المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 7 شوال 1430 - حقيقة مصحف فاطمة عليها السلام
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

حقيقة مصحف فاطمة عليها السلام

لا يزال المتقولون على المسلمين الشيعة، يرددون بالسنة السوء والجهالة، خبر مصحف السيدة فاطمة عليها السلام، بنت النبي أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله، على الرغم من أن المسألة لا تحتمل ما ذهب إليه بعض هؤلاء من إدعاء يخرج الطائفة المحقة عن الإسلام، باعتبار هذا المصحف إنكارا للقرآن، وكتابا آخر بديلا عنه.

ومع ما سيق من قبل من ادعاء ثان، لا يقل خطورة عن الأول، تعلق برمي المسلمين الشيعة بالاعتقاد بتحريف القرآن، وبذلك يكون مصحف فاطمة بديلا عن القرآن المحرف، وهي أمنية طالما رجاها أعداء المسلمين الشيعة، ونقبوا بطون كتبهم حتى صفرت أيدي عناصر السوء فيهم من ذلك.

ومن أجل إنارة عقل من يبحث عن الحقيقة في هذه المسألة، رأيت أن أكتب ما يفيد المسلمين، ويبعد عنهم ريح الشقاق، ويجنبهم داعي الاختلاف، معتمدا في ذلك على الله تعالى ، وعلى ما تضمنته المصادر الشيعية بهذا الخصوص.

بداية ولمن لا يعرف فاطمة الزهراء عليها السلام: هي ابنة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله، حازت على خصائص وانفردت بكمالات لم تتسن لغيرها، لعل أهمها أنها سيدة نساء العالمين، روى ابن عبد البر في الاستيعاب عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : لفاطمة : يا بنية ألا ترضين انك سيدة نساء العالمين، قالت: يا أبت فأين مريم ، قال: تلك سيدة نساء عالمها.

نزلت فيها وفي أهل بيتها عليهم السلام آية التطهير (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)التي جاءت من الله تعالى لتبين عصمة هذه المرأة الجليلة، وما أكده النبي صلى الله عليه وآله في هذا الشأن، روى أبو نعيم في فضائل الصحابة، وابن عساكر في تاريخه، وأبو يعلى في مسنده، عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا فاطمة، إن الله ليغضب لغضبك، ويرضي لرضاك. فمن غضب الله لغضبها، ورضي لرضاها، لا يمكن أن تكون سوى متميزة عن سواها، بتمام الطاعة وكمال الخلق، وطهارة الروح والبدن، وهذا كله من خصائص بنت النبي صلى الله عليه وآله، وفاطمة الزهراء عليها السلام، لا تقل شأنا عن السيدة مريم بنت عمران عليها السلام، لأن نبينا أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين، وابنته تبعا له أفضل نساء العالمين بلا أدنى شك.

من أين جاء مصحف فاطمة؟
 قبض النبي صلى الله عليه وآله، فحزنت ابنته الزهراء حزنا شديدا، فلم تطب نفسها ولم تهدأ بعد ذلك،لشدة ارتباطها بأبيها، وكثرة تودده إليها وتردده عليها، فهي أحب النساء إليه، وبعلها أحب الرجال، هي بضعة منه، ولشدة الألفة، والتراحم والحب بينهما، لقبها بأم أبيها، من أجل ذلك كله لم تتحمل سيدة نساء العالمين فقد أبيها، بكت في بيتها حتى اشتكى جيرانها إلى علي عليه السلام من ذلك، فلما أخبرها بذلك طلبت منه أن يبني لها خصا في البقيع، فكانت تتردد إليه كل يوم لتجديد عهدها بمصيبتها فعدت من البكائين، ولها تمام الحق في ذلك.

الروايات التي تضمنتها مصادرنا تقول إن الله تعالى أمر جبرائيل كما في الرواية المذكورة أدناه ، أو أرسل ملكا في الرواية التي تليها:
عن أبي عبيدة عن أبي عبد اللّه عليه السلام:أن فاطمة مكثت بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وسبعين يوما، وكان دخلها حزن شديد على أبيها, وكان جبرائيل عليه السلام يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها , ويطيب نفسها, ويخبرها عن أبيها  ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها, وكان علي عليه السلام  يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة سلام الله عليها.الكافي ج1ص241, بحار الأنوار ج26ص 41, والقطب
عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام  يقول: إن اللّه تعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، دخل على فاطمة من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا اللّه عز وجل، فأرسل اللّه إليها ملكا يسلي غمها ويحدثها, فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين عليه السلام، يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا. قال: ثم قال: أما أنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ,ولكن فيه علم ما يكون. بحار الأنوار ج 26ص 44, الكافي 1: 240.

ماذا يعني المصحف لغة؟
 قال صاحب لسان العرب: المصحف لغة: المُصْحَفُ والمِصْحَفُ: الجامع للصُّحُف المكتوبة بين الدَّفَّتَيْنِ كأَنه أُصْحِفَ، والكسر والفتح فيه لغة، قال الأَزهري: وإنما سمي المصحف مصحفاً لأَنه أُصحِف أَي جعل جامعاً للصحف المكتوبة بين الدفتين، قال الفراء: يقال مُصْحَفٌ ومِصْحَفٌ كما يقال مُطْرَفٌ ومِطْرَفٌ؛ قال: وقوله مُصْحف من أُصْحِفَ أَي جُمِعَتْ فيه الصحف.

لم يكن القرآن في عصر النبي صلى الله مخصوصا بتسمية مصحف فإن العرب تطلق هذا الاسم على كل كتاب حوا صحفا، ولم يقع تخصيص هذا الاسم بالقرآن، على عكس المراد اللغوي، سوى في هذه العصور المتأخرة، وبهذا تنتفي دعوى التسمية لمصحف فاطمة، كأنه بديل عن المصحف القرآني لنا كمسلمين.

ماذا يحتوي مصحف فاطمة عليها السلام؟
هل كان مصحف فاطمة الزهراء يتضمن شيئا من الوحي، المخالف لما جاء به أبوها، كما يحاول ترويج ذلك أعداء المسلمين الشيعة؟
قطعا لا، فالروايات التي بين أيدينا كلها تفيد العكس، بل تؤكد بشكل جازم، أن المصحف المذكور ليس فيه شيء من القرآن، واليك الروايات:
- عن أبي حمزة أن أبا  عبد اللّه عليه السلام قال: مصحف فاطمة ما فيه شيء من كتاب اللّه وإنما هو شيء ألقي إليها بعد موت أبيها صلوات اللّه عليهما الصفار, بصائر الدرجات: بحار الأنوار ج26ص 48.
- عن علي بن أبي حمزة عن أبي عبد اللّه عليه السلام: وعندنا مصحف فاطمة  سلام الله عليها أما واللّه ما فيه حرف من القرآن، ولكنه إملاء رسول اللّه وخط علي. بحار الأنوار ج26ص 48/49 .
- عن علي بن سعيد عن أبي عبد اللّه  عليها السلام: وعندنا واللّه مصحف فاطمة، ما فيه آية من كتاب اللّه وإنه لإملاء رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم  وخط علي  عليه السلام بيده. بحار الأنوار ج26 ص 41ج 47ص 271

هل تتعارض هذه الروايات مع الإسلام ككل؟
هل يعتبر مضمون هذه الروايات غلوا، وتصورا خارجا عن المألوف من الدين؟
قد يتبادر إلى أذهان السطحيين من المسلمين، أن في هذه الدعوى غلوا وتطرفا ركبه المسلمون الشيعة، ليظهروا قدواتهم في مقام لا يصل إليه أحد ممن عاصر النبي صلى الله عليه وآله، فانبرى منهم من رفع عقيرته بالتشهير، مدعيا بأن هذا وحي وأن الملائكة لا ينزلون من عند الله إلا بالوحي، وهذا محال على غير الأنبياء والمرسلين، صاما آذانه، مستغشيا أبصاره عن إمكان أن يحدث هذا الأمر، وليس ذلك على الله بعزيز، كما حدث في الأمم السابقة، ورحمة الله تعالى أكبر من أن تنقطع عن أوليائه، فضلا عن بقية خلقه، وقد ضيقوا هنا واسعا.

أما الشواهد القرآنية التي تثبت أن الوحي والملائكة، لا يقصران على الأنبياء والمرسلين، بل ويشمل أيضا من أراد الله تعالى تقريبه وإكرامه، من بقية المخلوقات، بدأ من الإنسان، ومرورا بالحيوانات، وانتهاء بالجمادات التي نراها كذلك.
وفي كتاب الله تعالى شواهد على ذلك:
قال تعالى:"وإذ قالت الملائكة يا مريم إن اللّه اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين*يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين." سورة آل عمران الآية  42/43
قال تعالى:"...فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا* قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا* قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا* قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا* قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا.". سورة مريم الآية  17 / 21

ففي الآيتين الشريفتين ذكر وحي الله تعالى لمريم وكلام الملائكة وجبرائيل عليهم السلام، ومريم كما يعرفه الجميع ليست نبية ولا مرسلة.
قال تعالى:"...وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب* قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب* قالوا أتعجبين من أمر اللّه رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد. سورة هود الآية 71/73
وفي هذه الآية مخاطبة الملائكة لسارة امرأة إبراهيم الخليل وبشارتهم لها، كل ذلك كان بأمر الله تعالى وليس من تلقاء الملائكة أنفسهم، بل عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
قال تعالى:ولقد مننا عليك مرة أخرى* إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى* أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له..." سورة طه الاية37/39
وفي هذه الآية أيضا وحي إلى أم موسى، وما يستدعيه من الخرق للعادة وإنزال الملائكة والإلقاء للموحى إليه.

أما الألطاف الإلهية التي تضمنها مصحف فاطمة من ترويح لها وإخبار بما سيكون فإن ذلك ليس على الله بعزيز، وكل ذلك داخل في إطار رحمته وعنايته بصفوته من مخلوقاته.
وقد يقال إن الغيب ممتنع عن المخلوقات،فهو علم خص الله تعالى به نفسه فلا يطلع عليه أحد.
وهذا مردود من حيث كون الغيب علم أعطى منه الله تعالى لصفوته ما أعطى، والشواهد على ذلك كثيرة لا يتسع لها المجال.

وفوق ذلك فان هذا المصحف لم يخرج للمسلمين، باعتباره خاصا بالذرية الطاهرة، وقد توارثوه أبا عن جد، لم تطله يد أحد سواهم، فما وجه الضرر بكتاب خاص مهما كان مصدره؟

وفي الأخير أقول إن الغيب موجود في فاطمة الزهراء وذلك من فضل الله تعالى عليها وبه يحتجون علينا، وما هو في حقيقته سوى لطف من ألطافه الخفية، وما أكثر ألطافه الخفية، لو يعقلون.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة