المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 8 رمضان 1425 - المثل العليا في الإسلام - الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة:

المثل العليا في الإسلام
الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)

قال تعالى :" يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له."(1)
وقال أيضا:" وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون."(2)
وقال أيضا:" ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون * ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.".(3)

لم تكن الغاية من الأمثال التي ضربها المولى سبحانه وتعالى للذين آمنوا، وللناس عموما في كتابه العزيز، إلا إرشاد عباده إلى الأولى والأصح بالاتباع، في خصوص عدد من المسائل الهامة المتعلقة بسلوك العبد، والآثار المترتبة عليه في الحياة، تاركا الحرية كاملة للفرد في أن يتبع وأحدا من الأمثلة المضروبة ، من غير إكراه في شيء من ذلك .

الإمامة لطف الهي اقتضت قدرته على إمضائها بعد النبوة في أجيال البشرية لتكون ملجأ لهم من الإنحراف، وملاذا من الشيطان وأوليائه، واستمرارا للفيض الرباني .

لم يكن من السهل علي وأنا أقف على ساحل بحر من أبحر أهل البيت عليهم السلام، أن أختار من درره أو أنتقي من لججه مثلا يضرب للناس، وموقفا ينسج المتعجلون إلى الله على منواله، فتقاذفتني أمواجه العظيمة، وتنازعتني لآلئه ودرره الكثيرة، وأخذت بمجامع قلبي وبصري أنوارها، فلم أدر بأيها آخذ أم أيها أنتقي، ولا استطعت أن أميز بأيها آخذ مثلا.

الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام ثالث أئمة أهل البيت عليهم السلام، ورابع أصحاب الكساء الذين إصطفاهم الباري لنفسه أنوارا قبل أن يخرجهم إلى خلقه أطوارا.(4)

تملكتني حيرة وأنا أستعرض ما جاد به التاريخ من سيرته العطرة، لأن ما بخل به، وما عفا عنه لأسباب مختلفة سياسية ومذهبية، أكثر مما تضمنته بطون كتبه، تراءت لي مواقف كثيرة، وظهرت صور عديدة من حياته الشريفة عليه السلام، كلها تريد أن تكون النموذج والمثال، وتفرض نفسها بقوة علي، وتنازع قلمي، فلم أستطع إلى تقديم هذه عن تلك سبيلا، لأن كل حياته عليه وعلى آبائه الكرام أفضل صلاة وأزكى تسليم، أمثلة عظيمة، ودلالات سليمة، وأنوار قدس يهتدي بها المهتدون، يتعلق بنفحاتها الباحثون عن السر الأكبر، والمهاجرون إلى الذات القدسية، والراحلون إليه تعالى طوعا عبر قراه الظاهرة، وأبوابه التي أمر أن يؤتى منها.

لأن من أنا بصدد تناول لمحة من حياته الشريفة، إمام بمنطوق النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، قام بأعباء الإمامة أو قعد عنها، بسبب من الأسباب الخارجة عن إرادته عليه السلام، لأن حديثه الشريف الذي أجمع عليه أهل الإسلام بمختلف شرائحهم وتنوع مذاهبهم والذي قال فيه:" الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا." (5) إشارة صريحة، إلى مقصد النبي صلى الله عليه وآله من التعيين الإلهي لقيادة الأمة، ونظام الحكم في الإسلام في مرحلة تتطلب التعيين، وتؤكد عليه عدد من النصوص الصادرة عن الله تعالى كقوله تعالى:" وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين." (6) والمفسرة من رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يقوله :" الأئمة من بعدي اثنا عشر إماما." (7)

ولكن عندما تفقد الأمة ميزان الترجيح في ضميرها، وحين تستوي الحسنة والسيئة لديها، وينزوي الجمال والإبداع ، والأمثل أمام القبح والفساد والمثل الذي لا يستوي، وعندما تعمى قلوب الناس، وتقصر أيديهم عن ثمر الشجرة الطيبة إلى سموم الشجرة الخبيثة، عندها تصطدم بالواقع المر،الذي تجلى بأدق صوره في أن يجمع المسلم في عقله ودينه بين الفضيلة والرذيلة، وبين الرفيع والوضيع، ولم يعد لميزان القسط الذي أراده الباري تعالى أن ينغرس فيه فيزن به ويقدر، قيمة ولا معنى، وإلا كيف يفوت الأمة مبدأ الإصطفاء الإلهي، ويغيب عنها مقام الإمامة الهادية بأمر الرب تبارك وتعالى، وتنكسف أمام أعينها الأنجم الزاهرة، ويحل محلها إمامة الوهم والضلال والنار.

"الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"(8)، من منا لا يعرف هذا المقام الذي صرح به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الكل يعلم ذلك ويحفظه عن ظهر قلب، ولكن من منا وضع الحديث موضعه، وأقامه في قلبه ووجدانه مقام الفعل، وأنزله منزلة التثبيت؟ من منا فهم أن سيادة الآخرة مدعاة إلى سيادة الدنيا، وإمامة الدين مفتاح إمامة الدنيا؟

لا أعتقد أن أكثر الأمة فهمت المقصد، ووعت المغزى، واستوعبت الدرس، والدليل على ذلك تباعدهم عن الصفوة الطاهرة، وجفاءهم لها إلى حد العداء والمحاربة.

أي ثقافة إكتسبها الذين عاصروا الإمام الحسن عليه السلام وأبيه وجده صلى الله عليهم من قبل ، وأكثرهم ممن خذل وداهن ونافق وتجاهل، عن أي إسلام يتحدث كل الذين مشوا في متاهة السقيفة التي أوصلت بالحكومة الإلهية إلى أن تطالها أنفس ما كان لها أن تتنسم دفة القيادة ، ولا أن تكون حتى من العامة الصالحة ، لولا التقصير الذي حصل من الأمة، لذلك كان قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم :" كيفما تكونوا يولى عليكم."مؤشرا دالا على تقصيرها وسلبيتها ، جعلاها لا تبصر غير إمامة الجهل والظلم والجور، ومقامها عن إمامة الهدى بعيد المنال ، لذلك لم تكن شاهدة في عصر حضور الأئمة عليهم السلام، فغابت عنهم وجهلت مقاماتهم، وتباعدت عن معينهم الصافي إلى سراب بقيعة ، وظلمات بعضها فوق بعض، كتباعد جيل الصحابة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما تركوه يخطب في صلاة الجمعة وانفضوا من حوله إلى دحية الكلبي.العلة إذا هي في الأمة التي لم تستوعب المقام ، ولم تفهم المعنى ، ولم تعي الوظيفة، وعلى العكس من ذلك فقد كانت واعية وشاعرة بكل ما لا يرتبط بآخرة أبدا.

عاش الإمام الحسن عليه السلام صباه بين ثلاث قمم لا يرقى إليها الطير، وليس لمثلها نظير، فنهل منها معاني المعارف الصافية، ومحاسن الأخلاق الفاضلة ، والمكارم العظيمة، في بيت أراده الباري تعالى أن يكون أفضل بيت وجد منذ آدم عليه السلام. نشأ بين الرسول المصطفي صلى الله عليه وآله وسلم، وبين والده الإمام الوصي المرتضى ، وأمه سيدة النساء عليهما السلام ، فكان ممن أقر الوحي بمنزلته، ودعا الناس إلى التمسك به وملازمته،لأنه من العترة الطاهرة والذرية التي بعضها من بعض، ختام سلسلة الاصطفاء ، ومسك جوهر الأولياء، ممن أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ثقل القرآن، ومثاله الحي الواجب الأخذ عنه بعد جده وأبيه عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى:" أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده."(9) وحيث صرح بذلك النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من مرة، وفي غير موضع نظرا لأهمية مقاله ، وخطورة عدم الأخذ به:"إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض." (10)

شهد محنة أبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وهو ينتقل إلى الرفيق الأعلى وسط أمة أبت إلا أن تكون مقسمة إلى فريقين، فريق دوخته صدمة الفراق فلم يعد يعي شيئا حوله ، وفريق أعد العدة للانقضاض على الحكومة، مستغلا حالة الذهول والحزن التي سادت المدينة في ذلك اليوم. وكان للانقلابيين ما أرادوا ، فاستولوا على مقاليد الزعامة والحكم ،وكان الإمام الحسن بمرأى ومسمع من ذلك كله ، ثم كانت محنة أمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام ، وحادثة اقتحام بيتها المريعة، والتي سارعت في لحاقها بابيها، ففجع بها وحرم من عنايتها ، كأنما اليتم قلادة لا تفارق أعناق الطاهرين.

وكان حاضرا بعد ذلك وشاهدا على خذلان الأمة لأبيه، فتجرع معه غصص ومرارة تلك المواقف،وجاءت شهادة أبيه أمير المؤمنين في مسجد الكوفة وهو يصلي الصبح ،لتضعه في محك البلوى،فكان رزؤها أكبر، ووقعها أشد على نفسه، ومع ذلك كله ظل ثابتا صابرا محتسبا، لم تزعزعه مدلهمات الخطوب، ولم تحرك ثباته ورباطة جأشه المؤامرات التي كانت تحاك ضده لقتله، وإفشال أمر الإمامة الإلهية، فقام بأعبائها بعد وصية أبيه إليه، لكنه لم يجد معه غير ثلة قليلة جدا من المؤمنين فضن بها عن القتل ، وأحجم وهو وسط غوغاء من عبيد الدنيا ، وذوي التوجهات المناوئة له كالخوارج المعروفين بعدائهم لمبدإ الإمامة الإلهية، من أن ينقطع نسل الصالحين إن هو أصر على المضي قدما في مواجهة الباطل .

لقد صرح ابن الأثير في تاريخه أن الإمام الحسن عليه السلام لم يكن ليصالح معاوية لو وجد آذانا صاغية وصفوفا موحدة الكلمة، وقد ظهر ذلك من خلال ما نقله من خطبة أبي محمد عليه السلام إذ قال: لما راسل معاوية الحسن في تسليم الأمر إليه، خطب فقال: إنّا واللّه ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم، وإنّما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع ... ألا إنّ معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفة فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى اللّه عزّ وجلّ بضبى السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه، وأخذنا لكم الرضى، فناداه الناس من كل جانب: البقية البقية.(11)

و كان لابد في كل عصر من إمام حق ، ومن سامري وعجل ، وكان على الأمة أن تميز بين سلطان الله تعالى وسلطان الشيطان، فآثرت أولياء الشيطان على أولياء الرحمان ، واتبعت من أجل دنيا فانية لا يزيدها من الله تعالى إلا بعدا.

رابع أصحاب الكساء ، الأكثر شبها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وواحد من أبرار الأمة الذين خصهم الباري تعالى بلقب الأبرار في سورة الدهر(الإنسان)( 12) وجد نفسه بعد شهادة أبيه محاطا بخليط متنافر من الناس ، أكثرهم لم يستوعب حقيقة صراع حقه الذي هو امتداد لحق أبيه، مع باطل حزب النفاق والشرك ، والذي هو امتداد لفلول ردة السقيفة ، وما أفرزته من مسخ لحقيقة الحكومة الإسلامية بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى طمع فيها الدعي والبغي. كان من البساطة على كل مؤمن أن يتبين سبيله إلى ربه بين هاتين الرايتين ،لأن الحق لا يتعدد بتعدد الباطل، والمسلم في ذلك الزمن أمام خيار سهل لا يحتاج إلى عناء، فإما أن يتبع حزب الله وزعيمه سيد شباب أهل الجنة، وبالتالي فهو من أنصار الإمامة التي تحدث عنها القرآن في عدد من الآيات ، وهو تبعا لذلك ملزم بكامل تفاصيل الخط الرباني من حيث كون الأئمة إثنا عشر، أولهم الإمام علي عليه السلام ، وآخرهم الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، أو يتبع حزب الشيطان وزعيمه طليق رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت الغلبة لجلبة الشيطان وأوليائه من عبيد الدنيا. ووجد الإمام الحسن عليه السلام نفسه وحيدا مع ثلة قليلة من خلص مواليه وأهل بيته ، فأمسك بهم عن الردى ، وحفظ بهم امتداد خط الولاية الرباني.

ألصق أعداء الإمام الحسن بشخصيته الفذة تهماً لو تأمل فيها العاقل بعين الإنصاف ، لفك رموز دعاتها ، وفهم معقل نشأتها، وتيقن أن من السفه الاعتقاد بدعاوى تتعارض مع ما أفاد به الوحي عن شخصية الحسن عليه السلام، ولا شك أن من في قلبه ذرة إيمان وبذرة مودة وحب لأهل بيت النبوة عليهم الصلاة والسلام طاعة لله تعالى في مودتهم وحبهم، يستطيع تمييز الحق من الباطل. فسيرة الإمام أبي محمد الحسن بن علي المجتبى عليه السلام لا يمكن أن تتعلق بها شوائب كالتي حاول الظالمون والبغاة أن يلصقوها بريحانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لزعزعة مقامه في الأمة ، وتحييد الجماهير عنه.

أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون الإصطفاء الأخير من أثر النبوة الخاتمة، وخلاصة الرسالات الإلهية، من أهل بيت الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، باعتباره خاتمة اصطفاء البيوتات المشار إليها في قوله تعالى في:" بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو الآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار." (13)

غير أن الأمة رأت غير ذلك، وعوض أن تأتي البيوت المشار إليها من أبوابها ، أتتها من ظهورها، وتنكبت عن نهجها الذي أراده الباري تعالى ليكون نموذج الهداية الأمثل ، وترجمة شريعته ، وأساس توحيده ، وكمال دينه.

لقد ضرب لنا الإمام الحسن عليه السلام أروع الأمثلة في علاقاته بالله تعالى وبمحيطه من كائنات ، وحيثما وجهت وجهك شطر كتب السيرة والتاريخ وجدت منه ومن أهل بيته نموذجا قل صدوره عن غيره ، ولا عجب في ما أتى به وظهر منه لأنه من سلالة أرادها خالقها أن تكون خاتمة النماذج والأمثلة التي ضربها للناس .

روي أن شاميا ممن غذاهم معاوية بالباطل والأكاذيب فعادوا سفها أهل البيت عليهم السلام، رأى الإمام عليه السلام راكبا فجعل يلعنه ، وهو لا يرد فلما فرغ الرجل ، أقبل عليه السلام على الرجل قائلا: " أيها الرجل أظنك غريبا ، ولعلك شبهت؟ فلو استعتبتنا أعتبناك ، ولو سألتنا أعطيناك ، ولو إسترشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك ، وإن كنت جائعا أشبعناك ، وإن كنت عريانا كسوناك ، وإن كنت محتاجا أغنيناك ، وإن كنت طريدا آويناك ، وإن كان لك حاجة قضيناها لك ، فلو حركت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك لأن لنا موضعا رحبا وجاها عريضا ومالا كثيرا."فلما سمع الرجل الشامي كلامه بكى ثم قال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه ، الله أعلم حيث يجعل رسالته، كنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إلي ، والآن أنت وأبوك أحب خلق الله إلي. "(14)

مثل آخر يفرض نفسه يتمثل في أنه خرج من ماله مرتين ، وقاسم الله تعالى فيه ثلاث مرات. وقد سئل مرة :لأي شيئ لا تراك ترد سائلا؟ فقال:" إني لله سائل وفيه راغب وأنا أستحي أن أكون سائلا ، وأن الله عودني عادة ، أن يفيض نعمه علي ، وعودته أن أفيض نعمه على الناس ، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة. (15)

حيث ظهر جليا المبدأ العلوي المتمثل في زهد الدنيا والعزوف عما فيها ، رغم تمكنهم منها، وشدة يقينهم بالله تعالى، بحيث لو استوجب الأمر إلى التجرد منها لفعلوا ذلك إرضاء لخالقهم جل شأنه.

ومثل آخر أنقله يقول إنه عليه الصلاة والسلام قد حج ماشيا على قدميه خمسا وعشرين حجة، رغم أن النجب والمطايا تساق في قافلته وكان يقول :" إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته."، حتى اشتكى الناس ، فقرر أن يسلك طريقا آخر كي لا يشق على أحد.(16) كانت رغبته في أن يرى الله تعالى منه ما يحب من ذل العبودية ، وتحقيقا لأبلغ وأعمق معاني الطاعة لعز الربوبية.

مثل آخر أسوقه يقول إنه عليه السلام كان أعبد أهل زمانه ، وأخوفهم من الله تعالى ، كان إذا ذكر الموت بكى وإذا ذكر القبر بكى وإذا ذكر القيامة والعرض على الله شهق شهقة يغشى عليه منها وكان إذا توضأ إرتعدت فرائصه وإصفر لونه، إشفاقا وخشية وخوفا ومن الله تعالى، وتعظيما لوفادته على الله تعالى، وإذا بلغ باب المسجد، رفع رأسه وقال :" إلهي ضيفك ببابك ، يا محسن قد أتاك المسيء فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك."( 17)

ولقد سار بسيرة أبيه أمير المؤمنين علي المرتضى عليه السلام في شدة اهتمامه والتصاقه بالفقراء والمساكين ، فكان يوليهم ما كانوا يستحقونه من مسائل ، فالتفوا حولهما ، وبذلوا مهجهم دونهما ، بحيث أصبح خط الولاية متسما بالاستضعاف وعنوانا يتفق مع واقعه ومع ما جاء من آيات تشير إلى أن أولياء الحق مستضعفون على مر التاريخ.

مر الإمام الحسن عليه السلام بجماعة من الفقراء يأكلون ، فدعوه أن يشاركهم ، فلبى دعوتهم وأكل معهم، ولما فرغ من مشاركتهم دعاهم إلى ضيافته وأغدق عليهم الأموال وأطعمهم وكساهم .(18)

وروي أنه كان جالسا في مكان ، ولما عزم على الانصراف دخل فقير ، فحياه الإمام عليه السلام ولاطفه ، ثم قال له : "إنك جلست على حين قيام منا أ فتأذن لي بالانصراف؟ فأجاب الرجل : نعم يابن رسول الله.(19)

وكان من مواعضه عليه السلام:" هلاك المرء في ثلاث: الكبر والحرص والحسد، فالكبر هلاك الدين ، وبه لعن إبليس ، والحرص عدو النفس ، وبه خرج آدم من الجنة ، والحسد رائد السوء ، ومنه قتل قابيل هابيل."(20)

ومر في يوم فطر بقوم يلعبون ويضحكون، فوقف على رؤوسهم فقال:"إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه ، فيستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته ، فسبق قوم ففازوا ، وقصر آخرون فخابوا ، والعجب كل العجب من ضاحك لاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، وأيم الله لو كشف الغطاء لعلموا أن المحسن مشغول بإحسانه ، والمسيء مشغول بإساءته."(21)

مهما تكلمت عن شخص الإمام الحسن عليه السلام ، وأبرزت مناقبه التي صرح بها الأعداء قبل الأولياء، فإنني لن أفيه حقه، ولن أبلغ معشار ذلك ، ولا إبراز قبس من نوره مهما اجتهدت ،لأنه يبقى النسخة الفريدة للنبي صلى الله عليه وآله ، والمثال النادر للوصي عليه السلام، من أهل بيت حباهم الله تعالى بخصائص استوجبتها استعداداتهم الروحية التي كانت قابلة دائما لإشراقات الفيض الإلهي. ويبقى نعيق الناعقين تائها بين فئات الضلال، لا يسمعه إلا من عميت قلوبهم وبصائرهم وصمت أسماعهم عن الحق، وتبقى واعية الحق على بينة من أمرها وهي تردد:" "مثل الفريقين كالأعمى والأصم والسميع والبصير هل يستويان مثلا أفلا تذكرون."( 22)


1- سورة الحج الآية73
2- سورة الحشر الآية 21
3- سورة إبراهيم الآية 24/26
4- حق اليقين في معرفة أصول الدين ج1ص210
5- أعلام الهدى ص153 إعلام الورى للطبرسي ص215 –روضة الواعضين ج1 ص156
6- سورة الأنبياء الآية 73
7- الحديث أخرجه جل الحفاظ منهم: البخاري في ما يسمى بصحيحه كتاب الأحكام ح6682 كتاب الإمارة ح3393 و3394- مسلم كتاب الإمارة ح 3398 بعدة طرق- الترمذي كتاب الفتن ح 2149- أبو داود كتاب المهدي ح 3731- مسند أحمد مسند البصريين الأحاديث: 19875/19884/19887/19892/19901/19914/19920/19925/19944/19946/19956/19964/19978/19991/20000/20001/20017/20018/20032/20036/20057/20105/20125/20131/20142
8- سنن الترمذي ، كتاب المناقب ح3701- سنن ابن ماجة ، كتاب المقدمة ح115 –مسند احمد بن حنبل كتاب باقي مسند المكثرين أحاديث :10576 /11166/11192/11351/22240/22241...
9- سورة الأنعام الآية89
10- أخرجه مسلم في باب فضائل الصحابة ح4425 -الترمذي في سننه كتاب المناقب ح3718/3720- النسائي في خصائصه- مسند أحمد بن حنبل باقي مسند المكثرين ح 10779/10707/11135/10681 مسند الكوفيين 18508 - ابن كثير في تفسيره ...وغيرهم مما لا يسع المقام لذكرهم.
11- الكامل في التاريخ لابن الأثير ج3ص406 أحداث سنة 41 هجري.
12- الكشاف للزمخشري ج3ص297 –التفسير الكبير للفخر الرازي ج30ص344 –الدر المنثور للسيوطي ج8ص371 –شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ج2ص405/408 –أسد الغابة لابن الأثير ج5ص530- المناقب لابن المغازلي ص272
13- سورة النور الآية 36/37
14- المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء- كشف الغمة ج1ص567
15- المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء - كشف الغمة ج1ص567
16- أعلام الهدى نقلا عن أبي نعيم في حلية الأولياء ص153
17- المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
18- المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
19- المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
20- تحف العقول عن آل الرسول ص165
21- تحف العقول عن آل الرسول ص166
22- سورة هود الآية 24.

كتبت هذه المساهمة في المسابقة العقائدية (8) المختصة بالكتابة حول الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة