المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 15 شوال 1430 - مقامات علوية (23) -أمير المؤمنين-
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

مقامات علوية
الحلقة الثالثة والعشرون
أمير المؤمنين

استمر الإعتداء على خصائص الإمام علي عليه السلام، حيث انتحل الجاهلون أهم ألقابه، ونسبوه إلى من هب ودب، من طغاة الأمة وفساقها ومجانها، إلى درجة أن سئم منه الناس، ومجته عقولهم، وهم يرونه مقترنا وملازما لأسماء، عفر التاريخ صفحات سيرها، بما جنته أيديهم الآثمة  من جرائم، واقترفته من فضائع.

ومنذ أن انتحل المبطلون لقب الإمام علي عليه السلام، والقي تزلفا وتقربا ومخادعة من طرف من شهد له التاريخ بالمكر والدهاء والخديعة،ظل تتقاذفه ألسن النفاق من سيئ إلى أسوا، حتى هان اللقب وكان مصيره معاوية وابنه يزيدا، وبقية طغاة بني أمية وعلى رأسهم الوليد وما أدراك ما الوليد،صاحب المجون والخمور والداعي إلى الفجور، ثم تداعت النكبات عليه فقرن بطغاة بني العباس من السفاح إلى المتوكل، وكان من باب أولى أن يتسموا جميعا بأمراء الفسق والنفاق والجريمة، والاستخفاف بدين الله وأوليائه الطاهرين، ولله در دعبل الخزاعي في ما قال وأجاد:

ما ينـــفعُ الرجسُ من قرب الزكي ولا ***** على الزَّكـــيِّ بقُرب الرِّجس من ضرر
هيـــــهات كلُّ امرئٍ رهـــنٌ بما كسبت ***** لـــــه يــــداهُ فخـــذ مـــا شئت أو فذرِ

أمير المؤمنين، هو أكبر ألقاب علي عليه السلام، خص به دون غيره، ولم ينتقل إلى احد من أبنائه عليهم السلام، لمعرفتهم بأنه من خواص أبي الحسن عليه السلام، فهذا أبو محمد الحسن بن علي عليه السلام، يخلف أباه ويبايعه الناس، ومع ذلك لا ينادى عليه بأمير المؤمنين، لمحل اللقب من أبيه.

أما كيف جاء؟ ففي حادثة الغدير نزل جبرائيل عليه في ذلك الموضع، في يوم الخميس في الثامن عشر من ذي الحجة بقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)، حيث أمره الله سبحانه أن يقيم عليا إماما لأمة، ويبلغهم أمر الله سبحانه فيه.

فما كان من الرسول (صلى الله عليه وآله) إلا أن أمر برد من تقدم من الناس، وحبس من تأخر منهم. ثم صلى بهم الظهر، وبعدها قام بهم خطيبا على أقتاب الإبل وذلك في حر الهاجرة. وأعلن، وهو آخذ بضبع على(عليه السلام) : أن عليا أمير المؤمنين، ووليهم، كولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم. حيث قال: من كنت مولاه فعلى مولاه (قاله ثلاث أو أربع مرات) اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.
فنزلت الآية الكريمة: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا). الغدير للعلامة الأميني ج1، ص 9 – 12

ثم طفق القوم من الصحابة يهنئون أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفي مقدمتهم الشيخان: أبو بكر وعمر وغيرهما من المعروفين من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله.

فمن كان النبي صلى الله عليه وآله أولى به من نفسه،وهو مولاه، ومن كان كذلك فإن موالاته ستكون لعلي عليه السلام من بعده، وأولياء علي عليه السلام هم المؤمنون، وهو مولاهم، ومن كان كذلك فانه حقيق بأن يكون أميرا للمؤمنين، مختصا بها دون غيره.

الأدلة الأخرى التي تتفق مع نسبة لقب أمير المؤمنين لعلي عليه السلام واختصاصه به هي:

1- أخرج بن مردويه بإسناده عن اصبغ ابن نباته قال لما أصيب زيد بن صوحان يوم الجمل أتاه على عليه السلام وبه رمق فوقف عليه وهو يتألم لما به، فقال رحمك الله يا زيد فو الله ما عرفتك إلا خفيف المؤونة، كثير المعونة، قال فرفع رأسه وقال: وأنت مولاي يرحمك الله، فو الله ما عرفتك إلا بالله عالما، وبآياته عارفا، والله ما قاتلت معك من جهل، ولكني سمعت حذيفة بن اليمان يقول سمعت رسول الله ( ص) يقول: علي أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، ومخذول خذله، ألا وان الحق معه ويتبعه، ألا فميلوا معه . الخوارزمي المناقب ص  111

والبررة في هذا الحديث هي صفة للمؤمنين، وجمعها الثاني أبرار، ومعناها الصدق والطاعة كما جاء في لسان العرب، وأمير البررة والأبرار هو أمير المؤمنين بالضرورة.

2- قول النبي صلى الله  عليه وآله له عليه السلام: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق.
فدل ذلك على أن الذي اجتمع المؤمنون على حبه، وكان ذلك علامة إيمانهم،لا بد أن يكون أميرا لهم، فهم المؤمنون، وهو أميرهم بلا فصل.

3- إقرار ابن الخطاب، ومن حضر يوم الغدير وبيعته العامة، حيث كان من ضمن المبايعين بقوله: هنيئا يا ابن أبي طالب أصبحت و أمسيت مولى كل مؤمن و مؤمنة. مسند أحمد بن حنبل ج 4ص281
فمن كان مولى كل مؤمن ومؤمنة لابد أن يكون أميرهم وسيدهم وقائدهم ومقدمهم، وقد شهدوا على أنفسهم بولاية علي عليه السلام لكنهم عملوا بخلافها، والله تعالى سائلهم عنها .

4 - روى الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده عن أنس بن مالك قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى أبي برزة الأسلمي ، فقال له - وأنا أسمع - ( يا أبا برزة ، إن رب العالمين عهد إلي عهدا في علي بن أبي طالب ، فقال : إنه راية الهدى ، ومنارة الإيمان ، وإمام أوليائي ، ونور جميع من أطاعني ، يا أبا برزة : إن علي بن أبي طالب ، أميني غدا في القيامة ، وصاحب رايتي في القيامة ، علي مفاتيح خزائن رحمة ربي. حلية الأولياء لأبي نعيم  ج1ص66

وبعد أن عرفنا أن لقب أمير المؤمنين لا يمكن أن يعدو عليا عليه السلام، ننتقل إلى البحث عمن صرفه عنه، تعديا وتجاوزا لحق كان له خاصة، وسبب ذلك؟

عن ابن شهاب، عن سليمان بن أبي خيثمة، عن جدته الشفاء- وكانت من المهاجرات الأول- وان عمر إذا دخل السوق أتاها، قال‏:‏ سألتها من أول من كتب‏:‏ ‏"‏عمر أمير المؤمنين‏"‏? قالت‏:‏ كتب عمر إلى عامله على العراقين‏:‏ ‏"‏أن ابعث إليّ برجلين جلدين نبيلين، أسألهما عن أمر الناس‏"‏، قال‏:‏ فبعث إليه بعدي بن حاتم، ولبيد بن ربيعة، فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد، فاستقبلا عمرو بن العاص، فقالا‏:‏ استأذن لنا على أمير المؤمنين‏.‏ فقلت‏:‏ أنتما والله أصبتما اسمه، وهو الأمير، ونحن المؤمنون‏.‏ فانطلقت حتى دخلت على عمر، فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين‏.‏ فقال‏:‏ لتخرجن مما قلت أو لأفعلن‏!‏ قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين، بعث عامل العراقين بعدي بن حاتم ولبيد بن ربيعة، فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم استقبلاني فقالا‏:‏ استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقلت‏:‏ أنتما والله أصبتما، إسمه هو الأمير، ونحن المؤمنون‏.‏

وكان قبل ذلك يكتب‏:‏ ‏"‏من عمر خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏، فجرى الكتاب ‏"‏من عمر أمير المؤمنين‏"‏ من ذلك اليوم‏.‏
وقيل‏:‏ إن المغيرة بن شعبة قال له: يا خليفة الله ، فقال عمر : ذاك نبي الله داود ، قال : يا خليفة رسول الله،  قال : ذاك صاحبكم المفقود ( أي أبو بكر ) ، قال : يا خليفة خليفة رسول الله ، قال : ذاك أمر يطول ، قال : يا عمر ، قال : لا تبخس مقامي شرفه ، أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فقال المغيرة : يا أمير المؤمنين ‏.‏ أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير ترجمة عمر / الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ترجمة عمر.

ولنا مؤاخذات في متن الرواية ، بعد الطعن في سندها، الذي يكفيه بطلانا وجود المغيرة بن شعبة فيه، وما أدراك ما مغيرة الفسق والبهتان والبغي، فلقب خليفة الله ليست حكرا بنبي الله داود عليه السلام بل تشمل جميع خلفاء الله في أرضه بدأ من آدم عليه السلام وانتهاء بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله، فلا معنى في حصرها في النبي داود عليه السلام فقط ، وقول ابن الخطاب أن خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله هو ابن أبي قحافة، مخالف لما ألزم به نفسه هو وصاحبه وجماعتهم، من أن النبي صلى الله عليه وآله لم يستخلف، فكيف يجوز لهم إطلاق لقب خليفة رسول الله على من لم يستخلفه؟

فان قيل انه استخلفه ليصلي بالناس، قلنا أن النبي صلى الله عليه وآله ما كان لفه أن يعطي أمرين في وقت واحد، فمن غير الممكن أن يسند رسول الله صلى الله عليه وآله مهمتين مختلفتين لشخص واحد،لامتناع تحقق ذلك من جهة الزمن والمسافة، ذلك أن الذي أوعبه في جيش أسامة بن زيد مع صاحبيه في السقيفة، لا يمكن أن يعينه للصلاة بالناس، وهو يعلم محله بمركز تجميع الجيش.

ولو صح التعيين المزعوم، لما بادر النبي صلى الله عليه وآله، وهو على تلك الحال من المرض والوهن - روحي له الفداء- إلى إبطال تلك الصلاة وعزل متقلد إمامتها، فتبين أن زعم الصلاة بالناس المنسوب لابن أبي قحافة، مفتعل انتبه إليه النبي صلى الله عليه وآله، وأبطله بتحركه المبارك، وأدا للفتنة التي استشرت في أواخر أيام حياته الشريفة.

من هنا، تبين أن لقب أمير المؤمنين، قد انتحله شخصان لابن الخطاب، عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وكلاهما غير مأمونان لمحل الدهاء والمكر والخديعة فيهما، فالأول كما هو معلوم صاحب معاوية، ومؤسس دولة ظلمه، ومنقذه من هزيمة محققة في حرب صفين، عندما أشار عليه برفع المصاحف، ومحله في جيش البغاة كمستشار أول لمعاوية، في مقابل ولاية مصر.

والثاني داهية الدواهي، ومصيبة المصائب، قتل أصحابه غرة وغدرا، واستولى على عطاياهم،  ثم هرب إلى المدينة ليعلن إسلامه، خوفا من ثار قريش منه ، فقبل الرسول إسلامه، ولم يقبل منه ماله. كان من أول المبادرين إلى معاوية، فاستعمله في أسوا الأعمال، وهي الدعاية المفرطة ضد الإمام علي عليه السلام، وسبه والكذب عليه وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان على الكوفة والمدينة، من أشد الأمويين ضراوة على أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم.

لقد استهدف تراث أمثر المؤمنين علي عليه السلام، طيلة العصر الأموي، فوق ما مهده الغاصبون الأوائل لحكومته، مع ما رافق ذلك من إجراءات المنع والتتبع والتصفية الفكرية والجسدية، ولولا ربانية  هذا الخط لما بقيت له باقية بعد طول المدة وقسوة العدوان.

هذه أدلتنا على أحقية أمير المؤمنين علي عليه السلام بجملة ألقابه المنهوبة، بينتها لمن طاب معدنه، وطهر مولده، وصفت روحه، وعزت نفسه عن مجارات اللئام، في تطاولها على موائد الكرام، ليحيا من حيا على بينة ، ويموت من مات على بينة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة