المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد فضيلي التونسي - تونس - 1 ربيع الثاني 1433 - جولة في قلوب الشيعة في تونس (صحيفة حقائق)
البريد الالكتروني

الإسم الكامل: محمد فضيلي التونسي
الدولة: تونس
المذهب السابق: مالكي
المساهمة:

جولة في قلوب الشيعة في تونس (صحيفة حقائق)

أخرجت الثورة شيعة تونس من السرية ليتركو اليوم -ربما- والى غير رجعة مبدأ التقية والاختفاء وليحتفلوا وبكل حرية في القاعات العامة بعيد الغدير وليحيوا في عاشوراء ذكرى استشهاد الحسين باللطميات (ضرب الصدور) وليهللوا فرحا بميلاد فاطمة الزهراء البتول وبقية اسباط الرسول.
على نغمات دعاء الكميل الحزين المشهور عند الشيعة زارت «حقائق» بعضا من مجالسهم فكان هذا التحقيق الذي يكشف عن طائفة تريد الحق في ممارسة ونشر عقائدها بكل حرية في واقع تونسي ديني ما بعد الثورة مازال يرفضها وينبذها بل ويكفرها ويطالبها بان تغيب واقعيا ورمزيا في سراديب المدن ... «تريد ان تعلم لماذا تشيعت؟ تعال معي..» بعد بضع خطوات في مكتب وسط العاصمة سحب لطفي الورهاني (في الخمسينات من عمره) كتاب «صحيح البخاري» وورق المجلد ووقف عند الحديث رقم 6982 من فصل التعبير! قال لي مخاطبي الذي تشيع منذ سنة 1987 قائلا :«كتاب صحيح البخاري هذا الذي هو أصح الكتب بالنسبة لاهل السنة بعد القرآن الكريم هو الذي قادني الى التشيع». ويضيف محدثي «الحيث المذكور يتحدث عن محاولة الرسول (ص) الانتحار من اعالي جبال مكة بعد فتور الوحي عليه!» .
وتساءل محدثي : «كيف يحاول الرسول الانتحار ونجد هذا الكلام في معظم كتب أهل السنة من الصحاح؟! كيف نعثر على احاديث أخرى تتحدث عن عورات الانبياء مثل حادثة الحجر الذي يجري وراء النبي موسى عليه السلام؟! كيف تحتوي الصحاح على مثل هذه الاحاديث الغريبة؟!».
بالنسبة للطفي الورهاني فان تشيعه تبدأ بطرح أسئلة حول هذه الاحاديث وغيرها التي وردت في الصحاح التي يعتمدها أهل السنة والجماعة فمن الواضح ان هذه الصحاح جمعت بالنسبة اليه الغث والسمين وهو ما دعاه الى البحث ليعثر في لحظة ما من حياته على ما يعتبره الحقيقة.

رحلة قارب ايطاليا
البدايات كانت بالنسبة للطفي وعمره 25 سنة في رحلة باخرة أقلته من ايطاليا الى ميناء حلق الواد في تونس عندما سمع محاورة بين جماعة من أهل الدعوة والتبليغ وايطاليين مسيحيين، يومها خاطب شاب ايطالي جماعة الدعوة والتبليغ قائلا لهم: «رسولنا (عيسى) أفضل من رسولكم لأنه يحيي الموتى ويبرئ الأبرص ويبعث النور في عيني الاعمي».
هذه الحادثة, يقول لطفي : «دفعتني وأنا شاب ضائع لمعرفة ديني أكثر ومن ثم الالتزام والصلاة وهو ما قمت به فعلا بحفظي لـ50 حزبا من القرآن وبدأت وأطالع أمهات الكتب المتعلقة بالتفسير والأحاديث حتى اكتشفت بعض التناقضات وخاصة في الصحاح في علاقة بعصمة النبي وصحابته.
حبي للنبي وإيماني بعصمته وعصمة صحابته منعني في البداية في أن اشك في عدالتهم وطهرهم وعصمتهم لذلك لم افهم كيف حوصرت المدينة المنورة وقتل عامة أهلها وسبيت نساؤها في عهد يزيد بن معاوية بعد سنوات قليلة من موت الرسول.
لم افهم كيف قاموا برمي الكعبة الشريفة في مكة المكرمة بالمنجنيق وهدم أجزاء منها؟! لم افهم كيف يتقاتل المسلمون وصحابة رسول الله في واقعة الجمل ثم في واقعة صفين ثم واقعة النهروان؟ لم افهم كيف قام بعض المسلمين بقتل الحسين سبط رسول الله والتمثيل بجثته بمثل هذه الطريقة الشنيعة ؟!».
ويضيف لطفي :«من هنا بدأ تشيعي لأنه مكنني من فهم تاريخي الإسلامي فهما صحيحا ونقد ما وقع في مجزرة كربلاء من قبل بعض الصحابة نقدا قادني بفضل صديق لي كان يعمل في السويد أمدني ببعض الكتب من الإطلاع أكثر كما مكنني معرض تونس الدولي للكتاب من انفتح على قراءات أخرى للتاريخ الإسلامي وقع التعتيم عليها وطمسها وتغييبها عنا».

التيجاني...
في الحقيقة فإن قصة لطفي الورهاني مع التشيع وحادثة الباخرة تشبه الى حد ما طريقة تشيع احد رموز الشيعة في تونس ونعني به التيجاني السماوي الذي يروي كيف أن عراقيا التقاه في باخرة تربط بين الإسكندرية وبيروت في بداية السبعينات قاده الى «الاستبصار» وهو المصطلح الذي يستعمله الشيعة للوافدين الجدد على المذهب الشيعي.
يروي التيجاني في كتابه «ثم اهتديت» كيف قام العراقي الذي التقاه في الباخرة باستضافته في بغداد ومقابلته بالإمام أبي القاسم الخوئي في النجف وكيف حضر محاورات محمد باقر الصدر في بغداد ليعود الى تونس بعد رحلة في المشرق كأول دعاة الشيعة في تونس والبلاد لم تشهد بعد ميلاد الحركة الإسلامية والمعروفة بحركة الاتجاه الإسلامي وقتها (النهضة حاليا).
فالتيجاني السماوي (69 سنة) أصيل مدينة قفصة بإجماع العديدين هو أول رائد الشيعة في تونس, فيما يعود البعض الى تاريخ الدولة الفاطمية الشيعة الإسماعيلية التي تأسست بالمهدية لإيجاد جذور تاريخية للتشيع في بلادنا. وبعيدا عن البحث التاريخي عن أصول التشيع في تونس فانه من الواضح أن معظم المتشيعين وخاصة في بداية الثمانينات خرجوا من رحم حركة الاتجاه الإسلامي.
ربما كان مبارك بعداش (77 سنة) احد أبرز رموز التشيع التي خرجت من جبهة الاتجاه الإسلامي. فبعداش الذي ربطته علاقة وثيقة بالشيخ راشد الغنوشي سرعان ما نفض عنه أفكار الإخوان لعدة أسباب من أهمها حسب قوله عدم قدرة قيادات الاتجاه الإسلامي على الإجابة على تساؤلات الشباب في تلك الفترة حول المشاكل والفتن التي وقعت في التاريخ الإسلامي والتناقضات التي تحويها بعض كتب السنة فضلا عن إهمالهم للجوانب الروحية.
كل هذا دفع بعداش إلى دعوة الغنوشي لمناظرة فكرية بعدها هجر الاتجاه الإسلامي نحو الحركة الصوفية ومنها إلى مذهب أهل البيت. من جيل حركة الاتجاه الإسلامي مثله مثل مبارك بعداش خرج مقداد الرصافي من جبهة الإخوان. فهو مثال لذلك الجيل الذي هجر حركة النهضة مبكرا لان الاتجاه أو الإخوان لم يقدموا له الإجابات الحقيقية تاريخا ومذهبا وتعبئة عقائدية.
في مقهى بحي لافيات بالعاصمة التقينا الرصافي الذي أصبح اليوم احد أبرز رموز الشيعة في تونس ناشطا وداعية وكاتبا لعدة مؤلفات في التشيع أو مذهب أهل البيت كما يطلق عليهم.
«كنت ناشطا في الاتجاه الإسلامي’ يقول الرصافي’ منذ سنة 1981 عندما بدأت أطرح بعض الأسئلة التي أقلقتني لأعثر بالصدفة على كتاب المراجعات للشيخ شرف الدين الموسوي ولاكتشف أن معظم أدلة أهل الشيعة حول التناقضات الموجودة عند السنة موجودة أصلا في كتاب الصحاح وكتب التفسير وتاريخ الطبري وغيره من الكتب السنية.
كان الأمر بالنسبة لي زلزالا فكريا قادني إلى البحث عما حدث حقيقة في بدايات الدعوة الإسلامية لأعثر اليوم على ما أعتبره حقيقة واستبصارا.
في كتابه «نعم تشيعت...و هذا هو السبب»(صدر سنة 2010 في الخارج) كما في كتابه «بينات الهدى» يبين الرصافي الأسباب الفكرية والفقهية التي جعلته يتشيع غير أن تشيعه لم يمنعه من أن يكون مستهدفا ومراقبا من قبل النظام السابق على حد قوله يقول : «لقد طردت من عملي بسبب التشيع وقضيت عدة اشهر رهن الايقاف وخاصة عندما كنت ناشطا ضمن رهن الايقاف تيار خط الامام في الجامعة في أوخر سنوات الثمانينات».

جمعيات بدون طموحات سياسية؟
وفي الحقيقة فانه وتنظيميا باستثناء منظمة «خط الامام» التي وجدت في الجامعات التونسية في تلك الفترة لم يوجد موحد يجمع الشيعة في تونس.
غير أن وبعد انتصار الثورة اعتراف بالعديد من الجمعيات ذات المذهبية من قبيل جمعية أهل البيت الثقافية التي يديرها عماد الدين الحمروني التي كانت تنشط سرا قبيل الثورة. كما تأسست بعد الثورة بضع جمعيات من قبيل جمعية المودة وجمعيات اخرى اتهمت من قبل التيارات السلفية بكونها جمعيات شيعية بغطاء جمعياتي من قبيل الرابطة التونسية للتسامح التي يديرها صلاح المصري الذي نفي في تصريح لـ«حقائق» اي علاقة لنشاط جمعيته باي مذهب مدافع في نفس الوقت عن حرية الاعتقاد ونشر ثقاف التسامح بين جميع التونسيين مهما اختلفتت انتماءاتهم.
ويقول المصري لـ«حقائق»: «يجب ان يفهم البعض ان عقلية محاكم التفتيش انتهت الي غير رجعة وان التونسيين من حقهم ان يعبروا ويعتنقوا المذاهب التي يرونها بكل حرية». في مسالة الحقوق السيايسة يقول محمد مقداد الرصافي :«ان الشيعة في تونس ليس لديهم طموحات سياسية ولا ينوون تأسيس حزب سياسي يعبر عنهم وما يريدونه فقط الحرية لهم ولغيرهم»...
لايعلم تحديدا عدد الشيعة في تونس اليوم لكن بعض الاحصائيات تقول انهم يصلون الى المائة الف شيعي في كامل انحاء الجمهورية ويقول عبد الحفيظ البناني في كتابه مدخل الي تاريخ التشيع في تونس (صدر سنة 2009 في ايران) انه لايعرف عدد الشيعة تحديدا في تونس بسبب حالة الخوف والاضطهاد التي عاشوها طوال تاريخهم فضلا عن اعتمادهم على مبدأ التقية بطريقة مبالغ فيها والتقية في الادبيات الشيعية هي اخفاء المعتقد خشية التعرض للضرر المادي.
مقداد الرصافي كما لطفي الورهاني وغيرهما من شيعة تونس يقولون انهم اعتمدوا على التقية في عهد الرئيس بن علي كما في الفترات التي سبقت خشية تعرضهم للملاحقة والاضطهاد غير انهم اليوم بعد الثورة اصبحوا يشعرون بحرية اكثر وحق في التعبير عن انفسهم وادبياتهم وما يعتقدون انه صحيح.
يوسف القروي (صاحب مكتبة) هو احد الشيعة الذين يدافعون عن حق الشيعة في الظهور ونشر ادبياتهم. فالقروي الذي منذ حوالي عشرين سنة فتح مكتبة «الشاملة» وسط العاصمة ولكنه اصر على التأكيد ان مكتبته مثلما تبيع كتب المذاهب الشيعي فانها تبيع كتب بقية المذاهب فالى جانب رسائل العقيدة لمحمد عبد الوهاب نجد المراجعات للسيد عبد الحسين شرف الدين وبجانب تفسير الميزان في تفسير القرآن للسيد حسين الطبطبائي نجد في الرف تفسير القرآن لابن كثير! «الشاملة» ليست مكتبة مذهبية يقول صاحبها لـ«حقائق» ويضيف :«انها مكتبة تريد مقارعة الفكر بالفكر ومن ثقته في معتقداته هشة فهذه مشكلته».
هل كان المتدينون الذين تجمهروا اواخر شهر جانفي الماضي احتجاجا علي مكتبة «الشاملة»من فئة هؤلاء من ذوي العقائد الهشة؟!
لايهم يقول يوسف القروي: «فحينما يهاجم الكتاب ويخاف منه في حضارة ما يجب اطلاق صفارات الانذار على افول الفكر وغياب مبدأ الحوار»...

بن علي والشيعة والولاء للوطن
في علاقة بالنظام السابق ينفي مقداد الرصافي اي علاقة تواطؤ بين الشيعة وبين النظام السابق ... ان غالبية شيعة تونس يحاولون الاحتفالات بعاشوراء في مجالسهم بلطميات (ضرب الصدور) ... وكمثال على ما يطلق عليه بتونسية التشيع وفي احتفال بيوم الغدير بمدينة قابس أواخر العام الماضي قامت جمعية آل البيت الثقافية باحتفال بفرقة موسيقية وتعظيم والصلاة على محمد وال محمد كما يقولون في دعائهم, واذا لم تكن ملما بالتفاصيل فانك ستظن انك في حفلة دينية لحركة النهضة او الجمعيات الخيرية الاسلامية في قابس بالذات يتوفر الشعبية علي الحسينية الوحيدة (مكان للمحاضرات وللدعاء) تقريبا في البلاد حيث يعتقد البعض ان قابس اصبحت بمثابة مدينة قم الايرانية في تونس بالنظر الى الاعداد الكبيرة من الشيعة التي تحتويها غير ان الشيعة ومن أجل ايجاد ما يشبه الحسينيات في المدن الاخرى يقومون باتخاذ مقرات الجمعيلت الدينية الشعبية والمجالس الخاصة كحسينيات تجمع أنصارهم للقاء والتعارف والاستقطاب.
ففي مكان ما يشبه الى حد ما حسينية في العاصمة تقول فاطمة (24 سنة) انها بدات خطواتها الاولى مع التشيع. وتضيف الفتاة التي تشيعت سنة 2008 لــ"حقائق" انها ترددت على مقر جمعية المودة الثقافية الشيعية في العاصمة من أجل التعرف على شيعة جدد مثلها...
ربما كان فص خاتم اليد اليمنى احد علامات المتشيعيين. خاتم الفص الاسود بلون محنة الحسين في اليد اليمنى مثل في المخيلة الشيعية عبر التاريخ علامة من علامات رحلة طويلة من رحلة السرية والاضطهاد للشيعة ...
يقول مقداد الرصافي "فبعض الروايات التاريخية تقول ان محرز بن خلف سلطان المدينة العتيقة بالعاصمة قام بذبح شيعة المدينة العتيقة عن بكرة أبيهم فيما يعرف بمجزرة بركة الدم" وهو المكان الذي تحول اليوم الى سوق البركة للذهب. لم يكتف بن خلف بهذه المجزرة بل أسكن يهود حي الملاسين في منازل شيعة المدينة من الاسماعليين.

مقتبس من جريدة "حقائق" التونسية بتاريخ 10 فيفري 2012

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة