم الكبير للطبراني.
تأريخ دمشق لابن عساكر ترجمة الإمام علي ج 1 ص 87 حديث 119، وفي ج 1 ص 76. حديث 122 وعن أبي ذر وسلمان قالا: أخذ النبي(ص)بيد علي فقال:إن هذا أول من آمن بي، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة ، وهذا الصديق الأكبر ، وهذا فاروق هذه الأمة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهذا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظالمين.
رواه الطبرانى والبزار عن أبي ذر وحده ،
والشاهد على ذلك قوله النبي صلى الله عليه وآله : الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل (يس) الذي قال: (يا قوم اتبعوا المرسلين)، وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: "أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم. أخرجه كل من ابن حجر في الصواعق المحرقة باب 9 . فصل 2 / 30 ، 31 وأخرجه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة 2 : 627 / 1072 و 655 / 1117 . الديلمي في الفردوس 3681/ج2 ص581/ ابن عساكر كما تاريخه ترجمة الإمام علي ج1ص91-126/ ابن المغازلي الشافعي في المناقب/ أخطب خوارزم في المناقب ص219 / السيوطي في الجامع الصغير 2 : 115 / 5148 ، 5149 ، والمتقي في الكنز 11 / 32897 / المحب الطبري في ذخائر العقبى : 58 ، السيرة الحلبية 1 : 435 ، شواهد التنزيل 2  223 / 938 - 942. أقره الذهبي في "مختصر المنهاج" (صـ309 ذكره السيوطي في "الجامع الصغير" ابن عساكر عن ابن أبي ليلى ولم يتكلم عليه شارحه المناوي بشيء
نزول قوله تعالى : والذي جاء بالصدق وصدق به.
جاء في شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ج1 ص 178/181عن مجاهد أن الذي صدق بالنبي صلى الله عليه وآله هو علي عليه السلام
 قد يتعلل أصحاب الأهواء ومن به إحنة على علي وأهل بيته عليهم السلام بأن الأحاديث المذكورة هي من الأحاديث الضعيفة، وقد يتطرف منهم باعتبارها موضوعة، لكن من ضعفها ؟ ومن ألصق بها صفة الوضع؟ 
تصفية الأحاديث - كما أشرت إلى ذلك - بدأت منذ وفاة النبي صلى الله عليه وآله وتواصلت ثلاثة قرون، أمكن خلالها حصر الأحاديث في دوائر مذهبية، أسستها سياسات الأنظمة الظالمة التي تعاقبت على رقاب المسلمين، كل بحسب ميله وهواه، مع اتفاقهم على رد خصائص أهل البيت عليهم السلام، والإمام علي عليه السلام أولهم، لأن اعترافهم بجميع تلك الخصائص، لن يبقي لمذاهبهم جدارا قائما ولا بناء مانعا، بل سيحيل كل ما بنوه ريبة وظنا ،إلى خراب بعد العمار الواهي الذي أسسوه.
المعنى اللغوي: قال ابن منظور: الصدق نقيض الكذب، ويقال صدقت القوم، أي قلت لهم صدقا، ورجل صدوق أبلغ من الصادق، قوله تعالى: ليسأل الصادقين عن صدقهم. تأْويله ليسأل المُبَلِّغين من الرسل عن صِدْقِهم في تبليغهم، وتأْويل سؤالهم، التبكيتُ للذين كفروا بهم، لأن الله تعالى يعلم أَنهم صادِقُون. والصِّدِّيقُ: المبالغ في الصِّدْق. (حيث لم يعهد عنه سواه، ولو مسكت عليه كذبة واحدة انتفت صفته، بل لعل هذا مما يطلق على من لا يجوز عليه أن يكذب أبدا، وحري به أن يكون معصوما كالنبي يوسف الصديق ووصي النبي صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين علي عليه السلام لأن الله تعالى أذهب عنه الرجس وطهره تطهيرا، وجعله عدل الكتاب ومستحفظه.

ومصداق نسبة لقب الصديق لعلي عليه السلام، ما ذكره ابن هشام في سيرته عن النبي صلى الله عليه وآله حيث قال:" كان يجاور في حراء من كل سنه شهرا و ذلك مما تحنث به قريش. وفي هذا الشأن قال أمير المؤمنين عليه السلام:"و لقد كان يجاور في كل سنة (بحراء) فأراه و لا يراه غيري،و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله و خديجة،و أنا ثالثهما،أرى نور الوحي و الرسالة،و أشم ريح النبوة... نهج البلاغة.

وبناء على ذلك، فإن اللقب لم يكن ليحصل عليه علي عليه السلام من مجرد تصديق، بل حازه عن جدارة، نتيجة جهود مضنية، ووقوف إلى جانب النبي صلى الله عليه وآله، في الفترة المكية تلك الفترة التي أغمض أعداء علي عليه السلام أعينهم عنها، فلم يكتشف البعض أهميتها إلا من خلال حادثة إسلام أبي ذر رضوان الله تعالى عليه، تلك الحادثة التي كشفت عظيم دور علي عليه السلام في الفترة المكية، حيث كانت له أدوار عدة، منها مؤازرة النبي صلى الله عليه وآله، وتحمل أعباء الدعوة منذ صغره، وتميزه في المدينة من جهاد ومواساة ومواقف، لا يقل عنه تميزه في مكة كذلك، فحاز علي عليه السلام التفوق والسبق في المرحلتين، وهذا حق من حقوق علي عليه السلام.
  
أما ما نسب من أن لقب الصديق، أطلقه النبي على ابن أبي قحافة، عندما صدقه في حادثة الإسراء، فهو محض إدعاء لا يمكنه الصمود، أمام حقيقة كون هذا اللقب خاص بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، باعتباره أول من آمن وصدق وآزر ونصر، ومدة تفرد الإمام علي عليه السلام وتميزه عن غيره لم تكن معدودة باليوم أو الشهر، كما يعتقد قليلو البحث بل كانت بالسنوات، فهذا علي عليه السلام يقول: صليت قبل أن يصلي الناس بخمس سنين. وابن أبي قحافة من هؤلاء الناس.

وفي أحسن الحالات يأتي إسلام ابن أبي قحافة بعد ثلاث سنين، أي بعد انتهاء تكليف النبي بحصر الدعوة في عشيرته": وانذر عشيرتك الأقربين."
كما لا تصح صفة الصديق لمجرد تصديق في مسالة أو حادثة، ففي أحسن الحالات يسمى المرء صادقا أو مصدقا، أما أن يطلق عليه صديقا، فذلك يتعارض مع صفة المبالغة في الصدق، والتي تفيد أن من اتصف بتلك الصفة، لا بد أن يكون صادقا طوال عمره، ولم يكذب قط ولو مرة واحدة، وهذا ما يبعد الصفة من منتحلها، باعتباره عابد وثن قبل الإسلام وشارب خمر بعده، وشارب الخمر لا يستطيع أن يتحكم في ميزان صدقه إذا ثمل، وقد عرفنا أن الرجل بقي على شرب الخمر هو وصاحبيه في السقيفة، إلى نزول قوله تعالى : فهل انتم منتهون. في السنة العشرة من الهجرة، مجمع الزوائد ج 5 / 51 وذكر القصة كل من : الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص 66 ، وابن حجر في الإصابة ج 4 / 22 ، وابن حجر في فتح الباري ج 10 / 30 ، والعيني في عمدة القاري ج 10 / 82 .
ولو عدنا إلى الرواية التي أخرجها ابن هشام في سيرته عن الحسن البصري، ففيها ذكر ارتداد كثير من الناس، مع أن الذين اسلموا كانوا يعدون على الأصابع، فمن أين جاء البصري بهذا الزعم؟
كما أن ما نسبه إلى ابن أبي قحافة في تلك الحادثة، لا يتفق مع صفة المبالغة في الصدق، لأنه كان عليه لو صحت الرواية - وهي في نظري لا تصح عقلا – أن يصدق مباشرة ومنذ سماعه للخبر، ولا يعود فيسأل النبي صلى الله عليه وآله أن يصف له بيت المقدس.

على أن رواية عائشة ومعاوية في الإسراء، تتفقان مع رواية الحسن البصري، في أن إسراء النبي صلى الله عليه وآله كان بالروح دون البدن، حيث لم يفتقد بدنه من فراشه، والعجيب هنا في من افتقد النبي صلى الله عليه وآله في الأثناء، وعائشة قد دخل بها النبي صلى الله عليه وآله بعد الهجرة، ومعاوية كان ضمن المشركين المحاربين لله ورسوله صلى الله عليه وآله، فكيف يصح هذا الخلط والخبط؟
أما إذا اعتبرنا سند الرواية، ففيه أن الحسن البصري لم يكن موجودا وقتها، فهو معدود من التابعين، ولم يرد في سند الرواية عمن نقلها، وكذلك الشأن بالنسبة لعائشة ومعاوية.
راجع الجزء الأول من سيرة ابن هشام باب ذكر الإسراء والمعراج.

وبذلك أقول إن لقب الصديق تآمر على نزعه من علي عليه السلام، وإلصاقه بابن أبي قحافة معاوية وبطانته من طلقاء بني أمية، سعيا منهم في إبطال خصائص أمير المؤمنين، وسيد الموحدين  عليه السلام، ذلك أن المتتبع العاقل يذعن للحق إذا عرض عليه من الوجهة التي ذكرت، ولا معنى لإطلاقه على غير أمير المؤمنين علي عليه السلام، ومن غصب حقا من أهله فهو من الغاصبين، ومن وضعه في غير أهله فهو من الجاهلين، والحق في هذا الأمر أحق بأن يتبع.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة