المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 26 صفر 1426 - رسالة إلى بطلة كربلاء
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة:

رسالة إلى بطلة كربلاء

عفوا سيدتي إن أنا تجرأت بالكتابة إليك .. ليس لدي ما يبرر ذلك ، سوى أن في قلبي موالاة لجدك وأبيك وأخويك، وبني أخيك التسعة الهداة المعصومين، قادة الأمة الشرعيين ، وأولياء المؤمنين وأمراءهم، ومحبة لا توازيها محبة، ففداكم نفسي وأبي وأمي وما أملك.

أكتب إليك من جيل تفصله عن جيلكم سيدتي العظيمة، فسحة من الزمن ممتدة إلى حوالي الخمسة والأربعين جيلا.. تدفعني رغبة جامحة إلى مواساتك في مصابك، الذي هو أيضا مصابي ، وذكرى الأربعين لاستشهاد الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام، قد بدأ الاستعداد لها من طرف الموالي في كل مكان على وجه البسيطة، رغم التحديات الجديدة المتمثلة في القتل المجاني الذي يتعرض له شيعتكم في العراق عند إحيائهم لمراسم عاشوراء من زيارات ومآتم ، الجرم الوحيد المبرر لأفعال هؤلاء المجرمين القتلة، الذين يدعون الإسلام ، هو أن موالاتكم يرون أنها بدعة، و زيارة عتباتكم التي هي من شعائر الله التي يجب أن تعظم ، شرك يجب القضاء عليهما .

قد يتساءل البعض اليوم كيف أكتب إليك وأنت أيتها العظيمة في عالم المنتهى ،وأنا وليك البسيط في عالم المبدإ؟.وهل يمكن أن يتواصل سكان العالمين؟
نعم إنني أومن بذلك التواصل كما أشار إليه الكتاب ولمحت له السنة الصحيحة،وبأنك ستقرئين هذه الرسالة ، وسترد عليك كما يرد السلام على الأنبياء والأوصياء والشهداء والصالحين، وأنت كما لا يخفى على أحد سليلة بيت أذهب الله تعالى عن أصحابه الرجس وطهرهم تطهيرا (1) من الذين يموت الميت منكم وما هو بميت بل حي عند ربه يرزق ويتفاعل مع العالمين ، جدك أبو القاسم محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ، وجدتك خديجة بنت خويلد عليها السلام ، حبيبة المصطفى وسيدة نساء العالمين ، وأبوك أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام ،أمير المؤمنين حقا وصدقا وليس كذبا وإدعاء كما ألصق ذالك اللقب بغيره ، وأمك فاطمة بنت محمد عليها السلام، سيدة نساء العالمين الطاهرة المطهرة ، أم أبيها ، وثمرة فؤاده، ومهجته وروحه التي بين جنبيه.

عظمتك يا سيدتي، تجلت في ما أبديته من مواقف عز وشموخ وإباء، زادت عنصر الشهادة يوم العاشر من الحرم رونقا وإشعاعا، كأنك أردت أن تأكدي للناس، أن معركة السيف لا يمكنها أن تستغني عن معركة الكلمة، وأن التعابير الجهادية متعددة حسب الإمكان والفرصة.

لو علم المحاربون لكم يومها ما تحملينه بين جنبيك لقتلوك ، جهلهم بشخصك صرفهم عن ذلك، ومشيئة الباري تعالى في حفظ دور الإمامة، جعلك تتفيئين ظلال دور أهم من دور الشهادة والقتل في سبيل الله، أنت التي تلقيت الروعة كلها، واللوعة كلها، والحزن كله، والأسى كله ، ومع ذلك كنت كالجبل الذي لا تزحزحه ريح مهما عتت ، ولا يدكدكه سيل مهما علا.

أين الطلقاء الذين سعوا جهدهم إلى مسح آثاركم ، وإنهاء ذكركم ؟ انمحت سيدتي آثار أعدائكم وانطمس ذكرهم ، ذهبوا كلهم إلى مزبلة التاريخ ، هكذا هي سنن التاريخ.
لا زالت كلماتك التي كانت أحد من السيف ، وعباراتك أجلى من نور الصبح وهو يمتد على أفق الحقيقة، عندما أكدت أنه لا الطاغية يزيد لعنه الله ، ولا بنوا أبيه إستطاعوا محو أشخاصكم ، ولا حتى إخمال ذكركم ،لأن عناصركم هي نور الله وكلماته التي لا تنطفئ ولا تخمل، وفي كل يوم تزداد أوبة المستفيقين من سراب السقيفة إليكم ،وفي كل عام يقترب الموعد مع دولة الحق التي هي دولتكم ، عجل الله تعالى فرج صاحبها الذي هو حفيد اخيك خاتم الأوصياء عليه السلام ، وخير سادات أهل الأرض والسماء ، وجعلنا الله فيها من أوليائه وأعوانه وأنصاره، ورزقنا الشهادة بين يديه .

لقد قلت يومها في بلاط الطاغية بشموخ وعزة كبيرين رغم الجراح ومحاولات الإذلال:" فكد كيدك، واسع سعيك ، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند ، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد ، يوم ينادي المنادي ، ألا لعنة الله على الظالمين." (2) فكان وقع كلماتك أشد من ضرب السيوف ، زين بها التاريخ صفحاته ، وأفضل الجهاد كما قال جدك الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم :" أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر." (3)

لا جراح المعركة فتت من عزيمتك ، ولا رؤية الأقمار الهاشمية صرعى على رمضاء نينوى أثرت في معنوياتك ، وبقدر ما كنت تحملين لهؤلاء الأعزة من حزن وأسى وشجن ، بقدر ما كان همك كله منصبا، على أن تكوني الصفحة الأخيرة ليوم العاشر من المحرم ،فكان دورك أعظم ، ومسؤولياتك إزاء الإرث الذي تركه لك أخوك ومولاك ، سيدي ومولاي أبا عبد الله الحسين عليه السلام ،أخطر وأشد ، فنهضت بكل ذلك أحسن نهوض ، ووقفت من أجل تحقيق النتيجة التي كان يرجوها الإمام الحسين عليه السلام، وقفة الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ،لأن الرجولة يا سيدتي لا تقتصر على الذكورة، بقدر ما تعني حمل المبدإ والثبات عليه، فكثيرون هم الذكور لكن الرجال فيهم قليلون، ولولاك لما استكملت أهداف الثورة الحسينية ، وبك توضحت معالم تلك النهضة ، ومنك انطلقت شرارة الحرة والتوابين ، وتتابعت انتفاضات السائرين على نهج أخيك الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام ،الذي هو نهج جدك المصطفى صلى الله عليه وآله وأبيك المرتضى عليه السلام ، إلى أن قصم ظهر الظلم والتحريف .

كانت مسيرتك أعظم المسيرات ، وهجرتك مذ فارقت الزوج من أجل إعلاء كلمة الله ،أعظم هجرة عرفتها البشرية، بحيث انفردت بطابعها المأسوي الموغل في الحزن اللوعة ، وكنت فوق ذلك كله أسدا مستأسدا على عرينه .

جابهت أهل الكوفة وطابورها الخامس بانتقاد ولوم شديدين ، كانت أخلاقياتك التي ورثتها من جدك وأمك وأبيك، تمنعك من أن تتجاوزي حد اللوم ، لأنكم رحمة الله إلى البشرية جمعاء ، كانت كلماتك البذرة التي أعادت الرشد إلى عقول أكثر هؤلاء :" أي والله فابكوا كثيرا ، واضحكوا قليلا ،فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، ولا ترحضوها بغسل أبدا، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ، ومعدن الرسالة ، وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ خيرتكم ، ومفزع نازلتكم ، ومنار محجتكم ، ومدرة حجتكم ، ألا ساء ما تزرون..."(4) فنمت في صدورهم إلى أن خرجوا يطلبون قتلة الإمام الحسين عليه السلام،فثأروا منهم واحدا واحدا. وما وقفتك مع ابن زياد ببعيدة عن وجدان كل مؤمن، فقد ألقمته حجرا لم يستطع رده ، وأفسدت عليه فرحة أعد عدته لإقامة مظاهرها، قال لك متهيئا :" الحمد لله الذي فضحكموقتلكم وكذب أحدوثتكم." فرددت عليه من ذلك المخزون الذي تمتازون به:" الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد وطهرنا من الرجس تطهيرا ، إنما يفضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا."(5) فرد عليك بن زياد لعنه الله :" كيف صنع الله بأخيك وأهل بيتك ؟" وجاء جوابك مسفها لأحلامه :" ما رأيت إلا جميلا،هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم ، فانظر لمن يكون الفلح يومئذ ثكلتك أمك يابن زياد." (6)

تربعت على الشام كلها ،وقد كانت فيما مضى معقل أعدائك وأعداء شيعة أئمة أهل بيتك الكرام البررة ، فأنت الآن مقصد الوافدين إلى دمشق، وقبلة الزائرين الذين ييممون وجوههم إليك من كل فج عميق ، بينما اندرست معالم الشر والفتنة والتحريف، التي أسس لها من حاربكم من بني أمية ، الشجرة الملعونة في القرآن (7)، ولم يعد لهم ذكر ولا بقي لهم رسم ، وبك تحولت خرابة الشام، إلى مدينة تعج باللائذين بمقامك ،والحافين بجوارك، كل له مغنمه ، تدفعهم الحاجة إليك ، وتأخذهم الرغبة إلى أنس مقامك ، وقدسية مرقدك الشريف ، فرارا إلى الله تعالى عبر بابه الذي طلب أن يؤتى منه ، وهو بابكم أهل البيت سلام الله عليكم وعلى آبائكم ،وسلالتكم المصطفاة التي أشار إليها الله تعالى في كتابه العزيز بقوله:" ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم." (8)

أخذني جلال المقام وأنا أزورك لأول مرة يا سيدتي، وتملكني روح المكان فلم أعد أدري ما يدور حولي ، كأنني في عالم والناس من حولي في عالم آخر، تذكرتك وقد سرحت بي الذكرى إلى اليوم العشر من المحرم الحرام سنة 61 هجرية، وأنت يا سيدتي يومها كاللبؤة التي تذود عن عرينها عند غيبة الأسد . وأخذني أنس المقام إلى كربلاء ، حيث كنت فيها عنوان الصبر ومعدن الشجاعة ،واليقين بالله تعالى، فكنت بحق وريثة أمانات عدة ، وصاحبة دور صعب الأداء على أعتى الرجال، لكنك مع ذلك قمت به أحسن قيام ، ونهضت حين سقط الشهداء صرعى في سبيل الله تعالى ، لتحملي الراية وتواصلي الجهاد ، وتديري المعركة بشكل آخر، وتذودي عن البقية الباقية من الأطهار ، واستطعت بعناية الله تعالى أن تنجحي في الدور المناط إليك ، وتحول موقفك وكلماتك إلى أداة مزقت قناع الزيف الأموي ، وكأنما كربلاء كلها لك وأنت عنوانها البارز، لأن مقام أخيك سيد شباب أهل الجنة عليه السلام(9) فوق كربلاء أعظم وأعلى من أن يكون سمة عنوان واحد، فكربلاء وحدها لا تزيده من مقامه شيئا، ولا تنقصه شيئا.

لاشك أنك تذكرين يا سيدتي مقالة جدك الأعظم صلى الله عليه وآله، عندما تحدث عنك وعن أهل بيتك الطاهرين، لقد كان كلامه وحيا تحقق، ونبوءة جرت مجراها على الواقع بسبب انحراف الأمة،لقد قال:" إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ، وأهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدا وتطريدا ..."(10)

أما عن الابتلاء الذي لبستموه محنة من بعد أخرى ، فقد عانت جدتك سيدة النساء خديجة الكبرى عليها السلام، في شعب مكة سنين من الحصار والأذى كأنها الجمر، ومع ذلك أذعنت لمشيئة الباري تعالى و صبرت صبر من سيوفى لها الأجر مرتين، لكن الأيام لم تمهلها لقسوة المعاناة وشدة التحمل، فمضت إلى بارئها راضية مرضية .. وكذلك ابتليت أمك العظيمة سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام ، فكان موت أبيها جدك الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ، وانتهاك حرمة بيتها ، وكسر ضلعها الشريف، وإسقاط جنينها محسنا عليه السلام، في عملية الاقتحام الهمجية التي قام بها أدعياء الصحبة ، لكن روحها الطاهرة لم تستقر في بدنها بعد ذلك ، فسارعت إلى الالتحاق بحضيرة القدس، وجوار حبيب الرحمان صلى الله عليه وآله، وجاء دورك لتختزلي كل المعاناة والألم، وتكوني في نفس الوقت الشاهدة والفدائية ، وحاملة العبء الثقيل إلى أهل بيتك ومواليك، والأجيال القادمة من المؤمنين بأحقيتكم وسمو مقامكم وقربكم من الله تعالى . فمعكم معكم لا مع عدوكم ، والسلام عليك يا سيدتي يوم ولدت، ويوم مت غريبة فريدة بعيدة عن الأهل والأوطان، ويوم تبعثين حية تطالبين بحقك عند من لا يضيع عنده حق،جازاك الله عن الإسلام وعنا كل خير ، وجعلنا من أوليائك يوم القيامة،وشفعائك يوم الطامة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المراجع
1 - آية التطهير التي أجمع المفسرون على نقل نزولها في الخمسة عليهم السلام وهم محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، سورة الأحزاب الآية 33
2 - وسيلة الدارين ص390
3 - سنن النسائي كتاب البيعة ح4128 -سنن ابن ماجة كتاب الفتن ح4002
4 - وسيلة الدارين للسيد إبراهيم الزنجاني ص 384
5 - وسيلة الدارين للسيد إبراهيم الزنجاني ص364
6 - وسيلة الدارين للسيد إبراهيم الزنجاني ص 365
7 - سورة الإسراء الآية 60 ، اخرج ذلك عدد من المفسرين من الخط المخالف لأهل البيت عليهم السلام ، فراجع الدر المنثور للسيوطي الآية...
8 - آل عمران الاية34
9 - سنن النسائي كتاب البيعة ح4128 - سنن ابن ماجة كتاب الفتن ح4002 - مسند أحمد بن حنبل .كتاب باقي مسند الأنصار ح25315
10 - سنن ابن ماجة كتاب الفتن ح4072

كتبت هذه المساهمة في المسابقة العقائدية (10) المختصة بالكتابة حول زينب الكبرى (عليها السلام).

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة