المستبصرون » مساهمات المستبصرين

د . احمد راسم نفيس - مصر - 12 محرم 1425 - مأساة كربلاء غصة في حلق الإنسانية
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : دكتور احمد راسم النفيس
الدولة : مصر
المساهمة :

نقلا عن جريدة القاهرة القاهرية بتاريخ 2-3-‏2004‏‏.

مأساة كربلاء غصة في حلق الإنسانية

تمر هذه الأيام الذكرى رقم 1364 لمأساة كربلاء التي قتل فيها الإمام الحسين بن علي على يد الطغمة الأموية الفاسدة بقيادة يزيد بن معاوية.
يزعم الزاعمون أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أوصى بالاحتفال بيوم عاشوراء و التوسعة على الأهل فيه لأنه اليوم الذي نجى الله فيه موسى من فرعون و بالتالي فهو يوم نجاة الصالحين و الأنبياء و المرسلين من الجبابرة و الظالمين و لما كان يوم عاشوراء هو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن علي بن أبي طالب ريحانة رسول الله و أبنائه و أهل بيته فعليك أن تستنتج بنفسك وجهة نظر هؤلاء المبتهجين بيوم عاشوراء فيما إذا كان الحسين من هؤلاء الصالحين أم لا؟؟!!.
حسنا إنهم الآن يتحدثون بلا كلل و لا ملل عن الإسلام و الديمقراطية و التعددية و قبول الآخر و إذا سألتهم أي إسلام تقصدون قالوا هذا الذي بين أيدينا!!!.
هل حقا تعرفون الإسلام الذي بين أيديكم؟؟.
أغلب الظن هو لا.
فحادثة استشهاد الإمام الحسين مكتوبة مسطورة بين أيديكم في كتب التاريخ كلها و الاختلاف بين الرواة لا يكاد يذكر فلماذا تسدلون ستار الصمت على الطريقة التي تحولت بها الدولة الإسلامية الناشئة من دولة يقوم فيها تداول السلطة على (الشورى) حتى و إن اختلفنا حول طريقتها إلى دولة تسلطية استبدادية يجري فيها انتقال السلطة عبر الوراثة من ملك إلى ملك و من جبار إلى جبار.

لم يكن شيئا من هذا معروفا لدى المجموع الإسلامي و قد أسفرت الحروب التي شنها بنو أمية على دولة الإمام علي بن أبي طالب ثم خليفته الإمام الحسن بن علي عن اتفاق من أجل إنهاء هذه الحروب يتم بموجبه تسليم السلطة إلى معاوية بن أبي سفيان على أن يردها شورى بين المسلمين بعد وفاته إلا أن ابن أبى سفيان قرر أن ينقض هذا الاتفاق في اللحظة الأولى لاستلامه السلطة عندما أعلن (ألا إن كل شرط شرطته للحسن بن علي موضوع تحت قدمي هاتين لا أفي به) و لكن يبقى أن تعيين يزيد بن معاوية في موقع الخلافة كان موضع رفض شديد داخل المعسكر الأموي نفسه فما بالك بمن كانوا خارجه بل و يذكر المؤرخون أن من أشد معارضي هذا الاستخلاف كان زياد بن أبيه أحد أهم جلاوذة النظام الأموي لما هو معلوم من استهانة ذلك اليزيد بكل القيم و المعايير الدينية و الأخلاقية المتعارف عليها و أن معاوية لم يجرأ على طرح هذا الأمر إلا بعد وفاته.
إذا فلم يكن هناك من المسلمين من يتخيل يومها أن الأمور ستؤول إلى تلك الملكية الوراثية التي تحولت بعد هذا إلى نظام سياسي (إسلامي) استمر في كثير من بلدان العالم الإسلامي إلى يومنا هذا يزعم هؤلاء السادة أنهم غير راضين عنه و يريدون استبداله بديمقراطية إسلامية من إنشائهم و ابتكارهم و لكن ألم يكن من المفيد أولا أن يساهموا في إقامة مأتم الديمقراطية و تذكير الناس بيوم رحيلها النهائي عن عالمنا الإسلامي إنه يوم استشهاد الحسين و استقرار السلطة ليزيد بن معاوية و لا ريب.
إطلالة على الديمقراطية الأموية!!!

كان من المفيد للسادة الذين يحرمون على الناس قراءة تاريخ أمتهم و يعتبرون ذلك نوعا من إثارة الفتنة أن يراجعوا هذا التاريخ و خاصة مرحلة (مأتم الحرية و الديمقراطية) ليعرفوا أن صناعة تزييف الوعي هي اختراع عربي صميم أبدعه الأمويون القدامى و استفاد من خبراتهم الجدد و لنقرأ كيف استطاع معاوية أن يجلب الأنصار و الأعوان حيث يروي لنا التاريخ (أوفد المغيرة بن شعبه عشره من شيعة بنى أميه إلى معاوية ليطالبوا ببيعه يزيد و عليهم موسى بن المغيرة فقال لهم معاوية: لا تعجلوا بإظهار هذا، وكونوا على رأيكم، ثم قال لموسى: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم قال بثلاثين ألفا قال: لقد هان عليهم دينهم).
ويحكى لنا التاريخ صوره أخرى من تلك المشاورات الديمقراطية من بينها ما قاله ذلك الأحمق (هذا أمير المؤمنين و أشار إلى معاوية فان هلك فهذا و أشار إلى يزيد ومن أبى فهذا و أشار إلى سيفه قال معاوية: اجلس فأنت سيد الخطباء).الإمام الحسين يحاول استنهاض الأمة للقيام بدورها كنا و ما زلنا نعتقد أن الحرية و الكرامة لا تباع و لا تشترى و من باب أولى لا يجري استيرادها و لا فرضها و من لم يكن له من نفسه واعظ فلن تنفعه المواعظ و لكن يبقى الدور الجوهري الملقى على تق أحرار الأمة و علمائها و هو ما قام به الحسين بن علي الذي حذر و حذر من تلك الكارثة و من القبول بتلك الصفقة الخاسرة التي ما زلنا ندفع ثمنها حتى الآن قبل أن يتحرك من المدينة إلى مكة أولا ثم إلى الكوفة ثانيا لا ليسفك الدماء أو ليرتب لانقلاب بل مطالبا بحق الأمة في اختيار الحكومة الصالحة و الحاكم النزيه و منبها أبناء الأمة لواجبهم و دورهم الذي لو قاموا به لما وصلت أمورهم إلى تلك الدرجة من السوء حيث يقف العالم الغربي الآن مطلا علينا حاملا لائحة بالسلوك الواجب علينا اتباعه بينما نكتفي نحن بالتمنع قائلين (نعم للإصلاح لا للفرض) أي أننا نقر بالذنب و الخطأ و نرفض أن يعاملنا العالم على أساس ما نقر به و نعترف فأي بؤس هذا؟؟!!
و ماذا لو أن المسلمين قد نفذوا بعض ما طلبه منهم الإمام الحسين قبل 1364 عاما هجرية قبل أن تظهر الولايات المتحدة و الاتحاد الأوربي لتحاسبهم على انتهاكاتهم لحقوق الإنسان و دونكم فقرة مما قاله الإمام الحسين سلام الله عليه (فأسلمتم الضعفاء في أيديهم فما بين مستعبد مقهور و بين مستضعف على معيشته مغلوب، يتقلبون في الملك بآرائهم ويستشعرون الخزي بأهوائهم اقتداء بالأشرار وجرأة على الجبار، في كل بلد منهم على منبه خطيب يصقع فالأرض لهم شاغرة و أيديهم فيها مبسوطة والناس لهم خول (أي خدم) لا يدفعون يد لامس، فمن بين جبار عنيد و ذي سطوه على الضعيف شديد مطاع لا يعرف المبدي المعيد، فيا عجبا وما لي لا اعجب والأرض من غاش غشوم ومتصدق ظلوم وعامل على المؤمنين غير رحيم، فاللّه الحاكم فيما فيه تنازعنا والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا.

اللهم انك تعلم انه لم يكن ما كان منا تنافسا في سلطان ولا التماسا من فضول الحطام، ولكن لنرى المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك ويأمن المظلومون من عبادك ويعمل بفرائضك وسنتك في بلادك، فإنكم إن لم تنصرونا وتنصفونا قوى الظلمة عليكم وعملوا في إطفاء نور نبيكم، وحسبنا اللّه وعليه توكلنا واليه أنبنا واليه المصير).
ثم هلك معاوية، وكشر الأمويون عن أنيابهم فأرسل يزيد رسالة إلى عامله على المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان (أما بعد، فخذ حسينا و عبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا، ليس فيه رخصه حتى يبايعوا، والسلام) فلما وصلت الرسالة، استشار الوليد مروان بن الحكم (وقال: كيف ترى أن نصنع؟، قال: فإني أرى أن تبعث الساعة إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة، فان فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم، وان أبوا قدمتهم فضربت أعناقهم، قبل أن يعلموا بموت معاوية، فان علموا بموته وثب كل امرئ منهم في جانب، و أظهر الخلاف و المنابذة و كان أن أرسل إليهم الوليد طالبا منهم البيعة و كان ما كان من رفض الإمام الحسين عليه السلام البيعة ليزيد قائلا (مثلي لا يبايع مثله.. على الإسلام السلام إذا ابتليت الأمة براع مثل يزيد)و كان أن خرج الحسين من المدينة إلى مكة للعمرة و الحج تاليا كلام الله (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) ثم اختار أن يخرج من مكة بعد الحج مباشرة حتى لا يقتله هؤلاء الظلمة فيها مختارا أن يتوجه نحو الكوفة الأرض المختارة للمعركة بين الحق و الباطل بين الحرية و الكرامة الإنسانية من ناحية و العبودية المختارة للظلم و الاستبداد من ناحية أخرى هاتفا (إذا كان دين جدي لا يستقيم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني).

و يبقى السؤال ماذا لو أن المسلمين عملوا بنصائح الإمام الحسين و نصروه في وجه الظلم و الطغيان هل كان حالهم سينتهي إلى ما هو عليه الآن و هم يبذلون جهدا مستميتا من أجل الحفاظ على ما نعتقد أنه قد تبقى من كرامة في وجه الضغوطات الخارجية و دروس الأخلاق اليومية التي نتلقاها صباح مساء من كل ناحية و اتجاه فهل حقا بقي ذلك الشيء الذي نسميه كرامة؟؟؟!!.
دكتور أحمد راسم النفيس

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة