المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمود جلال خليل - مصر - 27 رمضان 1433 - الصحيفة الغائبة (1)
البريد الالكتروني

الإسم الكامل: محمود جلال خليل
الدولة: مصر
المذهب السابق: مالكي
المساهمة:

الصحيفة الغائبة (1)

كانت المدينة وقت ان هاجر اليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشهد تنوعا فريدا من الطوائف والقبائل , منها المسلمون الذين ينقسمون الى مهاجرين وانصار ينقسمون الى ثمان قبائل وطوائف ومنها اليهود الذين ينقسمون ايضا الى قبائل بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع .. وغيرهم , وهناك المشركون والكفار والمجوس وغيرهم , وهذا الامر تحديدا اوجد حالة من التسامح العقائدي لدى سكان المدينة جعلهم اكثر استعدادا من سائر سكان الجزيرة العربية لاستقبال دين جديد لديه كتاب وآيات متقنة ويتصف رسوله بالامانة والفداء ويتحلى بمكارم الاخلاق , فكان اول عمل قام به رسول الله (ص) فور هجرته الى المدينة ان وضع دستورا يهدف بالأساس إلى تنظيم العلاقة بين افراد هذا المجتمع الجديد المتنوع في أعراقه وعقائده , عُرف هذا الدستور بأسماء عديدة منها العهد والميثاق إلا انه اشتهرباسم ( الصحيفة ) , والتي بينت معالم الدولة الإسلامية الجديدة‏ القائمة على كتاب الله وسنة رسوله (ص) والاحكام الاسلامية التي بدات تأخذ شكل تكاليف وحقوق واجبات يخضع لها كل الافراد الذين ينتمون لهذه الدولة الوليدة دون تفريق بينهم في الدين أوالعرق أوالجنس‏ أواللون , فأكدت في بنودها على اصل سيادة القانون وأن أطراف الوثيقة عليهم النصر والعون والنصح والتناصح والبر من دون الإثم , وأن الدفاع عن حدود هذه الدولة مسئولية الجميع‏ , وأوضحت ملامح المعاملات التي تحكم علاقة الافراد ببعضهم البعض من جهة وبينهم وبين الدولة ومؤسساتها من جهة أخرى , ورسخت مبدأ العدل والمساواة والحرية والتعاون والتعايش السلمي بين بين أطرافها وهو ما يعرف اليوم باسم المواطنة , وفي هذا كله كان رسول الله (ص) لا يكف عن تلقين أصحابه ان الاحكام والقوانين لا يجب ان تصدر الا عن الله تعالى.

جاء في كتاب الله تعالى ( ولكم في القصاص حياة يا أولى الالباب ) وكان رسول الله (ص) ملتزما بذلك تماما , ففي غزوة أحد كان الرسول (ص) ينظم صفوف المسلمين بعصا كانت في يده , فتقدم أحد اصحابه الصف الذي حدده الرسول , فوخزه الرسول (ص) في بطنه طالبا منه عدم التقدم على صف الجنود , وفي الأيام الاخيرة من حياة رسول الله (ص) سأل الرسول الناس الاقتصاص منه لو كان صدر منه تجاه بعضهم ما يستوجب القصاص , فتقدم ذلك الصحابي طالبا القصاص , ومع ان لهذا الحدث نهاية رائعة الا انه يكشف على أية حال عن تساوي الحاكم الاسلامي - حتى وان كان هو الرسول الاكرم (ص) - مع أي مسلم آخر .

الامام علي بن ابي طالب عليه السلام قدم في عهده شكوى الى القاضي الذي عينه بنفسه ضد يهودي استولى على درعه بغير حق , فأحضر ذلك القاضي المدعي والمدعي عليه وسال المدعي - اي الامام عليا - ما اذا كان لديه شاهد على ذلك , فأجاب بالنفي , فقال القاضي بينتك على ادعائك غير كافية , فخرج الشاكي والمتهم معا , فتاثر اليهودي بذلك الموقف وبتلك العدالة في الحكم , فكر راجعا الى القاضي واعترف بأن عليا على حق في دعواه وأعاد درعه اليه .

هذا نموذج من القضاء الاسلامي الذي يعد أهم اسس الحكومة والذي ترسخ منذ اليوم الأول لتأسيس الحكم الاسلامي الا انه ‏بعد وفاة رسول الله (ص) غابت هذه الصحيفة عن واقع المسلمين وعادت روح القبلية التي كانت سائدة من قبل وعادت معها السلطة المطلقة والحكم الفردي ليحكم الدولة الاسلامية ولكن هذه المرة باسم الدين والشريعة , فمثلا بعد وفاة رسول الله (ص) أرسلت السيدة فاطمة الزهراء الى أبي بكر تسأله ميراثها من أبيها (ص) , فقال لها أبو بكر ان رسول الله قال : " لا نورث ما تركناه صدقة " , واستأثر لبيت المال بكل ما تركه النبي صلى الله عليه وآله , فعارضته السيدة فاطمة الزهراء وخرجت الى المسجد وهو يومئذ غاص بالمصلين وقالت له في خطبة طويلة وهي غاضبة : " أعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم واحتجت عليه بآيات من كتاب الله مثل قوله تعالى ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) وفيما قص من خبر زكريا ( فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) واحتجت على استحقاقها الإرث من أبيها صلى الله عليه وآله بعموم آيات المواريث وعموم آية الوصية مثل قوله تعالى ( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ) ، وقوله تعالى ( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) , منكرة عليهم تخصيص العمومات بلا مخصص شرعي من كتاب أو سنة , ثم هجرت ابي بكر ولم تكلمه ، وعاشت بعد النبي ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا - بوصية منها ولم يؤذن بها أبا بكر.

كذلك عندما طلبت من الخليفة حقها في فدك وقد كانت عطاء من ابيها (ص) لها في حياته , لكن الخليفة قال لها : لا أعرف صحة قولك فلا يجوز أن أحكم لك ، فشهدت لها أم أيمن وزوجها الامام علي , فطلب منها أبو بكر الشاهد الذي يجوز قبول شهادته في الشرع , فلم يوجد , فمنعها ورد دعواها ملغيا شهادة علي وأم أيمن مع ما لهما من المنزلة والمكانة التي يستحيل معها ان يقعا في الكذب او ان يدعيا ما ليس لهما بحق , مع انه كان له أن يستحلفها بدلا عن الشاهد الثاني فان حلفت وإلا رد دعواها ، بدلا من ان ينتزع من وديعة رسول الله ووحيدته حقها في ابيها صلى الله عليه وآله ويغضبه فيها ولم يدعها تخرج من بيتها تارة في سبيل ارثها ، وأخرى في سبيل نحلتها وتنقلب عنه راغمة يائسة ، ثم تموت مدلهمة هاجرة له فتوصي بما أوصت , ولو فعل لكان ذلك أحمد في العقبى وأبعد عن مظان الندم وأنأى عن مواقف اللوم وأجمع لشمل الأمة وأصلح له بالخصوص ، ماذا عليه لو احتل محل أبيها ولم يغضبه فيها لو سلمها فدكا من غير محاكمة ؟ فان للإمام أن يفعل ذلك بولايته العامة ، وهذا ما قد تمناه لأبي بكر كثير من متقدمي أوليائه ومتأخريهم , يقول الأستاذ محمود أبو رية عالم المنصورة : إذا سلمنا بأن خبر الآحاد الظني يخصص الكتاب القطعي ، وأنه قد ثبت أن النبي صلي الله عليه وآله قد قال : " انه لا يورث " وانه لا تخصيص في عموم هذا الخبر ، فان أبا بكر كان يسعه أن يعطي فاطمة رضي الله عنها بعض تركة أبيها صلي الله عليه وآله كان يخصها بفدك ، وهذا من حقه الذي لا يعارضه فيه أحد ، إذ يجوز للخليفة أن يخص من يشاء بما شاء. قال : وقد خص هو نفسه الزبير بن العوام ومحمد بن مسلمة وغيرهما ببعض متروكات النبي , علي ان فدكا هذه التي منعها أبو بكر لم تلبث أن أقطعها عثمان لمروان .

كذلك قتال المتريثين في دفع الزكاة لرسول أبي بكر اليهم لارتيابهم في ولايته عن رسول الله صلى الله عليه وآله لا في افتراضها عليهم ، فلم يكن منهم من يفرق بين الصلاة والزكاة في شئ ، وإنما كانوا متريثين في النزول على حكمه في الزكاة وغيرها ، إذ لم تكن نيابته عن رسول الله صلى الله عليه وآله في الحكم حينئذ ثابتة لديهم حيث اختلف المهاجرون والأنصار في أمر الخلافة ، فكان كل منهما على رأيين وربما كان الأنصار على ثلاثة آراء , فأهل البيت وبني هاشم وأولياؤهم كانوا فيها على رأى وأبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم وأتباعهم على رأي آخر , وكذلك الأنصار على رأي ثالث حيث رفض نقيبهم سعد بن عبادة البيعة واعتزلهم وهو يحلف بالله انه لو وجد أعوانا عليهم لقاتلهم , فكان من الطبيعي يومئذ أن يقع الريب في صحة البيعة وانعقاد الإجماع عليها والحال هذه بل كان الحال ابانئذ أفظع مما ذكرناه وأدعى إلى الارتياب والاضطراب , كما ان ما ذكره أبو بكر من كون الزكاة حق المال فليس من التخصيص والتقييد في شئ إذ لا يستفاد منه أكثر من وجوبها على المكلفين بها ، وان لولي الأمر القائم مقام رسول الله صلى الله عليه وآله أن يطالبهم بها ويأخذها منهم فان امتنعوا عن دفعها إليه طائعين أخذها منهم مرغمين بقوته القاهرة لهم مجردة عن القتال , لكن خالد وجنده لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل واستولوا على أسلحتهم وشدوا وثاقهم وساقوهم أسرى إلى خالد وفيهم زوجة مالك ليلى بنت المنهال أم تميم ، وكانت كما نص عليه أهل الأخبار ( واللفظ للأستاذ عباس محمود العقاد في عبقرية خالد ) من أشهر نساء العرب بالجمال ، ولا سيما جمال العينين والساقين قال : يقال أنه لم ير أجمل من عينيها ولا ساقيها . ففتنت خالدا وقد تجاول في الكلام مع مالك وهي إلى جنبه ، فكان مما قاله خالد : اني قاتلك . قال له مالك : أو بذلك أمرك صاحبك ؟ ( يعني أبا بكر ) . قال : والله لأقتلك . وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري إذ ذاك حاضرين ، فكلما خالدا في أمره ، فكره كلامهما . فقال مالك : يا خالد ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا فقد بعثت إليه غيرنا ممن جرمه أكبر من جرمنا ، وألح عبد الله بن عمر وأبو قتادة على خالد بأن يبعثهم إلى الخليفة فأبى عليهما ذلك , . وقال : لا أقالني الله ان لم أقتله . وتقدم إلى ضرار بن الازور الأسدي بضرب عنقه . فالتفت مالك إلى زوجته ، وقال لخالد : هذه التي قتلتني , فقال له خالد : بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام , فقال له مالك : إني على الإسلام . فقال خالد : يا ضرار اضرب عنقه , فضرب عنقه وقبض خالد على زوجته فبنى بها في تلك الليلة , فغضب أبو قتادة الأنصاري فتركه منصرفا إلى المدينة مقسما أن لا يكون أبدا في لواء عليه خالد ، وقص ماحدث على ابي بكر وعمر , فطلب عمر من ابي بكر ان يعزل خالد وقال له ان سيف خالد رهقا , فرفض ابو بكر وقال له : ما كنت لاشيم سيفا سله الله على المشركين , لكن عندما أقبل خالد من الميدان إلى المدينة ودخل المسجد في عدة الحرب وقد غرز في عمامته أسهما , قام إليه عمر إذ رآه يخطو في المسجد ، فنزع الأسهم من رأسه وحطمها وهو يقول : قتلت امرؤا مسلما ثم نزوت على امرأته ، والله لارجمنك بالاحجار , وأمسك خالد فلم يعتذر ودخل على أبي بكر فقص عليه قصة مالك وتردده ، وجعل يلتمس المعاذير فعذره أبو بكر وتجاوز عما كان منه في الحرب ، لكنه عنفه على الزواج من امرأة لم يجف دم زوجها ، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وترى الاتصال بهن عارا أي عار , هذا ان لم يكن الإسلام يحرم نكاح المتوفي عنها زوجها حتى تعتد فان نكحت وبنى بها الناكح وهي في العدة حرمت عليه مؤبدا ، ولو فرضنا ان خالدا اعتبرها سبية ، فالسبية لا يحل وطؤها إلا بعد الاستبراء الشرعي ، ولا استبراء هنا وانما قتل زوجها ووطئها في تلك الحال , ومن المهم ان نذكر ان عمر لم يتزحزح عن رأيه فيما صنع خالد ، فلما توفي أبو بكر وبويع عمر خليفة له ، كان أول ما صنع أن أرسل إلى الشام ينعي أبا بكر ، وبعث مع البريد الذي حمل النعي رسالة يعزل بها خالدا عن امارة الجيش .

كذلك ما كان من الخليفة الثالث الذي كان وصولا لأرحامه ولوعا بحبهم وإيثارهم حتى لم تأخذه في سبيلهم ملامة اللائمين ولا ثوراث الثائرين ، وقد استباح في صلتهم مخالفات كثيرة من أدلة الكتاب الحكيم والسنن المقدسة والسيرة التي كانت مستمرة من قبله فأوطأ بني أمية رقاب الناس وأولاهم الولايات وأقطعهم القطائع وافتتحت أرمينيا في أيامه فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان وأعاد الحكم بن أبي العاص بعد أن سيره رسول الله صلى الله عليه وآله ثم لم يرده أبو بكر ولا عمر، وأعطاه مائة ألف درهم , واقطع الحارث بن ابي الحكم أخا مروان موضع سوق بالمدينة يعرف بنهروز , واقطع مروان كذلك فدكا التي كانت طلبتها فاطمة بعد وفاة أبيها (ص) , وحمى المراعي حول المدينة كلها عن مواشي المسلمين كلهم الا عن بني أمية وأعطى عبدالله ابن أبي سرح جميع ما أفاه الله عليه من فتح افريقية ، وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة ، من غير أن يشرك فيه أحدا من المسلمين وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال ، وقد كان زوجه ابنته أم أبان ، فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح ووضعها بين يدي عثمان وبكى . فقال عثمان : أتبكي ان وصلت رحمي ! قال : لا ! ولكن أبكي لأني أظنك انك أخذت هذا المال عوضا عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله والله لو أعطيت مروان مائه درهم لكان كثيرا . فقال عثمان ألق المفاتيح يا ابن أرقم فانا سنجد غيرك. كان ولاة الخليفة على الامصار يسيرون في الرعية سيرة الملوك والقياصرة , وهذا ما اوجد عليه اهل مصر من واليه عليهم عبد الله بن ابي سرح فشكوه اليه , فكتب إليه كتاباً يتهدده فيه، فأبى بن ابي سرح أن يرتدع عما نهاه عثمان عنه ، وضرب بعض من كان شكاه الى عثمان حتى قتله , فخرج من أهل مصر سبعمائة الى المدينة فنزلوا المسجد، وشكوا ما صنع بهم ابن أبي سرح الى أصحاب رسول الله (ص) ، فقام طلحة الى عثمان فكلمه بكلام شديد، وأرسلت اليه عائشة تسأله أن ينصفهم من عامله ، فلم يستجب لهما , فتكلم اهل مصر مع الامام علي بن أبي طالب وحدثوه بما كان من ابن ابي سرح ومن عثمان ايضا وطلبوا منه ان يتكلم مع الخليفة , فدخل عليه الامام علي وقال له كما أورد الشيخ محمد عبده في شرحه لنهج البلاغة : إِنَّ النَّاسَ وَرَائي، وَقَدِ اسْتَسْفَرُوني بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ! مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ، وَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَمْر لاَ تَعْرِفُهُ، إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ، مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْء فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ، وَلاَ خَلَوْنَا بِشَيْء فَنُبَلِّغَكَهُ، وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا، وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا، وَصَحِبْتَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله كَمَا صَحِبْنَا , فَلاَ تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلاَلَ السِّنِّ وَتَقَضِّي الْعُمُرِ , فَقَالَ لَهُ عُثْـمَانُ: كَلِّمِ النَّاسَ فِي أَنْ يُؤَجِّلُونِي ، حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِن مَظَالِمِهِمْ، فَقال له الامام علي : مَاكَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلاَ أَجَلَ فِيهِ، وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ , إنما يسأله القوم رجلا مكان رجل، وقد ادعوا قبله دماً، فأعزله عنهم واقض بينهم فإن وجب عليه حق فانصفهم منه. فقال لهم : اختاروا رجلاً أوليه عليكم مكانه ، فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر ، فقالوا : استعمل علينا محمد بن أبي بكر ، فكتب عهده وولاه وخرج معهم عدد من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر و ابن أبي سرح ، فخرج محمد ومن معه ، فلما كان على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير خبطاً يطلب أو يطلب ، فقال له أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ما قصتك و ما شأنك ؟ كأنك هارب أو طالب ، فقال لهم : أنا غلام أمير المؤمنين ، وجهني إلى عامل مصر ، فقال له رجل : هذا عامل مصر ، قال : ليس هذا ما أريد ، وأخبر بأمره محمد بن أبي بكر ، فبعث في طلبه رجلاً ، فأخذه ، فجاء به إليه ، فقال : غلام من أنت ؟ فأقبل مرة يقول : أنا غلام أمير المؤمنين ، و مرة يقول : أنا غلام مروان ، حتى عرفه رجل أنه لعثمان ، فقال له محمد : إلى من أرسلت ؟ قال : إلى عامل مصر ، قال : بماذا ؟ قال : برسالة ، قال : معك كتاب ؟ قال : لا ، ففتشوه فلم يجدوا معه كتاباً ، و كانت معه إداوة قد يبست فيها شيء يتقلقل فحركوه ليخرج ، فلم يخرج ، فشقوا الإداوة فإذا بها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح ، فجمع محمد من كان عنده من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، ثم فك الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه : إذا أتاك محمد وفلان وفلان فاحتل في قتلهم ، وأبطل كتابه ، وقر على عملك حتى يأتيك رأيي ، واحبس من يجيء إلي يتظلم منك ليأتيك رأيي في ذلك إن شاء الله تعالى ، فلما قرأوا الكتاب فزعوا وأزمعوا ورجعوا إلى المدينة وختم محمد الكتاب بخواتيم نفر كانوا معه ودفع الكتاب إلى رجل منهم وقدموا المدينة فجمعوا طلحة والزبير وعلياً وسعداً ومن كان من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم فضوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام و أقرؤوهم الكتاب ، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان وزاد ذلك من كان غضب لابن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر حنقاً و غيظاً ، وقام أصحاب رسول الله (ص) فلحقوا بمنازلهم ما منهم أحد إلا و هو مغتم لما قرؤوا الكتاب ، وحاصر الناس عثمان وكلموا الامام علي بن ابي طالب في أمره , فدخل الامام علي على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير وقال له : هذا الغلام غلامك ؟ قال : نعم ، قال : والبعير بعيرك ؟ قال : نعم ، قال : فأنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال : لا ، وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا علم لي به ، قال له الامام علي : فالخاتم خاتمك ؟ قال : نعم ، قال : فكيف يخرج غلامك ببعيرك و بكتاب عليه خاتمك لا تعلم به ؟ فحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط ، وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان وشكوا في أمر عثمان و سألوه أن يدفع إليهم مروان ، فأبى ، و كان مروان عنده في الدار ، فخرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عنده غضاباً وعلموا أن عثمان لا يحلف بباطل لكنه لن يبرأ من قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحثه و نعرف حال الكتاب وكيف يأمر بقتل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغير حق ؟ فإن يكن عثمان كتبه عزلناه و إن يكن مروان كتبه على لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان ولزموا بيوتهم ، وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان وخشي عليه القتل فحاصره الناس وأمهلوه اياما فلم يستجب لهم فكان ما كان .

بمقتل عُثمان لم يكن ثمة فرصة لتعيين من يقوم بعده بالخلافة ، فاجتمع الصحابة في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله وتشاوروا في من يختارونه خليفة عليهم واستقر امرهم على الامام علي فأتوه وابلغوه ، فرفض الامام علي وقال لهم : دعوني والتمسوا غيري , فابوا الا ان يخرج اليهم ليبايعوه فقال لهم : لاحاجة لي في إمرتكم , أن أكون وزيرا خير من أكون أميرا فمن اخترتم رضيت به , قالوا: ما نختار غيرك وما نحن بفاعلين حتى نبايعك , فقال الامام علي : ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خفية ولا تكون إلا في المسجد , فخرج إلى المسجد فبايعه الناس وكان أول من بايعه من الناس طلحة ثم الزبير ثم بايعه المهاجرون والأنصار وسائر المسلمين .

لم يكد الإمام علي ينهض بمهام الخلافة حتى فوجئ بتفرق الناس من حوله وتنكر آخرين له وخروجهم واعلان الحرب عليه رغم انهم كانوا قد بايعوه جميعا , وهذا لا لشئ الا لأنه صار خليفة المسلمين فحتى وقتئذ لم يكن علي بن ابي طالب قد اتخذ قرارا أو اصدر حكما على احد بل ان سياسته في الحكم لم تكن قد عرفت بعد , فعادت الاحزاب التي كانت على عهد رسول الله(ص) مرة أخرى واجتمعت القبائل على حرب علي وجيشت الجيوش وهجموا على بيت المال في كل مصر وسلبوا ماكان بها من اموال المسلمين للاستعانة بها في حربهم على علي بن ابي طالب , ومن ثم كانت موقعة الجمل ومن بعدها صفين والنهراوان , التي كانت اعداد القتلى فيها بالآلاف من الجانبين من التابعين ومن بقي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

المصادر
راجع خبر الصحيفة في صحيح البخاري كتاب :أبواب الجزية والموادعة :باب إثم من عاهد ثم غدر وقوله : الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون رقم الحديث :3008 الجزء :3 الصفحة 1160 , صحيح البخاري كتاب الخمس حديث رقم 2944, صحيح مسلم :كتاب العتق : باب تحريم تولي العتيق غير مواليه رقم الحديث :3773 الجزء :10 الصفحة :390, مسند علي بن أبي طالب رضي الله عنه رقم الحديث 784 الجزء 1 رقم الحديث :616 الجزء :1الصفحة :131 , مسند أحمد رقم الحديث :800 الجزء :1الصفحة :164, مسند أحمد رقم الحديث :876 الجزء :1 الصفحة :177, مسند أحمد رقم الحديث :1040 الجزء :1الصفحة :203 , من مسند علي بن أبي طالب رضي الله عنه رقم الحديث :876 الجزء :1الصفحة :177, سنن أبي داود :كتاب المناسك : باب في تحريم المدينة رقم الحديث :2034 الجزء :1 الصفحة :620, سنن الترمذي : كتاب الولاء والهبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : باب ما جاء فيمن تولى غير مواليه أو ادعى إلى غير أبيه رقم الحديث :2127 الجزء :4 الصفحة :381, سنن النسائي : كتاب القسامة رقم الحديث :4758 الجزء :8 الصفحة :392, سنن ابن ماجه : كتاب الديات : باب لا يقتل مسلم بكافر رقم الحديث :2658 الجزء :2 الصفحة :454, سنن البيهقي الكبرى : كتاب الحج : باب ما جاء في حرم المدينة رقم الحديث :10078 الجزء :7 الصفحة :431
سورة البقرة الآية 174
هذه القصة رواها ابن اسحاق في السيرة، ومن طريقه أبو نعيم في معرفة الصحابة وابن الأثير في أسد الغابة، وهذا الحديث أورده الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، وحسن إسناده
خطبة لسيدة النساء فاطمة الزهراء راجعها في : بلاغات النساء لابن أبى طيفور المتوفى 280 ه‍ ص 12 - 19 ، أعلام النساء لعمر كحالة ج 3 / 1208 ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 16 / 211 - 213 و 249 - 253 ط مصر بتحقيق أبو الفضل
سورة النمل الآية 16
سورة مريم الاية من 3- 6
سورة النساء الآية 7
سورة النساء الاية 11
غضب رسول الله (ص) لغضب فاطمة : صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة باب مناقب قرابة رسول الله (ص) ج5/26,صحيح البخاري ك النكاح ب ذب الرجل عن ابنته ج7/47, صحيح مسلم ك فضائل الصحابة ب 15 فضائل فاطمة ج4/1902,صحيح الترمذي ك المناقب ب61-فضل فاطمة ج5/698, الإصابة ج4/366, سنن ابن ماجةك النكاح باب 56, كنز العمال ج12/107, 112,حلية الأولياءج2/40, قول فاطمة لأبي بكر وعمر: راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة ص14
ماكان بين الزهراء وأبي بكر يمكن مراجعته في المصادر الآتية صحيح البخاري كتاب :كتاب فضائل الصحابة باب :باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنقبه فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( فاطمة سيدة نساء أهل الجنة) رقم الحديث :3508 الجزء :3 الصفحة :1360, صحيح البخاري كتاب :كتاب المغازي باب :باب غزوة خيبر رقم الحديث :3998 الجزء :4 الصفحة :1549, صحيح مسلم كتاب :كتاب الجهاد والسير باب :باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركنا فهو صدقة رقم الحديث :4555 الجزء :12 الصفحة :299, سنن أبي داود كتاب :كتاب الخراج و الفيء و الإمارة باب :باب في صفايا رسول الله صلى الله عليه و سلم من الأموال رقم الحديث :2968 الجزء :2 الصفحة :157, سنن البيهقي الكبرى كتاب :كتاب قسم الفيء والغنيمة باب :باب بيان مصرف أربعة أخماس الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم, مصنف عبدالرزاق : كتاب المغازي باب :خصومة علي و العباس رقم الحديث :9774 الجزء: 5 الصفحة :472 وأنها تجعل حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل غلات تلك الأموال مما فيه صلاح الإسلام وأهله وأنها لم تكن موروثة عنه رقم الحديث :13003,الجزء :9 الصفحة :435, فتح البارى - شرح صحيح البخارى - حديث رقم 3359 كتاب الْمَغَازِى باب 36 صحيح ابن حبان, كتاب :كتاب السير باب :باب الغنائم وقسمتها رقم الحديث :4823 الجزء :11 الصفحة :152 مسند أحمد , كتاب :حديث السيدة عائشة رضي الله باب :حديث السيدة عائشة رضي الله عنها رقم الحديث :25728 , الجزء :7 الصفحة :374
عثمان يعطى فدكا لمروان بن الحكم . راجع : المعارف لابن قتيبة ص 195 ، تاريخ أبى الفداء ج 1 / 169 ، سنن البيهقي ج 6 / 301 ، العقد الفريد ج 4 / 283 ط لجنة التأليف والنشر ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 / 198
صحيح مسلم ك الإيمان ب 8 ج 1 / 51 ، سنن ابن ماجة ك الفتن ب 1 ج 2 / 1295 ، خصائص النسائي ص ، سنن البيهقي ج 8 / 19 و 196, تاريخ الطبري ج3 ص 264, ج3ص 280 , تاريخ أبى الفداء ج 1 / 158 ، وفيات الأعيان ترجمة وثيمة ج 6 / 14 ، فوات الوفيات ج 2 / ، عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1 / 147 ، تاريخ اليعقوبي ، تاريخ ابن الشحنة هامش الكامل ج 11 / 114 ، الغدير للأميني ج 7 / 160 .
شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده ج3 الخطبة 164
العقد الفريد لابن عبد البر ج2 ص 90, الإمامة والسياسة 2 : 32 ـ 33 ،السيوطي في تاريخ الخلفاء/123، والبلاذري في أنساب الأشراف/1467، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة:1/42 ، وابن حجر في الصواعق المحرقة:1/342 ، والحلبي في السيرة الحلبية:2/271 ، تاريخ الطبري 5 : 105 ، 115 ، 116 ، 119 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 152 ، الكامل لابن الأثير 5. 67 ، 71 ، شرح ابن أبي الحديد 1 : 165 ، تاريخ ابن خلدون 2 : 394 ، الفتنة الكبرى ص 226.
تاريخ الطبري ج2 ص 696

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة