المستبصرون » مساهمات المستبصرين

د . احمد راسم نفيس - مصر - 19 ذي القعدة 1424 - مستقبل العلاقات المصرية العراقية و هاجس الخطر الإيراني
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : دكتور احمد راسم النفيس
الدولة و المدينة : مصر
المساهمة :

نقلا عن جريدة القاهرة القاهرية يوم 9-12-2003

مستقبل العلاقات المصرية العراقية و هاجس الخطر الإيراني

على هامش أحد المؤتمرات التي عقدت أخيرا في جمهورية إيران الإسلامية التقيت أحد الأصدقاء العراقيين القدامى ممن عاشوا في مصر طويلا و يعرف أهلها عن كثب و هو في طريق عودته إلى العراق للمساهمة في إعادة الإعمار.
تحدثنا عن أوضاع العراق الراهنة و آفاق المستقبل و بالطبع تطرق الحوار إلى آفاق العلاقة بين مصر و العراق كما بين العراق و إيران في ضوء ما يقال عن تخوف بعض دول الجوار من قيام جمهورية إسلامية (إيرانية) في العراق.

ترحم ذلك الصديق طويلا على السيد محمد باقر الحكيم و قال أن استشهاده لم يكن ضربة للعراقيين فقط و لكنها ضربة لكل قوى الاعتدال في المنطقة التي فقدت محاورا من طراز نادر و أكد أن ضلوع أعضاء أو متعاطفين مع تنظيم القاعدة في حادثة الاغتيال هو أمر مؤكد و لكن من الصعب الجزم بأنهم وحدهم كانوا وراء تلك العملية.
كان رأيه أن الأولوية الآن في العراق هي تحقيق الاستقرار و إمداد الشعب العراقي باحتياجاته الأساسية التي حرم منها طيلة الفترة السابقة و إقامة نظام ديمقراطي يمثل طوائف الشعب العراقي المختلفة بعدالة و إنصاف فضلا عن إعادة تأسيس العلاقات بين العراق و محيطه العربي و الإسلامي و الدولي على أسس صحية و سليمة.
أما عن أولئك الذين يتخوفون من إقامة جمهورية إيرانية في العراق فالمسألة كلها تدخل في إطار الهواجس و ليس الحقائق و استغرب من إصرار بعض الدول العربية على الاستمرار في طرح هذه المحاذير و المخاوف بدلا من تفعيل سياساتها نحو العراق و التعرف عن قرب لحقيقة معاناة هذا الشعب المظلوم و محاولة إزالة هواجسه تجاه دول الجوار.
و تساءل من يخاف ممن؟؟

الشعب العراقي الذي يسعى لإعادة بناء ما دمرته الحروب الصدامية المتوالية منذ عديد السنين و لملمة جثث أبنائه من المقابر الجماعية أم دول الجوار التي ما زالت تبدي حذرا و ترددا زائدا عن الحاجة في إقامة علاقات مع العراق الجديد فالعراق و العراقيون في حاجة ملحة لخبرات العرب و المسلمين و مشورتهم في كل المجالات بما فيها السياسية و أن العراقيين لا يرون مبررا لهذا النوع من التخوفات من نوعية ماذا لو حكم الشيعة و هل سيتحالفون مع إيران ضد دول الخليج إلى آخر هذا الكلام الذي لا طائل من ورائه و هم لم ينسوا بعد ما حدث في انتفاضة مارس 1991 حين تحالف الجميع للقضاء على انتفاضتهم.
قلت له و لكن ماذا عما يقال عن الهيمنة الإيرانية المحتملة و اختراقات الحرس و المخابرات الإيرانية للعراق إلى آخر هذا الكلام؟؟
قال و الله يا أخي لقد حيرنا إخواننا العرب فتارة يقولون أن إيران تتوجس من أن تقضي مرجعية النجف على مكانة مرجعية قم و أن إيران تفعل المستحيل من أجل منع عودة النجف إلى دورها الطليعي في قيادة الشيعة في العالم و معنى هذا أن إيران هي التي تخاف من العراق و ليس العكس و تارة أخرى يقولون لا إن إيران هي التي ستفرض سيطرتها على العراق و العالم العربي و هذا كله كلام يدور في إطار الأوهام و التخوفات و نحن لا غنى لنا عن إيران و لا عن مصر و لا عن أي بلد عربي أو إسلامي آخر و المسألة كلها تدور في إطار الحاجة الملحة للتعاون بين العرب و المسلمين.

أما ما يروج له البعض من صراع بين المرجعيات فيمكننا أن نضعه في إطار التمنيات فمن الطبيعي أن يكون هناك نوع من التنافس بين المراجع و لكنه تنافس لا يصل إلى حد الصراع و لا اعتبار فيه لجنسية المرجع و لا حتى للمكان الذي ينطلق منه في عمله بل الاعتبار الأول هو لأعلمية المرجع و مكانته الدينية و إذا أردت أن تقيس الأمور من خلال الجنسية فيمكنك أن تقول أن مصر وقعت تحت النفوذ الأفغاني و في رواية الإيراني عندما جاء السيد جمال الدين الأفغاني إليها و أحدث بها هذا الكم من التحولات الفكرية التي ما زالت تتفاعل حتى الآن!!!.
و أخيرا فإن حجم المعاناة و الخراب التي تعرض لها العراق و العراقيون و السنين الطوال التي نحتاجها لإعادة الأوضاع إلى طبيعتها تجعل من هذا الكلام كله بعيدا عن العقل و المنطق و تعطي الفرصة لدول الجوار العربي لوصل ما انقطع و درس تجربة الماضي القريب و الاستفادة منها بشكل منطقي و صحيح بدلا من ترك الساحة للأمريكان و الغربيين.
و الشاهد في ضوء ما قاله هذا الصديق أن عالمنا الإسلامي يعيش أسيرا لمجموعة من الأفكار و العقد النفسية التاريخية و قد آن الأوان لإعادة التأمل فيها بدلا من صوغ سياسات القرن الحادي و العشرين في ضوءها.

و إذا كنا الآن نجهد أنفسنا في محاولة لإعادة صياغة علاقة (المسلمين و الآخر) في إطار الاحترام المتبادل و أولوية الحوار بدلا من الصدام فما بالنا قد عجزنا عن حل مشكلة العلاقة بين (المسلم و ذاته) في إطار من الحوار و احترام العقل و العلم و الحقيقة و الأهم من هذا في إطار المصلحة المشتركة و ليس في إطار مشروع (اجتياح) مذهبي يخطط له كل طرف كما يتصور البعض أو يتوهمون؟؟.
و مبلغ علمي أن ليس هناك خطط للاجتياح المذهبي الحوزوي إذ لو كانت هذه الخطط موجودة لجرى الكشف عنها و لجرى الكشف عن بعض الأرقام و حتى لو سلمنا بأن هناك متطرفين يحلمون بخطط من هذا النوع فأين هي هذه الإمكانات التي تمكنهم من تنفيذ هذه الأحلام سواء على مستوى الكوادر أو على مستوى الأموال فما بالنا نصدق بعض التقارير و التصريحات المتطرفة التي صدرت ذات يوم (و لم تعد تصدر الآن) و نقيم سياساتنا عليها و نحارب معارك وهمية لا أساس لها في أرض الواقع.

المهم أضحكني الدهر و أبكاني حينما طالعت على صفحات جريدة الحياة يوم 30-11-2003معركة (النقوط) الدائرة بين (عوالم السياسة) حول المليوني دولار المخصصة لأحد مراكز الأبحاث من الكونجرس الأمريكي و الطريف أن الذي نقل المعركة إلى ساحة القضاء شخص يحتل اسمه مكانا بارزا على لوائح (النقوط) الصدامي تلك اللائحة التي امتنع مجلس الحكم العراقي عن نشرها لأسباب لا تشرفهم من قريب أو بعيد و تذكرت حكاية المائة ألف جنيه التي جرى الإعلان عنها يوما ما لدى الكشف عن واحد من تلك المخططات (...) بينما كانت المشكلة الكبرى التي واجهت منفذي ذلك المخطط الإرهابي الخطير (!!) هو تدبير مبلغ ألف جنيه (أجرة) المحامين و ليس نقوط عوالم السياسة!!.

أما على الجانب السياسي و ما يطرحه البعض من إمكانية إقامة كيانات سياسية تابعة للنظام الإيراني فهي أيضا تدخل في إطار الأوهام و لا بأس من طرح سؤال في غاية الأهمية عن حزب الله اللبناني مثلا و هل هو كيان تابع للنظام الإيراني أم (أنه حزب لبناني له قضية وطنية إسلامية في نفس الوقت يتحالف مع إيران من أجل خدمة هذه القضية)؟؟.
الجواب معلوم فقد ذهب الرئيس الإيراني محمد خاتمي إلى لبنان و أعلن هذا الكلام فضلا عن أن ليس حزب الله اللبناني وحده هو الذي يفعل هذا و يتحالف مع إيران فقد أعلن حزب الكتائب اللبناني المسيحي الماروني عن نفس الموقف من منطلق وطني و ليس من منطلق إسلامي و الشيء المؤكد أن حزب الله في قراره السياسي يتناغم مع المصلحة اللبنانية أولا قبل غيرها.

و من هنا يصبح السؤال مشروعا عن حقيقة الخصومة القائمة بين بعض الدول العربية و جمهورية إيران الإسلامية و هل هي خصومة دائمة أم أنها خصومة أسست على مجموعة من الشكوك و الهواجس و ليست الحقائق الأبدية الماثلة على الأرض و الأهم من هذا و بعد أكثر من عشرين عاما من الحديث عن خطر تصدير الثورة الإيرانية و ما أثاره هذا من معارك و زوابع أين هي الحقيقة عن هذه الخطط التي جرى النفخ فيها و الترويج لها و رفع درجة الاستعداد من أجل مواجهتها بينما لم نسمع عن استنفار مماثل لمواجهة فرض الديمقراطية و تغيير الخطاب الديني ليصبح الإسلام أمريكيا كما يقولون باستثناء معركة (شارع محمد علي) التي تحدثنا عنها.

و الواقع أن الحديث عن الغزو الفكري بأنواعه المختلفة و ضرورة الاستنفار للتصدي له أصبح حديثا مملا و فاقدا للقيمة فالأفكار (الفاسدة) بفرض فسادها لا تعالج بالمنع و المصادرة و إنما تنقض بالرد عليها و وضعها في حجمها الأصلي و بيان الحقيقة للناس و هذه هي خلاصة تجربة القرون الماضية و تلك الحصيلة الهائلة من الخسائر و المصائب التي راكمها العرب و المسلمون فما أحوجنا إلى إعادة التأمل في أوضاعنا و ما تبقى لنا من أوراق بالغة الأهمية ما زلنا نصر على استبعادها من كل الحسابات.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة