المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 25 ذي الحجة 1425 - المثل العليا في الإسلام - الإمام علي الرضا (عليه السلام)
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة:

بسم الله الرحمان الرحيم

المثل العليا في الإسلام
الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام

من السذاجة بما كان الاعتقاد بأن الأئمة عليهم السلام كانت لهم أدوار تخصصية، تميزت بها حياة هذا الإمام عن ذاك، وقد قيل فيما قيل أن هذا الإمام تميزت حياته بالسلم وذاك إتجه نحو الثورة مقارعة الظلم والتحريف، وغيرهما في الفقه والعلوم، وما إلى ذلك من الاستنتاجات التي تنم عن سطحية مبتدعيها،وعدم إدراكهم لمفهوم الإمامة،وما تنطوي عليه من شمولية لكل أوجه الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وما يتعلق بكل منها من علوم ومعارف وتطبيقات.

إذ أن في شخصية كل إمام من حيث التحصيل العلمي والعملي، وإعداد الخالق له رعاية وتسديدا، تكاملا في الأداء، قصرت الأذهان عن إدراكه،ولم يكن لبروز جانب من جوانب حياة أحدهم عليهم السلام، تخصصا واقتصارا على منحى من المناحي، أو جانبا من جوانب الحياة، بل هو في تفسيره الواقعي مجال انفتح أكثر، أو تكليف ظهرت آثاره على صفحات التأريخ الرسمي الذي وصل إلينا ، بينما بقيت جوانب مهمة من سيرتهم عليهم السلام، مطوية بطي من الكتمان ، ومسدل علبها بوشاح من الإقالة التي دأب عليها أعداء الإمامة الإلهية.

لقد كان لاستشهاد الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام في العاشر من المحرم لسنة61 هجرية،الأثر البالغ في هز مشاعر المسلمين للهبوب، والنهضة للدفاع عن بيضة الإسلام،والذود عن حياضه ، فانفجرت الثورات ، وتوالت الانتفاضات ، الأمر الذي صدع كيان الحكم الأموي ،وأوهن قوى طغيانه، وكان شعار الثورات كلها الرضا لآل محمد صلى الله عليه وآله ، ولما استحكم الخناق على عنق الأمويين ، حتى صار طوقا لا يمكن الفرار منه، وكاد الوعي الجماهيري المؤمن بحقوق آل محمد صلى الله عليه وآله ، ومكانتهم العليا التي لا تدانيها مكانة،أن يعيد الحاكمية الإلهية، المتجسدة في الإمامة الهادية لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، لولا الدهاء والمكر الذين كانا حاضرين ليصرفا أمر الحكم إلى العباسيين ،الذين ما إن تمكنوا من السلطة حتى انقلبوا على من مهد لهم الطريق فسح لهم المجال لنيل الحكم ، فقتلوا وسجنوا وشردوا آلاف الثوار،الذين قارعوا ظلم بني أمية، من أجل الدين ورمزه الوضاء، أهل بيت المصطفى ، أئمة الإسلام الحقيقيين، وقادته الشرعيين .

ثامن أئمة أهل البيت عليهم السلام ،أبو الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام ،هو من تلك السلالة الطاهرة المصطفاة ، والتي ذكر المولى سبحانه وتعالى ارتباط عناصرها واتصال تسلسلها من هبة الله شيث بن آدم، إلى الإمام الحجة المنتظر من آل محمد أرواحنا له الفداء ، فقال :" ذرية بعضها من بعض ."(1)كانت حياته وسيرته في الأمة إمتدادا لدور الإمامة ، وريثة النبوة في القيمومة على الدين وحفظ الشريعة ، وتتمة لعنصر الهداية في أداء دوره في الأمة. ولد عليه السلام في بداية تحول الحكم العباسي وشاهد تلك الفترة الرهيبة من القتل والتنكيل ، وعاش معانات أهل بيته وعلى رأسهم أباه عليه وما لقيه من هارون العباسي .

تسلم مهامه في الإمامة، بعد شهادة أبيه الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، مسموما بأمر من هارون بني العباس سنة هجرية ،لما بدأ الغضب الجماهيري والثورات الشعبية يظهران في أوساط الأمة ، واستطاع في ظرف وجيز، أن يعيد الروح لمسجد جده ليواصل دوره كجامعة عليا للعلوم الإسلامية، التي كان قد أسسها جده محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام ، تنفيذا وتطويرا لما كان النبي الأعظم صلى الله عليه وآله دائبا على القيام به في سني إقامته بالمدينة ، وبنائه للمسجد الذي يعتبره علاوة على كونه مصلى تقام فيه الصلوات الواجبة، مكانا لعبادات أخرى لا تقل أهمية عن الصلوات ، منها مؤسسة التعليم والفقه ، ومستشارية الشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكل ما يتعلق بأوجه الحياة التي جاء الإسلام ليصحح مسارها، وفق الأحكام الإلهية المنزلة. فطار صيته في أنحاء البلاد الإسلامية ، في وقت كانت أسهم بني العباس في إنحدار، بسبب إخلافهم لوعودهم التي قطعوها، امتثالا لإرادة الجماهير الإسلامية، في أن يكون الحكم مستمدا من شريعة الله تعالى ، وبواسطة أهل البيت عليهم السلام، الذين هم مستودع الدين الصافي، الذي لم تكدره الأطماع والأهواء .

وكدأب السياسات الخاطئة ،التي لا تستند إلى شريعة الله تعالى ، اعتمد العباسيون أسلوب المراوغة والتظليل، لإيهام المسلمين بأنهم الأقرب للنبي صلى الله عليه وآله، والأولى بالسلطة ، لكنهم لم يستطيعوا أن يغيروا المودة الحقيقية، بمودة زائفة من صنعهم ، وزادت ممارساتهم القمعية، واغتيالاتهم بالسيف والسم أئمة الأمة الحقيقيين وشيعتهم ، من تأجيج نار الثورة على الملك العباسي ، مما دفع بالمأمون إلى استعمال الخديعة لإخمادها ، فكان استقدامه للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ليفرض عليه ولاية العهد ، حلا قد يعيد ثقة الناس بحكمه،ويمكنه من تفكيك الثورات التي تشتعل في الحجاز واليمن والعراق وغيرها من البلاد الإسلامية هذا من ناحية ، وزرع الريبة والشك في مصداقية الإمام بين شيعته وأتباعه ومناصريه ، بالترويج على أن رغبة تولي ولاية العهد ناشئة من الطرفين من ناحية أخرى، والحال أن الإمام الرضا عليه السلام قد أجبر على التنقل من مدينة جده في الحجاز إلى عاصمة المأمون بمرو ليكون وليا للعهد رغما عنه كما نقل عن الهروي قوله: والله ما دخل المأمون في هذا الأمر طائعا ، وقد حمل إلى الكوفة مكرها ثم أشخص منها على طريق البصرة إلى مرو.(2) ، وهو لئن قبل بذلك مضطرا، فانه قد سجل موقفا ينم على حقيقة قبوله لولاية العهد ، فقد اشترط على المأمون أن لا يبرم عهدا، ولا بنقض أمرا، ولا يتدخل في شؤون الحكم مطلقا ، وقد قبل المأمون بشرط الإمام الرضا عليه السلام ، مما رجح لدينا أن الحاكم العباسي كان يريد من تولية الإمام عليه السلام، حتى لو كانت ولاية صورية ،إضفاء شرعية على حكمه الذي جاء بعد صراع دموي بينه وبين أخيه الأمين.

عندما وقف الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام محدثا في الجموع التي استقبلته عند وصوله إلى خراسان، ذلك الحديث الذي تناقلته الركبان، وحفظته الأجيال جيلا من بعد جيل ،فقد قال عليه السلام في الجموع الحاشدة التي خرجت لترى أبناء النبي من عترته التي أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وهو يساق إلى المأمون بطوس ، قال عليه السلام: حدثني أبي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبريل عن اللوح عن القلم عن الله تعالى قال :" كلمة لا اله إلا الله حصني ، ومن دخل حصني أمن عذابي ." كان يدرك جيدا الأبعاد العقائدية، والمعاني الروحية لمقصده من الحديث ، كأنما يريد أن يقول للناس إن توحيد الخالق يمر عبر التسليم له تعالى والإذعان لمشيئته ، والإقرار بتكامل أحكامه وعلى رأسها اعتبار مراتب الولاية أساسا من أسس الدين ، ولا تنفك ولاية الله تعالى من ولاية رسوله ، كما لا تنفك ولاية رسوله من ولاية ولي الأمر من بعده ، الإمام المفترض الطاعة الذي أحصى الله تعالى فيه كل شيء ، كما ألمح عليه السلام إلى أن الدين لا يؤتى إلا من بابه، وباب الدين هم أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وأن هذا السند هو السلسلة المترابطة ،الحلقات المتينة التواصل، هي السبب الموصل إلى الله تعالى ، والحبل المتين بينه وبين خلقه ، عروته الوثقى ، ونوره الذي يمشي بين الناس في الأرض، وحفظة تعاليمه ، وأمناء شريعته بعد رسله، سند لا يقايس بغيره من الأسانيد، ولا يمكن للمؤمن أن يعتمد إلا عليه في ما يتعلق بدينه ودنياه.

جاء الإمام الرضا عليه السلام في عصر كثرت فيه المذاهب وتعددت سبل أصحاب المدارس الكلامية والفلسفية ، فأدلى كل بدوله في جماهير الأمة ، وتقاذفوها تقاذف الصغار بالكرة ، وكان تصديه لحملات التشكيك والتشويه والمسخ في العقيدة وعلوم الفقه والحديث وسائر العلوم التي ناظر فيها المخالفين ، منذ أن كان بعيدا عن عاصمة المأمون المؤقتة ، فوقف أمام أصحاب البدع وأبطل أفكارهم الفاسدة ، مما خلق ثورة فكرية تصحيحية ضد ما كانت تروجه أدوات الحكم من أفكار تدعي إسلاميتها، والحال أنها بعيدة عن مقاصد الدين وأهدافه. أرسى أبو الحسن عليه السلام أسس التوحيد السليم ، وأعطاه من خلال أحاديثه وتفاسيره البعد الذي يستحق ، والعمق الذي يجب أن يصله، وبين خصائص النبوة وما تتميز به من عصمة ، ونسف بذلك دسائس الجهلة وتشكيكات أعداء الدين ، ووضح مكانة الصفوة الطاهرة من أهل بيت النبي الأعظم وما تتميز به عن الأمة.

ولئن دعا المأمون علنا وسعى إلى تجميع كل من توسم فيه أملا في إفحام الإمام وإرباكه ،وإقامة الحجة على أنه ليس الأعلم ، لإسقاط مقامه بين الناس ، فتلك محاولة يائسة منه للتخلص من الورطة التي أوقع نفسه فيها ، ففتح قصره للوافدين إلى مناظرة الإمام عليه السلام ، ممن جاؤوا يطلبون الصلة والتقرب من السلطة ، وممن وصل صيتهم ، فتمت دعوتهم للغرض، حتى رؤوس أهل الكتاب من طوائف اليهود والنصارى استنجد بهم المأمون ، وفي كل مرة يخرج الإمام الرضا عليه السلام من المجلس ظافرا قوي الجانب (3)، بينما يزداد حنق الخليفة العباسي، وقلقه من تنامي صيت الإمام عليه السلام ، وانتشار مناظراته التي زعزعت البدع والضلالات، وأقامت الحجة على أهل الكتاب ، من أن النبي محمد صلى الله عليه وآله هو بشارة موسى وعيسى ، كنبي خاتم ودينه الإسلامي هو خاتمة الأديان وخلاصتها. لم ينجح المأمون في أي مرمى أراده من دعوة الإمام الرضا عليه السلام إلى عاصمة ملكه، وفرض ولاية العهد عليه. وعلى عكس ما خطط له، فقد ازدادت الأمة التفافا به، ووثاقة بما كان يقوله ، فتحولت من أمة محبطة تتقاذفها مخططات الأعداء وتعبث بمقدراتها، إلى أمة واعية بدورها ، تنتظر الفرج، وتتربص بالظالمين من أمثال المأمون العباسي . لذلك لم يجد الظالم بدا من دس السم للإمام الرضا عليه السلام ،فقضى شهيدا سنة 203 هجرية، ومضى رشيدا على درب الشهادة التي خص بها الله تعالى آباءه الكرام ، سادة أهل بيت النبوة، ومعدن العلم والحلم والتقى ، ذخيرته بين عباده، وأمناؤه على دينه وشريعته. فسلام عليه يوم ولد، ويوم مات، ويوم يبعث شاهدا وعريفا وشفيعا.

من الأحاديث التربوية التي شدتني ، وأخذت بمجامع قلبي وعقلي ما جاء عنه عليه السلام بخصوص مقومات شخصية المسلم ، وتعتبر في حد ذاتها ميثاقا يجب على كل مسلم أن يتخذه نصب عينيه، ورابطة تنبني على أسسها تفاصيل حياته، يقول عليه السلام:

"لا يتم عقل امرئ مسلم حتى تكون فيه عشر خصال ن الخير منه مأمول ، والشر منه مأمون، ويستكثر قليل الخير من غيره ، ويستقل كثير الخير من نفسه ، لا يسأم من طلب الحوائج إليه ، ولا يمل من طلب العلم طول دهره ، الفقر في الله أحب إليه من الغني ، والذل في الله أحب إليه من العز في عدوه ، والخمول أشهى إليه من الشهرة، ثم قال: العاشرة وما العاشرة؟ قيل له ك ما هي ؟ قال: لا يرى أحدا إلا قال هو خير مني وأتقى ، إنما الناس رجلان ، رجل خير منه وأتقى ، ورجل شر منه وأدنى ، فإذا لقي الذي هو شر منه وأدنى قال لعل خير هذا باطن وهو خير له ، وخيري ظاهر وهو شر لي ، وإذا رأى الذي هو خير منه وأتقى ، تواضع له ليلحق به، فإذا فعل ذلك فقد علا مجده ، وطاب خيره ، وحسن ذكره ، وساد أهل زمانه."(4)

المراجع:
1- سورة آل عمران الآية 34
2- عيون أخبار الرضا عليه السلامج2ص141
3- يمكن لأهل البصيرة ممن بنى بينه وبين التعصب جدارا، لا ينفذ منه الشيطان وأتباعه من بني جلدتنا، أن يراجع كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام ، ففي جزئيه يستطيع أن يقف على حقيقة تلك المنظرات وما تحويه من فنون اللغة والعلوم الصحيحة.
4- تحف العقول لابن شعبة ص 329

كتبت هذه المساهمة في المسابقة العقائدية (9) المختصة بالكتابة حول الإمام الرضا (عليه السلام).

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة