المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 9 شوال 1430 - مقامات علوية (22) -فاروق الأمة-
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

مقامات علوية
الحلقة الثانية والعشرون
فاروق الأمة

في المقامة السابقة، تحدثت عن الصديق الأكبر الحقيقي للأمة الإسلامية، أشرت إلى أن السبب الذي جعل ألقاب الإمام علي عليه السلام، تسند إلى غيره دون وجه حق، هو سياسي بالأساس، إلتجئ إليه طلقاء بني أمية ومنافقوها، ليضعوا من مقام علي عليه السلام ويسووه  بغيره من جهة، ويرفعوا فوقه، من لا يقاسون به في علم ولا عمل ولا فضيلة من جهة أخرى، ولم يكفهم ذلك، فأعلنوا سبه في أقدس الأماكن في بيت الله الحرام،وفي مسجد النبي صلى الله عليه وآله على مسمع مرأى منه، وهو الذي يسمع ويرى وترفع إليه أعمال أمته، وعلى منابر المساجد، إمعانا في إسقاطه، والاستهانة بشخصه، فتربت أجيال من الأمة الإسلامية على ذلك النمط الوضيع، ذلك والسنة النبوية المطهرة مغيبة عمدا، وغير مدونة تماما، إلا يسيرا عند ذوي العلم والمعرفة، ممن تمرد على الأنظمة المتسلطة وقوانينها الجائرة  بحق السنة المطهرة، معرضا نفسه للأذى والتلف.

ومن أجل تجلية الحقيقة بشأن هذه ألقاب علي عليه السلام المسروقة، وأدائها إلى صاحبها،أتناول في هذه المقامة لقب الفاروق،الذي وشح به النبي صلى الله عليه وآله،اسم وصدر وشخص علي عليه السلام، فكان منطبقا عليه، لائقا به، منسجما مع أقواله وأفعاله، قد خالطهما كما يخالط اللحم العظام.
علي عليه السلام هو فاروق الأمة،وكذب من ادعى لغيره هذا اللقب بلا بينة ولا دليل، وفي أحسن الحالات، اشتبه الأمر على من لم يكن عارفا بمن هو الفاروق حقيقة وواقعا.

الحديث عن هذا اللقب الخاص بأمير المؤمنين علي عليه السلام، يأخذنا إلى الأدلة التي ترجح الحق، وتميزه عن باطل أولياء السلطان الغاشم، ولئن ضعفها من ضعف ففي سياق الحرب على علي وأهل بيته عليهم السلام، وشيعته رضوان الله تعالى عليهم، والتي لم تهدأ يوما، إلا ليشعلها المنافقون وأعداء الإسلام المحمدي الأصيل من جديد.
وسياسة تضعيف الأحاديث وإنكارها، أسلوب انتهجه المحاربون لمبدأ الإمامة الإلهية، دفعا وإسقاطا لأساس من أساسات الدين وركن من أركانه، لأنه لو اعترف أولياء خط السقيفة بجملة تلك النصوص، وما تفيده حقيقة، فلن يبقى لسياق تبريرهم، غصب الحكومة من صاحبها الشرعي علي عليه السلام شيء يقيهم سرابيل أوهامهم.
ومع ذلك فإن من طهر قلبه وصفت نفسه، يستطيع أن يتبين حقيقة الأمر بلا عناء.

لقد كان علي عليه السلام ولا يزال فاروقا، به تميز الحق عن الباطل، والإيمان عن النفاق والشرك، و لقب الفاروق جسده علي عليه السلام في أكثر من موقف، وعلى أكثر من صعيد، لكنني، وقبل أن أتحدث عن شواهد علي عليه السلام، التي أثبتت أنه هو وحده فاروق الأمة الإسلامية، أذكر نزرا من الأحاديث من كتب خط السقيفة، لتكون حجة على أصحابها، ودليلا يقرع من العقول أبوابها، وحجة تلين على الإمساك بها طلابها.
وعن أبي ذر وسلمان قالا: أخذ النبي(ص)بيد علي فقال:إن هذا أول من آمن بي، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصديق الأكبر، وهذا فاروق هذه الأمة، يفرق بين الحق والباطل، وهذا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظالمين.
رواه الطبرانى والبزار عن أبي ذر وحده/ والبيهقي، وابن سعد ، عن حذيفة/ مجمع الزوائد للهيثمي ج 9 ص 29، نقله عن المعجم الكبير للطبراني / الاستيعاب لابن عبد البر ج 2 ص 657/ الإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر آخر ج 11 عن ابن عدي/كنز العمال للمتقي ج 11 ص 612 نقله عن الحافظ أبي نعيم/ مسند البزار ج 1 ص 38.

روى الحاكم في المستدرك بطريقين عن أبي سعيد الخدري قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانقطعت نعله ، فتخلف علي يخصفها ، فمشى قليلا ، ثم قال : إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله، فاستشرف لها القوم، وفيهم أبو بكر وعمر، قال أبو بكر : أنا هو ؟ قال : لا ، قال عمر : أنا هو ؟ قال : لا ، ولكن خاصف النعل - يعني عليا - فأتيناه ، فبشرناه، فلم يرفع به رأسه ، كأنه قد كان سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
المستدرك للحاكم ج 3 ص 122
تهذيب الخصائص ص 88/ فضائل الصحابة ج2ص627 / مسند الإمام أحمد (بعدة طرق) ج 3ص 82/  در السحابة للشوكاني ص 225/  مصابيح السنة للبغوي ج10ص33 / حلية الأولياء لأبي نعيم  ج 1ص 67/ البداية والنهاية لابن كثير ج7ص305/ أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير ج3ص429/ الخصائص الكبرى للسيوطي ج2ص138/الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ج2ص392./ كنز العمال للمتقي الهندي ج6ص390/الرياض النضرة للمحب الطبري ج2ص252/ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج3ص207/ مجمع الزوائد للهيثمي  ج5ص186 ...

أما الشواهد العملية التي دلت على أن عليا عليه السلام هو الفاروق ، زيادة على ما ذكرت من أحاديث، فقول النبي صلى الله عليه وآله له: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. صحيح مسلم كتاب الإيمان، صحيح الترمذي ج 2 ص 301، سنن النسائي ج2ص271 ،  خصائص النسائي ص 61 ، صحيح ابن ماجة ص 12 ، مسند ابن حنبل ج1ص 84 /95 / 128 ، تاريخ بغداد ج2ص 255وج8ص417وج14ص426 كنز العمال ج6ص394 ...
وبذلك بدأ كشف المنافقين ببغضهم لعلي عليه السلام.
أخرج السيوطي في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى:" إن الذين ارتدوا على أدبارهم".
قال: وأخرج ابن مردويه، و ابن سعد في  الطبقات ، قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا ببغضهم علي بن أبي طالب عليه السلام.
وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري في قوله تعالى: " ولتعرفنهم في لحن القول." قال: ببغضهم علي بن أبي طالب عليه السلام.
لقد كان من العسير على جيل عصر النبوة، تبين المؤمن من المنافق، إلى اليوم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله مقالته في علي عليه السلام وعهده له، فانكشفت ضغائن المنافقين، وتهتكت أستار أحقادهم، فعرفهم المؤمنون ببغضهم للأمير المؤمنين علي عليه السلام، وهذه سمة من سمات الفاروق الحقيقي.

هجرة علي عليه السلام وان تجاهلها مرضى القلوب، فهي تحكي عن الفاروق الحقيقي، وتحمل بين طياتها إثبات اللقب له، فقد خرج علي عليه السلام مهاجرا من مكة في وضح النهار، بعد أن مكن في الليلة السابقة بقية المستضعفين من الخروج خلسة، ليواعدهم باللقاء في ضجنان، ورغم انه كان وحيدا فقد استطاع بمفرده أن يصد جماعة من الفرسان الذين لحقوا به ليردوه مع الفواطم إلى مكة، فقتل زعيمهم وفر الباقون خوفا من باسه وبطشه، فتلك الهجرة الوحيدة التي مرت أمام أعين مشركي قريش ولم يقدروا على ردها، وزعيم كعلي عليه السلام حقيق به أن ينفرد بلقب الفاروق.
وإن شئت، حدثت عن الفاروق الحقيقي وميزته عن المزيف، بما حصل في غزوة الخندق، من سلوك دل على أن لقب الفاروق، لا يمكن لعاقل أن يصرفه عنه.

عندما اجتاز عمرو بن عبد ود الخندق بفرسه، وكان يعرف بفارس العرب، ونادى بأعلى صوته يا محمد إنك تزعم أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار، فمن منكم يريد الجنة؟ انخلعت قلوب العارفين به، ووجموا كأن على رؤوسهم الطير،فلم يقم إليه سوى علي عليه السلام، فطلب الإذن من النبي صلى الله عليه وآله، لمبارزته فلم يأذن له إلا عندما يئس من خروج غيره، فخرج علي عليه السلام وقتله في مبارزة مشهودة وجلت منها القلوب، وشد إليها الأبصار والأفئدة، ولهجت الألسن بالدعاء لعلي عليه السلام بالغلبة والنصر، وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وآله، لمعرفته أنه إذا انهزم علي عليه السلام أو قتل فانه لا مناص من أن ينزل هو بنفسه، وفي ذلك قال صلى الله عليه وآله: لقد برز الإيمان كله للشرك كله.
هذا هو الفاروق عمليا، فأين كان المتصنع والمنسوب وهما يوم الخندق؟
وهذا موقف تميز فيه الفاروق الحقيقي من المزيف.
ومنها في كتاب المناقب أيضا لابن مردويه بإسناده إلى ثابت مولى أبي ذر عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله ( ص ) يقول: على مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا على الحوض. الكنجي في كفاية الطالب  ص253  ، وتاريخ ابن عساكر ج2ص120.
ومن كان مع القرآن والقرآن معه لا يفترق عنه، حري به أن يكون فاروقا، وقد جاءنا من سيرته العطرة، ما أثبت لنا كل هذه الأقوال، فقد كان علي عليه السلام قرآنا ناطقا، متحركا فاعلا في مجتمعه وطيلة حياته.

ذكر الخطيب في تاريخه: أن علقمة و الأسود أتيا أبا أيوب الأنصاري، عند منصرفه من صفين، فقالا له: يا أبا أيوب إن الله أكرمك بنزول محمد ( ص ) في بيتك، وبمجيء ناقته تفضلا من الله تعالى، وإكراما لك ،حتى أناخت ببابك دون الناس جميعا، ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب أهل لا   اله إلا الله، فقال: يا هذا إن الرائد لا يكذب أهله، إن رسول الله أمرنا بقتال ثلاثة مع على عليه السلام، بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين، فأما الناكثون فقد قاتلناهم، وهم أهل الجمل وطلحة والزبير، وأما القاسطون فهذا منصرفنا عنهم - يعنى معاوية وعمرو بن عاص - وأما المارقون فهم أهل الطرفاوات، وأهل السقيفات، وأهل النخيلات، وأهل النهروانات، والله ما أدري أين هم ،ولكن لا بد من قتالهم إن شاء الله تعالى، ثم قال سمعت رسول الله ( ص ) يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية، وأنت إذ ذاك مع الحق والحق معك، يا عمار إن رأيت عليا سلك واديا، وسلك الناس كلهم واديا، فاسلك مع على، فإنه لن يدليك في ردى، ولن يخرجك من هدى، يا عمار من تقلد سيفا، وأعان به عليا على عدوه، قلده الله يوم القيامة وشاحين من در، ومن تقلد سيفا أعان به عدو علي، قلده الله تعالى يوم القيامة وشاحين من نار، قلنا يا هذا حسبك يرحمك الله، حسبك يرحمك الله. تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج13ص186. 

من الذي ألصق لقب الفاروق بعمر؟
منذ أن كنت من أتباع خط السقيفة، كنت من المواظبين على الإستماع إلى خطب الشيخ عبد الحميد كشك(رحمه الله تعالى) والتي كانت لا تخلو من ذكر الفاروق ونسبته إلى ابن الخطاب، إلى درجة أن الشيخ كان يصيح بها بأعلى صوته، ولم يدر في خلدي حينها، أن هذا اللقب لا علاقة له بالرجل، لكنني بعد أن عرفت الحق واتبعته، وبينت لي وجهته، رأيت أن أوضح اللبس، وأبين ما بقي بعيدا عن متناول أتباع خط السقيفة، لعل الله يهديهم سواء السبيل.
أمامنا عدد من النصوص المختلفة في ما بينها في أصل اللقب ومتى أطلق على عمر.
النص الأول يدعي فيه عمر بنفسه أن النبي صلى الله عليه وآله هو الذي لقبه بذلك:

عن بن عباس أنه سأل عمر عن إسلامه، فذكر قصته بطولها وفيها، أنه خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة، وأصحابه الذين كانوا اختلفوا في دار الأرقم، فعلمت قريش أنه امتنع، فلم تصبهم كآبة مثلها، قال فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الفاروق. الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ترجمة عمر.
رواية يتيمة بهذا المعنى، يكون صاحبها قد ادعى لنفسه لقبا لم يقره عليه غيره، لأنه بلا بينة من جهة، وهو في هذه الحالة - إن صحت روايته وهي غير صحيحة لاختلافها مع بقية روايات إسلامه – شريك لحمزة بن عبد المطلب، في منعة النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه، فلماذا يترك حمزة خارجا من لقب الفاروق، وهو شريك في النصف من الحادثة، مع ما امتاز به حمزة من القرب والمكانة؟
ولو صحت التسمية كذلك لأخبرنا بها غيره، ولسرت بين المسلمين في ذلك العصر، ولألفوها وتواصلوا معها، بحيث لا تبدو غريبة عن اسم عمر.
أما ما ذكرت الرواية من منعة النبي صلى الله عليه وآله عن قريش بفضل ابن الخطاب، فغير صحيحة، ذلك لأن المانع بالأساس، الذي كان دائما في حماه ومنعته هو الله تعالى "والله يعصمك من الناس"فلا معنى أن يكون ابن الخطاب مانعا لقريش من الوصول إلى النبي صلى الله عليه وآله وأذيته في موقف واحد، مع ما نملكه من شواهد على أن تلك المنعة المزعومة لم تتحقق فيما بعد أبدا.
حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان قال قال ابن شهاب: بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أول من قال لعمر الفاروق، وكان المسلمون يؤثرون ذلك من قولهم، ولم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من ذلك شيئا.
تاريخ الأمم والملوك للطبري ج2  ص562 / الطبقات الكبرى لابن سعد ج3  ص270 / تاريخ دمشق  لابن عساكر- ج4 - ص51 رقم الحديث 9441
إذا تبين أن لقب الفاروق، أطلقه كعب الأحبار واليهود على عمر، في محاولة للتأثير عليه، وقد نقل الطبري ومن بعده ابن سعد وابن عساكر هذه الرواية، نقل المسلم بصحتها، ولو كان لهم منها ريب أو شك، لما أخرجوها في كتبهم المعتمدة، مع ما يحملونه من تبجيل وتقديم وتقديس لخليفتهم، وعنوان أساس من عناوين مذاهبهم، وهذه كتبهم تشهد عليهم بذلك.

إن ما أخرجه الحافظ أبو نعيم  في حليته، من أن لقب الفاروق قد سمى به النبي صلى الله عليه وآله ابن الخطاب لا يصح، لاختلافه مع بقية الروايات في شان إسلام الرجل، ووجود حمزة بن عبد المطلب في مقام متقدم عليه، ولو صح ذلك من النبي صلى الله عليه وآله لكان عمه حمزة أولى بالتسمية بالفاروق من ابن الخطاب، وقد صدر منه بعد ذلك ما يفيد عكس المقام الذي أحله المتيمون به فيه، فتصديه للنبي صلى الله عليه وآله في أكثر من مناسبة، لعل أشدها جرأة على الله ورسوله وأكبرها خطرا، ما جنته نفسيته المريضة يوم الحديبية، من تطاول وتعنت على مقام الوحي والنبوة ، وما أقدم عليه يوم الخميس، الذي سبق وفاة النبي صلى الله عليه وآله، من معارضة سافرة في حجرته الشريفة، مما دفع بالنبي صلى الله عليه وآله إلى طرده مع من كان معه في موقفه الشاذ، وهذا غيض من فيض، إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الرجل بعيد جدا عن مقام الفاروق، الذي نسب إليه كذبا وبهتانا، وحري به أن يضفى عليه لقب الشكاك والمتردد، في أحسن الحالات.

وفي الأخير أقول هذه دلائل الحق ظهرت أعلامها، وبانت حقائقها، لمن ألقى السمع وهو شهيد، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة